دراساتنا من الفقه الجعفري، المجلد 4

اشارة

عنوان:

دراساتنا من الفقه الجعفرى

نام کتابخانه:كتابخانه آستانه مقدس حضرت فاطمه معصومه (س)

پديدآورنده:

تاليف تقي طباطبائي قمى, گردآورنده علي مروجى

موضوع:

انصاري , مرتضي بن محمدامين , 1281 - 1214ق المكاسب - نقد و تفسير معاملات (فقه)

شماره رديف:14350

کد عنوان:14557

سرشناسه فارسي:طباطبائي قمي , تقي , - 1301

محل انتشار:قم

ناشر:مطبعه الخيام

تاريخ نشر:1400ق 1359 =

ساير شناسه افزوده در مستند عنوان:مروجى, على, , گردآورنده

رده بندي کنگره:

BP190-ط2د4

چکیده یا سایر اطلاعات ویژه:وقف , واقف سيدعلي احمدي تلخابي40014

نوع مدرک:كتاب

زبان مدرک:عربى

ساير شناسه هاي افزوده در مستند عنوان:المكاسب

الجزء الرابع

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام علي محمد سيد المرسلين، و آله الطيبين الطاهرين، الهداة المعصومين.

أما بعد:

فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا الموسوم ب «دراساتنا من الفقه الجعفري» و هو مجموع الابحاث التي ألقاها علينا سماحة سيدنا الاستاذ المحقق الكبير و الفقيه البصير حاوي الفروع و الاصول جامع المعقول و المنقول حجة الإسلام و المسلمين، آية اللّه العظمي (الحاج السيد تقي الطباطبائي القمي) دام ظله الوارف، و عنوان هذا الجزء كالجزء السابق كتاب المكاسب لفخر الشيعة و محيي الشريعة شيخنا الانصاري قدس سره الشريف.

و أسأل اللّه عز شأنه التوفيق و السداد، انه خير موفق و معين..

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 5

[تتمة بحث البيع]

[البحث في الخيارات]

اشارة

البحث في الخيارات قوله: الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار (1).

قوله: غلب في كلمات جماعة من المتأخرين في ملك فسخ العقد (2).

[قبل الشروع في أقسام الخيار ينبغي تقديم مقدمتين]
[المقدمة الأولي تعريف حقيقة الخيار]

أقول: قبل الشروع في أقسام الخيار ينبغي تقديم مقدمتين:

(المقدمة الاولي) تعريف حقيقة الخيار و هو كما أفاده المصنف قدس سره اسم مصدر و مصدره يكون الاختيار من باب الافتعال «1».

أقول: ان الخيار في اللغة ملك مطلق الامر أعم من الفسخ و غيره، و هو لا يتحقق الا بعد الدخول في العمل، فانه يقال: ان للفلاني خيار أن يدخل دار جاره اذا دخل بها، و أما قبل الدخول بها فلا يتحقق الخيار بل له اختيار في ذلك. و ملخص الكلام ان الخيار بمعناه اللغوي عبارة عن طلب الخير،

______________________________

(1) أقرب الموارد مادة «خير» يقال أنت بالخيار أي اختر ما شئت، و اختاره اصطفاه و انتقاه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 6

قوله: و لعل التعبير بالملك للتنبيه علي ان الخيار من الحقوق لا من الاحكام (1).

و هذا المفهوم لا يتحقق الا باعمال القدرة في أحد طرفي الامر الاختياري.

و في اصطلاح جماعة من المتأخرين كالفخر و من تأخر عنه استعمل في ملك فسخ العقد حتي بلغ الي حد الحقيقة، و الخيار بهذا المعني مغاير للخيار بمعناه اللغوي، لأنه لا يتوقف تحققه علي الدخول في العمل. مثلا يتحقق خيار المجلس و ان لم يعمل بعد، بخلاف الخيار اللغوي فان تحققه يتوقف علي الدخول في العمل كما عرفت آنفا. فظهر مما ذكرنا أن نقل الخيار من معناه اللغوي و تغليبه في معناه الاصطلاحي من باب نقل اللفظ الي مبائنه.

أقول: توضيح كلامه أن التعبير عن الخيار بالملك حيث قالوا «انه ملك العقد» للتنبيه علي أن الخيار من الحقوق لا من

الاحكام، فان الحق مرتبة ضعيفة من الملك، بخلاف الحكم فانه لا يرجع الي اعتبار الملكية للمحكوم له و لا يكون قابلا للنقل و الانتقال و لا للإسقاط و لذا خرج بقيد الملك ما لم تكن فيه جهة الملكية و هي الاحكام كالإجازة، و الرد لعقد الفضولي و التسلط علي فسخ العقود الجائزة من الخيارات الحكمية. و الذي يقتضيه التحقيق أن يقع البحث في مقامين:

الاول: انه هل يكون فرق بين الحكم و الحق أم لا؟

الثاني: انه علي تقدير الفرق بينهما هل يصح اخراج الحكمي عن عنوان الخيار المصطلح أم لا؟

أما المقام الاول فربما يقال- و هو الحق عندنا- بعدم الفرق بين الحكم و الحق، فان هذه الامور كلها اعتبارية و ان اختلفت من حيث الآثار، فكما يصح أن يقال «لي حق أن أبيع داري» كذلك يصح أن يقال «يجوز لي بيع داري»

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 7

و لا فرق بين جواز قتل المشرك الذي يسمي حكما شرعيا و بين سلطنة ولي الدم علي قتل القاتل.

و علي هذا لا يبقي مجال لما أفاده الشيخ بأن ذكر كلمة «الملك» يخرج الاحكام عن عنوان الخيار لعدم المغايرة بين الحق و الحكم علي الفرض، و أما علي القول بالفرق بينهما- كما قيل ان الحق ما يقبل السقوط بخلاف الحكم فانه لا يقبل شيئا من هذه الامور- فأيضا لا وجه لإخراج الخيار الحكمي عن تحت عنوان الخيار الحقي، لأنه يصح أن يقال: ان الواهب مالك لفسخ العقد و ان الوارث مالك لرد العقد علي ما زاد علي الثلث و ان العمة و الخالة مالكتان لفسخ العقد علي بنت الاخ أو الاخت.

لا يقال: لا نسلم اطلاق الملك في بعض الموارد لعدم

ترتب آثار الملكية فيه كعدم قبوله النقل و الانتقال و الاسقاط، و أما الموارد المذكورة فهي من قبيل الاحكام.

لأنا نقول: فليكن كذلك، و لا يجب أن يترتب جميع آثار الملكية عليها في جميع الموارد، فان الملكية في الاعيان كذلك، فانها ربما لا تقبل النقل و الانتقال، كأم الولد فانها مملوكة و لكنها لا تقبل النقل و الانتقال، و العين الموقوفة فانها مملوكة للموقوف عليهم و الحال أنها لا تقبل النقل و الانتقال، و كذا الحقوق فان بعضها لا يقبل الاسقاط كحق الحضانة و الابوة و الولاية.

نعم ان بعض الحقوق كحق الشفعة و حق الخيار يقبل الاسقاط.

فتحصل أن الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد، و لا تخرج منه العقود الجائزة و غيرها لصدق الملك عليها، و أما ترتب جميع آثار الملكية عليه فلم يقم دليل عليه.

و لكن مع ذلك كله في النفس شي ء، و هو أنه يختلج بالبال أن يقال: ان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 8

قوله: و قد يعرف بأنه ملك اقرار العقد و ازالته (1).

في معني الحق اشرب الملكية التي هي عبارة عن أمر وضعي، و لا يبعد أن يكون هذا المعني في جميع موارد الحقوق موجودة، فلا يبعد أن نقول بأن الحق عبارة عن أمر وضعي و الحكم عبارة عن أمر تكليفي.

أقول: قد ذكروا للخيار تعريفا آخر أيضا، و هو ملك اقرار العقد و ازالته. و استشكل الشيخ قدس سره عليه بأنه ان اريد من اقرار العقد ابقاءه علي حاله بترك الفسخ فذكره مستدرك، لان القدرة علي ازالته عين القدرة علي اقراره، اذ القدرة لا تتعلق بأحد الطرفين و الا لم تكن قدرة بل كانت اضطرارا.

اضف الي ما ذكره الشيخ أن العدول عن

التعريف الاول ان كان من جهة اخراج الخيار الحكمي فهو غير خارج علي هذا التعريف أيضا. هذا اذا كان المراد منه ابقاؤه علي حاله.

و ان اريد من اقرار العقد الزامه و جعله غير قابل لان يفسخ، فهو تعريف الشي ء بنفسه، و هو دور لان مرجع هذا التعريف الي اسقاط الخيار فلا يؤخذ هو في تعريف الخيار للزوم تعريف الخيار بالخيار و هو دور واضح. مع أن هذا التعريف ينتقض بالخيار المشترك، فان لكل منهما إلزامه من طرفه لا مطلقا، و الظاهر من الالزام جعله لازما مطلقا لجعله في مقابل الفسخ.

و التحقيق أن يقال: ان المراد من اقرار العقد تثبيته، و لازم ذلك سقوط الخيار، فلم يؤخذ الخيار في تعريفه حتي يلزم الدور.

و أما الاشكال النقضي الذي ذكره الشيخ فيرد عليه نقضا و حلا:

اما نقضا فبالخيارات المتعددة لشخص واحد، كما اذا اجتمع خيار الحيوان و المجلس و العيب مثلا في مورد واحد، فان اسقاط واحد من الخيارات كخيار العيب مثلا لا يوجب الزام العقد مطلقا لوجود خيار الحيوان و المجلس، مع أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 9

قوله: ان المستفاد من كلمات جماعة ان الاصل هنا قابل لإرادة معان … (1).

الظاهر منه الالزام المطلق حيث جعله مقابلا للفسخ، فلا يختص الاشكال النقضي للشيخ قدس سره بالخيار المشترك بل يجري في الخيار المختص أيضا و لا يلتزم به قدس سره.

و أما حلافان تثبيت العقد من ناحية أحد الشريكين يلزم من هذه الناحية و ان كان غير لازم من ناحية الشريك الاخر، و كذا في الخيارات المتعددة، فان اسقاط خيار واحد كخيار العيب مثلا يوجب لزوم العقد من هذه الجهة و لا ينافي أن يكون غير لازم من

ناحية خيار آخر كخيار الحيوان مثلا.

و الحاصل ان الخيار عبارة عن تثبيت العقد و ازالته، و لا يرد عليه شي ء مما سبق

لا يقال: ان تعريف الخيار بتثبيت العقد ينتقض بباب الشفعة، فان الشفيع أيضا له تثبيت العقد و ازالته و الحال أنهما ليس بخيار.

لأنا نقول: ان الشفيع لا يجوز له ازالة العقد، بل له أن ينقل المبيع عن المشتري الي عهدة نفسه. كيف مع أن تحقق الشفعة يتوقف علي صحة العقد و مع ازالته لا تتحقق الشفعة كما هو واضح.

[المقدمة الثانية أن الاصل في البيع اللزوم]
اشارة

(المقدمة الثانية) انه ذكر بعض تبعا للعلامة أن الاصل في البيع اللزوم، لان الشارع وضعه مفيدا لنقل الملك و حصل الملكية و الاصل بقاؤها، هذا أولا و ثانيا ان العقد موضوع لغرض و هو انما يتم باللزوم ليأمن من نقض صاحبه.

[معاني الأصل]
اشارة

أفاد الشيخ ان الاصل هنا قابل لإرادة معان:

الاول: ما ذهب اليه المحقق بأنه يمكن أن يكون المراد منه الغلبة،

بمعني أنا نري عند التفحص أن غالب أفراد البيوع غير قابلة للانحلال بالفسخ، و يحصل من ذلك الظن بلزوم كافة البيوع، و اذا شك في لزوم فرد من البيع و جوازه بأن هذا هل هو من قبيل غالب أفراد البيوع حتي يكون لازما أو من قبيل الافراد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 10

النادرة حتي يكون جائزا يحكم فيه باللزوم أيضا، لان الظن يلحق الشي ء بالاعم الاغلب.

و استشكل عليه الشيخ قدس سره أنه ما المراد من الغلبة، فانه ان أراد منها غلبة الافراد فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط، و ان اراد غلبة الازمان- بأن يكون زمان لزوم العقد أغلب من زمان جوازه- فان جواز العقد في الحيوان مثلا ثلاثة أيام.

و أما لزومه يكون الي يوم القيامة، ففيه: أولا لا تنفع في الافراد المشكوكة و ثانيا ان غلبة الازمان لا تناسب مع تعبير العلامة في القواعد حيث قال «و انما يخرج من الاصل لأمرين ثبوت خيار أو ظهور عيب»، فان خروج فردي ثبوت خيار و ظهور عيب يدل علي أن المستثني هو الافراد، و لو كان الخروج زمانيا لكان المناسب أن يقول العلامة قدس سره «انما يخرج عن الاصل زمانان زمان ثبوت الخيار، و زمان ظهور العيب».

و ثالثا انا لو اغمضنا عن ذلك و قلنا ان المراد ثبوت اللزوم لأفراد البيع في غالب زمانه و سلمنا حصول الظن من هذه الغلبة في فرد شك في لزومه، و لكن نقول: لا دليل علي حجية الغلبة، فغاية ما يقال انها توجب الظن، و هو لا يغني عن الحق شيئا.

الثاني: من معاني الاصل هي القاعدة المستفادة عن العمومات،

فان مقتضاها لزوم العقد.

و الجواب عنه: انه ان أريد من العمومات الادلة اللفظية كقوله تعالي

«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [المائدة: 1] «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» [البقرة: 274] و نظائرهما فان مقتضي العمومات و ان كان ذلك الا أن هذا التمسك بالعموم لا بالاصل،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 11

و الحال أن كلامنا يكون في مقتضي الاصل الاولي في البيع لا في مقتضي العمومات كما هو واضح.

الثالث من معاني الاصل الاستصحاب

و مرجعه استصحاب عدم ارتفاع اثر العقد بمجرد فسخ أحدهما.

أقول: ان الكلام في صحة هذا الاستصحاب و عدمها سيجي ء فانتظر.

الرابع من معاني الاصل معناه اللغوي،

بمعني أن مقتضي طبع البيع عرفا و شرعا علي اللزوم، فان جعل الخيار فيه حق خارجي يحتاج الي دليل، كما أن كل جسم مستدير بحسب طبعه الا أن يمنع عنه قاصر خارجي.

و الجواب عنه ان قياس الامر الاعتباري بالامر الخارجي قياس مع الفارق لان الجسم الخارجي بحسب اقتضاء طبعه يحصل له النمو من جميع أطرافه الاربعة فتحصل له الصورة المستديرة، و أما البيع فليس أمرا تكوينيا حتي يقال بأن الاصل فيه يقتضي كذا، بل هو أمر اعتباري تابع لاعتبار الشارع، فان حكم الشارع بحسب المصالح الواقعية فيه بانتفاء الملكية بعد الفسخ يكون البيع جائزا، و ان حكم علي بقائها بعد الفسخ يكون البيع لازما.

و الحاصل ان القول بلزوم البيع بحسب اقتضاء طبعه لا يرجع الي محصل بل هو تابع في لزومه و جوازه للأدلة الشرعية، فان دليله اما الدليل اللفظي كقوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و اما من الاصل العملي أعني الاستصحاب، و حيث ان مع وجود الدليل لا تصل النوبة الي الاصل العملي نقدم البحث عن الدليل و نبحث عن دلالته الي الاصل العملي علي لزوم البيع و عدمه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 12

(الكلام في الادلة التي استدل بها علي لزوم البيع)
منها- قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»،
اشارة

و المراد من العقد اما العهد الوثيق كما صرح به بعض أهل اللغة و اما العهد المطلق كما صرح به بعض آخر منهم أيضا، و به فسر أيضا في صحيحة ابن سنان المروية عن المعصوم في تفسير علي ابن ابراهيم ج 1 ص 160.

و قال الطريحي في مجمع البحرين: ان العقد أعم من العهد، فان كل عهد عقد و ليس كل عقد بعهد.

و أنت خبير بأن الامر في ذلك علي العكس، فان كل عقد عهد و ليس كل عهد عقدا،

و كأن هذا سهو من القلم و الوفاء عبارة عن الاتمام، الدرهم الوافي أي التام، و ايفاء الكيل اعطاؤه تاما.

فتدل هذه الاية علي وجوب الوفاء بجميع العقود، فاذا دل العقد مثلا علي تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما اقتضاه العقد من ترتيب آثار ملك المشتري علي ما انتقل اليه بالعقد، فأخذه من يده بغير رضاه و التصرف فيه كذلك نقض لمقتضي ذلك العهد، فهو حرام حتي بعد إنشاء الفسخ، لشمول اطلاق الاية لما بعد الفسخ أيضا، فيستدل بالحكم التكليفي- أعني حرمة نقض مقتضي العقد منها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضا صاحبه- علي الحكم الوضعي- أعني فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر- و هو معني اللزوم.

و أورد علي هذا التقريب بوجوه:
(الاول) ما ذهب اليه العلامة في المختلف

بأن الوفاء بالعقد هو العمل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 13

بمقتضاه، فان كان لازما كان الوفاء به العمل بمقتضاه علي سبيل اللزوم و ان كان جائزا كان الوفاء به العمل بمقتضاه علي سبيل الجوار، فلا يمكن الاستدلال بالآية علي اللزوم.

و يرد عليه أولا: ان الزوم و الجواز ليسا من مقتضيات العقد حتي يرد ما قيل، بل انهما حكمان شرعيان، فان الشارع قد يحكم بعدم انفساخ العقد بعد إنشاء الفسخ فيكون العقد لازما، و قد يحكم بانفساخه بعد ذلك فيكون العقد جائزا.

و ثانيا: انا لا نتصور معني للوفاء علي سبيل الجواز، فان وجوب الوفاء بالعقود هو اللزوم كما بيناه آنفا.

(الوجه الثاني) أن ابقاء الملكية علي حالها و عدم ابقائها ليس مقدورا للمكلف حتي يتوجه عليه دليل وجوب الوفاء بل انما هو بيد الشارع.

و الجواب عنه: ان معني وجوب الوفاء بالعقود ليس ابقاء الملكية حتي لا يكون مقدورا للمكلف، بل معناه هو الجري عملا علي طبق العهد بماله من الآثار، و ترتيب آثاره عليه من عدم جواز التصرف بدون اذنه.

ان قلت: لا تنافي بين وجوب الوفاء بالعقد و التصرف الخارجي حتي يدل عدم جواز التصرف علي اللزوم، لأنه يمكن أن يتصرف فيه عدوانا.

قلت: ان البائع لو تصرف فيما انتقل الي المشتري بعنوان أنه ملك له فهذا ينافي لوجوب الوفاء كما لا يخفي، و لكنه لو تصرف عدوانا بعنوان أنه غاصب فهو اعترف بكون التصرف فيه ملكا للغير، و لم يؤثر إنشاء فسخه فيه و لا نعني من اللزوم الا هذا.

(الوجه الثالث) ما أورده صاحب الكفاية قدس سره

بأنه يمكن منع دلالة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 14

الاية علي اللزوم فيما اذا شك في تأثير الفسخ، اذ مع الشك فيه يكون التمسك بالآية من باب التمسك بالعموم أو الاطلاق في الشبهة المصداقية.

و استشكل عليه سيدنا الاستاذ دام ظله ان الشك في بقاء العقد و عدمه مبتن علي كون العقد قابلا للبقاء، و لكنه ليس كذلك لكونه أمرا انصراميا فلا يقبل البقاء و الدوام، و عليه فلا نشك في بقاء العقد و عدمه، بل نقطع عدم بقائه لما ذكرناه.

و فيه: ان هذا الجواب من الاستاذ لا يدفع الاشكال و لا يمكن المساعدة عليه أصلا، لأنه علي ما ذكره لا يمكن الاستدلال بهذه الاية و لو في صورة عدم إنشاء الفسخ، لان المفروض أن العقد أمر انصرامي و ليس له بقاء و دوام فلا يقبل الوفاء.

هذا و لا و ثانيا انا لا نسلم كون العقد أمرا انصراميا بحيث لا يقبل الوفاء، بل ان له بقاء و دواما في

وعاء الاعتبار، فيكون باقيا ما لم يعدم بانشاء الفسخ.

فالحق في الجواب عن صاحب الكفاية قدس سره أن يقال: انا نحرز بقاء العقد بالاستصحاب فيشمله دليل وجوب الوفاء. نعم علي مسلك عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية- و هو المسلك المنصور- لا يحرز بقاء العقد الا أنه يكون جوابا جدليا.

و أما الجواب التحقيقي فهو أن يقال: ان الوفاء كما بيناه عبارة عن الاتمام فالامر بالوفاء يرجع الي النهي عن الفسخ، و من الظاهر أن الفسخ ليس حراما فيكون قوله «أوفوا» ارشادا الي اللزوم، و عليه لا يبقي مجال لهذا الاشكال.

فاغتنم.

و منها قوله تعالي «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ»،

بتقريب أن حلية البيع التي لا يراد منها الا حلية جميع التصرفات المترتب عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الاخر، مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ، و هو معني اللزوم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 15

اذ لو لم يكن البيع لازما لكان منحلا بالفسخ و رجع المبيع الي ملك الفاسخ و صار تصرف المشتري مثلا تصرفا في ملك الفاسخ، و هو غير جائز. و بعبارة أخري: يكون التصرف لمن انتقل اليه جائزا حتي بعد الفسخ.

و استشكل عليه سيدنا الاستاذ دام ظله بأن هذه الاية لا تدل الا علي مجرد حلية البيع بمعني التمليك و التملك، توضيحه: أن قوله «أَحَلَّ» ان كان متعلقه من الافعال الخارجية كقوله «أحل اللّه شرب الماء» مثلا يدل علي الحكم التكليفي، و أما اذا كان متعلقه عقد من العقود يدل علي الحكم الوضعي، فعلي كلا التقديرين- أي سواء كان المستفاد من الاية الحكم التكليفي أو الوضعي- لا تدل علي اللزوم. اما علي القول بأن المستفاد منها الحكم الوضعي، فغاية ما يستفاد منها في المقام حصول الملكية بالبيع

فتكون الاية دليل صحة البيع، و أما علي القول بظهور الاية في الحكم التكليفي كما هو ظاهر بقرينة قوله «حَرَّمَ الرِّبٰا» يكون المراد من حلية البيع حلية التصرفات المتفرعة علي البيع، و هو لا يدل علي اللزوم.

و يرد عليه أولا لنا أن نختار الشق الاول و نقول: ان الاية تدل علي الحكم الوضعي، و مع ذلك يستفاد منه اللزوم.

توضيحه: ان البائع المتوجه حين كتابه مثلا بما أن الأعمال في الواقعيات محال اما يجعل الخيار لنفسه أم لا، و الأول خارج عن المبحث، و الثاني اما يملكه علي النحو الموقت- بأن يجعله ملكا للمشتري سنة أو سنتين- أو الي حين الفسخ أو يجعله ملكا له حتي بعد إنشاء الفسخ، و الاول أيضا خارج عن المبحث لخروج البيع الخياري عن محل الكلام، فيبقي القسم الاخير و هو جعله ملكا للمشتري حتي بعد إنشاء الفسخ، فيشمله دليل الحل.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 16

و لنا أن نختار الشق الثاني بأن تدل الاية علي الحكم التكليفي، و هي حلية التصرف لكل من المتبايعين فيما انتقل اليه بالبيع حتي بعد إنشاء الفسخ، فيستكشف من حلية التصرف لزوم البيع و هو المطلوب.

و منها- قوله تعالي «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ»

«1» و هذه الاية تدل علي المطلوب سواء قلنا بأن المستفاد منها الحكم التكليفي أو الوضعي، و التقريب هو التقريب فلا نعيد.

ان قلت: لا يمكن التمسك بآية تجارة عن تراض لعدم انعقاد الاطلاق له كي يتمسك باطلاقه.

قلت: أولا يمكن النقض بما اذا شك في صحته من ناحية أخري، كما لو شك في صحته من ناحية ايقاعه بغير اللغة العربية، و كذا لو شك في صحته من ناحية تقديم القبول علي الايجاب هل يلتزم المستشكل بعدم جواز التمسك باطلاق قوله

«إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ»، كيف و الحال أن التمسك بالآية لدفع هذه الاحتمالات كالنار علي المنار.

و ثانيا: انه لا وجه لعدم التمسك باطلاق، و احتمال عدم كون المتكلم في مقام البيان مندفع باجراء أصالة البيان فيما اذا شك فيه، و لو لم يكن ذلك لانسد باب التمسك بالاطلاقات. و ان شئت قلت: ان أصالة البيان في مورد الشك هي الاصل العقلائي في باب الظواهر.

هذا اذا كان المستفاد من الاية الحكم التكليفي، و أما اذا كانت الاية ظاهرة في الحكم الوضعي فيكون المراد من الاكل في الاية هو التملك، فيكون

______________________________

(1) سورة النساء الاية (33).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 17

معني الاية ان التجارة عن تراض سبب للتملك، فهي باطلاقها تشمل تصرف المفسوخ عليه فيما بيده بعد فسخ الفاسخ أيضا.

و أورد الشيخ قدس سره علي الاستدلال بالآيتين الاخيرتين بأنه لا يتم الاستدلال باطلاقهما الا ببركة استصحاب بقاء الموضوع.

و بعبارة أخري: ان موضوع الآيتين و مصب اطلاقهما هو البيع و التجارة، و بقاء هذين العنوانين بعد إنشاء الفسخ غير معلوم، فلا جرم يحتاج احراز الموضوع الي الاستصحاب كي يصح التمسك باطلاقهما.

و يرد عليه أولا: أن هذا الاشكال علي تقدير تسليمه وارد علي الآيات الثلاث و لا يختص بالآيتين الاخيرتين، و ثانيا انه لا وجه لأصل الاشكال، فان مقتضي الاطلاق عدم تأثير الفسخ و لا تصل النوبة الي الاستصحاب.

و أما ما أورده السيد اليزدي قدس سره علي الاستدلال بالآيتين بأن آية حلية الاكل بالتجارة متعرضة لحال التصرفات فان مفادها جواز الاكل بالتجارة و لا اطلاق فيها بل هي في مقام بيان أن الاكل بالتجارة حلال في مقابل الاكل بالباطل من غير نظر الي بيان مدة الحلية، و

كذا «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» لا دلالة لها الاعلي مجرد حلية البيع بمعني التمليك و التملك و لا تعرض فيها لحلية التصرفات بعد البيع حتي تشمل باطلاقها ما بعد الفسخ. (فمدفوع) بما ذكرنا بأن الاطلاق يحرز و لو ببركة أصالة البيان الجارية بين العقلاء، و ثانيا انه لا يمكن التمسك بالاستصحاب في المقام لعدم جريانه في الشبهات الحكمية الالهية.

و للمحقق النائيني كلام في المقام، فانه قدس سره وجه كلام الشيخ، و حاصله ان الحكم ليس له اطلاق بالنسبة الي نفسه فكيف يكون ناظرا الي رافعه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 18

و بعبارة أخري: الاطلاق يتصور بالنسبة الي الحالات السابقة علي الحكم لا بالنسبة الي الحالات اللاحقة عليه فضلا عن رافعه، فلو شك في تأثير الفسخ لا يمكن أن يؤخذ بالاطلاق، لأنه في قوة أن يقال: مقتضي الاطلاق بقاء الحكم حتي مع وجود رافعه، و هذا أمر غير معقول.

و فيه: أولا انه لا وجه لاختصاص الاشكال علي فرض صحته بالآيتين، بل يتوجه علي الاستدلال بالآيات الثلاث، و ثانيا أن هذا البيان من أصله غير صحيح، فانه ليس المراد من الاطلاق، الاطلاق بالنسبة الي رافع الحكم، بل معناه تحقق الفسخ و عدمه، و من تحقق الاطلاق بعد الفسخ يعلم أن العقد لازم، و من الظاهر أن الفسخ أمر يلحق العقد أعم من أن يكون مشروعا في عالم التشريع أم لا.

و ان شئت قلت: ان الفسخ و عدمه ليسا من الامور المتأخرة بل من التقسيمات الاولية، فلا مانع من شمول الاطلاق لهما.

(و منها) قوله تعالي: «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ»

[النساء: 33].

و يمكن أن يستدل به بوجهين: تارة مع ضم المستثني الي المستثني منه أي يستدل بمجموع الاية، و أخري بدون ضم المستثني.

أما علي الاول فتصدي الاستاذ

دام ظله في مقام تقريب الاستدلال بالآية بأن الاستثناء ظاهر في المتصل ما لم يقم دليل علي خلافه، و أما المنفصل فهو خلاف الظاهر ما لم يصر اليه الا بدليل. و المراد من الاكل في الاية كناية عن التملك فيكون استثناء صورة وقوع التجارة عن تراض دليلا علي أنه لا يجوز التملك بسبب الباطل لأنه باطل، و يجوز التملك بسبب التجارة عن تراض فانها من الاسباب المملكة، و من المعلوم ان الفسخ ليس من تجارة عن تراض فيدخل في ربقة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 19

الاسباب الباطلة فلا يجوز التملك بها.

و يرد عليه: ان الاستثناء في الاية ظاهر في المنفصل كما هو واضح، الا أن ذلك لا يمنع عن الاستدلال بالآية، فانها تدل علي أن حصول الملك تنحصر بالتجارة عن تراض، و انما التملك يحصل بها فقط لا بغيرها من الاسباب الباطلة و الدليل علي المدعي الظهور العرفي، فانه يفهم من الاية أن الشارع في تمام حصر سبب التملك، فلا يكون انفصال الاستثناء مخلا بالاستدلال.

و أما علي الثاني- و هو الاستدلال بالآية بلا ضم المستثني منه- فنقول:

ان المراد من الاكل هو التصرف المعاملي، فتدل الاية علي حرمة الاكل بكل وجه يسمي باطلا عرفا، فلا بد أن يكون تعيين المصداق موكولا الي نظر العرف. و ما نحن فيه يكون من مصاديق الباطل عند العرف، فان أخذ مال المفسوخ عليه بعد لزوم البيع بمجرد إنشاء الفسخ باطل عرفا فيكون حراما شرعا.

أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله انه لا يمكن التمسك بالآية للزوم البيع، لأنا اذا شككنا أن الفسخ سبب باطل لا يمكن الحكم بكونه باطلا فانه من الشبهة المصداقية.

و يرد عليه: ان الباطل أمر عرفي و ليس أمرا

واقعيا يقع متعلق الشك، فلا مجال لهذا الاشكال.

و (منها) قوله عليه السلام «لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه» «1».
و يمكن أن يستدل به علي اللزوم بوجوه:
(الاول) أن مطلق التصرف في مال الغير حرام حتي التصرف بالفسخ،

______________________________

(1) الوسائل الجزء (3) الباب (3) من ابواب مكان المصلي، المستدرك ج (1) الصفحة 222، الاحتجاج الجزء (2) الصفحة 299.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 20

فيكون الفسخ مورد النهي الشرعي، فلا يكون مؤثرا.

و فيه: اولا ان العرف لا يفهم من التصرف الا ما يكون تصرفا خارجيا.

و ثانيا ان التصرف الاعتباري لو فرض كونه محرما لا يستلزم الفساد الوضعي.

(الثاني) أن يكون المراد من الحلية اعم من الوضع و التكليف،

فلو كان التصرف في المال تصرفا خارجيا يكون حراما تكليفيا و لو كان اعتباريا يكون حراما وضعيا فلا يكون الفسخ مؤثرا.

و فيه: انه خلاف المتفاهم العرفي، و ان شئت قلت: انه من استعمال اللفظ في اكثر من معني واحد، و لا يصار اليه الا بالدليل.

(الثالث) أن يكون المراد من التصرف التصرف الخارجي،

و من حرمة التصرف الخارجي التكليفي حتي بعد الفسخ يفهم اللزوم، اذ لو لم يكن لازما لم يكن وجه لحرمة التصرف فانه يصير مالا له بالفسخ.

و فيه: ان بقاء العنوان- و هو كون المال مال الغير حتي بعد الفسخ- أول الكلام، فلا مجال لهذا الاستدلال.

(و منها) قوله صلي اللّه عليه و آله «الناس مسلطون علي أموالهم»

«1» بتقريب ان مقتضي كون الشخص سلطانا علي ماله عدم جواز ايجاد المزاحمة له، فان فسخ البيع بلا رضي الطرف مناف لقاعدة السلطة و هو غير جائز، و لا نعني من اللزوم الا هذا.

و يرد عليه: أولا ان الرواية ضعيفة سندا، فان الخبر المذكور مرسل فلا يعتمد عليه، و عمل المشهور علي تقدير تسليم استناد عملهم بهذا الخبر غير جابر كما بينا تفصيله في محله، و ثانيا بأن المستفاد من الرواية انما هي سلطة الناس

______________________________

(1) بحار الأنوار الجزء (2) الصفحة (272).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 21

علي أموالهم، فلا يجوز للغير أن يتصرف في مال الشخص، و أما الفسخ فليس تصرفا في المال حتي يكون خلاف السلطنة، بل انه تصرف في العقد و حل له، و عليه فالرواية أجنبية عن المقام.

ان قلت: ان الفسخ و ان كان حل العقد و ليس هو تصرفا الا أن الفاسخ يتصرف في ذلك بعد فسخه.

قلت: ان التصرف بعد الفسخ كونه مصداقا للتصرف في مال الغير أول الكلام يحتمل أن يكون الفسخ مؤثرا فيكون تصرفه في مال نفسه. و لكن مع هذا كله في النفس شي ء، و هو أنه اذا سلمنا سند الرواية و قلنا بأنه ينجبر بعمل المشهور فلقائل أن يقول: ان مقتضي سلطنة الناس علي أموالهم عدم جواز اخراجه عن يده بالفسخ و غيره.

(و منها) قوله صلي اللّه عليه و آله «المؤمنون عند شروطهم»

«1» و في بعض الروايات «المسلمون عند شروطهم» «2».

بتقريب أن الشرط عبارة عن مطلق الالزام و الالتزام و لو ابتداء من غير ربط بعقد آخر، فان العقد علي هذا شرط فيجب الوقوف عنده حتي فيما بعد إنشاء الفسخ، فيستكشف منه لزوم العقد و عدم انحلاله بالفسخ.

و يرد عليه: ان الشرط بمعني الربط بين شيئين

«3» و الالتزام في ضمن العقد كما في اللغة و العرف، و من هذا الباب يطلق الشريط الدارج في لسان أهل

______________________________

(1) التهذيب، الجزء (2) الصفحة (219) و الاستبصار الجزء (3) الصفحة (232) الوافي، الجزء (12) ص 80.

(2) الوافي الجزء (10) الصفحة (68) الجزء (1) ص 80، الوسائل الجزء (12) الباب (6) من أبواب الخيار الحديث 1- 2- 5.

(3) انظر الي القاموس و أقرب الموارد مادة «شرط».

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 22

العرف حيث يراد منه ما عقد بين الشيئين، فلا يشمل للشروط الابتدائية، فهي خارجة عن معني الشرط موضوعا.

ان قلت: لا نسلم اختصاص الشرط بالشروط الضمنية فقط، بل هو يصدق علي الشروط الابتدائية أيضا، كما يظهر ذلك من موارد استعمالاته، مثل قوله «الشرط في الحيوان ثلاثة» و قوله «يا رب شرطي الا أعود في مكروهك» و غير ذلك من موارد الاستعمالات.

قلت: ان استعمال الشرط في الشروط الابتدائية مسلم و لا ينكره أحد، الا انا نقول: ان الاستعمال لا يدل علي الحقيقة بل هو أعم من الحقيقة و المجاز.

فتحصل أن الشرط لا يصدق علي الشروط الابتدائية و لا أقل من الشك فيه المانع من الاستدلال بدليل المؤمنون.

و ثانيا: ان المستفاد من الشرط جعل الشارط امرا علي عهدة المشروط عليه.

ان قلت: ليس الامر كذلك في شرط النتيجة.

قلت: الامر كذلك هناك أيضا، غاية الامر المشروط عليه يأتي بما علي عاتقه في شرط النتيجة بنفس العقد فلاحظ.

و أما التمليك في البيع فيتحقق بنفس المعاملة و لا يجعل الشارط شيئا علي عاتق المشروط عليه، لكن يرجع هذا الاشكال الي انكار صدق الشرط علي العقد.

و ثالثا: سلمنا انه جعل علي عاتقه أن لا يفسخ و يترتب عليه ان الفسخ حرام عليه

لكن الحرمة التكليفية لا تستلزم الفساد الوضعي.

و أما ما أفاده المحقق الايرواني بأن الجملة المذكورة ليست ظاهرة في أزيد من رجحان الكون عند الشرط الذي هو كناية عن القيام و الوفاء به، كما يشهد به

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 23

أخذ عنوان المؤمن في الموضوع، و هذا يكون نظير قوله «المؤمن اذا وعد وفي» فانها جملة خبرية تخبر عما يقتضيه الايمان و يؤثر فيه، و فيها تنبيه علي رجحان تلك الآثار.

فيرد عليه: ان الظاهر المستفاد منها هو إنشاء الحكم الشرعي كما هو المتناسب لمقام الشارع، فان كونه في مقام الاخبار عن الخارج خلاف الظاهر، و لذا قد حققنا في محله أن المستفاد من أدلة الوفاء بالوعد هو الوجوب، مضافا الي أنه ذكر في بعض الروايات بصيغة الامر كما في رواية «1» غياث بن كلوب، لكن الرواية ضعيفة.

(و منها) ما ورد في خيار المجلس الدال علي لزوم البيع من حين الافتراق

كقوله صلي اللّه عليه و آله «البيعان بالخيار حتي يفترقا … » «2».

بتقريب أن البيع يكون لازما بعدم الافتراق و لا خيار لهما حتي بعد إنشاء الفسخ كما هو مقتضي الاطلاق.

ان قلت: ان الروايات المذكورة ناظرة الي لزوم البيع بعد الافتراق من ناحية خيار المجلس، و بعبارة أخري: ان المستفاد منها هو الحكم الحيثي أي يكون لازما من حيث خيار المجلس فلا يؤثر اعمال خيار المجلس بعد الافتراق، و أما ثبوت الخيار من نواحي أخري و عدمه فالروايات أجنبية عنه.

قلت: ان المستفاد من الروايات المذكورة هو لزوم البيع بعد الافتراق علي اطلاقه، و حملها علي الحكم الحيثي خلاف الظاهر كما هو الميزان في جميع الابواب.

______________________________

(1) الوسائل الجزء (12) الباب (6) من أبواب الخيار، الحديث (5).

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري،

ج 4، ص: 24

(و منها) استصحاب الملكية الثابتة للمفسوخ عليه قبل الفسخ،

الا أنه لا يمكن الالتزام به في المقام، لان الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية الكلية معارض مع الاستصحاب الجاري في ناحية الجعل.

ان قلت: لا نسلم ابتلاء الاستصحاب بالمعارض في المقام، بل انه ابتلي بالاصل الحاكم، و هو الاصل السببي، و ذلك أن الشك في بقاء الملكية و عدمه مسبب عن الشك في تأثير الفسخ و عدمه، فمع الاصل الجاري في ناحية السبب- و هو أصالة عدم تأثير الفسخ- لا تصل النوبة الي الاصل المسببي أعني استصحاب بقاء الملكية.

قلت: يرد عليه أولا أن المستدل لا بد أن يلتزم بعدم جريان الاستصحاب في الكلي مطلقا، فانه لو شك في بقاء وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة يكون الشك ناشئا من أن الغيبة رافعة للوجوب أم لا، و لا يلتزم بهذا اللازم.

و ثانيا: ان اطلاق السبب و المسبب علي الاحكام الشرعية انما هو من باب الاصطلاح و الا ليس سبب في الواقع و لا مسبب بل الموجود حكم و موضوع، فالشك في تأثير الفسخ شك في سعة جعل الملكية لزيد مثلا و ضيقه بأن الشارع جعل الملكية حتي بعد إنشاء الفسخ او الي إنشائه، فاستصحاب المجعول معارض مع استصحاب عدم الجعل كما عرفت.

ان قلت: ان الشك في بقاء الملكية مسبب عن الشك في انقطاع علاقة الملكية للفاسخ و عدمه، و الاصل الجاري في السبب مقدم عليه.

قلت: ان كان المراد من بقاء العلاقة، علاقة الملكية أو بقاء ما يترتب علي الملكية فهو مقطوع الانتفاء، و ان كان المراد من بقاء العلاقة علاقة حادثة فهو مشكوك الحدوث و محكوم بالعدم، و ان كان المراد من العلاقة العلاقة الموجودة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 25

في مجلس العقد- أي

علاقة الفسخ- فيرد عليه: أولا انه لا يجري فيما لا خيار كما لو شرط عدمه، و ثانيا ان المرجع عموم وجوب الوفاء لا الاصل العملي، و ثالثا أنه لا مجال لهذا التوهم بعد دلالة دليل خيار المجلس علي انقطاع العلقة بالافتراق.

و ربما يرد علي الاستصحاب بوجه آخر، و هو أن الملكية ذات مراتب فمرتبة ضعيفة و مرتبة قوية، كالإعراض فان لها مرتبة ضعيفة و مرتبة قوية، و ان المتيقن من زوال الملك من الفاسخ بالعقد هو انتقال مرتبة قوية من الملك، و أما المرتبة الضعيفة منها- أعني حق الاسترداد بانشاء الفسخ- مشكوك فيه، فيجري استصحاب الملكية في مرتبة ضعيفة.

قلت: أولا انا لا نسلم أن الملكية ذات مراتب، بل لا يتصور لها الا مرتبة واحدة، فانها أمر اعتباري بسيط لا تقبل الشدة و الضعف.

و ثانيا: انا لو سلمنا أن الملكية الاعتبارية ذات مراتب و تقبل الشدة و الضعف الا أن الملكية الضعيفة فرد مستقل بوجودها في قبال الملكية القوية، فانتقال الملكية القوية بالعقد غير مشكوك، فانها انتقلت من العاقد بعقده، و أما المرتبة الضعيفة- أعني حق الاسترداد- نحتمل أن يوجد مقارنا لذهاب المرتبة القوية، فهو من قبيل القسم الثالث من الاستصحاب الكلي الذي لا دليل عليه.

و ثالثا: ان استصحاب الملكية بما هي لا يثبت الخيار، فانه يمكن أن يترتب عليه الخيار، و مجرد الامكان لا أثر له كما هو ظاهر. اللهم الا أن يقال بأنه لو سلم ثبوت الملكية بهذه المرتبة و سلمنا بأنه لا أثر لها إلا ثبوت الخيار، فلا مجال لهذا الاشكال الاخير، اذ معناه أن الملكية المستصحبة موضوع للخيار و اثبات الموضوع بالاصل يترتب عليه الحكم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 26

و رابعا:

ان المقام ليس مقام التمسك بالاستصحاب مع وجود الدليل الحاكم و هو «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فان المقام داخل في النزاع المعروف، و هو أن عموم العام مقدم أو الدليل المخصص، و قد حققنا في محله أن عموم العام مقدم.

توضيح ذلك: ان المستفاد من دليل الوفاء لزوم العقد مطلقا، و انما خرج عنه ما لم يفترق المتبايعان، فاذا شك بعد الافتراق في جوازه و لزومه يؤخذ بعموم العام و يحكم بلزومه.

ان قلت: ان جواز التمسك بدليل وجوب الوفاء يتوقف علي كون عموم دليل اللزوم عموما زمانيا، و الحال أن المستفاد منه العام المجموعي.

قلت: ان الشبهة المذكورة ترد علي تقدير ورود المخصص بعد العام، و أما اذا ورد المخصص في أول أزمنة انعقاد العقد و خرج فرد واحد من تحته- و هو زمن عدم الافتراق عن المجلس- فالعام باق علي حاله. هذا أولا و ثانيا انا بينا في موضعه و حققنا أن عموم العام مقدم علي دليل المخصص، سواء كان استغراقيا أو مجموعيا.

و يمكن أن يقرب استصحاب الخيار بوجهين آخرين:

أحدهما: انا نحتمل أن يكون المقارن لخيار المجلس خيار آخر، فنستصحب بقاء الخيار الكلي بعد انقضائه.

و فيه: ان هذا الاستصحاب من الاستصحاب القسم الثالث من الكلي الذي يعتبر عند الشيخ قدس سره، و أما علي ما سلكناه فليس الاستصحاب جاريا فيه لان خيار المجلس مرتفع قطعا و غيره مشكوك حدوثا، أضف الي ذلك كله أن استصحاب الخيار معارض مع استصحاب عدم الجعل.

ثانيهما: ان خيار المجلس أمر واحد، و نحتمل أن يكون له سبب متعدد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 27

قوله: ثم انه يظهر من المختلف في مسألة أن المسابقة لازمة او جائزة ان الاصل عدم اللزوم … (1)

و مع

هذا الاحتمال أي مانع لاستصحاب الخيار الشخصي الموجود في المجلس.

و يرد عليه: أن مقتضي انتفاء الخيار بانتفاء المجلس زوال الشخص و ارتفاعه فلا مجال لهذا التوهم، مضافا الي أنه معارض كما مر آنفا.

[ظاهر المختلف أن الأصل عدم اللزوم و المناقشة فيه]

أقول: حاصل كلامه بتوضيح منا أن المستفاد من كلام العلامة في مسألة المسابقة أن الاصل هو الجواز فيما لو شك في لزوم العقد و جوازه.

و أورد عليه من تأخر عنه: بأن المستفاد من قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» اللزوم و ما زادوا عليه شيئا، و لكنا نقول: لو لا دليل وجوب الوفاء أيضا لكان قول العلامة مخدوشا لعدم وجه صحيح لتقرير هذا الاصل. نعم هذا الاصل جار في خصوص المسابقة و شبهها، لأنها لا تتضمن تمليكا و تسليطا قبل حصول المعلق عليه حتي يستصحب بقاء ذلك الاثر و عدم زواله بدون رضا الطرفين.

توضيحه: ان العقود التي لها آثار فعلية يتمسك لا ثبات اللزوم باستصحاب بقاء تلك الآثار الفعلية، و أما العقود التي ليس لها آثار فعلية بل لها آثار تعليقية كالوصية و التدبير و السبق و الرماية فانه لا يترتب علي هذه العقود و الايقاعات أثر فعلا، فلا يجري الاستصحاب لإثبات اللزوم. هذا تمام كلامه.

و يمكن أن يورد عليه بوجهين:

الاول- انه قدس سره التزم بجريان الاستصحاب التعليقي، مع أن المقام من هذا القبيل، بأن يقال لو كان السبق حاصلا لم يكن الفسخ مؤثرا في العقد و كذا الحال بعد الفسخ قبل تحقق السبق، و لا فرق بين المقامين.

الوجه الثاني- ما أورده الآخوند و الميرزا و السيد اليزدي و سيدنا الاستاذ أن الاستصحاب يجري في العقود التعليقية و لو مع الالتزام بالاصل التعليقي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 28

توضيحه: ان الاحكام المجعولة من الشارع تكون

علي نحو القضية الحقيقية، و من المعلوم أن القضايا الحقيقية مقدرة الوجود، و يتضح ذلك في قوله تعالي «وَ لِلّٰهِ عَلَي النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» فمرتبة الجعل تامة، فان الحكم الوجود جعل علي المستطيع و ان لم يوجد المستطيع خارجا الي يوم الدين.

نعم ان فعلية الحكم متوقفة علي وجود الموضوع، و هو مطلب آخر. فلو شككنا أن هذا الحكم المجعول ارتفع عن موضوعه أم لا فالاصل بقاؤه، و كذلك المقام فان الالتزام بمفاد العقد من المتعاقدين قد وقع في الخارج و أمضاه الشارع فاذا شك في بقائه و ارتفاعه بفسخ أحد المتبايعين فالاصل بقاؤه. و بالجملة الفسخ في العقود نظير الفسخ في التكاليف، و قد ذكرنا أنه لا مانع من جريانه في الفسخ. هذا بخلاف الاستصحاب التعليقي، فان المانع الموجود فيه أن الحكم التعليقي الذي يكون في مرحلة الجعل فهو يقيني البقاء و لا يحتاج الي الاستصحاب، اذ ليس الشك في نسخ الحكم الشرعي. و أما الحكم الفعلي فلم يتحقق في الخارج بعد، و أما في المقام فالشك في الحكم الشرعي بأن نقول ان عقد المسابقة له أثر، و الاصل بقاء هذا الحكم.

و الحق أن هذا الاشكال غير وارد علي الشيخ، فان المقام داخل في الاستصحاب التعليقي، و لا نجد فرقا بين المقام و بين الشك في الحرمة في العصير الزبيبي.

و التحقيق أن يقال: ان كان الاصل اللفظي المقتضي لبقاء الحكم موجودا فلا مجال للأصل العملي، و ان لم يكن موجودا فلا مجال للأصل لأنه تعليقي، فما أفاده الشيخ صحيح غاية الامر أنه خلاف مسلكه حيث ذهب الي جريان الاصل التعليقي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 29

[إذا شك في عقد أنه من مصاديق العقد اللازم أو الجائز]

قوله: ثم ان ما ذكرنا

من العمومات المثبتة لأصالة اللزوم انما هو في الشك في حكم الشارع باللزوم، و يجري أيضا فيما اذا شك في عقد خارجي أنه من مصاديق العقد اللازم او الجائز … (1)

أقول: ان حاصل كلامه قدس سره أن ما ذكر انما يجري فيما اذا كان منشأ الشك في اللزوم و الجواز شبهة حكمية، و كذلك يجري الكلام بعينه فيما اذا كان منشأ الشك الشبهة الموضوعية. توضيحه: انا اذا قلنا أن المرجع في الفرد المردد بين عنواني العام و المخصص هو العموم، فكلما شك في أن العقد الخارجي من مصاديق العقد اللازم أو الجائز يتمسك بالعموم لإثبات اللزوم الا ما علم خروجه، و أما اذا لم نقل بذلك و قلنا ان المرجع هو الاصل العملي فهو أيضا ينتج اللزوم، أي يجري أصالة بقاء الملكية بعد إنشاء فسخ أحد المتعاقدين الا أن يكون هنا أصل موضوعي يثبت العقد الجائز، كما اذا شككنا في تمليك زيد لعمرو مثلا أنه هبة كي يكون جائزا أو صدقة ليكون لازما، فان أصالة عدم القربة تقتضي كونه هبة جائزة. هذا ملخص ما أفاده قدس سره.

و يرد علي ما أفاده في صدر كلامه من جريان الاصل في بقاء الملكية: بأن جريان الاصل متوقف علي جريان الاستصحاب في الحكم الكلي، و أما علي ما سلكنا فلا مجال له للمعارضة.

ان قلت: ان المفروض ان الشبهة موضوعية.

قلت: نعم ان الشبهة موضوعية و لكن المعارضة موجودة، اذ بعد الشك في الموضوع نشك في سعة الجعل و ضيقه، فالكلام هو الكلام. نعم لا بأس بجريان الاصل بتقريب آخر، و هو أن مقتضي عموم وجوب الوفاء لزوم كل عقد الا ما خرج، و مقتضي الاصل عدم تحقق العنوان الخارج، فلو

شك في أن ما وقع في الخارج هبة أو صدقة لقول تحقق العقد معلوم و انما الشك في تحقق عنوان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 30

قوله: اذا شك في الضمان مع فساد العقد … (1)

الهبة، و مقتضي الاصل عدم تحققه.

لا يقال: انه معارض لأصل عدم تحقق الصدقة.

لأنا نقول: لا أثر لهذا الاصل الاعلي القول بالمثبت، فان نفي الصدقة لا يثبت عنوان الهبة، لكن ما ذكرنا انما يصح فيما لا يتحقق علم اجمالي، كما لو شك في أن الواقع هبة أو بيع، فان صاحب المال لو فسخ يتحقق للطرف الاخر علم اجمالي بأنه اما يجب عليه تسليم الثمن و اما يحرم عليه التصرف في المال، و هذا هو الميزان الكلي.

و مما ذكرنا يظهر ما في كلام المصنف من الاشكال، فان مقتضي ما أفاده أن استصحاب عدم زوال أثر العقد يثبت صفة اللزوم للعقد بأن التمليك الواقع باق بحاله، و أما تعيين أنه بيع ليكون لازما أو هبة فلا يثبت به بل اذا شك في اشتغال الذمة بالعوض يجري البراءة.

و يرد عليه أن بعد إنشاء الفسخ يحصل العلم الإجمالي، اما بخروج العين عن ملكه علي فرض أنه هبة فلا بد من أدائه أو بثبوت العوض عليه بناء علي أنه بيع فلا تجري أصالة البراءة.

و بعبارة أخري: اذا فسخ المالك الاصلي يعلم الطرف الاخر بتوجه التكليف اليه، و لا يمكن التمسك بالبراءة اذا لزم منه المخالفة العملية.

[إذا شك في الضمان مع فساد العقد]

اقول: ملخص كلامه انه اذا علم فساد العقد و شك في أنه من العقود المضمنة أم لا، فلا بد من ملاحظة المدرك في المقام، فعلي القول بأن المدرك في باب الضمان بالعقود الفاسدة قاعدة اليد يحكم بالضمان لعموم القاعدة المذكورة و

أما علي القول بأن المدرك قاعدة الاقدام بالضمان أو قلنا بأن خروج الهبة مانع عن التمسك بالعموم اذ يكون من التمسك بالعموم مع الشك في المصداق فلا نحكم بالضمان. هذا كلامه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 31

قوله: القول في أقسام الخيار … (1)

قوله: الاول في خيار المجلس … (2)

و يرد عليه: ان خروج الهبة و ان كان بهذا العنوان كي يكون الخارج عن تحت العام معنونا بهذا العنوان، لكن نقول لا مانع من احراز عدم العنوان و عدم تحققه في الخارج بالاصل الازلي، فيتحقق الموضوع، فان موضوع العام بعد التخصيص عبارة عن وضع اليد علي مال لا يكون هبة، و من الظاهر أن وضع اليد وجداني و عدم تحقق عنوان الهبة يحرز بالاصل.

[القول في أقسام الخيار]
اشارة

أقول: أفاد الشيخ أن بعض العلماء كالشهيد عد أقسام الخيار أربعة عشر قسما، و بعضهم كالمحقق و العلامة قدس سرهما عدها سبعة أقسام، و نحن نقتفي أثر المقتصر علي السبعة.

و ملخص الكلام في هذا المقام ان الخيار اما مجعول تعبدا كخيار الحيوان و المجلس و اما مجعول بجعل ابتدائي من المتعاملين، و اما خيار تخلف الشرط و كلما يذكر أو ذكر من الاقسام يدخل في أحد هذه العناوين، و ابتدأ الشيخ بذكر خيار المجلس، و نحن أيضا نقتفي أثره.

[القسم الأول خيار المجلس]
اشارة

أقول:

تنقيح الكلام فيه يحتاج الي بسط الكلام في ضمن جهات:
(الجهة الاولي) في معني المجلس

و المراد من المجلس مطلق مكان المتبايعين حين البيع، فلا خصوصية لعنوان المجلس، و انما عبر عنه بالمجلس لأنه يتحقق فيه غالبا، فالميزان فيه كون المتبايعين في حال الاجتماع الذي كانا حين البيع سواء كانا في المجلس أم لا كانا جالسين أو قائمين.

(الجهة الثانية) في دليله،

أقول لا خلاف بين الامامية في ثبوت هذا الخيار للبائع و المشتري، و تدل عليه عدة من الروايات و ان كان بعضها مخدوشا من حيث السند.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 32

منها- ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله: البيعان بالخيار حتي يفترقا «1» و غير ذلك من الروايات.

و لا يعتد بالموثق الحاكي لقول علي عليه السلام: اذا صفق الرجل فقد وجب و ان لم يفترقا.. «2» اذ لا شبهة في أصل الحكم، فان ثبوت خيار المجلس من واضحات الاحكام الفقهية فلا بد من العلاج، فربما يقال بأنها تحمل علي التقية لذهاب جمع من العامة الي القول بعدم خيار المجلس كأبي حنيفة.

ان قلت: انها نقلت عن علي عليه السلام، و هو لم يكن في حال التقية و انما هي كانت في عصر الصادقين عليهما السلام.

قلت: ان الرواية و ان كانت علوية الا أن الحاكي لهذه الرواية الصادق عليه السلام فتكون التقية في النقل.

ان قلت: مثل هذه التقية غير معهود، لان التقية اما تكون بأن يعمل الناس عليها، أو تكون التقية في نفس بيان الاحكام، و اما التقية في الحكاية فهو أمر حادث.

قلت: أولا أن كونها غير معهود لا يضر حمل الرواية عليها اذا ساعده الدليل و ثانيا يمكن أن يقال: ان عليا عليه السلام كان في مقام بيان الحكم

بلحاظ زمان التقية.

و ربما يقال في مقام رفع الاشكال: ان المراد من صفق علي البيع الصفق علي المبيع و هو الالتزام بالبيع باسقاط الخيار، لا الصفق المحقق للبيع، كيف و موضوعه المبيع فيكون البيع محققا قبلا.

قلت: حمل صفق البيع علي صفق المبيع خلاف الظاهر، و الموجود في

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من ابواب الخيار، الحديث (1).

(2) نفس المصدر، الحديث (7).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 33

قوله: مسألة لا اشكال في ثبوته للمتبايعين اذا كانا أصليين … (1)

الرواية «اذا صفق الرجل علي البيع فقد وجب» و بعبارة أخري: لا وجه لحمل البيع علي المبيع. و الحاصل ان الرواية المذكورة لا بد أن تطرح ان لم تكن قابلة للحمل علي التقية أو غيرها بعد كون هذا الخيار من واضحات الفقه و مسلماته.

و ربما يقال: ان النصوص المستفيضة قائمة علي ثبوت خيار المجلس، فهي تقدم علي الرواية المنقولة عن علي عليه السلام لوجود المرجح فيها و هو الاستفاضة.

و يرد عليه: ان المرجحات في باب التعارض معلومة و منصوصة و ليست الاستفاضة منها.

[الجهة الثالثة انه يقع الكلام في أن الخيار يثبت لمن]
اشارة

أقول: الجهة الثالثة انه يقع الكلام في أن الخيار يثبت لمن، للمتبايعين فقط أو يثبت للوكيل، و علي فرض ثبوته للوكيل يثبت له مطلقا أو في الجملة.

لا بد أن يبحث في كل واحد منها علي حدة.

أما ثبوته للمتبايعين

فلا اشكال فيه اذا كانا أصليين كما أفاده المصنف،

و أما ثبوته للوكيلين
اشارة

فأفاد قدس سره أنه لا اشكال في ثبوته أيضا في الجملة، و لا بد لنا أن نوضح معني قوله «في الجملة» فنقول: ان الوكيل في المقام يتصور علي أنحاء:

الاول- أن يكون وكيلا في مجرد اجراء الصيغة فقط و لا مداخلة له في أمر العقد أصلا، فهو يكون في هذا الفرض كاللسان من الموكل.

الثاني- أن يكون وكيلا مستقلا في المعاملة ايجادا فقط، كما اذا و كله في شراء ثوب له أو دار.

الثالث- أن يكون وكيلا مستقلا مطلقا في أمر المعاملة ايجادا و اعداما، و بعبارة أخري يكون وكيلا مفوضا اليه كلية أمر المعاملة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 34

الرابع- أن يكون مفوضا اليه أمر المال ان شاء باع و ان لم يشأ لم يبع

اما القسم الاول- أعني كونه وكيلا في اجراء صيغة العقد فقط
اشارة

فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه عدم الخيار أمور:

الأمر (الاول) ما افاده شيخنا الاعظم قدس سره

بتوضيح منا: ان مفاد أدلة الخيار اثبات حق و سلطنة لكل من المتعاقدين علي ما انتقل الي الاخر بعد الفراغ عن تسلطه علي ما انتقل اليه، فان الحكم لا يحقق موضوعه.

و بعبارة واضحة: ان مفاد أدلة الخيار اثبات حق و سلطنة لكل من المتعاقدين في نقض ما التزم به و ابرامه بعد الفراغ عن سلطنته علي ما نقل اليه ورد ما التزم به، و لا شبهة أن مجري الصيغة لا يملك ذلك و ليس له الرد حتي يثبت له بأدلة الخيار ملك كلا الالتزامين. ألا تري أنه لو شك المشتري في كون المبيع ممن ينعتق عليه لقرابة أو يجب صرفه لنفقة أو اعتاقه لنذر، لا يمكن الحكم بعدم وجوبه لأدلة الخيار، فكما لا يمكن القول بتحقق الخيار في الفرع المذكور فكذا فيما نحن فيه. و الحاصل ان الخيار انما يكون ثابتا لمن يكون له السلطة علي الرد، و حيث أن هذا المعني مفقود في المقام فلا خيار له.

و يرد عليه: ان الخيار اما حق متعلق بالعقد كما هو الحق، أو حق متعلق بالعين. و علي الاول فنقول: ان معني الخيار ملك حل العقد يلزم من ذلك تراد العينين، و هذا المعني متحقق حتي في مورد الانعتاق، و هو و ان كان تلفا حكميا الا أن الخيار لا يسقط بمجرد تلف أحد الطرفين بل يرجع الي بدله كما هو كذلك في تلف المبيع في زمن الخيار.

هذا اذا كان الخيار متعلقا بالعقد، و أما اذا كان متعلقا بنفس العين فان موضوع الخيار و ان كان منتفيا فيما اذا كان المبيع ممن ينعتق علي المشتري، لان موضوع

دراساتنا

من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 35

قوله: مضافا الي ملاحظة بعض هذا الخيار المقرون فيه بينه و بين خيار الحيوان (1).

الخيار تراد العينين و لا يحصل هذا المعني بانعتاق المبيع. الا أنه لا يضرنا ذلك لان عدم الخيار يكون من باب عدم وجود موضوعه و لا قصور في ذلك من ناحية الوكالة.

و أما قوله «ان الحكم لا يحقق موضوعه» فهو متين جدا و نحن لا ننكر ذلك و نقول: ان الموضوع ان ثبت و لو بالاصل فهو و الا لا يمكن التمسك بالعموم و الاطلاق لكونه شبهة مصداقية، و لكن قوله «ان مفاد أدلة الخيار اثبات حق و سلطنة لكل من المتعاقدين علي ما انتقل الي الاخر بعد الفراغ عن تسلطه علي ما انتقل اليه» مدفوع بعدم قيام دليل علي ذلك بعد صدق البيع علي الوكيل في مجرد اجراء العقد، فالمدار علي صدق البيع و عدمه.

و بعبارة أخري: انا لا ندعي أن الحكم محقق لموضوعه، بل ندعي ان الكلام في صدق الموضوع و عدمه، و هذا هو المهم، فلو صدق العنوان يتحقق الحكم و لا دليل علي اشتراط أمر آخر في الموضوع.

مضافا الي أن حق رد ما انتقل اليه بلا استرداد ما انتقل عنه لا معني له و معه يكون عبارة عن الخيار، فهذا الاشتراط يرجع الي اشتراط الموضوع بوجود المحمول و القضية بهذا النحو ضرورية.

الامر الثاني من الامور التي استدل علي عدم الخيار للوكيل في اجراء الصيغة أن ملاحظة بعض أخبار الباب يعطي اختصاصه بالمالك،

كما في قوله عليه السلام في صحيح ابن مسلم: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان و فيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا … «1»

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من أبواب الخيار، الحديث (3)

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 36

بتقريب أن لفظ «متبايعين» موضوع لخيار المجلس و خيار الحيوان،

و لا ريب أن خيار الحيوان المذكور في هذه الرواية مختص بالمالك لعدم خيار الحيوان لغير المالك، و لأجل وحدة السياق يصير خيار المجلس المذكور فيها مختصا بالمالك أيضا.

و يرد عليه أولا: ان هذا الاستظهار من الرواية يستلزم أن لا يكون للوكيل خيار أصلا لكونه غير مالك و ان كان وكيلا مفوضا، و هو خلاف ما ذهب اليه قدس سره بأنه لا اشكال في ثبوته للوكيلين في الجملة.

و ثانيا: ان اختصاص خيار الحيوان بالمالك قد علم من الخارج، و أما العنوان المأخوذ في صحيح ابن مسلم مطلق.

و ثالثا: ان وحدة السياق لا تقتضي رفع اليد، اذ يكونان من المثبتين. و بعبارة واضحة: لو كان مقتضي المطلقات ثبوت الخيار حتي للوكيل في العقد يؤخذ بها و لا يرفع اليد عنها الا بالدليل. و بعبارة أخري: لا وجه لحمل المطلق علي المقيد، بل يمكن أن نقول بأنه لا وجه للتقييد حتي مع الالتزام بالحمل، اذ المفروض أن لفظ «المتبايعين» قد استعمل في معناه العام، غاية الامر قد علم من الخارج أن خيار الحيوان مختص بالمالك.

و رابعا: لا احتياج للتمسك بوحدة السياق لإثبات نفي الخيار، و بعبارة أخري: لو كان اختصاص دليل بفرد كافيا لنفي الحكم عن بقية الافراد كان الصحيح أن يتمسك بالرواية التي أخذ فيها عنوان التاجر، و من المعلوم أنه لا يشمل مجري الصيغة، و هو قوله صلي اللّه عليه و آله: اذ التاجران صدقا و برا- خصال- بورك لهما فاذا كذبا و خانا لم يبارك لهما و هما بالخيار ما لم يفترقا «1».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (6).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 37

قوله قدس سره: مضافا الي ادلة

ساير الخيارات فان القول بثبوتها لموقع الصيغة لا ينبغي من الفقيه … (1)

قوله قدس سره: مع أن ملاحظة حكمة الخيار تبعد ثبوته للوكيل المذكور … (2)

فان هذه الرواية واردة في خصوص خيار المجلس و اخذ الموضوع فيها عنوان التاجر و هو لا يصدق علي مجري الصيغة.

الامر الثالث من الامور التي استدل بها لنفي الخيار للوكيل في العقد أن أدلة سائر الخيارات لا تشمل للوكيل في اجراء العقد و لا يرضي الفقيه بالشمول،

فالمقام كذلك.

و يرد عليه أنه لا بد أن نبحث في المدرك للخيار، بأن نقول المدرك ان كان نصا من المعصوم فلا بد من ملاحظته من حيث الشمول و عدمه، و ان كان المدرك قاعدة نفي الضرر فعدم الخيار للوكيل في العقد واضح لعدم الضرر بالنسبة اليه علي تقدير عدم الخيار، و الضرر متوجه الي المالك، و الخيار أيضا ثابت له.

و ان كان المدرك فيه اشتراط الخيار، فدائرة الخيار من حيث السعة و الضيق يدور مدار الاشتراط، فان اشترط الخيار بحيث يشمل الوكيل في العقد أيضا نلتزم به و ان اشترط لنفس المالك فقط فلا خيار للوكيل في العقد كما هو واضح.

الامر الرابع من الامور المستدلة لنفي الخيار أن حكمة جعل الخيار الارفاق بالمالك حتي ينظر و يتروي في المبيع،

و أما الوكيل في اجراء العقد فلا يتحقق هذا المعني بالنسبة اليه، فلا وجه لثبوت الخيار له.

و فيه نقضا و حلا: النقض فبالوكيل المفوض و لو كانت حكمة جعل الخيار تروي المالك حتي لا يتضرر فلا بد من الالتزام بعدم الخيار للوكيل المفوض أيضا لعدم وجود الملاك المذكور فيه و الحال انه قدس سره لم يلتزم بذلك.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 38

و أما الحل فان خصوصيات الاحكام و ملاكاتها ليست بأيدينا حتي نقول ان الملاك الموجود في جعل الخيار غير متحقق بالنسبة الي الوكيل المذكور، و المتبع عندنا هو الدليل، فلا بد أن ينظر الي دلالته من حيث السعة و الضيق.

(الامر الخامس) ان المستفاد من بعض الروايات المذكورة آنفا عدم الخيار للوكيل المعهود،

و هو قوله صلي اللّه عليه و آله «اذ التاجران صدقا و برا- خصال- بورك لهما فاذا كذبا و خانا لم يبارك لهما و هما بالخيار ما لم يفترقا».

بتقريب أنه قد أخذ عنوان التاجر في هذه الرواية، و هو لا ينطبق علي مجري الصيغة، فلا يكون له خيار بمقتضي الرواية.

و يرد عليه: ان الدليل لا ينحصر بهذه الرواية حتي يقال بعدم شمولها للوكيل في العقد، ففي بعض الروايات المذكورة آنفا لم يؤخذ عنوان التاجر بل هو مطلق كما عرفت، و لا يمكن الالتزام بأن هذه الرواية مقيدة لإطلاق المطلقات المذكورة لما ذكرنا آنفا. نعم لو علم من الخارج وحدة المطلوب لا بد من حمل الاطلاق علي التقييد، و هذا مطلب آخر.

(الامر السادس) ان مفاد أدلة الخيار لا تشمل الوكيل في العقد،

لان الخيار كما عرفت سلطنة ثابتة بأدلته للعاقد بعد الفراغ عن سلطنته علي التزام الطرف المقابل. و بعبارة أخري: ان المستفاد من أدلة الخيار اثبات السلطنة لكل من المتعاقدين علي ما انتقل منه بعد الفراغ عن تسلطه علي رد ما انتقل اليه بالاقالة، و الوكيل في العقد بعد المعاوضة أجنبي صرف و ليس له الاقالة حتي يكون له الخيار.

و الجواب عنه: أنه لا وجه لهذا التقييد، و لا دليل عليه.

(الامر السابع) ان النسبة بين أدلة الخيار و أدلة سلطنة المالك علي ماله عموم من وجه،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 39

و يقع التعارض بينهما فيما اذا فسخ الوكيل و لم يرض المالك به، فيقدم دليل السلطنة عليه لكونه معاضدا بالحكم العقلائي، و علي تقدير تكافئهما يتساقطتان و تصل النوبة الي الاصل العملي، و هو استصحاب الملكية الثابتة للمالك.

و فيه: ان هذا استصحاب في الاحكام الكلية، انا قد حققنا في الاصول أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية الكلية الالهية. و ثانيا انه اذا شك في الخيار و عدمه يتمسك بدليل لزوم العقد فنسبة أدلة الخيار الي دليل «أَوْفُوا» نسبة العام الي الخاص، فكلما ثبت الخيار بدليله يؤخذ به و الا يتمسك بعموم أدلة اللزوم كلما شك فيه. و بعبارة أخري: المحكم في المقام الاخذ باطلاق المخصص، فانه لو كانت النسبة عموما من وجه لا يبعد أن نلتزم بضرب الدليل الدال علي الخيار علي الجدار من باب كونه خلاف الكتاب.

اذا عرفت ما تلوناه عليك في المقام فاعلم أن خيار المجلس لا يثبت لمجري العقد لا بالامور المذكورة، بل لانصرافه الي المالك. وجه الانصراف تناسب الحكم و الموضوع فانه يقتضي ذلك، فان جعل الخيار للتروي و اختيار ما هو أحسن، و من الظاهر أنه ليس للوكيل هذا الشأن. هذا علي تقدير

القول بعدم ثبوته للوكيل، و أما لو قلنا بأنه ثابت له فهل يكون له الفسخ حتي مع منع المالك، أفاد الشيخ قدس سره بأنه أضعف، و لا وجه لما أفاده فانه علي فرض تحقق هذا الحق له أن يفسخ فلا وجه لسقوطه بمنع المالك فما أفاده الشيخ ليس تاما.

هذا تمام الكلام فيما اذا كان الوكيل مجريا للعقد فقط.

و أما القسم الثاني فهو أن يكون الوكيل مستقلا في ايجاد المعاملة فقط،

و هذا القسم أيضا يلحق بسابقه في عدم الخيار له، لان الخيار كما عرفت منصرف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 40

الي من بيده الامر، و الوكيل المذكور كالوكيل في العقد أجنبي بعد تحقق المعاملة و ليس بيده أمر حتي يكون له الخيار.

و أما القسم الثالث فهو أن يكون وكيلا مفوضا اليه أمر المال،

أفاد شيخنا الاعظم قدس سره أنه ان كان وكيلا في التصرف المالي كأكثر الوكلاء، فان كان مستقلا في التصرف في مال الموكل بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها فالظاهر ثبوت الخيار له.

و استشكل عليه المحقق الايرواني قدس سره أن اعتبار عموم الوكالة لا يشمل فسخ المعاوضة في ثبوت الخيار للوكيل بين عجيب و مستحيل، فانه ان أريد من الوكالة في الفسخ، الوكالة في الفسخ من قبل الموكل اعمالا لحقه فهو عجيب، و أي مدخلية لهذا في ذلك، و ان أريد من الوكالة في الفسخ الوكالة في الفسخ بخيار نفسه فهو مع أنه باطل اذ لا معني للوكالة فيما هو مستقل فيه و أمره لا يرجع الي الموكل، دور مستحيل لتوقف ثبوت الخيار علي التوكيل في الفسخ بالخيار المتوقف ذلك علي ثبوت الخيار.

و يمكن دفع الايراد عن المصنف بأن نقول: ان دليل الخيار ناظر الي تخصيص عموم «أَوْفُوا» *، و حيث أن الوكيل المفوض يكون أمر المال بيده يشمله دليل وجوب الوفاء فيثبت الخيار، فلا دور، فان ثبوت الخيار يتوقف علي التوكيل التفويضي، لكن الوكالة لا تتوقف علي الخيار، فالتوقف من طرف واحد، فمراد المصنف لو وجه بما ذكرنا لا يتوجه عليه ايراد المحقق المذكور.

و أما القسم الرابع- و هو أن يفوض أمر المبيع الي الوكيل

بأن شاء باع و ان شاء لم يبع- ذهب الايرواني الي ثبوت الخيار في المقام، الا أنه لا دليل عليه لعدم كون زمام امر المبيع في يده بقاء. و الفرق بين هذا القسم و القسم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 41

قوله: و هل يثبت للموكلين فيه اشكال … (1)

الثالث ظاهر، اذ قلنا ان الخيار يثبت بحسب الفهم العرفي، و التناسب بين الحكم و الموضوع لمن يكون له الاقالة، و في القسم

الرابع ليس للوكيل الاقالة فلا خيار له. فافهم و اغتنم.

الجهة الرابعة في ثبوت الخيار للموكلين مع حضورهما في المجلس فهل يثبت لهما مطلقا أو لا يثبت لهما كذلك أو تفصيل في المقام؟
اشارة

وجوه:

(الوجه الاول)

الكلام ما اذا كان وكيلهما وكيلا في اجراء الصيغة فقط، فهل يثبت للموكل الخيار أم لا.
ما يمكن أن يقال في وجه عدم ثبوت الخيار له أمور:
الاول- ان المأخوذ في أدلة خيار المجلس عنوان البيعين،

و ان الظاهر من البيعين في النص المتعاقدان، فلا يعم الموكل لعدم تصديه للعقد. و الذي يدل علي ذلك ما ذكروا ان الموكل لو حلف علي عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله.

و الجواب عنه: ان البيع يصدق علي من يبدل المبيع بالثمن، و هذا المعني كما أنه يتحقق بالمباشرة كذلك يتحقق بالتسبيب أيضا، و الفعل الصادر من الموكل كالصادر عن الوكيل، و لا نعني بذلك أن عمل الوكيل قائم بالموكل فانه غير معقول، و اسناد إنشاء الصادر من الوكيل الي الموكل مجازي. بل نقول: انه بمنزلة لسان الموكلين و يصدق في حقهما حقيقة انهما باعا و اشتريا كما لا يصدق ذلك في حق الوكيلين أيضا.

و لتوضيح الحال نقول: انه لو زوجت امرأة بالوكالة يصح أن تقول «اني زوجتك نفسي لفلان» كما أنه يصح أن يقول وكيله «اني زوجتها لفلان»، و أما قضية النذر فانه تابع لقصد الحالف من حيث السعة و الضيق، فان قصد من حلفه أنه يبيع بالمباشرة فببيع الوكيل يحنث و ان حلف علي أن لا يحقق منه ما يصدق عليه مفهوم البيع في الخارج فان كان الحلف قبل أخذ الوكيل فالوكالة للبيع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 42

موجب للحنث فيما يتصدي الوكيل للبيع، و ان كان أخذ الوكيل قبل حلفه، فأفاد سيدنا الاستاذ دام ظله بأنه لا يتحقق الحنث لان فعل الوكيل ليس اختياريا له.

و يرد عليه: ان الحلف و ان لم يتعلق بالعزل لكن حيث أن فعل الوكيل فعله فالنقل يلزمه بالعزل كي لا يتحقق الحنث بفعل وكيله.

الثاني- ان عنوان البيع و ان صح استناده الي السبب و المباشر الا أنه لا يمكن أن يراد المعنيين منه في اطلاق واحد

بل لا بد أن يراد أحدهما لان استعمال اللفظ في اكثر من معني واحد علي تقدير عدم استحالته خلاف الظاهر.

و يرد عليه: ان

عنوان البيع أطلق علي نحو القضية الحقيقية، فكل من صدق عليه هذا العنوان يصدق عليه الخيار سواء كان وكيلا أو موكلا. و بعبارة أخري: اللفظ استعمل في الجامع فلا موضوع لهذا الاشكال.

الثالث- ان الالتزام بثبوت الخيار للموكل يستلزم أن يكون الخيار للمتعدد و هو لا يجوز،

فكما أن العين الخارجي لا تكون قابلة للمتعدد كذلك الخيار فانه حق واحد لا يمكن ثبوته لا زيد من واحد.

و يرد عليه: ان وحدة الخيار وحدة نوعية لا شخصية، فلا مجال لهذا الاشكال، فعلي القول بثبوته للمتعدد نلتزم بتعدده، هذا أولا و ثانيا ان الكلام في القسم الاول و هو الوكيل في مجرد اجراء الصيغة، و من الظاهر أنه لا خيار له فلا يكون ذو الخيار متعددا.

مضافا الي أنه لو كان هذا الاشكال تاما يلزم عدم ثبوت الخيار للمتعاقدين، اذ يلزم تعدد ذي الخيار، و هو كما تري، فما يجاب به هناك نجيب به هنا أيضا فلا تغفل.

هذا تمام الكلام في ثبوت الخيار للموكل فيما اذا كان الوكيل مجريا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 43

للصيغة فقط، و من ضوء هذا البيان اتضح لك حكم باقي الاقسام المذكورة.

ملخصه ان الموانع المتصورة لثبوت الخيار للموكل لا ترجع الي محصل فالخيار له فيما يكونان حاضرين في مجلس العقد ثابت لتحقق الموضوع كما ذكره.

ثم ان الشيخ قدس سره ذكر وجهين لثبوت الخيار للموكل:
أحدهما أن الخيار للإرفاق فيقتضي ثبوته له.

و فيه ان الخيار لو ثبت في مورد يكون للإرفاق لا أن الارفاق في كل مورد تحقق يتحقق الخيار.

ثانيهما ان ثبوت الخيار للوكيل يستلزم ثبوته للموكل.

و فيه ان ثبوت الخيار للوكيل ليس بملاك الوكالة حتي تم هذا البيان بل لصدق الموضوع فلا بد من ملاحظة هذه الجهة.

(فروع)
(الفرع الاول) انه هل يشترط حضور الموكل الثابت له الخيار في المجلس أم لا؟ فيه أقوال:
(الاول) ما يستفاد من كلام الشيخ بأن الحضور في المجلس شرط لثبوت الخيار.

و يرد عليه: ان الموضوع لخيار المجلس عنوان البيع، فكلما يصدق هذا الموضوع يترتب عليه حكمه سواء كان ذو الخيار حاضرا في مجلس العقد أم لا.

و أفاد سيدنا الاستاذ أن مجرد الحضور في المجلس لا يفيد في المقام، فلو حضر المالكان في مجلس العقد لغرض آخر و كانا غافلين من كون المجلس مجلس العقد لا يثبت لهما الخيار، لأنه يشترط في ثبوت الخيار اجتماعهما في المجلس

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 44

بعنوان المعاملة، و يستفاد هذا المعني من قوله عليه السلام «فاذا افترقا وجب البيع» حيث يستفاد منه أن الافتراق بعنوان الرضا، و لا يتم هذا الا بما ذكرنا.

و يمكن الجواب عنه نقضا و حلا: أما النقض بما لو حضر المجلس بقصد المعاملة عالما بأنه مجلس عقد و لكنه جاهل بوجود خيار المجلس في الشريعة المقدسة. و حلا بأن الاجتماع المعاملي لم يقم دليل علي اشتراطه، بل الموضوع في الخيار كما علمت آنفا صدق عنوان البيع، و هو صادق سواء كان عالما أم لا.

و الذي يدل علي ما ذكرنا أن مقتضي ما أفاده أنه لو افترقا مع الغفلة يلزم بقاء الخيار حتي بعد الافتراق، و هو كما تري.

(الثاني) ما ذهب اليه الميرزا قدس سره،

و هو التفصيل بين كون وكالة الوكيل بنحو التفويض و بين غيره، فانه علي الاول لا يشترط، اذ اجتماع الوكيلين اجتماع للمالكين، و أما في غير هذه الصورة فيشترط اجتماع المالكين اذ الموضوع عبارة عن الاجتماع.

و فيه: ان الاجتماع كبقية الافعال لا يمكن أن يستند الي غير من قام به الفعل فلا مجال لهذا التفصيل.

(الثالث) ان الخيار ثابت للمالكين،

و غايته افتراق الوكيلين، و استدل عليه بأن الخيار من آثار الملكية، و حيث ان العين ملك لمالكه فالخيار ثابت له غاية الامر بقاؤه ببقاء مجلس العقد.

و يرد عليه: ان الموضوع للخيار عنوان البيع و لا خصوصية للملك، مضافا الي أنه علي ما ذكر، فلا وجه لثبوت الخيار للوكيل لعدم كونه مالكا.

و أفاد المحقق الايرواني قدس سره بأن الميزان في بقاء الخيار بقاء الحالة التي تكون حاصلة حين العقد، فبقاء الخيار ببقاء تلك الحالة. و الحاصل ان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 45

قوله: فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لأشخاص كثيرة من طرف واحد أو من الطرفين، فكل من سبق من أهل الطرف الواحد الي اعماله نفذ و سقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بانفساخه.. (1)

المالكين يحصل لهما الخيار و ينتهي بانتهاء الحالة الموجودة لهما حين العقد.

و يرد عليه: ان المستفاد من دليل الخيار لزوم الاجتماع كي يصدق الافتراق و مع عدم اجتماعهما لا وجه لتحقق الخيار.

اذا عرفت ما ذكر فاعلم ان الحق أن يقال: ان تحقق الخيار للمالكين منوط بتحقق اجتماعهما حين العقد، أعم من أن يكون في مجلس العقد أم لا، و أعم من أن يكون بعنوان المعاملة أم لا مع العلم أو الغفلة، كل ذلك للإطلاق.

الفرع الثاني انه وقع البحث فيما اذا تحقق الخيار في عقد واحد لأشخاص كثيرة،
اشارة

كما لو وكل المتبايعان عشرة علي أن يكون كل منهم متمكنا من الاستقلال في المعاملة، فلو أقدما جميعا علي الاجازة أو الفسخ فلا كلام فيه، و أما لو وقع التعارض بين الفسخ و الاجازة فهل يقدم المتقدم منهما أم لا؟ أفاد الشيخ ان كل من سبق من أهل الطرف الواحد الي اعماله نفذ و سقط خيار الباقين، و ليس المقام من قبيل تقديم الفاسخ علي المجيز

حتي يقال ان الفاسخ مقدم علي المجيز.

و أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله أن ما ذهب اليه الشيخ متين،

و تقريب كلامه يحتاج الي مقدمات ثلاث:
الاولي- ان حق الفسخ يكون للوكيل الخاص،

و هو الوكيل المفوض الذي هو مستقل في أمر المعاملة، و ليس له الخيار بعنوان الوكالة بل له استقلال في ذلك، فان كان خياره بعنوان الوكالة فلا بد أن يكون ذلك لمطلق الوكيل فلا يختص بالوكيل المفوض، و يلزم من ذلك الالتزام بثبوت الخيار في الموكل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 46

و ان لم يكن حاضرا في المجلس و يلزم ثبوت الخيار للوكيل المفوض، و ان لم يجر العقد بيده بل كان مجري العقد غيره من الوكلاء، و من الظاهر أنه لا نلتزم بهذه التوالي.

الثانية- ان أدلة الخيارات مخصصة لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»،

فكل من يجب عليه الوفاء بالعقد مختار في الفسخ بدليل الخيار، و هو ليس الا من كان مسلطا علي ما انتقل اليه، فهو الوكيل المفوض حتي بعد العقد، و لو لم يفوض أمر المعاملة اليه بعد العقد لم يكن أمر المبيع بيده بقاء لا يثبت له الخيار.

الثالثة- ان الوكيل بدل تنزيلي للموكل،

و الفعل الصادر من الوكيل كالفعل الصادر من الموكل.

اذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فنقول: ان الموكل ان اجاز قبل فسخ الوكيل لم يبق مجال لفسخ الوكيل لعدم بقاء موضوع للوكالة، و يكون المقام من قبيل ما لو و كل شخصا في بيع داره ثم باعها لا يبقي موضوع للوكالة، فكذلك في المقام، كما أنه لو أجاز الوكيل قبل فسخ الموكل لا يبقي مجال لفسخ الموكل لان عمل الوكيل كعمل الموكل، و لو كان الموكل أجاز قبل فسخه لم يكن فسخه مؤثرا، و كذلك في المقام. نعم لو وقع الفسخ قبل الاجازة يتقدم عليها، و لو وقعا معا في زمان واحد لا تكونان مؤثرين بل يتساقطان بالتعارض.

أقول: ان قوله دام ظله «ان الخيار ليس بالوكالة بل يكون علي نحو الاستقلال» متين جدا، و كذا قوله «ان الخيار يكون فيمن يصح أن يكون مخاطبا بخطاب أوفوا». و أما قوله «ان عمل الوكيل عمل للموكل فانه بدل تنزيلي له» فلا نسلم، لان الوكيل يصدق عليه عنوان البيع بالاستقلال، و كذا في قوله «مع اجازة الموكل لا يبقي موضوع لفسخ الوكيل» كلام، فانه صحيح علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 47

قوله: ثم علي المختار من ثبوته للموكلين فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد.. (1)

تقدير القول بتعلق الخيار علي العين الخارجية و هو خلاف التحقيق، و أما علي القول بتعلق الخيار

بالعقد كما هو الصحيح عندنا فان موضوع الخيار باق فيكون خياره باقيا بالاستقلال.

و من هنا ظهر أن قياس المقام ببيع الدار بعد التوكيل في بيعه قياس مع الفارق، لعدم بقاء موضوع هناك، بخلاف المقام فان الموضوع باق بعد اجازة الموكل فيكون الفسخ مقدما عليه، و كون عمل الوكيل عملا للموكل صحيح في البيع المذكور. و أما في الخيار فليس كذلك، فان الاجازة و الفسخ صدرا من شخصين مستقلين، و لذا يتعارضان و يتساقطان لو وقعا معا في آن واحد كما لا يخفي.

و أفاد المحقق الايرواني قدس سره بأن عنوان البيعين موضوع لخيار المجلس و هو قائم بطبيعة البائع و المشتري، فاذا سبق واحد من أفراد الطبيعة الي الاعمال فسخا أو امضاء سقط خيار البقية لصدق أن الطبيعة سقطت بفسخ واحد منهما.

و فيه: ان ما ذكره متين لو كان جعل الخيار علي نحو قضية طبيعية، أي يكون لصرف الوجود، و لكنه ليس كذلك، بل انها قضية حقيقية بنحو مطلق الوجود بمعني أن الخيار الثابت ليس خيارا قائما بطبيعة البائع و المشتري بل انه خيارات متعددة قائمة علي أشخاص متعددة، فكل من يوجد في الخارج و يكون معنونا بعنوان البيع يثبت له الخيار. فتلخص مما تقدم أن الفسخ مقدم علي الاجازة و الوجه فيه واضح لمن يتأمل فيما ذكرنا.

الفرع الثالث بعد الفراغ عن ثبوت الخيار في كل من الطرفين للوكيل و موكله كليهما

كما هو مختار الشيخ قدس سره يقع الكلام في أن الموجب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 48

قوله: ثم هل للموكل بناء علي ثبوت الخيار له تفويض الامر الي الوكيل.. (1).

لسقوط حق الخيار هل تفرق الموكلين عن مجلسهما حال العقد، أو عن مجلس العقد، أو بتفرق المتعاقدين، أو بتفرق الكل فيكفي بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد؟

وجوه. و اختار المصنف الوجه الاخير من الوجوه المذكورة.

و ربما يرد عليه بأن تفرق أحد الشخصين يكفي في سقوط الخيار سواء كان أصيلا أو وكيلا، لان القضية تكون علي نحو القضية الطبيعية، بمعني أن الحكم معلق علي التفرق، و هو يحصل بتفرق البعض.

و فيه: ان الخيار معلق علي عدم التفرق، فان الخبر جعل غاية الخيار عدم التصرف و بقاء المجلس. و بعبارة أخري: كما يصدق بذلك عنوان الافتراق كذلك يصدق عنوان عدم الافتراق. و ان شئت قلت: ان الظاهر من الدليل أن القضية قضية حقيقية، و حيث أن المفروض أن الخيار ثابت للوكيلين و الموكلين فكل بايع مشتريان و لكل مشتر بائعان، فلو جمع الكل مجلس يثبت الخيار لكل واحد منهم فما دام يكون عنوان الاجتماع باقيا و لو ببقاء أحد المالكين مع أحد الوكيلين يكون الخيار باقيا، فما أفاده قدس سره هو الصحيح.

الفرع الرابع ان الموكل اذا ثبت له حق الخيار هل يجوز له أن ينقل هذا الحق الي الوكيل

بأن يفوض أمره اليه بحيث يصير الوكيل ذا حق خياري و سلطانا علي العقد؟ قال الشيخ الاقوي العدم، بتقريب أن المتيقن من الدليل ثبوت الخيار علي القول به للعاقد ثبوته عند العقد لا لحوقه بعده. نعم يمكن توكيله.

أقول: لا كلام في جواز التوكيل، فانه جاز حتي بالنسبة الي الاجنبي، بل الكلام في تفويض الخيار اليه بحيث يكون صاحب الاختيار في أمر الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 49

قوله: و مما ذكرنا اتضح عدم ثبوت الخيار للفضوليين.. (1)

و الحق هو الجواز لا بدليل الخيار كي يقال بأنه لا يشمله الدليل بل بنقل المالك حقه اليه، فانه بعد ما ثبت أن الخيار من الحقوق و قابل للإسقاط ثبت جواز نقله فانه يجوز نقله بنحو الشرط الضمني، و يمكن التمسك أيضا بعموم وجوب الوفاء

بالعقد.

فانا و لو قلنا سابقا بأن دليل وجوب الوفاء لا يمكن أن يكون دليلا للإمضاء لكن عدلنا عن هذا المبني و نقول، بأن دليل وجوب الوفاء لا شبهة في كونه ناظرا الي العقود الواقعة في الخارج، و من الحكم بوجوب الوفاء يستفاد الصحة كما هو ظاهر.

لا يقال: لو سلمنا جواز نقل الموكل الخيار الي الوكيل فلنا أن نسأل عن أمد سقوطه و مسقطه، فان قلت لا مسقط له في هذه الصورة فهذا خلاف ما يستفاد من دليل الخيار بأنه يسقط بالافتراق من مجلسه، و ان قلت ان المعيار في سقوطه افتراق الوكيلين فهذا أيضا خلاف التحقيق، لان الوكيلين لم يكن لهما الخيار و لا يصدق عنوان البيع عليهما كي يسقط بتفرقهما، و ان قلت افتراق المالكين مسقط للخيار فهو أيضا مخدوش لان المفروض ان المالكين نقلا حقهما الي الوكيلين و لا يكون لهما الخيار حتي يكون افتراقهما دخيلا في سقوط الخيار.

لأنا نقول: ان المعيار في سقوط الخيار افتراق المالكين، و أما قولكم «ان افتراق المالكين ليس مسقطا لعدم بقاء الخيار لهما» فممنوع لعدم لزوم بقاء الخيار في تأثير الافتراق في سقوط الخيار بل حدوثه كاف لذلك.

الفرع الخامس انه يقع البحث في ثبوت هذا الخيار للفضولي،

أفاد المصنف قدس سره بأنه لا يثبت للفضوليين لا لعدم صدق المتبايعين، فانه يصدق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 50

قوله: نعم في ثبوته للمالكين بعد الاجازة مع حضورهما في مجلس العقد وجه.. (1)

عنوان البيع عليهما، لان البيع عبارة عن النقل العرفي و هو موجود هنا.

نعم ربما كان ظاهر الاخبار حصول الملك بالبيع، و هذا المعني منتف في الفضولي قبل الاجازة، الا أن هذا أيضا لا يمنع ثبوت الخيار للفضوليين، و الا كان مقتضي ذلك عدم الخيار في الصرف و

السلم قبل القبض، مع أن هذا المعني لا يصح علي مذهب الشيخ القائل بتوقف الملك علي انقضاء الخيار، فلا بد من رفع اليد عن هذا الظاهر، بل الوجه في عدم ثبوته للفضوليين فحوي ما تقدم من عدم ثبوته للوكيلين الغير المستقلين.

و يرد عليه: ان الاستدلال بدليل الفحوي يكون فيما اذا ثبت الحكم في الاصل، و حيث ان عدم الخيار هناك لعدم صدق العنوان بخلاف المقام كما هو المفروض، الحق في المقال أن يقال: انه لا يثبت الخيار للفضولي بلا فرق بين القول بالكشف و النقل، و الوجه فيه كما تقدم ان دليل الخيار يشمل ما كان مخاطبا لخطاب «أَوْفُوا»، و هذا مخصص لدليل وجوب الوفاء، و بما ان الفضولي أجنبي فلا يشمله خطاب وجوب الوفاء فلا يكون له الخيار لعدم أمر المبيع بيده.

[في ثبوت خيار المجلس للمالكين و عدمه]
اشارة

أقول: وقع الكلام بين الاعلام في ثبوت خيار المجلس للمالكين و عدمه،

و في المقام أقوال:
(الأول) ما أفاده المحقق النائيني قدس سره

بأنه لا يبعد ثبوته لهما اذا كانا حاضرين في مجلس العقد لاحتمال اشتراط الخيار بالحضور في هذا المجلس، فانه بالاجازة ينتسب العقد اليهما، و المفروض حضورهما في المجلس، فيصدق عليهما البيعان غير المفترقين.

و يرد عليه: ان الاحتمال المنافي للإطلاق لا يعتد به، فلو صدق الموضوع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 51

يؤخذ باطلاق الدليل و لا وجه لهذا الاشتراط.

(الثاني) ما أفاده المحقق الكمپاني قدس سره

بأن موضوع الخيار هو البيع و هذا العنوان لا يصدق الاعلي من قام به البيع قياما صدوريا اما بالمباشرة أو بالتسبيب و لو بالتوكيل، و أما مجرد الاجازة و اظهار الرضا بالبيع الصادر من الفضولي فلا يحقق القيام بأحد الوجهين:

و استشكل عليه سيدنا الاستاذ دام ظله بأن البيع أمر إنشائي يحتاج الي أمرين: الاول اعتبار معناه في النفس، الثاني ابرازه بمبرز خارجي. و هذا المعني محقق في المقام، فبالاجازة يبرز ما اعتبر في النفس و ينتسب البيع الي المجيز، و يصدق البائع عليه.

و يرد عليه أيضا مضافا الي ما أفاده سيدنا الاستاذ أن القائل بعدم ثبوت الخيار لا بد أن يلتزم بعدم صحة الفضولي أيضا، فان المجيز لم يصدر منه البيع حتي يصدق عليه البائع.

و بعبارة واضحة: ان الجمع بين صحة الفضولي و عدم الخيار غير سديد، فانه اما يصدق عليه البائع و اما لا يصدق، فعلي الاول يثبت له الخيار أيضا، و علي الثاني لا يكون الفضولي صحيحا أيضا، فالتفكيك بين المقامين لا وجه له. نعم قد تقدم منافي بحث الفضولي الاشكال في صحته، لكن المحقق الاصبهاني قائل بالصحة.

الثالث- ما ذهب اليه الشيخ

بأن الخيار ثابت للمالكين مع حضور هما في مجلس الاجازة علي القول بالنقل.

و يرد عليه: أنه لا وجه لهذا التفصيل، فان الميزان صدق الموضوع، فلا بد من ملاحظة أنه متي يتحقق فيحكم فيه بثبوت الحكم.

اذا عرفت ما تقدم فاعلم أن الحق في المقام هو القول الرابع، بأن نقول:

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 52

المعيار و الميزان مجلس الاجازة مطلقا بلا فرق بين الكشف و النقل، لأنه بالاجازة ينتسب العقد الي المجيز و يصدق عليه البيع، فالميزان بمجلس الاجازة.

و لتوضيح الحال نشير الي جملة من الاقسام

المتصورة في المقام فنقول:

يمكن أن يتصور في المقام صور عديدة: فتارة يكون الطرفان فضوليين، فيجيز المالكان في مجلس العقد، لا شبهة في صحة هذه الصورة علي القول بصحة الفضولي. و أخري لا يكون المالكان في مجلس العقد او كانا و لكن لم يجيزا فيه بل أجازا في خارج مجلس العقد، فيثبت الخيار لهما بلا فرق بين القول بالنقل و الكشف. و ثالثة يكون الانشاء أصالة من طرف و اجازة من طرف آخر في مجلس واحد، فلو أجاز المالك فلهما الخيار ما دام المجلس باقيا، و لو لم يكن المالك في المجلس أو كان و لم يجز في المجلس بل أجاز في خارجه هل يثبت الخيار أم لا؟

أفاد الاستاذ في الدورة السابقة بأنه لا يتحقق الخيار بهذه الاجازة، لان بيع الفضولي يكون من حين الاجازة و بيع الاصيل كان في مجلس العقد.

الا أنه دام ظله رجع عن هذا في الدورة الاخيرة و التزم بثبوت الخيار لعدم ترتب أثر علي البيع قبل الاجازة، فانه و ان كان أصيلا لكن المفروض أنه فضولي من الطرف الاخر، فالبيع صحيح حين الاجازة.

هذا ما أفاده دام ظله، و الحق انه يشكل الالتزام به، اذ الظاهر من الدليل أن الخيار يتحقق حين صدور البيع و صدور البيع من الاصيل حين العقد لا حين الاجازة. و مما ذكرنا يظهر أن المجيز لو أخر الاجازة عن مجلس العقد فان في تأثيرها تأملا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 53

قوله: نعم يحتمل في أصل المسألة. (1)

قوله: و لا فرق في الفضوليين بين الغاصب و غيره (2).

قوله: فلو تبايع غاصبان ثم تفاسخا (3).

أقول: حاصل ما أفاده قدس سره أنه يمكن أن تكون الاجازة من المجيز التزاما بالعقد،

فلا خيار بعدها خصوصا اذا كانت بلفظ التزمت.

و يرد عليه: ان الاجازة بأي لفظ كانت و لو بلفظ «التزمت» تدل علي الرضا بأصل العقد، و أما اسقاط الخيار فلا يستفاد منها، ضرورة انها قائمة مقام إنشاء العقد، و لا تزيد عن ايقاع العقد بالمباشرة و لا يتجاوز مؤدي الاجازة عن مؤدي إنشاء العقد. نعم اذا قامت القرينة علي ارادة الاسقاط منها او كانت الاجازة من الالفاظ الدالة علي ذلك- كما اذا كانت الاجازة بلفظ «اسقطت خياري» - فلا خيار بعدها، و لعله أشار الي هذا المعني بقوله: فتأمل.

أقول: لا فرق في الفضوليين بين أن يكونا غاصبين أو مشتبهين، فانه لا مدخلية للغصب و عدمه فيما هو المهم في المقام، فان الوجه في عدم الخيار فساد البيع، و هذا قدر مشترك بين مورد الغصب و عدمه.

أقول: حاصل ما أفاده انه لو وقع التفاسخ بعد العقد من الفضوليين لا يقدح في صحة الاجازة، اذ المفروض أنهما ليس لهما الخيار فتفاسخهما لا أثر له، بخلاف ما رجع الموجب عن ايجابه قبل حصول القبول فانه مانع عن تحقق العقد فليس قابلا للإجازة.

و يرد عليه: انه لو وقع التفاسخ يكون معناه انهدام الالتزام و التعهد و مع انهدامه لا يبقي موضوع للإجازة، كما هو كذلك في رجوع الموجب عن ايجابه قبل القبول.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 54

[مسألة لو كان العاقد واحدا يثبت له الخيار أم لا]
اشارة

قوله: مسألة لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره (1).

أقول: يعني اذا اشتري لنفسه عن غيره او اشتري لغيره عن نفسه أو عن غيره، و أما شراؤه لنفسه عن نفسه فغير معقول، و لا يوجد في الخارج اتحاد من يباع له و من يشتري له سواء كان ذلك

الواحد هو نفس العاقد أم لا.

و الحاصل ان صور المسألة- أعني اتحاد العاقد- أربعة الا أنه واحد منها و هو القسم الاخير لا تحقق له في الخارج. و كيف كان لو كان العاقد واحد أو هو يباشر طرفي العقد بنفسه علي التفصيل المذكور هل يثبت له الخيار أو لا؟ قولان.

ما يمكن أن يقال أو قيل في وجه عدم الخيار أمور:
الاول- ان الموضوع في دليل خيار المجلس عنوان التثنية،

و هو ظاهر في صورة تعدد البائع و المشتري، و لو كان العاقد واحدا كما في المقام لم يصدق عليه عنوان البيعين بل انه بيع واحد، فالخيار يكون لكل من البائع و المشتري بانفراده، فلا يثبت مع قيام العنوانين لشخص واحد.

و الجواب عنه: ان الموضوع في الدليل هو عنوان المثني الا أنه كلما صدق عنوان البائع و المشتري يصدق عنوان البيعين، و هذان العنوانان- أعني البائع و المشتري- قد يصدق في ضمن الواحد و قد يصدق في ضمن المتعدد، فيكون البيعان أيضا كذلك، فان عنوان البيعين مأخوذ علي نحو القضية الحقيقية، فكلما يصدق يثبت له الخيار بلا فرق بين الواحد و المتعدد.

و ان شئت فقل: ان موضوع الحكم كل واحد واحد علي سبيل الاستغراق، و التثنية مجرد الجمع في التعبير، و يكون المقصود أن الخيار ثابت للبائع و المشتري و لا موضوع للتثنية كما هو ظاهر. و ملخص الكلام ان المستفاد من الدليل أن الحكم مترتب علي العنوان بنحو القضية الحقيقية، فكلما صدق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 55

عنوان الموضوع ترتب عليه الحكم.

الثاني- ان التقابل بين الافتراق و الاجتماع من باب الملكة و عدمها،

و حيث ان جملة «حتي يفترقا» أخذت غاية في لسان الدليل لا بد من فرض الاجتماع و المفروض ان موضوع الاجتماع غير متحقق فلا يتحقق الخيار، فمقتضي ذلك اختصاص الاخبار الداله علي الخيار بصورة تعدد البائع و المشتري كي يصدق الاجتماع.

و يرد عليه: أن الميزان الكلي انه لو استفيد من الدليل كون شي ء مانعا نلتزم بعدم ترتب الحكم عند وجود ذلك المانع. مثلا لو قال المولي «اكرم العلماء الا الفساق» نلتزم بحرمة اكرام الفاسق و لا نلتزم باشتراط الموضوع بالعدالة. و بعبارة أخري: لا دليل علي تقييد الموضوع بعدم ذلك المانع بل

انما نلتزم بعدم ثبوت الحكم عند وجود المانع، و في المقام يكون الافتراق مانعا عن الخيار و نلتزم به، و لا وجه للالتزام بتقييد الموضوع بعنوان ضد ذلك المانع اي عنوان الاجتماع كي يقال: حيث انه ليس فليس.

الثالث- ان كلمة «حتي» في قوله «حتي يفترقا» تكون غاية فيما كان الافتراق ممكنا،

و أما فيما كان العاقد واحدا فلم يمكن الافتراق كي تكون غاية.

و بعبارة أخري: ان كلمة حتي فيما دخلت علي المستحيل ليست غاية للحكم بل تدل علي الاستمرار، كقوله تعالي «حَتّٰي يَلِجَ الْجَمَلُ»، و حيث أن الافتراق غير ممكن فيما كان العاقد واحدا فتدل حتي علي استمرار الخيار. و هو واضح البطلان، لان خيار المجلس له أمد خاص. فيتضح من هنا ان قوله «حتي يفترقا» لا ينظر الي مثل المقام بل ناظر فيما يكون الافتراق ممكنا.

و الجواب عنه: ان ما أفيد في المقام كان متينا لو كانت القضايا المتكفلة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 56

قوله: ثم لو قلنا بالخيار فالظاهر بقاؤه الي أن يسقط بأحد المسقطات غير التفرق (1).

لبيان الاحكام علي نحو القضايا الخارجية، الا أنها ليست كذلك، بل تكون علي نحو القضايا الحقيقية، و عندئذ يكون لقوله «حتي يفترقا» فردان قابل للافتراق و غير قابل، و مثل ذلك لا يضر بالقضية الحقيقية كما هو واضح عند أهله.

الرابع- ان ثبوت الخيار للشخص الواحد يتوقف علي أن يكون قوله «البيعان بالخيار» كلاما مستقلا،

و حيث انه ليس كذلك بل ذيل بقوله «حتي يفترقا» يفهم من الدليل أن الموضوع مقيد بقيد الاجتماع. و بعبارة أخري: لا بد من امكان الافتراق، فكل مورد لا يمكن الافتراق لا يتحقق الخيار كما في المقام و كما فيما يكون احدهما وكيلا مفوضا و لم يكن المالك حاضرا في المجلس لا يتحقق الخيار لعدم امكان التفرق.

و يرد عليه: أولا النقض بما لو كانا متعددين لكن لا يمكن افتراقهما كما لو ألصق أحدهما بالاخر فهل يمكن الالتزام بعدم الخيار، و ثانيا نجيب بالحل و هو أن مبدأ سقوط الخيار تحقق الافتراق فكل مورد لا يمكن تحقق هذا العنوان نلتزم ببقاء الخيار، فالموضوع للخيار يتحقق علي الفرض. و

أما في مسألة الوكيل المفوض فالافتراق تحصل بالموت كما هو ظاهر.

فانقدح بما ذكرنا ان الحق هو ثبوت الخيار، لكن مع ذلك كله في النفس شي ء و لا ينبغي أن يترك الاحتياط الذي يكون طريقا للنجاة.

أقول: يقع الكلام بعد ثبوت المجلس في أمده و بقائه: هل هو باق الي الابد، أو باق الي أن يسقط بأحد المسقطات، أو بطول المجلس بالمقدار المتعارف، أو بمقدار أطول المجالس؟ وجوه.

أفاد السيد اليزدي قدس سره يمكن أن يقال: انه يبقي الي مقدار طول

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 57

قوله: مسألة لا يثبت خيار المجلس في شي ء من العقود سوي البيع عند علمائنا (1).

مجلس نوع المتعاقدين، بمعني مقدار أطول المجالس أو اوسطها.

و فيه نقضا و حلا: أما النقض فيما لو كان المتعاقدان شخصين و لكنهما لم يفترقا لشدة حب بينهما فلا بد أن يلتزم السيد بسقوطه بانقضاء أطول المجالس او اوسطها و هو كما تري. و اما الحل فبان دليل الخيار لم يحدد لنا حدا و ما ذكره السيد لا دليل عليه.

و الحق كما أفاده الشيخ أن الخيار باق الي أن يسقط بأحد المسقطات غير التفرق، فانه غير ممكن في المقام علي الفرض.

[مسألة هل يختص خيار المجلس بالبيع أو يعم جميع العقود]

أقول: يقع البحث في مقامين: الاول ان خيار المجلس هل يختص بعقد البيع أو يعم لجميع العقود اللازمة، الثاني انه هل يجري خيار المجلس في العقود الجائزة أم لا؟

(اما المقام الاول) فنقول: انه لا يثبت خيار المجلس في غير البيع من العقود اللازمة كالصلح و الاجارة و الرهن و القرض لاختصاص أدلته بالبيع كقوله «البيعان بالخيار»، فان موضوعه عنوان البيع و لا يجري في غيره لعدم العلم بالملاك. نعم ربما نلتزم بحرمة الغرر و لو في غير البيع

بدعوي معلومية الملاك، و أيضا نلتزم بثبوت خيار العيب للشرط الضمني الساري في جميع الموارد.

نعم بعض خصوصياته كالأرش مثلا مختص بالبيع لاختصاص دليله به.

(و أما المقام الثاني) و هو ثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة فنقول:

الظاهر أنه لا يثبت هذا الخيار في شي ء من العقود الجائزة، فانه مضافا بما تقدم في المقام الاول نقول: ان مورد أدلة الخيار العقد الذي يشمله دليل اللزوم، فان دليل الخيار مخصص لدليل وجوب الوفاء، فالعقد الذي لا يكون مشمولا لدليل وجوب الوفاء لم يكن وجه للخيار. و حيث ان العقود الجائزة غير مشمولة لدليل «أَوْفُوا» فلا يثبت فيها الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 58

و بعبارة أخري: الخيار فرع اللزوم، و مع فرض الجواز تحصيل للحاصل.

قال الشيخ في المبسوط: و أما الوكالة و الوديعة و العارية و القراض و الجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع، و أفاد المصنف بأن مراده منهما خياري الشرط و المجلس، و صرح ابن ادريس في السرائر بدخول الخيارين في هذه العقود لأنها جائرة فيجوز الفسخ في كل وقت، و قال: و هذا محتمل كلام الشيخ.

و يرد عليه: أنه لا خصوصية لهذين الخيارين، فلا وجه لحمل كلام الطوسي علي ما ذكره.

و احتمل المصنف احتمالا آخر، و هو أن يكون مراده دخول الخيارين في هذه العقود اذا وقعت في ضمن عقد البيع فتنفسخ بفسخه.

و أورد عليه السيد اليزدي قدس سره بأنه علي هذا أيضا يكون الخيار في البيع لا في الوكالة التي وقعت في ضمن البيع مثلا، فما ذكر المصنف أيضا لا يصحح كلام الطوسي، و قال الاولي أن يقال: بناء علي ارادة هذا المعني أنه يدخل الخيار فيها اذا وقعت في ضمن العقد

بعنوان شرط النتيجة، فان مقتضي القاعدة لزومها حينئذ لو لا دخول الخيار فيها، فيمكن أن يقال بجريان الخيار بأن يفسخ الوكالة المشروطة في البيع مع عدم فسخ اصل البيع. لكن هذا صحيح بالنسبة الي خيار الشرط لعموم أدلته، و أما بالنسبة الي خيار المجلس فلا لاختصاص دليله بالبيع.

أقول: أن ما أفاده المصنف قدس سره في توجيه كلام الطوسي فيرد عليه:

انه لو وقعت الوكالة في ضمن عقد البيع و لم يشترط فيه الخيار لا وجه لانفساخها حتي بعد فسخ البيع، اذ مقتضي نفوذ الشرط بقاؤه و لو بعد انعدام العقد بالفسخ.

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 58

و بعبارة أخري: الشرط تابع للعقد حدوثا لا بقاء.

و ان شئت قلت: ان دليل لزوم الوكالة ليس منحصرا بدليل «أَوْفُوا» حتي تنفسخ بانفساخ أصل العقد لقانون تبعية الفرع للأصل، فان قوله «المؤمنون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 59

قوله: و مقتضاه كظاهر الفتاوي شمول الحكم للصرف و السلم قبل القبض (1).

عند شروطهم» يدل علي لزومها، سواء كانت مشروطة علي نحو شرط الفعل أو النتيجة. و الحاصل ان الوكالة المشروطة في ضمن العقد اللازم لازمة. نعم لو كانت لازمة بلزوم العقد من باب وجوب الوفاء تنفسخ بانفساخ العقد، و أما ان كان من باب لزوم الشرط فلا. و لعل هذا التحقيق لم يسبقني اليه سابق من الاعلام، و علي اللّه التكلان.

[خيار المجلس هل يجري في جميع أقسام البيع أو يختص بغير بيع الصرف و السلم]
اشارة

يقع الكلام في أن خيار المجلس هل يجري في جميع أقسام البيع أو يختص بغير بيع الصرف و السلم، و لا بد أن يبحث في مقامين: الاول في وجوب التقابض وجوبا تكليفيا

كي يترتب علي ثبوت الخيار ارتفاع الوجوب بالفسخ الثاني علي تقدير عدم الوجوب التكليفي هل يترتب علي الخيار أثر و علي فرض وجود الاثر هل يساعده الدليل أم لا؟.

(أما المقام الاول) فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه الوجوب أمور:
الامر الاول- الروايات الدالة علي وجوب التقابض،

كقوله عليه السلام فيما رواه منصور بن حازم: اذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتي تأخذ منه و ان نزي حائطا فانز معه «1».

و الجواب عنه: ان المستفاد من هذا القبيل من الروايات الواردة في باب المعاملات كونها ارشادا الي الشرطية، و حملها علي الحكم التكليفي خلاف المتفاهم العرفي منها، كما هو كذلك فيما روي عنه عليه السلام «نهي النّبيّ عن بيع الغرر» «2» فان البيع الغرري ليس من المحرمات الشرعية، فان النهي عنه

______________________________

(1) الوسائل الجزء (12) الباب (2) من أبواب الصرف، الحديث (8).

(2) المستدرك الباب (31) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 60

ارشاد الي فساده.

(الامر الثاني) ما أفاده العلامة في التذكرة من أنه لو لم يتقابضا يكون ربويا فيكون حراما.

و يرد عليه: أولا ان لزوم الربا يكون فيما اذا سلم أحدهما دون الاخر، و اما مع عدم التقابض من الطرفين فلا وجه لتوهم الربا.

و ثانيا- انه علي تقدير كونه ربويا تكون المعاملة باطلة، و هذا كما تري أجنبي عن محل الكلام فان النزاع يكون في وجوب الاقباض و عدمه و أما لزوم الربا فلا يترتب عليه الا الفساد.

و ثالثا- ان لزوم الربا يكون فيما اذا اشترط التأجيل، و أما اذا كانت المعاملة نقدية و لم يسلم أحدهما العوض خارجا فانه لا رباء فيه.

و رابعا- ان الربا علي تقدير لزومه انما يلزم في الصرف، و اما السلم فهو سالم عنه فيكون الدليل أخص من المدعي.

(الامر الثالث) ان الاقباض شرط ارتكازي بين الطرفين فيجب الوفاء به.

و فيه: أولا ان الليل أخص من المدعي، فان القبض من أحدهما يجب اذا أقبضه الاخر، فلا مقتضي لوجوب الاقباض ابتداء.

و ثانيا- ان وجوب الوفاء بالشرط و وجوب القبض و الاقباض متوقف علي صحة العقد و صحة العقد متوقفة علي وجوب القبض و الاقباض، و هو دور باطل.

اللهم الا أن يقال: ان دليل وجوب الوفاء لو كان عموم وجوب الوفاء بالعقد لكان هذا الاشكال في محله، اذ لا يتعلق وجوب الوفاء الا فيما يكون العقد صحيحا فيصح أن يقال: ان صحة الشرط تتوقف علي وجوب الوفاء و وجوبه يتوقف علي تحقق الشرط فيدور، و اما لو قلنا بأن المدرك عموم قوله عليه السلام «المؤمنون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 61

عند شروطهم» فلا يتوجه هذا الاشكال.

ان قلت: كيف يمكن أن يكون العقد باطلا و يكون الشرط صحيحا.

قلت: لنا أن نقول: بأنه اذا صدق و تحقق عنوان الشرط يشمله دليل وجوب العمل به، فان اشتراط كون الشرط في ضمن العقد لم يثبت

بدليل لفظي تعبدي كي يدعي انصرافه عن مورد العقد الفاسد، بل هذا الاشتراط مستفاد من مفهوم الشرط، و عليه لا منافاة بين كون العقد فاسدا و بين وجوب الوفاء بالشرط.

و تحقيق الحال في بحث الشرط فانتظر.

(الامر الرابع) ان المستفاد من دليل وجوب الوفاء وجوب الاقباض.

و فيه: أولا انه لا يستفاد منه الحكم التكليفي بل المستفاد منه الحكم الوضعي أي اللزوم.

و ثانيا- ان «أَوْفُوا» يشمل العقد الصحيح، و حيث ان القبض شرط في صحته فبتخلفه لا يكون العقد صحيحا فلا يشمله دليل وجوب الوفاء.

و ثالثا- ان المفروض في المقام انه اشترط عدم الاقباض قبل القبض، و من الظاهر أنه مع الاشتراط لا يكون الاقباض واجبا فانه لا مجال لوجوب الاقباض مع اشتراط عدمه في ضمن العقد، فمع عدم اقباض الطرف لا مجال لوجوب الاقباض ابتداء و بعد اقباضه لا تصل النوبة الي دليل وجوب الوفاء اذ دليل الشرط يكفي للوجوب. و اشكال ان الشرط لا أثر له ما دام لا يكون العقد صحيحا قد مر الجواب عنه آنفا فلا تغفل.

(و أما المقام الثاني) فهو انه علي تقدير عدم الوجوب التكليفي هل يترتب علي الخيار أثر أم لا؟

و ينبغي أن يبحث في موردين: الاول مقام الثبوت بأن يبحث فيه بأنه بناء

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 62

قوله قدس سره: و مما ذكرنا يظهر الوجه في كون مبدء الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليين (1).

علي القول بعدم وجوب التقابض هل يترتب علي الخيار أثر أم لا، الثاني أن يبحث في مفاد الادلة بأنها هل تكون وافية للمطلوب أم لا.

أما المورد الاول فنقول: انه يمكن الالتزام بترتب الاثر علي وجود الخيار و هو أنه مع الخيار لو فسخ ذو الخيار العقد لا يكون قابلا للصحة فلا أثر للقبض بعده.

و أما المورد الثاني فنقول: ان الحق عدم شمول دليل خيار المجلس للمقام اذ المستفاد من دليل الخيار لزوم العقد بالافتراق. و بعبارة أخري: دليل الخيار ناظر الي صورة توجه خطاب «أَوْفُوا» فان قوله «فاذا افترقا وجب البيع» يدل علي أن الافتراق ملزم و مع عدم التقابض يكون الافتراق مبطلا

فلا مجال لثبوت الخيار.

[كون مبدء الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليين]

فتحصل مما ذكرنا امور: «الاول» ان خيار المجلس لا يثبت للمتعاملين في الصرف و السلم. «الثاني» انه يجب الاقباض ابتداء احيانا بمقتضي الشرط «الثالث» ان مبدء الخيار من حين القبض في الصرف و السلم، أي من حين صحة العقد.

أقول: ان ثبوت الخيار من حين الاجازة سواء قلنا بثبوت خيار المجلس في الصرف و السلم من حين العقد أو من حين التقابض، و سواء قلنا بالنقل أو بالكشف في الاجازة.

و قول المصنف بالفرق بين الكشف و النقل بثبوت الخيار لهما من زمان اجازتهما علي القول بالنقل و من زمان العقد علي القول بالكشف، لا وجه له.

و السر في ذلك أن عنوان البيع لا يصدق علي المالك الا حين الاجازة فباجازته

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 63

يكون بايعا، و هذا فيما يكون الفضولي من الطرفين ظاهر، و أما لو كان من طرف واحد فهل يكون ثابتا للأصيل من حين العقد أم لا؟ الظاهر هو الثاني اذ الخيار من أحكام العقد الصحيح و قبل اجازة المالك لا يكون العقد صحيحا فلا يكون الخيار ثابتا للأصيل. نعم له أن يرفع اليد من التزامه قبل اجازة الاخر كما أن الموجب يمكن أن يرفع اليد عن ايجابه قبل قبول المشتري، و هذا لا يرتبط بالخيار فلا تغفل.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 64

[الكلام في مسقطات الخيار]
[المسقط الاول اشتراط سقوطه في ضمن العقد]
اشارة

الكلام في مسقطات الخيار قوله: القول في مسقطات الخيار و هي اربعة: الاول اشتراط سقوطه في ضمن العقد (1).

أقول:

اشتراط سقوط الخيار في ضمن العقد يتصور علي أقسام:
القسم الاول أن يشترط عدم الخيار،
اشارة

و قد عبر عنه في لسان المشهور اشتراط سقوط الخيار. القسم الثاني أن يشترط عدم الفسخ فيقول بعتني بشرط أن لا أفسخ، و يعبر عنه عدم الاخذ بالخيار القسم الثالث أن يشترط اسقاط الخيار. اذا عرفت ذلك فنقول:

(أما القسم الاول)

فقد استدل علي عدم الخيار باشتراط عدمه في ضمن العقد بوجوه:
الاول- الاجماع.

و فيه انه معلوم المدرك، و لا أقل من محتمله، فانه يحتمل لو لم يقطع بأن المدرك عموم دليل الشرط.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 65

الثاني- العمومات

كقوله «المسلمون أو المؤمنون عند شروطهم» «1» فيشمل عموم الشرط لشرط عدم الخيار في ضمن البيع.

و قد استشكل علي الاستدلال بدليل الشرط في المقام من وجوه:
الاول: ان الشرط متعلق بالامر الاختياري، و من الظاهر أن جعل الخيار و عدمه من فعل الشارع،

و أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله بأن الايراد المذكور قوي لكن النص الخاص الوارد في باب المكاتبة يقتضي الصحة، و هي صحيحة مالك بن عطية عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السلام سألته عن رجل كان له أب مملوك و كانت لأبيه امرأة مكاتبة قد أدت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن اعينك في مكاتبتك حتي تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار علي أبي اذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها علي أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك. قال: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم «2».

و المستفاد من هذه الرواية سقوط الخيار باشتراط سقوطه. و الحق في الجواب أن يقال: ان جعل أمر علي عاتق أحد يتوقف أن يكون اختياريا، و أما الشرط فلا يلزم أن يكون كذلك، فان الشرط ربط أحد الامرين بالاخر، فالاشكال ساقط من أصله. مضافا الي النص الوارد في المكاتبة. و أيضا يستفاد من بعض النصوص

______________________________

(1) المروية في الجزء (15) من الوسائل من ابواب المهور، الحديث (4) بعنوان المؤمنون، و الباب (40) بعنوان فان المسلمين، و في الجزء (12) الباب (6) من أبواب الخيار، الحديث 1- 2- 5 بعنوان فان المسلمين، و في الجزء (16) الباب (11) من ابواب مكاتبة الحديث (1) بعنوان المسلمون.

(2) الوسائل، الجزء (16) الباب (11) من أبواب المكاتبة، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 66

الواردة في الباب الرابع من المكاتبة بأن المكاتب لو عجز عن أداء مال الكتابة يرد الي الرقية لصحة الشرط و الحال

ان الرد الي الرقية فعل اللّه فلاحظ.

و استشكل علي الاستدلال بالرواية بأن الشرط المذكور في الرواية ابتدائي و الاجماع قائم علي عدم وجوب الوفاء علي الشروط الابتدائية، فلا يمكن العمل بمضمون الرواية.

و أجاب عنه السيد اليزدي قدس سره: أن هذه الرواية دليل علي شمول أدلة الشروط للشروط البدوية و أنها أيضا واجبة الوفاء، و الاجماع علي الخلاف ممنوع.

و أفاد المصنف: يمكن أن تحمل الرواية الدالة علي سقوط الخيار باشتراط سقوطه علي صورة المصالحة علي اسقاط الخيار المتحقق سببه بالمكاتبة بذلك المال.

أقول: و في كلا الجوابين نظر، أما كلام السيد فغريب، اذ أن الشرط المذكور ليس ابتدائيا، كيف فانه وقع في ضمن الهبة. و أما كلام الشيخ فانه أغرب منه و انه قدس سره كيف حمل الرواية علي صورة المصالحة مع أنها لا أثر لها في الرواية، فان سقوط الخيار يكون بالاشتراط كما هو أوضح من أن يخفي. و التحقيق أن يقال: ان الشرط في الرواية وقع في ضمن العقد، و أعني به الهبة، فيجب الوفاء بمضمونه و هو سقوط الخيار.

لا يقال: ان الهبة تكون من العقود الجائزة فالشرط في ضمنها لا تكون لازمة.

لأنا نقول: ان الامر و ان كان كذلك الا أنها تصير لازمة بالتصرف، فان الامرأة تصرفت في الموهوب بأدائه الي المولي و هو موجب للزومها. مضافا الي أنه قد مر منا أن الشرط يلزم و لو كان في ضمن العقد الجائز. فليكن في ذكرك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 67

لعله ينفعك فيما بعد.

فتلحض أن الخيار يسقط باشتراط سقوطه، و لا يرد عليه الاشكال بأن الخيار ليس جعله بيد المتعاملين حتي يسقط باسقاطهما فانا قلنا انه ليس هذا المعني معتبرا في الشرط. هذا أولا

و ثانيا ان النص دال علي المقصود.

(الثاني) ان الشرط يجب الوفاء به اذا كان العقد المشروط فيه لازما،

لان الشرط في ضمن العقد الجائز لا يزيد حكمه علي أصل العقد، فلزوم الشرط يتوقف علي لزوم العقد، فلو توقف لزوم العقد علي لزوم الشرط لزم الدور.

ان قلت: ان لزوم الشرط يتوقف علي لزوم العقد، و أما لزوم العقد فيتوقف علي صحة الاشتراط، فالمتوقف عليه غير المتوقف عليه.

قلت: ان دليل صحة الاشتراط و لزوم الشرط دليل واحد فالاشكال باق بحاله. و الحق أن يجاب عن الاشكال: أولا انه لم يدل دليل لفظي علي اشتراط كون العقد لازما قبل الشرط لا بالقبلية الزمانية و لا الرتبية، فلا مانع من تحقق العقد و لزومه بالشرط. و ان شئت قلت: ان الدور دور معي. و ثانيا ان الشرط في المقام عبارة عن عدم الخيار، فلو فرض عدمه بالشرط فلا مقتضي للخيار، بل مقتضي القاعدة اللزوم، و ثالثا ان اصل المبني فاسد فالبناء مثله.

و ملخص الكلام ان الشرط عبارة عن ارتباط أحد الامرين بالاخر، و معني الشرط الضمني أن العقد ارتبط به، و لذا نقول بأنه لا معني للشرط الابتدائي فانه خلف، فعليه نقول: لا فرق في لزوم الشرط بين كون ظرفه العقد اللازم أو الجائز، فان دليل لزوم الشرط- أي قوله «المؤمنون عند شروطهم» - يقتضي لزوم الشرط و لو كان العقد جائزا. بل لنا أن نقول: بأن الشرط في ضمن العقد الفاسد صحيح و لازم و ان كان هذا المدعي يقرع الاسماع.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 68

أضف الي ذلك كله أنه لو لم يكن الشرط في ضمن العقد الجائز لازما لم يكن في ضمن الهبة لازما، و الحال أن الامام عليه السلام طبق «المؤمنون عند شروطهم» علي الشرط الواقع

في ضمنها.

ان قلت: ان الهبة هنا مشروطة، و هي لازمة كما حقق في محله.

قلت: ان الهبة اللازمة هي الهبة المعوضة، و أما الهبة المشروطة فأي دليل علي لزومها.

(الثالث) ان أدلة الشروط معارضة بعموم أدلة الخيار،

و نتيجة التعارض التساقط، فلا أثر لدليل الشرط.

و الجواب عن هذا الاشكال: ان دليل الشرط مقدم علي أدلة الاحكام، و لا تلاحظ النسبة و الا يلزم أن لا يكون الشرط مؤثرا الا في اشتراط واجب أو ترك محرم و هو كما تري. و بعبارة أخري: ان العناوين الثانوية تقدم علي أدلة الاحكام الاولية، كما أن الامر كذلك في دليل النذر و العهد و اليمين.

هذا أولا، و ثانيا مع فرض التعارض و التساقط تكون النتيجة اللزوم بمقتضي عموم وجوب الوفاء بالعقود، فالمطلوب حاصل أيضا و هو عدم الخيار.

أضف الي ذلك كله ما ورد في مسألة اشتراط عدم الخيار للمكاتبة، و ما ورد في اشتراط رد المملوك الي الرقبة لو عجز من أداء مال الكتابة «1».

(الرابع) ان هذا الشرط مخالف لمقتضي العقد

علي ما هو ظاهر قوله «البيعان بالخيار»، فاشتراط عدم كونهما بالخيار اشتراط لعدم بعض مقتضيات العقد.

و فيه: ان الآثار المرتبة علي العقد قسمان: قسم منها ما يتوقف عليه قوام العقد و بانتفائه ينتفي العقد كالملكية في البيع و الزوجية في النكاح، و قسم منها

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (16) الباب 10 و 16 من ابواب المكاتبة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 69

لا يكون كذلك كالخيار المستفاد من قوله «البيعان بالخيار» فانه لا يتوقف عليه قوام العقد. فما ذكره المستشكل وارد علي القسم الاول، فان اشتراط عدم حصول الملكية في البيع جمع بين المتنافيين، و أما القسم الثاني فهو خال عن الاشكال المذكور كما لا يخفي. و ببيان آخر: ان الخيار ليس مقوما للبيع بل يكون أثرا مترتبا عليه لو خلي و طبعه بمقتضي الدليل لو لم يوجد ما يمنع عن ترتب هذا الاثر.

(الخامس) ان اشتراط سقوط الخيار في ضمن العقد اسقاط لما لم يجب،

لان الخيار لا يحدث الا بعد البيع فاسقاطه فيه كإسقاطه قبله.

و فيه: أولا انه لا محذور في اسقاط ما لم يجب الا اشكال التعليق، و التعليق لا دليل علي بطلانه الا الاجماع، و حيث أنه دليل لبي يقتصر فيه علي القدر المتيقن من مورده و هي العقود أو الاعم منها و من الايقاعات، و اما التعليق في الشرط فلا دليل علي بطلانه. و ثانيا انه يمكن أن يتحقق الشرط بنحو لا يكون اسقاطا كي يتوجه عليه هذا الاشكال بأن يشترط عدم الخيار و الدليل علي صحته صحيح عطية «1».

(السادس) ان اشتراط سقوط الخيار خلاف السنة،

اذ بمقتضي قوله «البيعان بالخيار» يثبت الخيار و اشتراط عدمه مخالف له.

و قد أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله بأن اشتراط عدم الخيار مرجعه الي نسخ الحكم، و لم يقل أحد بصحة مثل هذا الشرط، فمعني اشتراط عدم الخيار اسقاطه في ضمن العقد بالشرط، و من الظاهر أن اسقاط الخيار ليس خلافا للسنة.

و يرد عليه: أولا النقض بموارد الحلف و النذر و العهد، فان الفعل المباح

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (16) الباب (11) من أبواب المكاتبة، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 70

بالمعني الاعم يجب أو يحرم بلحاظ تعلق هذه العناوين و ليس فيه محذور النسخ.

و ثانيا- بالحل، و هو أنه لا تعارض بين أدلة العناوين الثانوية و الاولية، فان الخيار مجعول للعقد لو خلي و طبعه و الشرط يمنع عن انعقاده هكذا. و بعبارة أخري: ان العقد يتحقق لازما بمقتضي الشرط فلا نسخ. نعم يرد عليه أنه خلاف السنة، و لذا نجيب عن أصل الاشكال بأن صحيحة عطية المتقدمة آنفا تقتضي صحة هذا الاشتراط.

(و أما القسم الثاني) و هو ما اشترط في العقد عدم الاخذ بالخيار،
اشارة

فيقع البحث فيه في مقامين: الاول في صحة هذا الشرط، الثاني انه علي تقدير صحة الشرط لو خالف و فسخ هل يؤثر في العقد أم لا؟

(أما المقام الاول) [في صحة هذا الشرط]

فلا اشكال في صحته، و لا يرد عليه ايراد من الايرادات المتقدمة، فان عدم الفسخ أمر جائز و بالشرط يجب فلا محذور.

(و أما المقام الثاني) فما يمكن أن يقال أو قيل في وجه عدم تأثير فسخه لو خالف الشرط أمور:
الاول- ان دليل الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب اجباره علي الوفاء بالعقد و عدم سلطنته علي تركه،

لان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فالشارع سلب القدرة عن الفاسخ فيكون فسخه كلا فسخ بعد حرمته.

و يرد عليه: أنه لا تلازم بين الحرمة التكليفية و الفساد الوضعي، فان النسبة بينهما عموم من وجه، فان البيع قد يكون حراما و لا يكون فاسدا كالبيع في أثناء الصلاة و قد يكون فاسدا و لا يكون حراما كالبيع الغرري، و قد يجتمعان معا كبيع الخمر.

الثاني- ان اطلاق دليل وجوب الوفاء بالشرط يقتضي وجوب ترتيب آثار الشرط

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 71

و هو عدم الفسخ في جميع الاحوال حتي بعد الفسخ، و من آثار عدم الفسخ حرمة التصرف، و هو معني عدم نفوذ الفسخ و الا فلا وجه للحرمة.

و يرد عليه نقضا و حلا: أما النقض فبما اذا شرط هبة داره في ضمن البيع فهل يجب عليه ترتيب أثر الشرط في صورة عدم العمل علي مقتضي الشرط، و هل يلتزم أحد بأن المشروط عليه قبل الهبة يجب عليه ترتيب أثر الهبة، كلا ثم كلا.

و أما الحل فان الشرط الذي يجب الوفاء به نفس الالتزام لا الملتزم به، و بعبارة أخري: ان الشرط عبارة عن الالتزام بعدم الفسخ، و ملخص الكلام ان الامر بالوفاء بالشرط عبارة عن لزوم اتمام الالتزام و عدم رفع اليد عنه، و حيث أن رفع اليد عن الالتزام ليس حراما تكليفيا يعلم أن الشرط لازم و لا يتغير برفع اليد، لكن لو فسخ العقد و لم يف بشرطه يكون مقتضي القاعدة أن ينفسخ العقد.

هذا علي تقدير القول بكون الامر بالوفاء بالشرط ارشاديا، و أما ان كان مولويا فهو يدل علي أن المشروط عليه يجب أن يلتزم بذلك في وعاء الشرع، و لكنه اذا خالف الشرط و فسخ العقد يشمله اطلاق أدلة الخيار، فانه يدل علي

انحلال العقد بالخيار سواء كان اعماله محرما أم لا. و نظير المقام ما لو حلف شخص علي عدم الفسخ أو نهي أبوه عن ذلك و لكنه فسخ عصيانا يؤثر فسخه.

الثالث- ان الشرط قد أحدث حقا للمشروط له في خيار المشروط عليه يمنعه عن العمل بمقتضي خياره كمنع حق الرهانة من بيع العين

و لذا يجوز اجباره عليه.

و أجيب عنه: ان جواز اجبار المشرط عليه انما يكون لتوجه خطاب دليل وجوب الوفاء بالشرط و له أن يجبره علي ذلك، و أما سلب الاختيار عنه بحيث يمنع عن التصرف في البيع فلا يستفاد منه. و بعبارة اخري: نسلم أن الشرط يقتضي حقا للمشروط له علي المشروط عليه بحيث يجوز له أن يجبره علي العمل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 72

بالشرط كما لو شرط عليه الخياطة فيجوز اجباره عليها، لكن هل يوجب سلب اختياره أم لا، اول الكلام و لا دليل عليه.

(و أما القسم الثالث) و هو ما يشترط اسقاط الخيار،
اشارة

فقال الشيخ:

و مقتضي ظاهره وجوب الاسقاط بعد الفسخ. أفاد السيد قدس سره: يعني ان ظاهر الاشتراط الاسقاط بعد العقد بلا فصل، و الا فمطلق الاسقاط بعد العقد مقتضي صريحه.

أقول: يمكن أن يكون مراد الشيخ أن الاسقاط يكون بعد العقد لا حين العقد و في ضمنه، و كيف كان يقع البحث في مقامات ثلاث: الاول ان الشرط المذكور صحيح أم لا؟ الثاني انه علي تقدير صحته هل يؤثر أم لا؟ الثالث علي تقدير عدم اسقاطه الخيار هل للمشروط له خيار تخلف الشرط أم لا؟

(أما المقام الاول) فلا ريب في صحته لوجود المقتضي و عدم المانع،

و ما يتصور من كونه مانعا بمقتضي وجوب الوفاء بالشرط قد تقدم الجواب عنه آنفا فلا نعيد.

(و أما المقام الثاني) فأفاد الشيخ: و في تأثير الفسخ وجهان المتقدمان،

و الاقوي عدم التأثير. و بعبارة أخري: انه قدس سره قاس المقام بالقسم الثاني، و لكن الحق أن يفصل في المقام بأن يقال: لو كان الوجه في فساد الفسخ في القسم السابق كونه محرما فلا يتم في المقام، اذ الشرط في المقام عبارة عن الاسقاط لا عدم الفسخ، فلا يكون الفسخ حراما الا بأن يقال ان الامر بالشي ء يقتضي النهي عن الضد، و أما لو كان الوجه في القسم السابق عبارة عن لزوم العمل بالشرط و عدم قدرة المشروط عليه علي خلافه فلا يبعد انطباقه علي المقام أيضا، و قد عرفت عدم تمامية وجه المنع ففي المقام كذلك.

(و أما المقام الثالث) فهل للمشروط له الفسخ بمجرد عدم اسقاط المشترط الخيار بعد العقد و ان لم يفسخ بعد أم لا؟

قيل لا يكون له ذلك، لأنه ما دام

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 73

قوله: بقي الكلام في أن المشهور أن تأثير الشرط انما هو مع ذكره في متن العقد (1).

لم يفسخ لم يحصل التخلف و بعده لا يبقي موضوع للعقد.

و فيه: ان الشرط في المقام عبارة عن اسقاط الخيار، و هو لم يحصل فيصدق التخلف، فيجوز الاخذ بخيار تخلف الشرط، و أما الفسخ و عدمه فلا يتعلق به الشرط حتي يرد عليه الاشكال.

و فصل الشيخ قدس سره بين القول بعدم تأثير الفسخ و القول بتأثيره بقوله:

و الاولي بناء علي القول بعدم تأثير الفسخ هو عدم الخيار لعدم تخلف الشرط، و علي القول بتأثيره ثبوت الخيار لأنه قد يكون الغرض من الشرط عدم تزلزل العقد، و يكون بقاء المشترط علي سلطنة الفسخ مخالفا لمصلحة المشروط له و قد يموت ذو الخيار و ينتقل الي وارثه.

و فيه: انه لا وجه لهذا التفصيل، اذ تأثير الفسخ و عدمه لا مدخلية له في صدق التخلف و هو موجب للخيار، و هذا

ليس أقل مرتبة من جعل الخيار الابتدائي، فكما أن تخلفه يوجب الخيار كذلك في المقام. و الحاصل ان تخلف الشرط في المقام يوجب الخيار و ان لم يترتب عليه الاثر، علي أن الاثر العقلائي موجود في المقام، و هو الاطمئنان باستحكام العقد.

[في أن تأثير الشرط انما هو مع ذكره في متن العقد]
اشارة

أقول: ان الشرط المذكور في متن العقد لا ريب في صحة تأثيره، و أما الشرط المذكور قبل العقد فموقع خلاف بين الاعلام، و اختار الشيخ عدم تأثيره و نقل عن الطوسي القول بتأثيره، الا أنه وجه كلام الطوسي بما يناسب مختاره و قال ما حاصله: و كيف كان فالاقوي أن الشرط غير المذكور في متن العقد غير مؤثر لان المحقق في السابق اما وعد أو التزام ابتدائي لا يجب الوفاء به.

و الذي يوافق التحقيق أن يقع البحث تارة في مقتضي القاعدة الاولية، و أخري في الادلة الخاصة الواردة في المقام. أما مقتضي القاعدة فنقول: ان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 74

معني الشرط ارتباط أحد الامرين بالاخر، فتارة يكون الالتزام العقدي مرتبطا بفعل الطرف كما لو قال «بعتك بشرط أن تخيط لي ثوبا».

ان قلت: ان تحقق البيع معلق علي تحقق الخياطة، و هو لا يحصل قبل حصول المعلق عليه.

قلت: انه لم يتوقف علي تحقق الخياطة الخارجية بل معلق علي الالتزام بها و هو حاصل بالفعل.

ان قلت: انه تعليق و التعليق في البيع يوجب البطلان.

قلت: ان الدليل القائم علي بطلان التعليق ليس دليلا لفظيا كي يتمسك باطلاقه، بل الدليل انما هو الاجماع، و القدر المتيقن منه ما لا يكون المعلق عليه معلوما كقدوم الحاج، و أما ما اذا كان المعلق عليه معلوم التحقق فلا يشمله دليل المنع و لم ينعقد الاجماع فيه، فاذا تخلف المشروط

عليه عن الخياطة يكون العقد صحيحا لكن يثبت للمشروط له الخيار بمقتضي الارتكاز العقلائي.

و أخري لا يكون أصل الالتزام معلقا علي أمر لكن بقاء الالتزام معلق كما لو علق التزامه بالبقاء علي أمر كالخياطة مثلا. و ثالثة يتحقق كلا الامرين، أي يعلق أصل الالتزام و يعلق بقاؤه علي التزامه علي تقدير كذائي.

اذا عرفت ما ذكرنا

فاعلم ان الشرط في ضمن العقد يتصور علي وجوه:
الاول- أن يكون العقد ظرفا للشرط بلا ارتباط،

و لا يجب العمل بهذا الشرط بل لا يصدق عليه الشرط.

الثاني- أن يرتبط بالعقد و يذكر في العقد بالصراحة أو بالاشارة،

و لا شبهة في صحته و وجوب العمل به.

الثالث- ان يقاول عليه قبل العقد و يقع العقد مبنيا عليه،

و الظاهر أنه لا مانع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 75

من صحته.

ان قلت: انه لم يذكر في ضمن العقد.

قلت: يرد عليه أولا النقض بالشروط الضمنية الارتكازية فانها لم تذكر و مع ذلك يجب العمل بها. و ثانيا ان العقود تابعة للقصود، و المفروض أن العقد وقع علي ما ذكر قبلا فيكون مشروطا.

ان قلت: لا يقاس المقام بالشروط الضمنية، فان الارتكاز العقلائي في تلك الموارد يقتضي انفهام المعني.

قلت: هذا الفرق غير فارق، فان دليل الشرط ربما يكون الارتكاز العام العقلائي، و ربما يكون أمرا شخصيا معهودا بين الطرفين. و ان شئت قلت:

القرينة في تلك الموارد عامة و في المقام القرينة قرينة خاصة. هذا ما يقتضيه القاعدة، و أما بلحاظ مفاد الرواية الخاصة فانه وردت روايات «1» في باب المتعة تدل علي عدم ترتب الاثر علي الشرط المذكور قبل العقد.

و أجاب عن الرواية سيدنا الاستاذ علي ما في التقرير بأن مفاد الرواية شرط المتعة فلا يعم شرط النكاح مطلقا فكيف ببقية العقود.

و يرد عليه: ان في مطلقها كفاية، لكن الاشكال من ناحية أخري، و هو أن النصوص وردت في باب النكاح و لا وجه للتعدي الي غيره من بقية الابواب و العقود. و ان أبيت الا عن التسرية فلا بد من الالتزام بفساد العقد فيما يكون مشروطا، اذ المفروض أن الالتزام العقدي يقيده و العقود تابعة للقصود، فانقدح بما ذكرنا أن المتعاملين لو تقاولا قبل العقد علي شرط و أوقعا العقد عليه ينعقد مشروطا. نعم لو غفلا حين العقد يقع مطلقا.

______________________________

(1) الوسائل، الباب 19 من ابواب المتعة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 76

[فرع في قول العلامة في عدم جواز اشتراط نفي خيار المجلس و غيره في متن العقد]

قوله: (فرع) ذكر العلامة في التذكرة موردا لعدم جواز اشتراط نفي خيار المجلس و

غيره في متن العقد، و هو ما اذا نذر المولي أن يعتق عبده إذا باعه بأن قال «للّه علي أن اعتقك اذا بعتك»، قال لو باعه بشرط نفي الخيار لم يصح البيع لصحة النذر فيجب الوفاء به و لا يتم برفع الخيار (1).

أقول: ان تقريب ما ادعاه العلامة انه يفوت غرض المولي بهذا الشرط فيكون فاسدا، و تحقيق الحال يتوقف علي أن نتكلم في مقامين: الاول ما يكون قابلا لان يرجع الي بايعه بالارث أو بغيره من الاسباب، و الثاني ما لا يكون كذلك.

(أما المقام الاول) فلا مانع من الشرط، اذ لا يترتب عليه المحذور. و ما أفاده الميرزا النائيني قدس سره في المقام من عدم القدرة علي الانتقال الي البائع ففيه أن عدم القدرة صحيح لكن المفروض أن القدرة علي العتق يحصل بأحد اسباب الانتقال.

(و أما المقام الثاني) فاثبات المدعي يتوقف علي مقدمتين: الاولي أن يستلزم النهي التكليفي الفساد، الثانية أن يكون تحصيل المقدمات المفوتة واجبة بأن يكون الشرط حراما مقدمة للنذر، و نظيره في باب الوضوء انه قبل الوقت لو علم بعدم وجدان الماء عند الصلاة وجب عليه التحفظ علي الماء.

الا أنه لا يمكن المساعدة علي شي ء من المقدمتين: أما المقدمة الاولي فلعدم الملازمة بين الحرمة التكليفية و الفساد الوضعي، و أما المقدمة الثانية فلعدم وجوب حفظ المقدمات المفوتة.

و بعبارة أخري: ان تفويت غرض المولي لم يقم دليل علي حرمته، فانه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 77

قوله: مسألة و من المسقطات اسقاط هذا الخيار بعد العقد (1).

علي المولي أن يبين ما يلزم و مع عدم البيان لا دليل علي الوجوب، فعليه لا يكون شرط اسقاط الخيار حراما و ان كان مفوتا للغرض النذري.

أفاد

سيدنا الاستاذ علي ما في التقرير بأن الشرط لو كان مخالفا للسنة بعنوانه الاولي فهو باطل، و أما اذا كان مخالفا لها بعنوانه الثانوي فلا يكون باطلا، و في المقام ان الالتزام و الملتزم به لا يكونان خلاف السنة بعنوانهما الاولي بل بعنوان انه تفويت لغرض المولي يكون حراما و هو غير ضائر، فالادلة الآمرة بطرح الشروط المخالفة للسنة لا تشمل المقام.

و فيه: ان المستفاد من اطلاق الروايات أن الشرط اذا كان مخالفا للكتاب و السنة فهو باطل سواء كان مخالفا لهما بعنوانه الاولي أو الثانوي، و لا وجه للتقييد بما ذكره الاستاذ.

أقول:

المقسط الثاني من مسقطات خيار المجلس اسقاطه بعد العقد،
اشارة

و هذا هو المسقط الحقيقي كما أفاده المصنف.

و ما يمكن أن يتمسك به لسقوط الخيار باسقاطه بعد العقد وجوه:
الاول- الاجماع.

و فيه: ان المحصل منه غير حاصل، و علي فرض حصوله محتمل المدرك، فانه يحتمل أن يكون مدركهم أحد الوجوه المذكورة، و المنقول منه ليس بحجة كما حقق في محله.

الثاني- ما أفاده المصنف فحوي ما سيجي ء من النص «1» الدال علي سقوط الخيار بالتصرف،

معللا بأنه رضاء بالبيع، و الوجه في الاولوية انه اذا كان التصرف مسقطا لكونه فعلا كاشفا عن الرضا فالتصريح بالاسقاط مسقط بطريق أولي.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من أبواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 78

و بعبارة أخري: ان المستفاد من الرواية أن الامام عليه السلام طبق الكبري الكلية و هي أن صاحب الخيار له أن يسقط حقه علي المورد. و ان شئت قلت:

يتشكل القياس بأن نقول: هذا تصرف كاشف عن الرضا، و كلما يكون مبرزا للإسقاط يسقط الخيار، فهذا الفعل مسقط. و الانصاف ان هذا الوجه وجبه لا بأس به.

الثالث- أيضا ما تمسك به الشيخ

بفحوي قوله «الناس مسلطون علي أموالهم» «1» تقريب الفحوي أن المراد بالاموال المضافة الي الناس ما أضيف اليهم بالاضافة الملكية، فاذا كانوا مسلطين علي أملاكهم فهم أولي بأن يكونوا مسلطين علي حقوقهم، لان من كان له السلطنة علي الاقوي كان له السلطنة علي الاضعف بنحو أولي.

و أورد عليه المحقق النائيني قدس سره: بأن الاستدلال بفحوي «الناس مسلطون» غير تام، لان السلطنة علي المال، و الحق هي أن يتصرف فيهما بالتصرفات التي تحت سلطنته، و مقتضي هذه السلطنة في مورد العين أن يتصرف فيها و في مورد الخيار أن يتصرف في مورده أيضا بأن يفسخ و أن لا يفسخ، و أما اعدام هذه السلطنة فلا يستفاد من دليل السلطنة.

و أورد عليه سيدنا الاستاذ: بأن اطلاق تسلط الناس علي أموالهم يقتضي كون الناس مسلطون علي أموالهم كيف يشاءون حتي علي اعدامها و هم مسلطون علي اعدام حقوقهم.

و فيه: ان فرض أن قاعدة التسلط يقتضي كون الناس مسلطين علي أموالهم و لو باعدام موضوعها فبانتفاء الموضوع تنتفي السلطنة قهرا، الا أن ذلك ليس

______________________________

(1) البحار،

الجزء (1) طبع قديم الصفحة (154).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 79

قوله: و يمكن الاستدلال بدليل الشرط لو فرض شموله للالتزام الابتدائي (1).

اسقاط الخيار. و بعبارة أخري: لا يستفاد من الرواية كون الناس مسلطين علي سلطنتهم و هي هنا اسقاط الخيار. و بعبارة واضحة: يمكن للمسلط علي العين اعدام السلطنة باعدام العين كما لو أكل طعامه، و أيضا يمكن لذي الحق أن يعدم السلطنة باعدام موضوعه بأن يفسخ العقد، و الكلام في اعدام نفس السلطنة، فايراد سيدنا الاستاذ علي استاذه غير تام.

و أورد المحقق الايرواني: بأن علقة الحق أضعف من علقة المال، و السلطنة في القوي لا تقتضي السلطنة علي الضعيف، بل الامر بالعكس.

و أورد عليه سيدنا الاستاذ: بأن المدعي أن الشخص مسلط علي السلطنة الملكية، و من الظاهر أنه لو ثبتت السلطنة علي القوي تثبت علي الضعيف بطريق أولي.

و يرد علي كلام سيدنا الاستاذ: بأنه لا دليل علي كون الشخص مسلطا علي سلطانه في مورد الملك كي يتم هذا البيان، بل الثابت من الدليل أن الشخص مسلط علي نفس العين.

اذا عرفت ما ذكرناه علم أن الحق في الجواب أن يقال: ان مدرك قاعدة التسلط ضعيف السند فلا يعتمد عليه، و عمل المشهور علي تقدير ثبوت العمل بها غير جابر كما عرفت.

الرابع قوله «المؤمنون عند شروطهم» «1»

بتقريب انه باطلاقه يشمل اسقاط الخيار بعد العقد فيكون نافذا.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (6) من احكام ابواب العقود.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 80

قوله: من ان لكل ذي حق اسقاط حقه (1).

قوله: ثم ان الظاهر سقوط الخيار بكل لفظ يدل عليه باحدي الدلالات العرفية للفحوي المتقدمة، و فحوي ما دل علي كفاية بعض الافعال في اجازة عقد الفضولي. (2)

و فيه: أولا ان

الشرط في اللغة بمعني الربط بين الشيئين، فلا يشمل مفهوم الشرط الشرط الابتدائي، و اذن فالشروط الابتدائية خارجة عن حدود الرواية.

و ثانيا- ما معني الشرط في المقام، فان كان معناه الالتزام بعدم كون الخيار مجعولا من قبل اللّه تعالي فهو ليس بأيدينا حتي نلتزم به. و بعبارة أخري: انه لا شبهة في ثبوت الخيار و ليس عدمه بقاء بأيدينا، و ان كان معناه الالتزام بسقوطه باسقاطنا فالحكم لا يحقق موضوعه، فان دليل الشرط ليس مشرعا بل لا بد من جواز أمر في الرتبة السابقة، و المفروض أن شرعيته أول الكلام.

و لا يجوز التمسك بدليل الشروط، فاذا شك في أن أمر اسقاط الخيار هل يكون بأيدينا أم لا يحكم بعدمه باستصحاب العدم الازلي، فانه لم يكن أمر العقد بأيدي المتعاقدين قبل وجودهما أو قبل تحقق الشريعة، و الاصل بقاء العدم علي حاله.

الخامس مما استدل علي صحة اسقاط الخيار بعد العقد

هو القاعدة المسلمة من أن «لكل ذي حق اسقاط حقه». توضيحه: ان الخيار علي قسمين خيار حقي، و خيار حكمي، و الذي لا يجوز لذي الخيار اسقاطه هو الخيار الحكمي كما في الهبة فلا يجوز اسقاط الخيار فيها، و اما الخيار الحقي فانه قابل للإسقاط.

و حيث أن الخيار في محل الكلام حقي فهو قابل للإسقاط، و الانصاف أن هذا الوجه في غاية المتانة.

[الظاهر سقوط الخيار بكل لفظ يدل عليه باحدي الدلالات العرفية للفحوي المتقدمة]

أقول: اذا ثبت جواز اسقاط الخيار بعد العقد فنقول: انه يسقط بكل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 81

لفظ باحدي الدلالات العرفية.

و استدل الشيخ علي ذلك بفحوي ما دل علي كفاية بعض الافعال في اجازة العقد الفضولي. و يمكن أن يكون نظره قدس سره فيما أفاده الي ما ورد في باب النكاح، و هو ما رواه معاوية بن وهب قال: جاء رجل الي أبي عبد اللّه عليه السلام فقال: اني كنت مملوكا لقوم و اني تزوجت امرأة حرة بغير اذن موالي ثم اعتقوني بعد ذلك فأجدد نكاحي إياها حين اعتقت؟ فقال له: أ كانوا علموا انك تزوجت امرأة و أنت مملوك لهم. فقال: نعم و سكتوا عني و لم يغيروا علي. قال: فقال سكوتهم عنك بعد علمهم اقرار منهم أثبت علي نكاحك الاول «1».

و ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك ثم ظننت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل علي ذلك التزويج أ حلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر و لا سبيل للزوج عليها؟

فقال: اذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها. قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟

فقال: نعم «2».

بتقريب ان السكوت في الاول و الاقامة معه بعد الافاقة في الثاني اذا كانا كافيين للإمضاء فالقول يكون كافيا بالاولوية لكونه أقوي دلالة من الفعل.

و يرد عليه: أن الاولوية انما تجدي مع اتحاد المقامين، و هو ممنوع، اذ يمكن أن الشارع دفعا عن وقوع الزنا سهل الامر في باب النكاح بخلاف المقام فلا تغفل.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (14) الباب (2) من أبواب نكاح العبيد و الاماء، الحديث (1).

(2) الوسائل، الجزء (14) الباب (14) من أبواب اولياء العقد، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 82

قوله: فلو قال أحدهما «اسقطت الخيار من الطرفين» فرضي الاخر سقط خيار الراضي أيضا (1).

قوله: مسألة لو قال أحدهما لصاحبه اختر (2).

و الذي يسهل الخطب أن تحقق الاسقاط بما يكون مبرزا عرفا أمر علي القاعدة فلا يحتاج الي الاستدلال بتلك الروايات. و اللّه العالم.

[لو قال أحدهما اسقطت الخيار من الطرفين فرضي الآخر سقط خيار الراضي أيضا]

أقول: لا وجه لسقوط خيار الراضي، فان مجرد الرضا ان كان من باب كونه مصداقا للإسقاط فان الرضا بالاسقاط لا يكون اسقاطا و ليس مصداقا له، و ان كان سقوط خياره من باب صحة الفضولي فيرد عليه: أولا ان جريان الفضولي في الايقاعات محل الاشكال، و ثانيا انا قد ذكرنا في بحث الفضولي ما عندنا من الاشكال في صحة العقد الفضولي بالاجازة، و تفصيل الكلام موكول الي ذلك الباب فلا تغفل.

[مسألة لو قال أحدهما لصاحبه اختر]

أقول: ان المسألة ذات صور، و ذلك ان بعد قوله «اختر» تارة يفسخ الاخر، و أخري يسقط الخيار، و ثالثة يسكت. فان اختار الفسخ فلا يبقي موضوع للبحث لانفساخ العقد بذلك، و ان اختار الامضاء يسقط خياره و يبقي خيار الطرف الاخر بحاله، و ان سكت يبقي الخيار لعدم المقتضي لسقوطه.

و في المقام رواية «1» مذكورة عن الطوسي عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر. و هذه الرواية ضعيفة سندا فلا اعتبار بها. و أفاد المصنف بأن هذا القول كأنه كان في العرف السابق ظاهرا في تمليك العقد من الطرف المقابل. و لا يخفي ان الظهور الكائن في العرف السابق لا أثر له فلا بد من ملاحظة الحال، فنقول في قوله «اختر»

______________________________

(1) الخلاف الطبع الجديد الصفحة (507) المسألة (7).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 83

احتمالات: الاول أن يكون لإسقاط الخيار عن نفسه، الثاني أن يكون لتوكيل المخاطب لأعمال الخيار فسخا و امضاء، الثالث أن يكون لتمليك خيار نفسه للمخاطب و اعطائه اياه، و لا يرد عليه ما قيل بأن الخيار ليس قابلا للتمليك لأنا بينا في محله انه من الحقوق القابلة للتمليك.

الرابع أن يكون لاستكشاف حال المخاطب بأنه يفسخ أو يمضي، فان كان بقوله «اختر» في مقام إنشاء السقوط فخياره يسقط بذلك و يبقي خيار الطرف المقابل، و ان كان في مقام توكيل المخاطب، و المخاطب أسقط الخيار فيكون خياره ساقطا أيضا.

لا يقال: ان الوكالة من العقود و يشترط فيها الايجاب و القبول كيف تتحقق بلفظ «اختر».

فانه يقال: لو صدق عليه العنوان في العرف و لو مع القرينة كفي، فانه لا يشترط في العقود الالفاظ الخاصة، فلو سكت الطرف الاخر يبقي الخيار بحاله. و أما لو أجاز فاما يجيز بعنوان الوكالة و اما يجيز أصالة و اما يجيز بكلا العنوانين، فعلي الاول يسقط خيار الطرف، و في الثاني يسقط خياره دون الاخر و علي الثالث يسقط خيارهما.

ان قلت: كيف يمكن تحقق الوكالة و الاسقاط بعنوانهما بلفظ واحد، و الحال أن الاسقاط تتأخر عن الوكالة، اذ ما دام لم يحصل الوكالة لا مجال للإسقاط وكالة و بعبارة أخري: ان تحقق السقوط متأخر زمانا عن عنوان الوكالة، فما دام لا يتحقق عنوان الوكالة لا يتحقق عنوان السقوط، فلا بد أن يكون موضوع الوكالة محققا سابقا كي يترتب عليه عنوان السقوط، فلا يكون قوله «أسقطت الخيار» متحملا للمعنيين الطوليين، أعني قبول الوكالة و اسقاط الخيار.

قلت: يرد عليه أولا انا بينا في موضعه أن الالفاظ المستعملة في الانشائيات

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 84

مبرزة عن المعاني الانشائية، فلا مانع من أن يكون قوله «أسقطت الخيار» محققا للوكالة و الاسقاط، فان الجملة المذكورة أولها محقق للوكالة و قبول لها و آخرها مسقط للخيار.

و ثانيا: انه لا دليل علي لزوم أن يكون عنوان الوكالة سابقا زمانا علي عنوان اسقاط الخيار. و بعبارة

أخري: ان الترتب الزماني ليس بين اسقاط الخيار و عنوان الوكالة، نعم ان التخلف الزماني بين العنوانين المذكورين غير ممكن.

و صفوة القول: ان تأخر الوكالة عن الاسقاط محال، و أما كونهما متقارنين زمانا فلا اشكال فيه بأن يتحقق الوكالة و اسقاط الخيار في زمان واحد، نظير المقام الطلاق الرجعي فانه يحصل الرجوع باللمس مثلا و الحال أن جواز اللمس مترتب علي الرجوع، فلا مانع من تحقق الزوجية باللمس اذ ليس الترتب زمانيا بل رتبي.

و ان كان في مقام تمليك المخاطب- بأن يملك الخيار له بهذا اللفظ- فالكلام فيه كالكلام في مسألة التوكيل حرفا بحرف و لا وجه للإعادة.

و ان أراد أن يستعلم حال المخاطب بقوله «اختر» فانه يفسخ أو يمضي، و قال المخاطب في جوابه «أسقطت الخيار» فلا وجه لسقوط خيار المستعلم، و أما السكوت في جميع الصور المذكورة فلا يدل علي اسقاط الخيار. هذا كله فيما يكون المقصود معلوما، و أما لو كان مجملا و لم يعلم المراد فمقتضي الاستصحاب بقاء الخيار، فان الخيار كان موجودا و شك في سقوطه و الاصل عدم تحقق المسقط فالخيار بحاله.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 85

قوله: ثم انه لا اشكال في أن اسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط الاخر (1).

قوله: لو اختلف الورثة في الفسخ و الاجازة تحقق التعارض (2).

[لا اشكال في أن اسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط الآخر]

أقول: ان الامر كما ذكره المصنف، فانه لا وجه لسقوط خيار الاخر، و لو أجاز أحدهما و فسخ الاخر مقارنا له انفسخ العقد، و ليس المقام من باب تعارض الاجازة و الفسخ لاختلاف المتعلق لان متعلق كل منهما التزام نفسه، و لا بد في التعارض من وحدة المتعلق، كما لو أجاز الوكيل و فسخ الاصيل أو بالعكس

فانه من باب التعارض بين الفسخ و الاجازة.

ان قلت: انه لو فسخ الموكل و اجازه الوكيل ففسخ الموكل مقدم عليه، لان الوكيل صار منعزلا بفسخ الموكل.

قلت: و يرد عليه أولا ان العزل من العناوين التي يعتبر فيها القصد و الانشاء، و من الممكن أن يكون الموكل غافلا عن عزل وكيله حين فسخ العقد أو لم يقصده، فمجرد الفسخ لا يكون عزل الوكيل عن الوكالة. نعم ان الموكل بفسخه يعدم موضوع الوكالة، الا أن هذا غير العزل كما هو واضح. و ثانيا ان الوكيل بمجرد العزل لا يكون منعزلا بل يشترط فيه ايصال العزل اليه.

[لو اختلف الورثة في الفسخ و الاجازة تحقق التعارض]

أقول: قد بينا آنفا أن تعارض الفسخ و الاجازة يتحقق فيما اذا اتحد متعلق الاجازة و الفسخ، و مثل المصنف قدس سره للتعارض بخيار الورثة المتعددين و تقارن الفسخ و الاجازة منهم، الا أن صحة التمثيل متوقفة علي القول بأن الخيار لطبيعة الوارث، و في هذه الصورة اذا تقارن الفسخ و الامضاء من شخصين كان كما اذا تقارن ذلك من ذي خيار واحد فيتحقق التعارض، و أما ان قلنا ان الخيار ليس لطبيعتهم بل لمجموعهم فالتمثيل المذكور غير صحيح،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 86

قوله: مسألة من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعان (1).

كما أن الخيار لو كان لكل واحد منهم بقدر حصته فلا يدخل تحت الكبري.

أما علي الاول فلان الاثر مترتب علي مجموع الإنشاءات فسخا أو إمضاء و أما علي الثاني فلانه لا يرتبط أحدهم بما يصدر عن الاخر.

[الثالث من مسقطات هذا الخيار افتراق المتبايعان]
اشارة

أقول:

و ينبغي أن نبحث في المقام من جهات:
(الجهة الاولي) انه هل الافتراق مسقط للخيار علي نحو الموضوعية أو بكشفه النوعي عن الرضا بلزوم العقد،
و ما يمكن أن يقال بوجه الكاشفية أمران:
الاول- ان الافتراق كاشف نوعي عن الرضا بالعقد.

و فيه أولا انه لو كان الافتراق مسقطا للخيار من جهة كونه كاشفا عن الرضا لكان اللازم أن يسقط جميع الخيارات بمجرد الافتراق و لم يلتزم به أحد.

و ثانيا- انا لا نسلم أن يكون للافتراق كاشفا نوعيا عن الرضا، فانه أعم منه لاحتمال أن يكون غافلا عن الحكم أو الموضوع حين الافتراق أو جاهلا بهما أو لم يكن مسلما أصلا. نعم لو كان ملتفتا الي الخيار و الي أنه يسقط بالافتراق و هو معتقد به لكان افتراقه كاشفا عن رضاه.

و ثالثا- انا سلمنا أن الافتراق له ظهور نوعي في الكاشفية عن الرضا الا أنه لا قيمة له لعدم قيام الدليل علي اعتبار الظهور النوعي، بل المعتبر الظهور الشخصي و هو مفقود هنا باعتراف المستدل.

و رابعا- ان الرضا بلزوم العقد لا يلازم سقوطه، و من الممكن أن يكون راضيا به و لم يسقطه، بل لو صرح بالرضا و لم يسقط لا يسقط الخيار، لان الاسقاط أمر قصدي إنشائي فلا يحصل بلا قصد.

الثاني- ظهور بعض الروايات الدال علي مسقطية الافتراق،

و المستفاد منه أن المسقط هو الافتراق الكاشف عن الرضا لا مطلق الافتراق، و هو ما رواه الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 87

قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما «1».

فان الرواية تدل علي أن الافتراق مسقط للخيار بعد الرضا منهما، فمطلق الافتراق ما لم يكشف عن الرضا لا يكون مسقطا.

أقول:

ان في قوله «بعد الرضا» احتمالات:
الاول: ارادة الرضا بالعقد

بمعني أنه لو تحقق العقد و لم يفسخ قبل الافتراق يلزم، فانه لو تحقق الرضا بأصل المعاملة و حصل التفرق يلزم العقد.

الثاني: ارادة الرضا ببقاء المعاملة،

بمعني ان العقد مرضي بقاء و لم يفسخ في المجلس.

الثالث: أن يكون المراد ان الافتراق حيث حصل عن الرضا لا عن الاكراه فالعقد يلزم.

و ملخص الكلام أن المستفاد من دليل الخيار أنه باق الي حين التفرق و ان التفرق بنفسه مسقط للخيار.

(الجهة الثانية) في أنه هل الافتراق يحصل بمسماه و لو أقل من خطوة

كما يظهر ذلك من المصنف قدس سره، أو يعتبر فيه الخطوة كما هو قول بعض، أو لا بد فيه من الصدق العرفي؟ أقوال و البحث يقع تارة علي مقتضي القاعدة، و أخري علي مقتضي النص، فيقع البحث في موضعين:

أما الموضع الاول فأفاد الشيخ ما حاصله ان معني الافتراق مع كونهما مجتمعين حين العقد افتراقهما بالنسبة الي الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حين العقد، فاذا حصل مسمي الافتراق ارتفع الخيار و ان كان أقل من خطوة، فلو تبايعا في سفينتين متلاصقتين كفي مجرد افتراقهما. و يظهر من تصريح بعض التأمل في كفاية الخطوة لانصراف الاطلاق الي أزيد منها فيستصحب الخيار. و الحق أنه

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 88

يكفي صدق الافتراق و لا خصوصية للخطوة، فان الحكم مترتب علي عنوان التفرق، و لا مجال للاستصحاب اذ لا مجري له مع الاصل اللفظي، مضافا الي أن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم جعل الزائد.

و أما الموضع الثاني ففي المقام رواية عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: بايعت رجلا فلما بايعته قمت فمشيت خطا ثم رجعت الي مجلسي ليجب البيع حين افترقنا «1».

فيستفاد منها ان الافتراق يحصل بمشي خطا و لا تكفي خطوة واحدة أو خطوتان.

ان قلت: ان دلالة الرواية علي عدم كفاية خطوة أو خطوتين مبتنية علي مفهوم اللقب، و هو منتف كما حقق في الاصول.

قلت: ان اللقب ليس له المفهوم، الا أن الامام عليه السلام كان في مقام بيان ما يجب به البيع و تحديده، و

مفهوم التحديد حجة كما بيناه مرارا، فيستفاد من الرواية أن الافتراق يحصل بما يصدق عليه الخطاء.

لعل القائلين بعدم كفاية الاقل من ثلاث خطوات تمسكوا بهذه الرواية، و التحقيق أن يقال: ان الرواية المذكورة حاكية عن فعل الامام عليه السلام و ليس لها اطلاق ليستدل به علي عدم كفاية الاقل من الثلاث خطوات، و من المحتمل أن الخروج من مجلس البيع كان متوقفا علي مشي الخطي و لم يكن الافتراق حاصلا في خصوص المجلس من أقلها. و علي أي حال لا تكون الرواية دليلا علي اعتبار ثلاث خطوات في حصول الافتراق. و الحاصل انه يمكن أن مجلس المعاملة كان بحيث لا يتحقق الافتراق الا بما فعله، فان خصوصيات المجلس مجهولة لدينا.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من ابواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 89

قوله: مسألة المعروف انه لا اعتبار بالافتراق عن اكراه اذا منع من التخاير أيضا (1).

(الجهة الثالثة) في أنه هل يعتبر في حصول الافتراق الحركة من الطرفين أو يحصل بحركة أحدهما و بقاء الاخر في مكانه؟

الحق أن يقال: لا يعتبر الحركة من الطرفين في صدق الافتراق عرفا، و النص المتقدم آنفا أيضا دال علي ذلك، فانه عليه السلام قام و مشي خطي مع بقاء الطرف الاخر في مكانه كما هو الظاهر من الرواية.

[مسألة المعروف أنه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه إذا منع من التخاير أيضا]
اشارة

أقول: المسألة ذات صور أربع ثبوتا: الاولي أن لا يكون مكرها علي الافتراق دون التخاير، الثانية أن يكون مكرها علي الافتراق و التخاير، الثالثة أن يكون مكرها علي الافتراق دون التخاير، الرابعة عكس الثالثة.

و المشهور علي ما نسب اليهم سقوط الخيار في جميع الاقسام الا في صورة واحدة و هي ما لو كان مكرها في كلا الامرين.

و ما يمكن أن يقال في وجه عدم تأثير الافتراق و بقاء الخيار أمور:
الاول- الاجماع.

و فيه ان المنقول منه غير حجة و المحصل غير حاصل، و علي فرض حصوله محتمل المدرك.

الثاني- الشهرة الفتوائية.

و فيه أنه قد ثبت في محله عدم حجيتها.

الثالث- ان الظاهر من الدليل أن الافتراق المسقط للخيار هو ما يكون عن اختيار فما دام لا يكون اختياريا لا يكون مسقطا.

و فيه ان الفعل مركب من المادة و الهيئة، أما المادة فوضعت للدلالة علي الحدث، و أما الهيئة فلدلالة علي الانتساب مطلقا سواء كان اختياريا أم لا بل يصح الاستناد اليه، و ان كان الفعل الصادر عن الفاعل حال النسيان أو الغفلة أو الاضطرار. و لذا تري أن قوله «من أتلف مال الغير» أعم من الاختيار و غيره، اذ لا يعتبر في اسناد الفعل الي الفاعل الا قيامه به أو صدوره منه، فمجرد اسناد المادة الي الفاعل المختار لا يوجب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 90

الظهور في دخل الاختيار.

نعم في مادة بعض الافعال خصوصية يعتبر فيها القصد و الارادة كالتعظيم و غيره، الا أنه لا دخل له بالاسناد. اضف الي ذلك كله ان الاكراه لا يسلب الاختيار كما هو ظاهر، فلا موضوع لهذا التقريب أصلا.

(الرابع) حديث رفع الاكراه،

و هو قوله صلي اللّه عليه و آله «رفع عن أمتي تسعة، الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه» «1»، بتقريب أن حديث الرفع لا اختصاص له بالاحكام التكليفية بل يعم الاحكام الوضعية أيضا، فاذا أكره علي الافتراق لا يترتب عليه الاثر المترتب علي الافتراق الاختياري.

و أورد عليه بوجهين:

الاول- ما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله ان حديث الرفع مجعول امتنانا للامة فان بقاء الخيار و عدم ترتب الاثر علي الافتراق و ان كان امتنانا لذي الخيار الا أنه خلاف الامتنان بالنسبة الي من عليه الخيار.

أقول: قد بينا في بحث الاصول ان ما أفاده الاستاذ لا يساعد عليه، لعدم قيام الدليل علي أن حديث الرفع يجري فيما كان امتنانا علي جميع الامة، و قلنا انه يكفي في جريانه أن يكون امتنانا بالنسبة الي من يجري له و ان كان خلاف الامتنان

بالنسبة الي غيره.

و الثاني- ما أورد المحقق النائيني قدس سره بأن مورد بعض المرفوعات منحصر في متعلق التكليف كالحد، و لا يجوز تعميم حديث الرفع لموضوعات التكاليف، و لذا لا يلتزم أحد بأنه لو أقام عن كره يجب عليه القصر.

______________________________

(1) توحيد الصدوق باب الاستطاعة ص 364، الوسائل، الجزء (11) الباب (56) من أبواب جهاد النفس.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 91

و فيه: أولا ان هذا خلاف مبناه في الاصول، و ثانيا لا وجه لهذا التفصيل فانه كما حققنا في الاصول لاختصاص له بمتعلقات الاحكام بل هو يجري في الموضوعات أيضا، فان فعل المكلف كما يقع متعلقا للتكليف كذلك يقع موضوعا له.

و أما وجوب التمام في القصر فلا دلالة له علي عدم شمول الحديث لموضوعات المكره عليها، لأنه متفرع علي العلم باقامة عشرة أيام و الاكراه علي الاقامة و هي ليست موضوعا للحكم، بل الموضوع العلم بالاقامة عشرة أيام و هو غير مكره، فما هو موضوع للإكراه ليس موضوعا للحكم، و ما هو موضوع للحكم ليس موضوعا للإكراه.

ان قلت: ان حديث الرفع متكفل لرفع الاحكام التكليفية و أما الوضعية فلا يشملها.

قلت: قد نقحنا في محله بأنه لا اختصاص لحديث الرفع بالاحكام التكليفية بل يعم الاحكام الوضعية أيضا.

ان قلت: ان موضوع خيار المجلس عبارة عن الاجتماع، و الاكراه انما وقع علي الافتراق و هو ضد الاجتماع، و هو ليس موضوعا للحكم بل هو غاية و طرف لما هو موضوع الحكم، فلا وجه أن يتمسك بحديث الرفع للمقام.

قلت: ان في المقام موضوعين: أحدهما اجتماع و حكمه الخيار، و الاخر افتراق و حكمه لزوم العقد، فالافتراق موضوع للزوم البيع اذا حصل عن اختيار و أما اذا اكره عليه فلا

يترتب عليه حكمه أعني لزوم العقد، و لا يكون لازما بل يبقي علي جوازه الذي كان قبل الافتراق.

اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنه يمكن أن يقال: ان حديث الرفع ناظر الي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 92

الافعال التي يعتبر فيها القصد و الاختيار، و بعبارة أخري المستفاد من الحديث أن الفعل بما أنه صادر عن الفاعل لو كان موضوعا لحكم يرتفع ذلك الحكم عند الاكثر، و أما لو كان الاثر مترتبا علي معني اسم المصدر و لا يعتبر فيه القصد فلا مجال للحديث و التمسك به.

(الخامس) ما رواه فضيل عن أبي عبد اللّه عليه السلام

حيث قال عليه السلام:

فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا «1»، بدعوي أن المستفاد من الرواية أن الافتراق بما أنه دال علي الرضا يسقط الخيار ففيما لا يكون كذلك لا يكون مسقطا.

و فيه: انه لا شبهة أن الافتراق غير دال علي الرضا فيما لا يكون الشخص غير معتقد بالشرع، أو يكون جاهلا بالحكم، أو يكون غافلا عنه، مضافا الي ان الاسقاط أمر قصدي و لا يحصل بمجرد الرضا. فهذا الدليل أيضا غير تام.

و حيث ظهر أن مقتضي القاعدة سقوط الخيار حتي مع الاكراه بالنسبة الي كلا الامرين يظهر أن الحق سقوطه في القسمين الاخيرين بالاولوية. و ان شئت قلت: لو أكره علي التفرق و بقي مختارا يصدق انه باختياره لم يفسخ قبل التفرق، كما أنه لو اكره علي عدم الفسخ و بقي مختارا بالنسبة الي الافتراق يصدق أنه باختياره فارق مجلس العقد.

و ربما يتمسك لبقاء الخيار بالاستصحاب- أي استصحاب الخيار، و لا مورد له، فانه لا مجال للأصل مع الدليل، و المفروض أن مقتضي اطلاق الدليل سقوطه مضافا الي أن هذا الاصل معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد فلاحظ.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء

(12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 93

[مسألة لو أكره أحدهما علي التفرق و منع من التخاير و بقي الآخر في المجلس]

قوله قدس سره: مسألة لو اكره أحدهما علي التفرق و منع من التخاير و بقي الاخر في المجلس فان منع من المصاحبة و التخاير (1).

أقول: لا يخفي أنه لا يبقي مجال لهذا البحث علي ما سلكناه من عدم تأثير الاكراه و ان الخيار يسقط لا محالة بحصول التفرق، فانه لو أكره أحدهما مع اختيار الاخر فيدخل الفرض في المسألة السابقة و أما مع اكراه الاخر أيضا من المصاحبة، فمقتضي الاطلاق سقوط الخيار بحصول الافتراق.

و أما لو قلنا بتأثير الاكراه و شمول حديث الرفع للمقام فلا بد من البحث فنقول للمسألة صورتان: «احداهما» ما لو أكره أحدهما علي التفرق و منع من التخاير و بقي الاخر مختارا، «ثانيتهما» عكس الاولي.

و الصورة الاولي من الصورتين وقعت محل البحث، و اذا ظهر الحكم في الصورة الاولي يظهر في الصورة الثانية، و الاقوال حسب ما يظهر من كلام المصنف قدس سره أربعة: سقوط الخيار عنهما، و بقاؤه بالنسبة الي كليهما بالنسبة الي المكره، و سقوطه بالنسبة الي المختار فيما فارق المجلس، و بقاؤه بالنسبة اليه ما دام باقيا في المجلس.

و العمدة في المقام النظر الي الادلة، فان الدليل لو كان الاستصحاب فمقتضاه بقاء الخيار بالنسبة الي كليهما مطلقا، لكن قلنا بأن الاستصحاب في الحكم الكلي معارض بعدم الجعل، و بعد التعارض تصل النوبة الي عموم وجوب الوفاء.

و ان كان المدرك الاجماع، فلا اجماع، اذ نري أن الاقوال مختلفة، و علي تقدير تحققه و غض النظر عن كونه مدركيا لا اجماع بالنسبة الي المختار.

و ان كان المدرك حديث الرفع فمقتضاه بقاء الخيار بالنسبة الي كليهما، اذ

المدعي علي هذا الفرض أن التفرق المسقط ما يكون بالاختيار، و حيث أنه ليس

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 94

اختياريا فالخيار باق علي حاله، لكن ذكرنا أن الحديث لا يشمل المقام، اذ القصد و الاختيار لا يكونان دخيلين في الموضوع. و ان كان المدرك التبادر المدعي فالخيار باق، لان المتبادر من الدليل خلافه.

و ان كان المدرك تبادر الافتراق بما اذا كان ذلك عن رضاء، فالافتراق الاكراهي لا يكون مسقطا للخيار، لكن ذكرنا انه لا منشأ لهذا المدعي و لا يتبادر من اللفظ هذا المعني.

و ان كان المدرك صحيحة الفضيل المذكورة آنفا حيث قال عليه السلام «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» «1» بدعوي أنه يستفاد منها لزوم كون الافتراق عن الرضا و مع عدم الرضا من جانب واحد لا يتحقق الغاية فالخيار باق.

فيرد عليه: انا علمنا من الخارج أن الافتراق لو حصل من طرف مع الرضا يسقط الخيار و لا يلزم أن يكون ناشئا عن رضا الطرفين.

و ربما يقال: بأن صحيح فضيل يقيد بما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، حيث أنه يدل هذا الخبر علي أن الافتراق من طرف واحد يكفي فيقيد به صحيح فضيل.

و يرد عليه: انه لا وجه لهذا النحو من الجمع، بل الامر بالعكس، اذ خبر ابن مسلم يدل علي الكفاية بالاطلاق، و المفروض أن صحيح فضيل يدل علي المقصود و يستفاد منه لزوم الافتراق عن رضي الطرفين، و قاعدة الاطلاق و التقييد تقتضي حمل المطلق علي المقيد دون العكس. فلاحظ.

و لا يخفي أن هذا البحث تقديري و الا فقد سبق منا أنه ليس المراد من

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من

الفقه الجعفري، ج 4، ص: 95

قوله: مسألة لو زال الاكراه فالمحكي عن الشيخ و جماعة امتداد الخيار بامتداد مجلس الزوال (1).

الرضا الرضاء ببقاء العقد و لزوم المعاملة، فان كثيرا من المتعاملين خارج عن الشرع أو من الجاهلين بوجود خيار المجلس في الشرع أو ناسيين له، و الحال أن افتراقهما مسقط للخيار.

بل يمكن أن يكون المقصود أنه اذا وقع المعاملة و كان المتعاملان راضيين به فلا خيار، أي بعد رضاهما بأصل العقد من ناحية، و انقضاء المجلس من ناحية اخري، فلا خيار و يكون العقد لازما.

[مسألة لو زال الإكراه فالمحكي عن الشيخ و جماعة امتداد الخيار بامتداد مجلس الزوال]

أقول: لا يخفي أن هذا البحث مبتني علي القول بتمامية أدلة بقاء الخيار و أما علي ما اخترناه و بيناه من عدم تماميتها فلا مجال لهذا البحث، فنقول:

علي تقدير الالتزام بأن الاكراه مؤثر في بقاء الخيار فيقع الكلام في أن الخيار فوري، أو يبقي الي انقضاء مجلس زوال الاكراه، أو يبقي الي أن يحصل مسقط آخر من المسقطات. فالوجوه المتصورة في المقام ثلاثة: الاول الفورية بدعوي ان الضرورات تتقدر بقدرها، الثاني أن الميزان التفرق عن مجلس زوال الاكراه بتقريب ان الاكراه ما دام باقيا لا اعتبار بالافتراق، الثالث بقاء الخيار الي زمان حصول مسقط آخر بدعوي أنه بالاكراه سقط هذا المسقط عن الاعتبار.

و التحقيق أن يقال: بناء علي القول بتمامية أدلة بقاء الخيار و دلالتها علي عدم سقوطه بالافتراق عن اكراه فلا بد من النظر الي مدرك بقاء الخيار و دليله، فان كان الدليل هو الاجماع فلا بد أن يقال: بفورية الخيار بعد زوال الاكراه و بسقوطه اذا لم يختر، فان القدر المتيقن من بقاء الخيار ما اذا كان مكرها علي الافتراق، و أما بعد الزوال فيسقط الخيار الا أن يأخذ

بالخيار فورا، فان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 96

هذا البحث يكون من صغريات الكبري الكلي المعروف، و هو أن بعد تخصيص العام يكون المرجع استصحاب الحكم المخصص أو عموم العام، و علي القول الاول لا بد أن يقال بعدم لزوم الفورية. و الحق هو الثاني، فان استصحاب الحكم الكلي معارض بعدم الجعل، مضافا الي أنه مع وجود الدليل اللفظي لا تصل النوبة الي الاصل العملي.

و لا فرق فيما ذكر- أي في الاخذ بعموم العام- بين أن يكون التخصيص من الاول أو من الوسط، كما أنه لا فرق بين أن يكون العموم استغراقيا أو مجموعيا، فان المرجع عموم العام، و هو في المقام قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

و أما اذا كان المدرك التبادر بأن نقول يتبادر من الدليل أن الموضوع الافتراق عن الرضا فيكون أمد الخيار و غايته الافتراق الاختياري الصادر عن ارادة و رضاء، و أما الافتراق المحقق عن اكراه فليس افتراقا عن رضاء، فلا يمكن أن يتحقق به غاية الخيار، و اما الافتراق الاخر المتحقق مع الرضا الذي به ينتهي أمد الخيار فلا يمكن أن يتحقق ثانيا الا بدعوي القول باعادة المعدوم ثانيا و هو مما امتنع فيكون الخيار باقيا الي أن يسقط بمسقط آخر حتي علي القول بانصراف الدليل عن مورد لا يكون الافتراق ممكنا كالمتلاصقين اذ الافتراق في المقام امر ممكن كما هو ظاهر.

و اما اذا كان المدرك صحيحة الفضيل المتقدمة آنفا و هي قوله عليه السلام «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» بتقريب أن يكون المراد منه الرضا بلزوم العقد، فعلي هذا أيضا يبقي الخيار الي أن يسقط بمسقط آخر بنفس التقريب الذي بيناه، و حاصله ان غاية خيار المجلس عبارة

عن الافتراق الناشئ عن الرضا بلزوم العقد، و أما الافتراق المتحقق عن اكراه فلا يكون غاية للخيار،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 97

قوله: و من مسقطات هذا الخيار التصرف علي وجه يأتي في خياري الحيوان و الشرط (1).

فالافتراق الحاصل غير مؤثر و ما يكون مؤثرا لا يكون قابلا للتحقق.

و أما اذا كان المدرك حديث الرفع- بأن يكون الافتراق عن اكراه مسلوب الاثر- فالامر أيضا كذلك، فان الاكراه يرفع أثر الافتراق الاكراهي. و ان شئت قلت: الافتراق تحقق وجدانا لكن الاكراه رفع أثره، و الاجتماع العقدي زال و لا يعود الا علي القول باعادة المعدوم، و هو أمر محال.

ان قلت: ان حديث الرفع يقتضي أن يكون التفرق الكرهي كلا تفرق، و بعد رفع الاكراه نأخذ باطلاق الدليل و نقول بأن الافتراق بحدوثه لا يسقط الخيار لكن يسقطه بقاء.

قلت: المستفاد من الدليل أن الرافع للخيار حصول الافتراق، فما حصل لا يؤثر و المؤثر لا يتحقق. و بعبارة أخري: ان المستفاد من الدليل ان المسقط الافتراق عن المجلس اختيارا و من المعلوم أنه لم يتحقق و لا يكون قابلا للتحقق.

فانقدح مما ذكرنا أنه لا وجه للقول بالفورية الاعلي القول بكون المدرك الاجماع، كما أنه لا وجه للقول بكون المناط زوال مجلس الاكراه بدعوي أن حديث الرفع يجعل مجلس العقد باقيا، فالميزان بالتفرق عن هذا المجلس، اذ المستفاد من دليل رفع الاكراه رفع الحكم عند الاكراه و لا يثبت موضوع الخيار. و بعبارة أخري: حديث الرفع ينفي الموضوع، أي لا يسقط الخيار لان الافتراق لم يحصل، و لا يستفاد منه أن موضوع الخيار و هو مجلس العقد باق بحاله.

[الرابع من مسقطات هذا الخيار التصرف]
اشارة

ما يمكن أن يذكر في وجه كون التصرف مسقطا لخيار

المجلس أمور:

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 98

(الامر الاول) الروايات الواردة في خيار الحيوان:

منها ما رواه علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السلام: فان أحدث المشتري فيما اشتري حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضي منه فلا شرط «1».

و منها أيضا ما رواه علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السلام فقال: اذا قبل أو لامس أو نظر منها الي ما يحرم علي غيره فقد انقضي الشرط «2».

تقريب الاستدلال بهما أن الامام عليه السلام رتب سقوط الخيار علي التصرف بقوله «فان أحدث المشتري فلا شرط» أو «فقد انقضي الشرط»، و الروايتان و ان وردتا في باب خيار الحيوان الا أن جوابه عليه السلام أعم منه، و المتفاهم العرفي أن التصرف مطلقا سواء كان في حيوان أو في غيره مسقط للخيار.

و الجواب عنه نقضا و حلا:

أما النقض فبما مر في خيار المجلس في صحيحة الفضيل، حيث قال عليه السلام «فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»، تقريب النقض أن سقوط الخيار في الصحيحة مترتب علي الافتراق، فلا بد من الالتزام بسقوط مطلق الخيار بالتفرق للإطلاق المدعي، و هو كما تري.

و أما الحل فان المستفاد من الرواية أنه يسقط خيار الحيوان بالتصرف لا مطلق الخيار فان مورد السؤال خيار الحيوان، و هذا لا من جهة خصوصية السؤال، اذ المناط اطلاق الجواب، بل المدعي أن العرف لا يفهم الاطلاق من الكلام و لا أقل من الاجمال، و الظاهر أن الرواية الاولي ليس فيها سؤال لكن المستفاد منها ليس مطلق الخيار.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من أبواب الخيار، الحديث (1).

(2) نفس المصدر، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 99

مضافا الي أنه اذا أغمضنا عما ذكرنا و قلنا ان التصرف مسقط

للخيار بمقتضي الرواية الا أنه لا بد أن نقول بأن تصرف المشتري مسقط لخياره، و لا وجه للتعدي الي البائع، فان المتفاهم من الروايات الواردة في خيار الحيوان أن تصرف المشتري مسقط لخياره، فلا وجه للقول بكون التصرف مسقطا للخيار علي الاطلاق.

ان قلت: اذا ثبت أن التصرف في الجملة و لو من المشتري مسقط للخيار فيكون تصرف البائع أيضا مسقطا لعدم القول بالفصل.

قلت: ان عدم القول بالفصل ان كان مرجعه الي الاجماع فلا يترتب عليه الاثر، فان المنقول منه ليس حجة و المحصل منه غير حاصل، و ان لم يرجع الي الاجماع فعدم اعتباره أوضح من أن يخفي.

أضف الي ذلك كله أنه لو التزم بهذا القول يلزم أن يسقط الخيار من الطرفين بتصرف أحدهما للإطلاق، و أني لنا بذلك و لا يلتزم به أحد.

و لو أغمضنا عن جميع ذلك فنقول: يقع التعارض بين الدليل الدال علي أن التصرف مسقط للخيار و بين قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، فان مقتضي هذه الرواية جواز البيع ما لم يفترقا سواء تصرف فيه أم لا، و مقتضي ذلك الدليل سقوط الخيار، و النسبة بين الدليلين عموم من وجه، فيتعارضان في مورد الاجتماع بالاطلاق فيسقطان عن الاعتبار، فتكون المسألة داخلة تحت النزاع المعروف بأن المرجع بعد تخصيص العام استصحاب حكم المخصص أو عموم العام. و الحق هو الثاني، فالمرجع عموم دليل وجوب الوفاء، فان عموم العام محكم بما اذا كان التخصيص من الاول، مضافا الي أن الاستصحاب لا يجري في الحكم الكلي للمعارضة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 100

(الامر الثاني) عموم التعليل الوارد في الرواية،

و هو قوله عليه السلام: فان أحدث المشتري فيما اشتري حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضي منه فلا شرط «1».

توضيحه

أنه يشترط في القضية الشرطية التناسب بين المقدم و التالي، بأن يكون ارتباط خاص بينهما، بحيث كلما يتحقق المقدم يكون التالي محققا، كالارتباط الحاصل بين الشمس و النهار.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن الرواية المذكورة قد تشكلت من مقدم أعني قوله «اذا احدث … » و التالي أعني قوله «فذلك رضي منه»، و لا يري ارتباطا بين احداث الحدث و الرضا، فان معني الرضا بالبيع اسقاط الخيار، فلا بد أن يلتزم بأن العلة قامت مقام الجزاء في المقام، أي ان أحدث المشتري حدثا فالخيار ساقط، كما يلتزم ذلك في قوله تعالي «ان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك»، أي ان كذبوك فلا تحزن. و علي هذا يكون معني الرواية ان الشارع جعل احداث الحدث مسقطا للخيار، و هو سبب لسقوطه، و بما أن العلة تعمم و تخصص كما في قوله «الخمر حرام لأنه مسكر» يتعدي الي موارد أخر أيضا و يحكم بسقوط الخيار بالتصرف.

و الجواب عنه: ان القانون الكلي الذي ذكرتم- و هو أن العلة تعمم و تخصص- غير قابل للإنكار الا أنه لا ينطبق علي المقام، فان تشخيص العلة في قوله «الخمر حرام لأنه مسكر» بيد العرف و يلتزم بتسرية الحكم الي كل مورد تكون هذه العلة موجودة، و أما في المقام فالعلة عبارة عن اسقاط الشارع، و من الظاهر أنه في كل مورد يتحقق هذا الحكم من الشرع نلتزم به، لكن الكلام في ثبوت هذا المعني و لم يثبت في غير خيار الحيوان.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 101

قوله: الثاني خيار الحيوان، لا خلاف بين الامامية في ثبوت الخيار في الحيوان للمشتري (1).

(الامر الثالث) أن يكون التصرف في البيع كاشفا نوعيا عن الرضا بلزوم العقد،

و

المسقط التصرف الذي له كاشف نوعي عن الرضا.

و الجواب عنه:

أولا- ان التصرف بما هو ليس بكاشف نوعي عن الرضا بلزوم البيع، فان بينهما في مقام الاثبات عموم من وجه فكيف يكشف أحدهما عن الاخر.

و ثانيا- علي فرض كونه كاشفا انما يكون له هذا الكشف فيما يكون المتصرف متوجها، و أما الغافل أو من لا يكون معتقدا بالدين فلا يتم في حقه هذا التقريب.

و ثالثا- ان اسقاط الخيار أمر قصدي إنشائي لا يحصل بمجرد الرضا.

فانقدح مما ذكرنا أنه لا وجه للقول بكون التصرف مسقطا لخيار المجلس.

هذا تمام الكلام في خيار المجلس.

[القسم الثاني خيار الحيوان]
اشارة

اقول: لا خلاف بين الامامية في ثبوت خيار الحيوان و لا اشكال في ثبوته في الجملة، و تدل عليه جملة من النصوص: منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: في الحيوان كله شرط ثلاثة ايام للمشتري، و هو بالخيار فيها ان شرط او لم يشترط … «1» و غيره من النصوص الواردة في المقام، و انما الاختلاف في خصوصياته،

و التحقيق فيها يقع في ضمن فروع:
(الفرع الاول) انه هل يختص خيار الحيوان بالحيوان المقصود حياته،

فمثل السمك المخرج من الماء و الجراد المحرز في الاناء يكون خارجا أو يعم ذلك.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من أبواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 102

أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله اختصاصه بالحيوان المقصود حياته، و لكن التحقيق أن يقال: ان مقتضي الاطلاقات الواردة في الباب عمومه لكل ذي حياة، سواء كان المقصود حياته أم لا.

(الفرع الثاني) انه هل يكون تلف الحيوان في أيام الثلاثة ممن لا خيار له أم لا؟

و الظاهر أنه ممن لا خيار له لقاعدة ان التلف في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له. نعم اذا علم المشتري بالحال و اشترط عليه أن الخسران عليه يكون الخسران علي البائع، لكن هذا فرض خارج عن محل الكلام.

(الفرع الثالث) في منتهي خيار الحيوان،

و فيه وجوه ثلاثة: أحدها استمراره الي الثلاثة، ثانيها بقاؤه الي الثلاثة مع بقاء الحياة و الي زمان موته ان فرض موته قبل الثلاثة، ثالثها كونه فوريا.

و الحق أن يقال: ان الامر دائر بين ثبوت الخيار و بقائه الي الثلاثة و عدمه، اذ دليل الخيار اما يشمل و اما لا يشمل، فعلي فرض الشمول يثبت الخيار و يبقي الي الثلاثة و لو مع تلف العين فان موضوع الخيار هو العقد لا العين كي يتوجه اشكال بقاء الخيار بلا موضوع، مضافا الي أنه اشكال عام في جميع موارد الخيار و الجواب ما ذكرنا.

(الفرع الرابع) ان هذا الخيار هل يختص بالمبيع المعين أو يعم الكلي أيضا؟
اشارة

أفاد المصنف قدس سره ان المنساق في النظر من الاطلاقات هو الاول، و المتراءي من النص و الفتوي هو الثاني.

و يرد عليه: أولا أنه لا يوجد نص خاص في المقام و الادلة منحصرة في الاطلاقات، و ثانيا اذا كان العموم مستفادا من النص فلما ذا اختار الاختصاص.

و الانصاف عمومه للبيع الكلي أيضا، سواء كان الكلي في الذمة أو في

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 103

المعين، و ذلك للإطلاق.

و يؤكد المدعي ما رواه فضيل: سئل ما الشرط في غير الحيوان أولا، فأجاب عليه السلام: البيعان بالخيار ما لم يفترقا. و سأل السائل بقوله: ما الشرط في الحيوان ثانيا، فأجاب عليه السلام: ثلاثة ايام للمشتري «1».

و في خيار المجلس لم يلتزم أحد باختصاصه بالشخصي، و لا وجه لاختصاصه به في المقام، مع أن سياق الرواية واحد، فكما أن خيار المجلس لا يختص بالمبيع الشخصي فكذلك خيار الحيوان، و التفصيل بينهما خلاف ظاهر الرواية.

و ما يمكن أن يقال في وجه اختصاص خيار الحيوان بالمبيع الشخصي أمران:
(أحدهما) الانصراف،

بدعوي أن الدليل منصرف عن الكلي لقلة وجوده بالنسبة الي الشخصي.

و يرد عليه: أولا ان المدرك المذكور بعينه موجود في الكلي في المعين، فانه أيضا أقل وجودا من المبيع الشخصي، و المستدل لا بد أن يلتزم بعدم جريان خيار الحيوان فيه أيضا و هو لا يلتزم به.

و ثانيا- ان الكلام المذكور جار في خيار المجلس أيضا، فلما ذا لا يقول باختصاص خيار المجلس بالشخصي.

و ثالثا- ان الاطلاق لا يكون منصرفا عن الفرد النادر، نعم لا يكون منصرفا اليه و بينهما بون بعيد فلا يختلط أحدهما بالاخر.

و رابعا- ان قلة الوجود قد تكون نسبية، فان الشي ء، ربما يكون بالنسبة الي شي ء آخر قليل الوجود و ان كان يوجد في الخارج كثيرا في نفسه، و الاطلاق

علي فرض انصرافه عن الوجود النادر انما ينصرف عنه اذا لم يكن من هذا القبيل بل كان نادرا في نفسه.

(ثانيهما) ان حكمة جعل الخيار و تشريعه للتروي في المبيع بأنه معيب أم لا،

______________________________

(1) الوسائل الجزء (12) الباب (1 و 3) من أبواب الخيار، الحديث 3 و 5.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 104

قوله: المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشتري (1).

و لا محل للتروي في المبيع الكلي.

و فيه: أولا ان العيب بنفسه موجب للخيار للشرط الضمني الارتكازي، فلا تكون الحكمة هو العيب.

و ثانيا- أغمضنا عما ذكرنا لكن نقول: ما الدليل علي هذا المدعي، فانه من الممكن أن يكون الوجه للخيار التروي و اختيار أحد الطرفين.

و ثالثا- ان ملاك تشريع خيار الحيوان لو كان ما ذكره المستدل فلا بد أن يلتزم بعدم خيار الحيوان فيما اذا كان المشتري عالما بالعيب في الحيوان، و هو كما تري.

و رابعا- أنه سلمنا أن حكمة جعل خيار الحيوان حل العقد في صورة ظهور العيب في المبيع الا أنها غير موجبة لقصر الحكم علي موردها. و بعبارة أخري:

ان الحكم لا يكون مقصورا علي مورد وجود الحكمة، و الفرق بين الحكمة و العلة أن الحكم عام في الاول و دائر مدارها في الثاني. فتحصل من جميع ما ذكرنا أن خيار الحيوان لا يختص بالمبيع الشخصي بل يعم الكلي أيضا، سواء كان كليا في المعين أو في الذمة.

[المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشتري]
اشارة

أقول: يقع البحث في مقامين: أحدهما ان خيار الحيوان يختص بالمشتري او يعم البائع أيضا كما ذهب اليه السيد المرتضي، ثانيهما انه اذا كان الثمن حيوانا أيضا هل يثبت الخيار لمن انتقل اليه الحيوان أم يثبت الخيار فيما يكون الحيوان منتقلا الي المشتري. و يجمع الفرعين ما لو بيع بقرشاة.

(أما المقام الأول) و هو ما لو بيع بقر بعشرة دنانير فهل يثبت الخيار للبائع كما يثبت للمشتري أو لا يكون الا للمشتري
اشارة

المشهور فيما بينهم أنه لا يثبت الا للمشتري.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 105

بل عن الغنية و الدروس الاجماع علي عدم ثبوته للبائع. و في قبال هذا قول بثبوته للبائع أيضا، ذهب اليه المرتضي و ابن طاوس، بل عن الانتصار دعوي الاجماع عليه،

و ما يمكن أن يقال في وجه ثبوته للبائع أمور:
الاول- الاجماع.

و يرد عليه: أولا انه اجماع منقول و ليس حجة، و ثانيا انه معارض بخلافه كما مر عليك، و ثالثا أنه كيف يمكن تحصيل الاجماع مع ذهاب المشهور الي خلافه، و رابعا انه علي فرض تحققه محتمل المدرك و لا يكون تعبديا.

و من الممكن أن يكون الوجه في ادعاء الاجماع كونه علي وفق الاصل، أي الاستصحاب ببعض التقريبات، فانه ربما يكون الوجه في ادعاء الاجماع في كلام القدماء كون الحكم موافقا للأصل.

الثاني- استصحاب جواز العقد من الطرفين بعد ثبوت خيار المجلس

و فيه أولا ان الدليل أخص من المدعي، لا مكان سقوط خيار المجلس بالاصالة أو بالعرض، ففي مثل هذا المورد لا يجري الاستصحاب.

و ثانيا- ان هذا الاستصحاب من قبيل جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الاستصحاب الكلي، لان الشك في ارتفاع الكلي و عدمه ناش من احتمال وجود آخر مقارنا للفرد المعلوم ارتفاعه، و الاستصحاب المذكور غير جار كما حقق في محله.

و ثالثا- ان الاستصحاب في الحكم الكلي معارض بأصالة عدم الجعل الزائد كما بيناه مرارا و حققناه في محله.

الثالث- ما رواه محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السلام

قال: المتبايعان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 106

بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان و فيما سوي من ذلك من بيع حتي يفترقا «1» و هذه الرواية تامة دلالة و سندا، فانه يستفاد منها تعميم الخيار للبائع و المشتري، الا أن في مقابلها نصوص تدل علي اختصاص الخيار بالمشتري، فلا بد من ملاحظة المجموع و اجراء القواعد عليه، فانتظر فانا نتعرض له عن قريب إن شاء اللّه.

و استدل للقول المشهور بوجوه أيضا:
منها- الاجماع.

و يرد عليه ما ورد في سابقه.

و منها- عموم دليل وجوب الوفاء،

فانه يدل علي لزوم العقد مطلقا و انما خرج عنه المشتري فيما اذا كان المبيع حيوانا و بقي الباقي تحته.

و لا وجه لما ذكره الشيخ قدس سره من فرض الكلام فيما لا يوجد خيار المجلس و اتمام الكلام في غيره بعدم القول بالفصل، اذ فيه أولا ان عموم العام محكم أعم من أن يكون له عموم الزماني أم لا، و لا يجري استصحاب الحكم الخاص، و علي تقدير القول به انما نلتزم به فيما يكون التخصيص من الوسط لا من الاول كما في المقام. و ثانيا ان الاجماع لا يكون حجة فكيف بعدم القول بالفصل.

و منها- النصوص الدالة علي أن البيع يلزم بالافتراق فنلتزم باللزوم من طرف البائع فيما يكون المبيع حيوانا

و نلتزم بالجواز من طرف المشتري، و من تلك النصوص ما رواه الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:

قلت له ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا … «2».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من أبواب الخيار، الحديث (3).

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب 1 و 3 من أبواب الخيار، الحديث 3 و 5.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 107

ان قلت: ان في الرواية المذكورة فصل بين الحيوان و غيره، بأن الخيار في غير الحيوان ما لم يفترقا و الخيار في الحيوان ثلاثة ايام، و التقسيم قاطع للشركة فلا يشمل ما يكون المبيع فيه حيوانا.

قلت: بناء علي هذا لا بد أن نلتزم بعدم ثبوت خيار المجلس في الحيوان، و هو كما تري. هذا أولا و ثانيا ان الدليل لا ينحصر في هذا الخبر كي يجري هذا البيان، لاحظ صحيح الحلبي عليه السلام قال فيه: أيما رجل اشتري من رجل بيعا فهما بالخيار ما لم

يفترقا فاذا افترقا وجب البيع «1» فانه ليس في هذا الخبر و مثله تفصيل كي يكون قاطعا للشركة.

و قد استشكل المحقق الايرواني علي الشيخ بوجهين:

الوجه الاول: ان تمسك الشيخ لاختصاص خيار الحيوان بالمشتري بعموم «اذا افترقا وجب البيع» غير سديد، اذ معني وجوب البيع هو عدم قابليته للانحلال، فاذا ثبت الخيار و لو لأحد المتبايعين لم يكن البيع واجبا بل كان مما يتطرق اليه الفسخ، و حينئذ فاذا ثبت الخيار للمشتري في المقام ذهب قوله «وجب البيع» من قبيل العام و دليل الخيار لأحد المتبايعين من قبيل المخصص كي يتمسك بعموم وجب بالنسبة الي الاخر، و كأنه اشتبه الامر علي المصنف و قاس المقام بخطاب «أَوْفُوا».

و الحق أن يقال: ان الامر اشتبه علي هذا المحقق، فان معني الخيار ملك فسخ عقد و حله، فان حل العقد قد يكون بيد المشتري و قد يكون بيد البائع، و ثالثة بيد الاجنبي و رابعة لا يكون قابلا للانحلال. و لا مانع من أن يكون حل

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (2) من أبواب الخيار، الحديث (4).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 108

العقد بيد المشتري بخيار الحيوان دون البائع تمسكا بعموم دليل الافتراق، و أي فرق بين المقام و بين خطاب «أَوْفُوا»، فكما يجوز أن يتمسك بأوفوا لوجوب الوفاء بالنسبة الي المتبايعين الذي اذا خرج أحدهما يبقي الاخر تحت دليل وجوب الوفاء، فكذلك المقام، فما أفاده قدس سره ادعاء محض، و الامر مشتبه عليه لا علي الشيخ قدس سره.

(الوجه الثاني) ان الوجوب المستفاد من قوله «فاذا افترقا وجب البيع» وجوب اضافي لا وجوب بقول مطلق، فان الخيار المنفي في الذيل هو الخيار المثبت في الصدر لا مطلق الخيار.

و الجواب عنه:

أولا ان قوله «وجب البيع» له اطلاق متفاهم عند العرف.

و بعبارة أخري: لا مانع من الاطلاق و لا دليل علي التقييد.

و ثانيا- انه علي فرض التسليم يختص هذا الاشكال بما فيه لفظ فاء التفريع و أما ما ليس فيه التفريع فلا مجال لهذا التوهم. لاحظ موثق عمار عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجل اشتري جارية بثمن مسمي ثم افترقا. قال: وجب البيع «1».

و منها- جملة من النصوص،

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم:

البيعان بالخيار حتي يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام «2».

بتقريب أن الاختصاص يعلم من التقابل الذي وقع بين خيار المجلس و الحيوان، و لو لا ذلك لم يكن وجه للتقابل.

و منها- ما رواه علي بن اسباط

عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (2) من ابواب الخيار، الحديث (5).

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 109

سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة للمشتري. و تقريب الاستدلال بها واضح لكن الرواية ضعيفة بعلي بن محمد «1».

و منها- ما رواه علي بن رئاب

قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل اشتري جارية لمن الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما؟ فقال: الخيار لمن اشتري ثلاثة ايام نظرة «2».

فانه لا شبهة في دلالة الرواية علي الاختصاص، و لا يرتبط بمفهوم اللقب و الوصف.

ان قلت: هذه الرواية واردة في الجارية و لا اطلاق فيها.

قلت: أولا انه يفهم من سؤال الراوي انه كان عالما بأصل الكبري بأن الخيار مجعول في مورد الحيوان الذي منه الجارية، و انما كان جاهلا بالخصوصيات.

و بعبارة أخري: يفهم من السؤال انه انما سأل عن الجارية من باب انها حيوان.

و ثانيا لو فتح باب هذا الاشكال يشكل اجراء الحكم في العبد و الامة، فان عنوان الجارية لا يصدق علي العبد و الامة، و هو كما تري.

و منها- ما رواه فضيل

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 109

عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري «3».

فان دلالة الرواية علي الاختصاص مما لا ينكر و لا يرتبط بمفهوم الوصف و اللقب، فانه عليه السلام أجاب بعد السؤال عمن يكون له الخيار، بل نقول يفهم الاختصاص من الكلام و لو مع عدم سبق السؤال، فان الاختصاص يفهم

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (8).

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (9).

(3) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 110

من حرف الجر.

و قد استشكل المحقق الايرواني بأن اللام في قوله «ثلاثة أيام للمشتري» للغاية لا للاختصاص بأن جعل الخيار لأجل رعاية

حال المشتري لا أن المجعول له الخيار هو المشتري. الا أنه قدس سره قد التفت بفساده و لذا عدل عن ذلك و افاد بأن في النفس من حمل اللام علي الغاية شي ء سيما مع صراحة صحيحة ابن رئاب في الاختصاص فتكون قرينة للبقية. و الحق كما أفاده و الجملة المذكورة ظاهرة في الاختصاص بلا كلام.

ان قلت: ان الجملة المذكورة و ان كانت ظاهرة في الاختصاص الا أن الاختصاص الذي تفيده اللام ليس الا أن المشتري لا شريك له في حق الخيار و انه مستقل في اعماله، لا أنه ليس فرد آخر من الحق قائما بآخر كما هو محل الكلام.

و بعبارة أخري: ان اللام تدل علي الاختصاص و لا تدل علي الانحصار.

قلت: ان الامر و ان كان كذلك فان الاختصاص لا يدل علي الانحصار فان اللام في قوله «الجل للفرس» للاختصاص و هو لا يدل علي الانحصار لإمكان أن يكون جل آخر لفرس آخر أيضا، الا أن في المقام الاختصاص يلازم الانحصار، فان معني اختصاص الخيار للمشتري عدم الخيار للبائع و الا لا يتحقق معني للاختصاص.

و بعبارة أخري: الخيار القائم بهما الذي يرجع الي الاقالة لا شبهة في جوازه و انما الكلام في الخيار القائم بالمشتري، فمعني اختصاصه به عدم جعل الخيار للبائع.

و الحاصل ان دلالة هذه النصوص علي اختصاص الخيار بالمشتري لا شبهة و لا كلام فيها من حيث الاقتضاء، و انما الكلام من جهة المعارضة، و المعارض لهذه النصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: المتبايعان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 111

بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و فيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا … «1».

و هذه الرواية بظاهرها

متعارضة مع النصوص الدالة علي اختصاص الخيار بالمشتري و لا بد من العلاج بينهما.

و ربما قيل في مقام العلاج بأن معني قوله «المتبايعان بالخيار» ان المشتري له الخيار و البائع عليه الخيار، و فساد هذا العلاج أوضح من أن يخفي.

و قد أفاد شيخنا الاعظم في مقام العلاج أن صحيحة محمد بن مسلم أرجح سندا من صحيحة ابن رئاب المحكية عن قرب الاسناد، و قد صرحوا بترجيح رواية مثل محمد بن مسلم و زرارة و أضرابهما علي غيرهما من الثقات، مضافا الي ورودها في الكتب الاربعة المرجحة علي مثل قرب الاسناد من الكتب التي لم يلتفت اليها اكثر أصحابنا. و أما الصحاح الاخر المتكافئة سندا لصحيحة ابن مسلم فالانصاف أن دلالتها بالمفهوم لا تبلغ في الظهور مرتبة منطوق الصحيحة. الي أن قال: و لكن الانصاف أن أخبار المشهور من حيث المجموع لا يقصر ظهورها عن الصحيحة.

و يرد عليه: أولا ان اعراض الفقهاء عن العمل بقرب الاسناد لا يضر بحجية الرواية المذكورة فيما اذا كانت حجة كما أن عملهم لا يجبر ضعفها ان لم تكن حجة.

و ثانيا- ان اعراض المشهور ان كان مسقطا للخبر عن الحجية فلا تصل النوبة الي المعارضة حتي يحتاج الي الترجيح، و ان لم يسقط ذلك فلا وجه للترجيح المذكور.

و ثالثا- ان ترجيح الفقهاء رواية مثل محمد بن مسلم و زرارة و أضرابهما

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 112

علي غيرهم من الثقات لا يساعد عليه و ان المرجحات في باب التعارض معينة و لا يكون ترجيح الفقهاء من المرجحات و لا يكون عملهم حجة علينا فان الحجة عمل المعصوم فقط.

و رابعا- ان قوله:

ان دلالة الصحيحة علي ثبوت الخيار بالمنطوق و دلالة غيرها من الصحاح علي نفي الخيار عنه بالمفهوم فيقدم الاول علي الثاني، و اما صحيح ابن رئاب فهو بالمنطوق لكن الاشكال في سنده من حيث ترجيح الفقهاء غيره من الروايات المعارضة له لكونها مذكورة في الكتب الاربعة. ففيه ان خبر ابن رئاب أيضا يدل بالمفهوم غاية الامر اظهر من الدلالة من غيرها.

و خامسا- انه لا وجه لتقديم المنطوق علي المفهوم بعد شمول أدلة الحجية لكليهما.

و سادسا- ان الاظهرية في صحيحة محمد بن مسلم علي فرض تسليمها لو بلغت الي حد القرينة بحيث يري العرف قرينة لمعارضها فلا تعارض بين القرينة و ذي القرينة حتي يحتاج الي العلاج و البحث عن المرجح، و ان لم تبلغ الي هذا الحد فمجرد الاظهرية لا يوجب تقديمها علي الاخر و لم يقم دليل علي ذلك.

اذا عرفت ذلك فنقول: ان مقتضي التحقيق في المقام أن يقال: ان الروايات في المقام تامة من جهة السند و الدلالة، فتقع المعارضة بينهما لا محالة، و الجمع العرفي مفقود بينهما، الا أن الروايات الدالة علي مبني المشهور- و هي الروايات الدالة علي اختصاص خيار الحيوان بالمشتري- تتقدم علي صحيحة محمد بن مسلم لكونها موافقة للكتاب، و نقل عن بعض أن الرواية الدالة علي الاختصاص مخالفة للعامة أيضا، و هي أيضا من المرجحات في باب التعارض.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 113

و يؤيد ذلك بكون القول بالاختصاص موافقا للمشهور و مقتضي الاصل العملي، اذ بعد تحقق البيع يحصل ملكية دائمية بمقتضي البيع، و بعد خروج المشتري عن ذلك بمقتضي الدليل يشك في خروج البائع عنه فيحكم بعدم الخيار له بجريان استصحاب العدم الازلي. و بهذا ظهر

وجه آخر للقول المشهور المنصور.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أن ما ذهب اليه المشهور هو الصحيح و ما نسب الي السيد خلاف التحقيق.

هذا تمام الكلام في المقام الاول،

و أما المقام الثاني و هو ما كان الثمن أيضا حيوانا فهل يثبت الخيار للبائع أيضا أم لا؟
اشارة

نسب الي جماعة من المتأخرين منهم الشهيد في المسالك ثبوت الخيار لمن انتقل اليه الحيوان ثمنا و مثمنا، و ينبغي أن يقع الكلام في مقامين: المقام الاول في المقتضي، و المقام الثاني في المانع.

(اما المقام الاول) [في المقتضي]

فهو ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله: البيعان بالخيار حتي يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام «1».

بتقريب أن مقتضي اطلاق قوله «صاحب الحيوان بالخيار» يشمل البائع و المشتري، فاذا كان صاحب الحيوان مشتريا فقط كما هو الغالب فيختص الخيار به، و اذا كان الثمن حيوانا يثبت الخيار للبائع لصدق صاحب الحيوان عليه.

هذا تمام الكلام في ناحية المقتضي.

(و أما المقام الثاني) فما يمكن أن يكون مانعا أمور:
اشارة

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (1) من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 114

منها- الروايات الدالة علي اختصاص خيار الحيوان بالمشتري،
و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام

قال: في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري، و هو بالخيار فيها ان شرط أو لم يشترط «1».

و منها- ما رواه الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السلام

قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري «2».

فان المستفاد من هذه الروايات اختصاص الخيار بالمشتري، فتقع المعارضة بين الروايتين. و لا يصح الجواب عنه بعدم المفهوم لهذه الروايات حتي تقع المعارضة، فان دلالة هذه الروايات علي الاختصاص واضحة، فلا يمكن انكارها، بل الحق في الجواب أن يقال: ان مورد السؤال و الجواب ما يكون المبيع حيوانا من دون ان يكون ثمنه أيضا حيوانا، فبناء عليه لا تقع المعارضة بين الطرفين، فالروايات الدالة علي نفي الخيار بالنسبة الي البائع ناظرة الي مورد يكون المبيع فقط حيوانا، فلا تعارض ما يدل علي الخيار للبائع بالنسبة الي مورد يكون الثمن حيوانا.

و منها- ما عن علي بن فضال

قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسي الرضا عليه السلام يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيام … «3».

و لا فرق في الرواية بين أن تقرأ كلمة «مشتري» بصيغة الفاعل أو المفعول، فان المراد به هو المشتري، اما علي الاول فواضح و اما علي الثاني فان الاشتراء من الامور الاضافية يحتاج الي المشتري و المشتري فيستفاد منها الاختصاص.

و فيه: انه لا تنافي بين الاثباتين، فانه أي تعارض بين ثبوت الخيار للمشتري

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (1).

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (5).

(3) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من ابواب الخيار، الحديث (2).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 115

فيما يكون المبيع حيوانا و بين ثبوته للبائع فيما يكون الثمن حيوانا، و بين العنوانين عموم من وجه.

و منها- ما رواه محمد بن مسلم:

المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و فيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا «1».

أفاد الشيخ في وجه الجمع بين الروايتين المتعارضتين بأن صحيحة محمد ابن مسلم المثبتة للخيار للمتبايعين ناظرة الي ما اذا كان العوضان حيوانين، و لنا أن نقول بأنه لا تنافي بين الدليلين كي يحتاج الي الجمع، فانه لا تنافي بين ثبوت الخيار للبائع فقط في دليل و ثبوت الخيار للبائع و المشتري في دليل آخر، لكن الاشكال يبقي بالنسبة الي ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله حيث قوبل فيها بين قوله «البيعان بالخيار حتي يفترقا» و «صاحب الحيوان بالخيار» فانه يعلم من هذا التعبير ان الخيار في الحيوان لخصوص صاحبه و الا كان حق التعبير أن يقال: و هما بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، فمقتضي هذه الرواية اختصاص الخيار بصاحب الحيوان و مقتضي تلك

الرواية ثبوته لكليهما، لكن مقتضي حمل المطلق علي المقيد أن نقول: ان ثبوته لكليهما انما يكون فيما يكون العوضان كلاهما حيوانين، فان دلالة تلك الرواية علي ثبوته لهما باطلاق.

ان قلت: ان حمل قوله «المتبايعان» علي ما اذا كان العوضان حيوانين حمل علي الفرد النادر.

قلت: و ليكن كذلك، فانه لا يضر بالتقييد الذي بيناه اذا قام الدليل عليه.

و ان أبيت عن ذلك و قلت: ان التعارض واقع بين الروايتين بالتباين فلا بد من مراعاة قانون التعارض، فالقانون يقتضي تقديم الدال علي الاختصاص لكونه

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (3) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 116

قوله: مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد (1).

موافقا لعموم الكتاب، و يمكنك أن تقول: بأن النتيجة حاصلة علي كل تقدير، فانه يقدم أحد الدليلين علي الاخر، فلو قدمنا ما يدل علي ثبوت الخيار لكليهما يثبت المطلوب اذ ثبت الخيار للبائع، و لو قدمنا ما يدل علي الاختصاص يثبت الخيار أيضا للبائع، لان المفروض أن صاحب الحيوان هو البائع في مفروض المسألة.

و الذي يقتضيه التحقيق أن يقال: ان التعارض وقع بينهما بالعموم من وجه فيتعارضان فيما كان الثمن و المبيع حيوانين، فالمرجع دليل لزوم الوفاء بالعقد.

مضافا الي جميع ما ذكرنا يمكن أن يناقش في أصل المقتضي، و هو قوله «صاحب الحيوان بالخيار» بأن يقال: ان صاحب الحيوان منصرف الي خصوص المشتري فلا اطلاق في المقام كي يتمسك به، و الشك فيه أيضا كاف للمطلوب فالحق ما ذهب اليه المشهور من اختصاص الخيار بالمشتري.

[مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد]
اشارة

أقول: وقع الخلاف بين الاعلام أن مبدأ خيار الحيوان من حين العقد أو من حين انقضاء خيار المجلس، نسب الثاني الي ابن زهرة و الشيخ

الطوسي و الحلي، و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه القول الثاني أمور:

(الاول) ان الخيار يثبت حين يثبت العقد، و العقد لم يثبت قبل التفرق فانه متزلزل ما دام خيار المجلس باقيا، فلا معني لجعل الخيار للعقد المتزلزل، فيكون مبدأ الخيار من حين انقضاء خيار المجلس.

و يرد عليه: أولا ان هذا الكلام لا يرجع الي محصل، فانه لا مانع من جعل الخيار المتعدد للعقد الواحد. و ثانيا لو سلمنا ان خيار المجلس و الحيوان لا يجتمعان الا أن ذلك لا يوجب أن يكون خيار الحيوان بعد انقضاء خيار المجلس لما ذا لا يكون الامر بالعكس بأن يكون خيار المجلس بعد انقضاء خيار الحيوان.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 117

و ثالثا انه لا وجه لرفع التنافي بما ذكر بل يمكن بوجه آخر، و هو الالتزام بخيار الحيوان فيما لا يكون خيار المجلس موجودا بالاصالة أو بالعرض أو نلتزم بعدم خيار المجلس في الحيوان.

و ان شئت قلت: انه ما المراد من قوله «ان الخيار لا يكون الا في العقد الثابت».

ان كان المراد ان الخيار يكون في العقد الذي يكون غير قابل للانفساخ فهذا يرجع الي التناقض، و من الواضح أن بين عدم انفساخ العقد مع جعل الخيار تناقض واضح.

و ان كان المراد أن الخيار يكون في العقد الذي فيه مقتضي للثبوت مع قطع النظر عن الخيار بحيث لو لم يكن الخيار للزم، فهو صحيح و المقام من هذا القبيل، فان العقد لو لا جعل الخيار يكون ثابتا.

و ان كان المراد أن الجمع بين الخيارين غير قابل. فيرد عليه مضافا الي ما ذكر من امكان تعدد الخيار للعقد الواحد أن هذا الاشكال يرجع الي الاشكال الآتي

فانتظر.

(الثاني) الاستصحاب، و له تقريبان: احدهما استصحاب الخيار الموجود حين تحقق المجلس الي ثلاثة أيام من حين التفرق، و ثانيهما استصحاب عدم حدوث خيار الحيوان ما دام بقاء المجلس.

و يرد علي التقريب الاول: أنه ما المراد من المستصحب، فان كان المراد منه خيار المجلس فهو مرتفع قطعا بارتفاع المجلس، و ان كان المراد منه خيار الحيوان فهو مشكوك الحدوث كما هو مدعي الخصم، و ان كان المراد منه استصحاب الجامع بين خيار المجلس و الحيوان فهو داخل في القسم الثالث

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 118

من الاستصحاب الكلي فقد ثبت في محله أنه غير حجة. مضافا الي ذلك ان الاستصحاب في الاحكام الكلية لأزال معارضا مع استصحاب عدم الجعل الزائد.

و يرد علي التقريب الثاني بأن استصحاب عدم حدوث خيار الحيوان لا يثبت ان مبدأه بعد التفرق الاعلي القول بالاصل المثبت، اضف الي ذلك انه لا تصل النوبة الي الاصل في المقام مع وجود الامارة، فان مقتضي الدليل ان الخيار يثبت من حين العقد فلا مجال للأصل.

و قد أفاد الميرزا قدس سره علي ما في التقرير بأن استصحاب عدم خيار الحيوان الي زمان التفرق بنحو ليس التامة محل الاشكال.

و قال سيدنا الاستاذ: انه يمكن أن يجري الاستصحاب علي نحو الاستصحاب النعتي. توضيحه: ان صاحب الخيار قبل قوله «فسخت» لا يكون بيعه و هبته مؤثرين، لان العين خرجت من كيسه علي الفرض، و لا يجوز تصرفه في ملك الغير و تصرفه فيه لا يكون مؤثرا، و بعد قوله «فسخت» يشك في نفوذ تصرفه، و الاصل عدم النفوذ.

و الظاهر أن ما افاده سيدنا الاستاذ دام ظله لا يتم الا علي القول بصحة الاستصحاب التعليقي، بأن يقال: ان تصرف

صاحب الخيار لو كان قبل الفسخ لم يكن نافذا فيشك في نفوذه بعد الفسخ فيجري استصحاب العدم. و قد بينا في موضعه أنه ليس بحجة.

و التحقيق أن يقال: ان استصحاب العدم الازلي لا مانع من جريانه كما حققناه في محله، و كذلك الاستصحاب النعتي بالتقريب غير التعليقي، و هو أن بيان الاحكام كان تدريجيا في زمن النبي صلي اللّه عليه و آله. و من الواضح أنه لم يجعل الخيار في أول زمن رسالته، فنشك بعده بأنه هل جعل الخيار

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 119

قبل انقضاء المجلس أم لا، فيجري الاستصحاب.

الا أنه يرد علي هذا التقريب: انه مثبت و معارض بأصالة عدم حدوث الخيار بعد انقضاء المجلس.

و الذي يسهل الخطب أن يقال: ان الامر اذا وصل الي هذه المرحلة فلنا أن نقول: ان مقتضي البيع صيرورة الملك مال المشتري الي الابد و الثمن ملك البائع، و لا يخرجان من ملكهما كما هو مقتضي العمومات الا بالسبب الشرعي، فاذا شك في أن الفسخ سبب للخروج أم لا يحكم بعدمه، فانه لا يجوز أكل مال الغير الا بأسباب مقررة شرعية، و لم يثبت أن الفسخ مؤثر فلا يجوز.

(الثالث) انه لو لم يكن مبدأ الخيار التفرق و انقضاء خيار المجلس لزم اما اجتماع المثلين أو اجتماع السببين علي مسبب واحد، لان الثابت قبل التفرق اما خياران أو خيار واحد، فان كان الثابت خيارين لزم اجتماع المثلين، و ان كان واحدا بسببين من المجلس و كون المبيع حيوانا لزم اجتماع السببين علي مسبب واحد.

و أجاب عنه: الشيخ بأن الخيارين ان اختلفا من حيث الماهية فلا بأس بالتعدد و ان اتحدا فكذلك، اما لان الاسباب معرفات و اما لأنها علل

و مؤثرات يتوقف استقلال كل واحد منها في التأثير علي عدم مقارنة الاخر أو سبقه.

و التحقيق أن يقال: ان الاسباب و المسببات في الاحكام لا يكون لهما محصل، بل هي أمور راجعة الي التكوينيات، فان وزان التكوين يغاير التشريع، و هو لا يحتاج الي سبب و علة بل هو يحتاج الي اعتبار الشارع فقط، و له أن يجعل خيارين للعقد الواحد.

ان قلت: لا نسلم ان يكون باب الاعتبار واسعا بهذا المقدار، و لذا لا يمكن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 120

الالتزام بأن يعتبر الشارع للشي ء الواحد الملكيتين.

قلت: الامر و ان كان كذلك الا أنه ممنوع من جهة لغويته و عدم ترتب الاثر علي جعل الملكية ثانيا، بخلاف المقام فان لكل من الخيارين أثرا، و هو أنه اذا أسقط أحد الخيارين فله فسخ العقد بالخيار الاخر.

هذا أولا، و ثانيا انه لو سلمنا و قلنا بالاسباب و المسببات في عالم التشريع- بأن قلنا تشريع الاحكام أيضا له علل و اسباب- لكن نقول: ان في الامور الخارجية أيضا لا محذور من أن يوجد المسبب باجتماع السببين، فان الحرارة توجد بالغضب و الاصطكاك مثلا و بانتفاء أحدهما يبقي المسبب بوجود سبب آخر، و الاحكام الشرعية أيضا كذلك فلا محذور أن يوجد الخيار بسببين في صورة اجتماعهما اذا وجدا معا أو بأسبقهما اذا وجد أحدهما سابقا.

(الرابع) انه قد دل بعض «1» الاخبار علي أن تلف الحيوان في الثلاثة من البائع، فلو كان خيار المجلس ثابتا للبائع كما هو المفروض و يكون مبدأ الثلاثة من حين العقد يلزم خلاف قاعدة أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له.

و أجاب عنه الشيخ قدس سره بأن أدلة التلف من البائع محمولة علي

الغالب من كون التلف بعد انقضاء المجلس فيحمل المطلق علي الفرد الغالب.

و فيه: انه لا وجه لرفع اليد عن الاطلاق، و هو منعقد في المقام كما هو واضح.

و الحق في المقام أن يقال: ان الدليل دل علي أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، و هذا الدليل قد خصص في المقام بما دل علي أن التلف من الثلاثة من البائع.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (5) من أبواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 121

و يمكن تقريب المدعي: بأن التلف ممن انتقل عنه أمر علي خلاف القاعدة لكن نلتزم علي خلافها للدليل، و قد ثبت في المقام أن التلف في الثلاثة من البائع مع أنه خلاف القاعدة الاولية، اذ تلف كل شي ء بحسب الطبع علي مالكه.

فتحصل ان الوجوه المذكورة لإثبات حدوث خيار الحيوان من حين انقضاء خيار المجلس غير تامة.

ثم ان هذا كله علي تقدير عدم تدافع بين الخيارين من حيث دليلهما، و أما لو قلنا بأن المستفاد من الدليل عدم اجتماعهما في موضوع واحد فلا تصل النوبة الي هذا البحث كما هو واضح.

فنقول: انه لإثبات التدافع تقريبان: الاول أن المستفاد من بعض نصوص الباب التقابل بين الخيارين، ففي صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و فيما سوي ذلك من بيع حتي يفترقا.

بتقريب أنه عليه السلام فصل بين الحيوان و غيره باثبات خيار الحيوان في الاول و المجلس في الثاني، و التفصيل قاطع للشركة.

و اعترض علي هذا التقريب باعتراضين:

أحدهما- ما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله من أن المستفاد من الرواية العقد السلبي لا الايجابي، أي ينتهي أمد أحدهما بانتهاء الثلاثة و الاخر بانقضاء المجلس

فلا تقابل بين الايجابين، فالاطلاق المقتضي لثبوت خيار المجلس في الحيوان محكم. و ما أفاده دام ظله و ان كان أمرا قابلا بحسب الثبوت، لكن مقام الاثبات و الفهم العرفي من الكلام لا يساعده، فهذا الاعتراض ساقط.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 122

ثانيهما- ان الصحيحة ساقطة عن الاعتبار اما للاعراض و اما لمرجوحيتها بالنسبة الي جملة من النصوص، فلا تنهض لإثبات المطلوب.

و يرد عليه: أن الاعراض لا يسقط الرواية عن الاعتبار، سيما فيما يعلم وجه الاعراض كما في المقام، اذ الظاهر أن الاعراض بلحاظ المرجوحية بالنسبة الي غيرها من الروايات، و أما المرجوحية فان قلنا بأن النسبة بين هذه الرواية و قوله «صاحب الحيوان بالخيار» عموم من وجه كما ذكرنا سابقا فالاعتراض واضح الدفع، اذ بناء عليه يكون التعارض بين الدليلين بالاطلاق و يسقطان في مورد الاجتماع و هو مورد يكون المبيع حيوانا فقط، فانه يقع التعارض بينهما بالنسبة الي البائع و يبقي الامر بالنسبة الي المشتري بحاله، و تكون النتيجة ان المتبايعين في غير الحيوان بالخيار ما دام المجلس باقيا و المشتري للحيوان بالخيار الي ثلاثة ايام. و بعبارة أخري: التقابل باق بحاله.

و ان قلنا بأن النسبة بين الروايتين التباين و قلنا ان مركز النفي و الاثبات هو البائع للحيوان و رجحنا ما يدل علي عدم الخيار لموافقته الكتاب فأيضا لا يتم أمر الاعتراض، اذ المستفاد من الرواية أمور: الاول كون الخيار في غير الحيوان ما دام المجلس، الثاني كون الخيار للمشتري الي الثلاثة، الثالث كون الخيار للبائع الي الثلاثة، الرابع التقابل بين الخيارين من حيث المورد. و الذي يكون مركز المعارضة كون الخيار للبائع فلا وجه لرفع اليد عن بقية مداليل الرواية.

ان قلت:

الدلالة علي التقابل فرع الخيار، و مع عدم دلالته علي الخيار لا يبقي مجال لإفادة التقابل، و بعبارة أخري: الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقة.

قلت: الدلالة علي الخيار سقطت عن الاعتبار بالنسبة الي البائع للحيوان،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 123

و أما دلالته علي خيار الحيوان بالنسبة الي المشتري و علي خيار المجلس بالنسبة الي غير الحيوان فلم تسقط عن الاعتبار، فلا تغفل.

هذا هو التقريب الاول، الثاني من التقريبين أنه يستفاد من كل من دليلي خياري المجلس و الحيوان أن العقد يلزم بانقضاء المجلس أو الثلاثة فلا يجتمعان.

و فيه: انه لو قلنا بأن المستفاد من دليل الخيارين أن الحكم حيثي- أي يحكم باللزوم بانقضاء أمد الخيار من حيث هذا الخيار- فلا مجال لهذا التقريب، اذ لا تعارض. و أما لو قلنا بأن الحكم مطلق فلهذا التقريب وجه، لكن مقتضي الصناعة أن يخصص كل منهما بالاخر، فهذا التقريب غير سديد.

و حيث أن التقريب الاول تام فالحق أن يقال: بان خيار المجلس غير ثابت في الحيوان، كما أن الامر لو وصل الي مرحلة الشك يكون مقتضي وجوب الوفاء و مقتضي استصحاب عدم جعل الخيار عدمه، الا أن يقال: بأنه لو انتهي الامر الي الشك فاطلاق بعض أخبار خيار المجلس محكم، حيث أنه ليس فيه اجمال فلاحظ.

(مسألة): هل يكون مبدأ الخيار زمان الصيغة أو زمان حصول الملك؟

و تظهر ثمرة البحث في البحث الفضولي، فان الخيار في البيع الفضولي يتحقق من حين العقد علي الاول و من حين الاجازة علي الثاني. و الذي يظهر من كلام الشيخ انه متوقف علي الاجازة.

أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام انه علي القول بالنقل في الاجازة بجميع أقسامه لا مجال للبحث في المقام. فان البحث يكون مبتنيا علي القول بالكشف الحقيقي، افاد سيدنا

الاستاذ دام ظله علي ما في التقرير أن الخيار من حين الاجازة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 124

قوله: مسألة لا اشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة ايام (1).

حتي علي القول بالكشف في الاجازة، اذ الخيار عبارة عن حل العقد و هو محقق من حين الاجازة.

و يرد عليه: أنه كيف يمكن تحقق الملكية و عدم تحقق العقد، فان العقد محقق بلا كلام، غاية الامر ان الانتساب لم يتحقق، بل يمكن أن يقال: بأن الشرط المتأخر لو فرض صحته لكان الانتساب أيضا حاصلا، بل يمكن الالتزام بثبوت الخيار للمالك و لو مع فرض عدم الانتساب، اذ المفروض تحقق الملكية بالفرض المحال، لكن عمدة الكلام أن أصل المبني فاسد قطعا فلا يتحقق الخيار الا بعد الاجازة بناء علي صحة الفضولي.

(مسألة): مبدأ خيار الحيوان في بيع الصرف و السلم قبل القبض أو بعده،

فيه أقوال. لا شبهة في أن مقتضي الصناعة العلمية هو الثاني، لان أدلة الخيار مخصصة لعموم «أَوْفُوا» و هو يتعلق بالعقد الصحيح في نظر الشارع، و الفرض أن العقد الصحيح لا يتحقق الا بالقبض، و ما دام لم يحصل القبض لم يتحقق عقد حتي يحل بالخيار.

اللهم الا أن يقال: ان قوله «أَوْفُوا» يدل علي الحكم التكليفي فقط، و هو يتعلق بأعم من الصحيح و الفاسد. لكنه فرض في فرض، و الحق أنه لا يتحقق الا بعد القبض،

[مسألة لا اشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة ايام]

أقول: وقع الكلام في أن الليلتين المتوسطتين داخلتان في الثلاثة أيام، و المستفاد من اخبار الحيوان مفهوما بأن الليل داخل في مفهوم اليوم، أو يكون المراد من اليوم هو الزمان الممتد بين طلوع الشمس و غروبها، فدخول الليلتين

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 125

فيها من باب الاستمرار المستفاد من الخارج بالتفاهم العرفي، كما يقال ذلك في اقامة عشرة الايام للمسافر.

الحق هو الثاني، فان مفهوم اليوم أمر واضح عند العرف. نعم حيث أن الخيار امر مستمر تكون الليلتان المتوسطتان داخلتين في الظرف، لا لما قيل بأن المراد بالايام الثلاثة ما كانت مع الليالي الثلاث لدخول الليلتين أصالة فتدخل الثالثة و الا لاختلف مفردات الجمع في استعمال واحد.

لكن عرفت بأن اليوم لا يشمل الليل بالمفهوم، بل انه يدخل من باب الاستمرار المستفاد من الخارج، و لو عقد في نصف الليل مثلا يبقي الخيار الي آخر يوم الثالث بحسب المتفاهم العرفي، بأن يحتسب مبدأ الخيار من حين انعقاد العقد من دون أن تنقص من الايام شي ء، لأنه اذا لم يلتزم بذلك فلا بد من الالتزام اما بثبوت الخيار من أول اليوم- بان يفصل بين الخيار و العقد مدة طويلة- و هو

كما تري، و اما نلتزم بنقص عن اليوم الثالث بمقدار ما بقي من الليل، و هذا خلاف الفهم العرفي من اللفظ.

و للسيد اليزدي هنا كلام، و هو أنه فرق واضح بين قوله «للمشتري الخيار من حين العقد الي مضي ثلاثة أيام» و قوله «له الخيار ثلاثة أيام في الحيوان»، فان في العبارة الاولي يكون المراد من اليوم نفس البياض فقط، و هذا بخلاف العبارة الثانية، فان الليالي داخلة في مفهومها، و حيث أن الدليل ورد علي النهج الثاني فالليل داخل في الظرف. و لم نفهم ما أفاده قدس سره من الفرق بين العبارتين و لو شككنا في ارادة أي من المعنيين فمقتضي الاستصحاب بقاء الخيار.

و فيه: أولا ان عموم دليل وجوب الوفاء محكم في المقام، و معه لا تصل النوبة الي الاستصحاب، فان اجمال المخصص لا يسري اليه لكونه منفصلا، فيتمسك بعموم العام.

و ثانيا- ان الاستصحاب في الاحكام الكلية لأزال معارضا مع استصحاب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 126

قوله: يسقط هذا الخيار بامور (1).

عدم الجعل الزائد.

[الكلام في مسقطات خيار الحيوان]
اشارة

أقول: وقع الكلام في مسقطات خيار الحيوان، و هي علي ما ذكروها أمور:

(الاول) اشتراط سقوطه،
اشارة

و قد تقدم البحث عنه في مسقطات خيار المجلس فلا يحتاج الي الاعادة، انما الكلام في بعض ما يتعلق به. قال الشيخ: و لو شرط سقوط بعضه فقد صرح بعض بالصحة، و لا بأس به.

أقول: ان الحكم بسقوط البعض اما يكون باعتبار الافراد، بأن يكون للشي ء أفراد متعددة فيحكم بسقوط بعض منها، و هو مفقود في المقام، لان الخيار في الثلاثة حق وحداني مستمر الي آخرها لا حقوق متعددة بعدد الآنات، و اما يكون باعتبار الاجزاء، و الخيار ليس له أجزاء قابلة لان يسقط بعضها و يبقي الاخر.

و العجب من السيد قدس سره حيث قال: ان حق الخيار و ان كان وحدانيا الا أنه بمنزلة حقوق عديدة باعتبار الايام و الساعات، فان مرجع هذا الكلام الي التناقض.

(مسألة) لو اشترط أحد سقوط الخيار و اشترط ثبوته ثانيا فهل يكون الشرط الثاني نافذا أم لا؟

وجهان.

و قد ذهب سيدنا الاستاذ دام ظله الي صحته مستدلا بقوله «المؤمنون عند شروطهم».

و يرد عليه: أولا انه كما يصح الاستدلال بدليل الشرط علي صحة الشرط الثاني كذلك يصح الاستدلال به بصحة الشرط الاول، فيقع المعارضة بينهما.

و ثانيا- انه لا بد من السؤال من معني شرط الثبوت بعد شرط السقوط،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 127

فان كان المراد منه أن يجعل الشارع له الخيار مع اسقاطه فلا معني لهذا الشرط لعدم كون جعل الشارع مقدورا له فان الشرط لا بد أن يتعلق بالمقدور.

هذا أولا، و ثانيا ان الشرط المذكور خلاف السنة، اذ المفروض عدم الخيار شرعا مع فرض الاسقاط في ضمن الشرط الاول. و ان كان المراد منه عدم الاسقاط فهو أيضا مخدوش، لان الشرط الاول وقع صحيحا و سقط الخيار بمقتضاه فلا مجال للشرط الثاني.

(الثاني) اسقاطه بعد العقد،

و الكلام فيه مر في خيار المجلس.

(الثالث) التصرف،

ربما يقال ان التصرف ليس له موضوعية في المقام، فانه مسقط بعنوان أنه طريق الي الرضا و كاشف عنه، و مرجع هذا القول الي انكار كون التصرف مسقطا، و في مقابله قول لمسقطية التصرف بذاته و لو كان عن غافل بمسألة الخيار أو جاهل به.

و لا يخفي أنه لا مجال للتمسك بالإجماع، فانه كيف تمكن تحصيل الاجماع التعبدي في مثل المقام، فالعمدة النظر في النصوص الواردة في المقام و استفادة الحكم منها حسب الصناعة، فنقول: قد وردت في المقام نصوص:

منها- ما رواه علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: فان أحدث المشتري فيما اشتري حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضي منه فلا شرط. قيل له:

و ما الحدث؟ قال: ان لامس أو قبل أو نظر منها الي ما كان يحرم عليه قبل الشراء «1».

أقول: ان قوله عليه السلام «فذلك رضي منه فلا شرط» يحتمل وجوها:

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 128

(الاول) أن يكون الامام عليه السلام مخبرا عن الواقع بهذه الجملة بأن احداث الحدث لو خلي و طبعه رضاء بالبيع غالبا، و عليه فقوله «فذلك رضي منه» ليس حكما تعبديا بل يكون في مقام بيان أمر طبيعي و يكون قوله «فلا شرط» معللا بأن احداث الحدث علة الحكم. و بمعني انه كاشف نوعا عن الرضا بلزوم العقد.

و يرد عليه: أن كون الامام في مقام الاخبار عن الواقع خلاف ظاهر شأن الامام، فان الظاهر منه أن يكون في مقام بيان الحكم و تشريعه، مضافا الي أن الامر ليس كذلك، فان مجرد احداث الحدث في الحيوان لا يستلزم

الرضا.

(الثاني) أن تكون الجملة في مقام بيان أن التصرف يكون بنوعه كاشفا عن الرضا بلزوم العقد و ان لم يكن موجبا له في مورد خاص، و هو نظير ظهورات الالفاظ فانها حجة و ان لم يحصل منها الظن بالواقع.

و يرد عليه: أن ركوب الدابة لا دلالة له علي الرضا النوعي بلزوم العقد و لا يفهم منه اسقاط الخيار، و أما الرضا بأصل المعاملة فهو كان موجودا من أول الامر و ان لم يحدث حدثا فيه الا أنه خارج عن المبحث.

(الثالث) ان تكون في مقام بيان أن التصرف رضاء تعبدا، فان الشارع حكم بأن التصرف رضاء بالحكومة. و هذا الوجه متين في نفسه، و المستفاد من الرواية أن احداث الحدث في الحيوان رضاء بالعقد تعبدا، بل يستفاد من ذيل الرواية أن كل تصرف لا يجوز لغير المالك يسقط الخيار و ان لم يكن موجبا لإحداث حدث فيه كالنظر و اللمس.

ان قلت: لا نسلم أن يجوز التعدي الي كل التصرف، فان في الرواية قد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 129

تقابل في حديث الصفار بين الركوب و احداث الحدث، و معه كيف يجوز التعدي اليه.

قلت: ان التقابل المذكور لا يمنع عن الحكومة التي بيناها، اذ التقابل في كلام السائل لا في كلام الامام.

ان قلت: كيف يمكن أن يلتزم بأن التصرفات مطلقا رضاء بلزوم العقد بالتعبد، اذ يلزم أن يكون جعل خيار الحيوان لغوا، فانه كيف يجتمع الخيار مع سقوطه بكل تصرف و لو لم يكن موجبا للتغير في الحيوان.

قلت: لا نسلم أن يكون خيار الحيوان لغوا، فانه تظهر الثمرة فيما اذا لم يسلم البائع الحيوان الي المشتري ثلاثة أيام، فان له خيارا مع أنه لم يتصرف في المبيع

لعدم وقوعه تحت يده. مضافا الي أن التصرف في الحيوان بأخذ زمامه و ايصاله الي الاصطبل لا يكون مسقطا. و الحاصل ان المستفاد من مجموع النصوص أن التصرف في الحيوان بتصرف لا يكون الا للمالك يسقط الخيار.

و ان أبيت عما ذكرنا فنقول: المسقط للخيار التصرف الموجب لحدوث الحدث في الحيوان لا مطلق التصرف. نعم نلتزم بسقوطه باللمس و التقبيل و النظر للنص.

و منها- ما عن محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت الي أبي محمد عليه السلام في الرجل اشتري من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ أله ان يردها في الثلاثة الايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقع عليه السلام: اذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء «1».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من أبواب الخيار، الحديث (2).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 130

قوله: الثالث خيار الشرط، أعني الثابت سبب اشتراطه في العقد (1).

و المستفاد من هذا الحديث أن التصرف اذا كان موجبا لإحداث حدث في الحيوان يسقط الخيار و الا فلا.

و منها- ما عن علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل اشتري جارية لمن الخيار؟ فقال: الخيار لمن اشتري- الي أن قال: قلت له:

أ رأيت ان قبلها المشتري أو لامس؟ فقال: اذا قبل أو لامس أو نظر منها الي ما يحرم علي غيره فقد انقضي الشرط و لزمته «1».

فان المستفاد من هذه الرواية أن التصرف مسقط للخيار و ان لم يحدث فيه حدثا.

[القسم الثالث خيار الشرط]
اشارة

أقول: القسم الثالث من الخيار خيار الشرط، وقع الكلام بين الاعلام في صحته، أفاد الشيخ لا خلاف في صحته.

ما قيل أو يمكن أن يقال في وجهها أمور:
(الاول) الاجماع،

و قد ادعي الشيخ قدس سره أن نقل الاجماع مستفيض.

و يرد عليه: أن تحقق الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام مستحيل.

(الثاني) ما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله،

و هو أن البائع حين بيعه اما يملك المبيع للمشتري حتي بعد الفسخ و اما يملكه الي حين الفسخ و اما يملكه مهملا من هذه الجهة، و القسم الاخير محال لاستحالة الاهمال في الواقعيات، و القسم الاول- أعني تمليكه له حتي بعد الفسخ يرجع الي التناقض، اذ من الواضح أن التمليك حتي بعد الفسخ مع انتفاء الملكية بالفسخ متنافيان، فيتعين القسم الثاني أعني التمليك الي قوله «فسخت». و بما أن العقود تابعة للقصود و الشارع

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من أبواب الخيار، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 131

يمضي العقد بهذه الكيفية المخصوصة يصح بهذا النحو.

و عليه لا يرد علينا ما أورد علي القوم بأن شرط الخيار مخالف للكتاب أعني عموم دليل وجوب الوفاء، و الشرط المخالف للكتاب ساقط عن الاعتبار. لأنك عرفت مما بيناه أن العاقد ملك المبيع علي النحو الموقت، أعني الي قوله «فسخت»، و أمضاه الدليل بهذه الكيفية المخصوصة فلا يرد عليه ذلك الاشكال.

و يرد عليه: أولا ان صحة البيع المذكور مبنية علي صحة البيع الغرري، و الاستاذ لا يلتزم بذلك لتزلزل العقد، فان المشتري لا يعلم وقت حصول الفسخ و هو غرر عليه.

و ثانيا- انه لو فرضنا أن المشتري باع ما اشتراه من ثالث ثم فسخ البائع الاول فلا بد أن يلتزم الاستاذ ببطلان البيع الثاني، اذ بالفسخ ينكشف أن المشتري باع ما لم يكن مالكا له. و لا يمكن الالتزام بهذا اللازم و الاستاذ أيضا غير ملتزم به، كيف و لازم الفسخ دفع العوض، فان

البيع تلف حكما.

و ثالثا- ان البيع الموقت غير معهود عند العرف فلا تشمله الادلة، لا أقول انه أمر غير متصور لكن المرتكز في الاذهان الدوام في حقيقة البيع فلا يشمله دليل الصحة.

و رابعا- ان الفسخ أمر يرفع ما هو ثابت. و بعبارة أخري: يفهم العرف من هذا الشرط أن من له الشرط يرفع الامر الموجود في عالم الاعتبار بأن يكون الفسخ أمد ذلك الامر الاعتباري.

و خامسا- انا لا نسلم أن يكون التمليك غير الموقت مع جعل حق الفسخ من قبيل الجمع بين المتنافيين، بل نقول: ان البائع بقوله «بعت» قد ملك المبيع للمشتري مطلقا أعم من وقوع الفسخ بعده أم لا، غاية الامر انه يجعل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 132

لذي الخيار حق فسخ العقد، نظير باب النكاح فان النكاح الدائم يوجد بانشاء نكاح الزوجية الدائمية و لا تكون محدودة بقوله «طلقت»، فانها محققة سواء تحقق الطلاق أم لا الا أن الطلاق بمنزلة القطع و ازالة الزوجية فانه يقطع أمد الزوجية. و المقام أيضا من هذا القبيل، فان الفسخ بماله من المعني يتوقف علي تحقق الملكية الدائمة الثابتة، و لا تنافي بين الامرين، فان الشارع بالبيع يعتبر الملكية الدائمة و بالفسخ يرفع اليد عن هذا الاعتبار، و الاتحاد الزماني من الوحدات المشروطة في التناقض فلا تغفل.

(الثالث) ما أفاده سيدنا الاستاذ أيضا

بأن المستفاد من قوله عليه السلام «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» ان الشارع قد جعل أمر الالتزام ببقاء العقد أو انحلاله بالفسخ بيد المتعاملين، فانهما ان كانا راضيين ببقاء العقد يكون لازما و ان لم يكونا راضيين فالعقد يكون جائزا.

فانقدح مما ذكرنا أن الشارع جعل لزوم العقد و جوازه بيد المتعاملين، فيجوز

لهما أن يلتزما بلزوم العقد و لهما أن يجعلا العقد جائزا. و ملخص الكلام أن المستفاد من دليل خيار المجلس أن أمر اللزوم و الجواز بيد المتعاقدين، غاية الامر ان الشارع جعل الخيار بمقدار زمان المجلس.

و يرد عليه: أن هذا ادعاء بلا دليل، و لو كان الامر كما ادعاه سيدنا الاستاذ لكان اللازم فساد العقد الصادر من الغافلين من هذه الجهة، و هو كما تري. و انا قد بينا سابقا أن معني الرضا في الرواية مجمل لاحتمال أن يتعلق بالعقد أي العقد المرضي به لو انتهي مجلسه يلزم، و يمكن أن يكون المراد أن العقد بعد الرضا و عدم الفسخ في المجلس، و يمكن أن يكون المراد أن الافتراق مع الرضا و بلا اكراه يلزم العقد. فتحصل ان هذا الوجه من الاستاذ أيضا لا يمكن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 133

المساعدة عليه.

(الرابع) ما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله أيضا

بأنه لا شبهة في صحة الاشتراط في ضمن العقد كاشتراط خياطة الثوب في ضمن البيع، و من الظاهر أن مفهوم الشرط لا يتحقق الا مع الارتباط، فمرجع اشتراط الخياطة الي تعليق الوفاء بالعقد علي الخياطة، و بهذا الشرط يثبت الخيار عند التخلف فاذا كان هذا جائزا فاشتراطه ابتداء يجوز لعدم الفرق.

و يرد عليه: أولا ان صحة هذا الشرط بهذا النحو أيضا محل الاشكال و أين دليله.

ان قلت: يلزم لغوية الشرط كلية.

قلت: لا يلزم ذلك، اذ الشرط يمكن تحققه بنحو آخر، و هو تعليق أصل العقد علي شي ء كالخياطة، و لا يلزم التعليق الباطل، اذ التعليق يوجب الفساد فيما لا يكون المعلق عليه محرزا عند المتعاملين، و أما مع الاحراز فلا يبطل.

و حيث أن من عليه الشرط يلتزم عند الايجاب و القبول يكون المعلق

عليه محرزا فلا يلزم لغوية الشرط و لا ينحصر بتعليق لزوم العقد عليه.

و ثانيا- انه لا وجه لقياس المقام بذلك الباب، فان مفهوم الاشتراط و الارتباط يتحقق في ذلك الباب، بخلاف المقام حيث أن شرط الخيار ابتدائي و لو جاز القياس يلزم القول بصحة جميع الشروط الابتدائية، بأن نقول: لا فرق بين الابتدائي و الضمني و أني لنا بذلك.

(الخامس) النصوص الواردة في المقام،

و هي كثيرة الا أنها لا تبلغ حد الاستفاضة كما ادعي الشيخ قدس سره، و لكن الخبر الصحيح موجود في المقام و هو كاف للمطلوب.

منها- ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سمعته

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 134

يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه فلا يجوز له و لا يجوز علي الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب اللّه … «1».

و قد استشكل علي الاستدلال بهذه الصحيحة من وجوه:

(الاول) ما أورده صاحب المستند بأن الشرط الذي يجب الوفاء به ما لم يكن مخالفا للكتاب و السنة، و أما خيار الشرط فهو مخالف للكتاب و السنة، أما الكتاب فعموم دليل وجوب الوفاء، و أما السنة فقوله عليه السلام «فاذا افترقا وجب البيع»، و لذا اضطر أن يتمسك لإثبات المطلوب بالإجماع، و قد ظهر مما ذكرنا حال الاجماع و أنه غير قابل للاستناد.

و قد أفاد السيد اليزدي قدس سره بأن ما في المستند من الاشكال لا وجه له فان شرط الخيار ليس مخالفا للكتاب و السنة، لان وجوب الوفاء المستفاد من الكتاب و السنة من مقتضيات اطلاق العقد لا من مقتضيات طبيعته، و كذا لا وجه لاستدلاله علي المدعي بالإجماعات المنقولة، كما أنه لا مجال للتمسك بالاخبار الخاصة

و جعلها مخصصة لذلك العموم اذ عدم جواز كون الشرط خلاف الكتاب ليس عاما قابلا للتخصيص.

و يرد عليه: ان قوله: «ان لزوم البيع من مقتضيات اطلاق العقد لا من مقتضيات طبيعته» لا يرجع الي معني محصل، فان مقتضي وجوب الوفاء بالعقد أنه كلما تحقق فهو لازم و كونه خياريا بدليل خاص لا يدل علي أنه يخالفه و غير لازم بحسب طبعه و ذاته. و يدل علي ما ذكرنا أن عقد النكاح عقد لازم و مع ذلك ربما يكون خياريا فهل يمكن أن يدعي أحد بأن النكاح حيث أنه يجري فيه الخيار بواسطة بعض العيوب لا يكون لازما بحسب طبعه.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (6) من أبواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 135

هذا أولا، و ثانيا ان قوله «ان سياق أدلة عدم صحة الشرط المخالف آب عن التخصيص» ممنوع، لان الادلة المذكورة ليست من الادلة العقلية حتي لا تكون قابلة للتخصيص، غاية الامر قيام الدليل يكشف أن الحكم الواقعي موافق للشرط.

و أجاب عن الاشكال علي ما في التقرير سيدنا الاستاذ دام ظله، و حاصل ما أفاده: أنه قد علم من الشرع أن اللزوم لرعاية حال المتعاقدين و أمر العقد من هذه الجهة بيديهما، اذ يجوز لهما الاقالة. و ان شئت قلت: ان اللزوم حقي.

و يرد عليه: ان ما أفاده أمر ممكن ثبوتا لكن لا دليل عليه في مقام الاثبات و مجرد جواز الاقالة لا يثبت المدعي و المرجع دليل وجوب الوفاء.

و قد تصدي هو بنفسه لهذا الاشكال في دورة أخري و أفاد بأنه لا فرق بين البابين، فكما أن الشارع يحكم باللزوم في باب النكاح كذلك يحكم به في باب البيع، فالاشكال باق

بحاله.

و أجاب عن الاشكال المحقق الايرواني بوجه آخر، و هو أن اشتراط الخيار اشتراط أن يسترجع ما دفعه حيثما أراد و يأخذه و يتملكه متي ما أحب، و عموم الادلة يشمل الشرط المذكور و يلزم المشروط عليه بدفع ما التزم بدفعه عند رجوع صاحبه.

و يرد عليه: انه ما المراد من الاسترجاع، فان كان المراد أن الشارع يكون له هذا الحق يعود المحذور، و ان كان المراد أن له أن يسترجع ما دفعه بلا موجب شرعي فهذا كما تري، فان تملك مال الغير بلا رضي مالكه فاسد و سحت، و ان كان المراد منه أن يسترجع متي شاء باذن المشتري و رضاه فلا يحتاج الي الشرط المذكور فان الاقالة جائزة بل راجحة، و ان كان المراد انه اشترط اذا أراد أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 136

يستقيل إقالة المشروط عليه فانه لا بأس به الا أنه أجنبي عن المقام، اذ لا يمكن للشارع استرجاع العين بلا موافقة صاحبه، غاية الامر يجب علي الطرف أن يرضي بالفسخ و يجوز للحاكم أن يجبره حيث انه ولي الممتنع لكن المقصود غير حاصل.

(الثاني) ما اورده المحقق الايرواني بأن ظاهر الاخبار الحكم التكليفي و وجوب أن يكون المؤمن عند شرطه، فلا يعم ما هو من قبيل شرط النتيجة فشرط الخيار خارج عن مقدار مدلول دليل الشرط.

و يرد عليه: أنه لا وجه لهذا التقييد، فان المستفاد من دليل الشرط لزومه و عدم انفكاكه، فان المؤمن عند شرطه، فان كان متعلقه الفعل يجب و ان كان أمرا وضعيا يصح.

(الثالث) أن شرط الخيار مخالف لما يقتضيه العقد فلا يشمله دليل المؤمنون لان شمول دليل الشرط عليه مع كونه خلاف مقتضي العقد يرجع الي التناقض.

و

الجواب عنه: ان مقتضي العقد هو حصول الملكية، و أما اللزوم أو الجواز فهما من آثاره و احكامه، و لذا يقسم العقد باللزوم و الجواز.

(الرابع) ان شرط الخيار شرط الفعل الراجع الي اللّه سبحانه، فمعني شرط الخيار في ضمن بيع الدار مثلا يرجع الي أنه باع داره بشرط أن يجعل اللّه سبحانه له الخيار، و فعله سبحانه خارج عن تحت قدرة المتعاقدين فلا معني لهذا الشرط.

و الجواب عنه: انا نجد صحة هذا الشرط و لو ممن لا يعتقد به سبحانه، فلو صح وقوعه و صدوره عن غير المعتقد يعلم أنه لا مجال لهذا الكلام. و صفوة القول أنه لا مانع من جعل هذا الحق بين المتعاقدين فانه نحو اعتبار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 137

(الخامس) ان مفهوم الشرط لا يصدق علي شرط الخيار، اذ الشرط لا بد أن يحقق في ضمن أمر، و في المقام ليس كذلك، اذ الربط المحقق للشرط لا يكون في اشتراط الخيار.

و الجواب عنه: انه لا شبهة في تحقق الشرط في المقام، فان البائع يعلق تمليك المبيع للمشتري علي التزامه بالخيار المجعول، و هو واضح للمتأمل.

و لا يقال: ان هذا تعليق في العقد، و هو مبطل له.

لأنا نقول: ان التعليق علي أمر غير معلوم يبطل العقد، و أما في المقام فان العقد معلق علي الالتزام الموجود حين العقد.

فتلخص ان الاشكالات الواردة علي الرواية غير واردة.

(السادس) من الامور التي استدل بها لصحة شرط الخيار الاخبار الخاصة:

منها- ما رواه سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: انا نخالط أناسا من أهل السواد و غيرهم فنبيعهم و نربح عليهم للعشرة اثني عشر، و العشرة ثلاثة عشر و نؤخر (نوجب) ذلك فيما بيننا و بين السنة و نحوها، و يكتب لنا

الرجل علي داره أو علي أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي اخذ منا شراء قد باع و قبض الثمن منه فنعده ان هو جاء بالمال الي وقت بيننا و بينه أن نرد عليه الشراء، فان جاء الوقت و لم يأتنا بالدراهم فهو لنا، فما تري في الشراء؟

فقال: أري أنه لك ان لم يفعل و ان جاء بالمال للوقت فرد عليه «1».

و منها- ما رواه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث قال: و ان كان بينهما شرط اياما معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (7) من أبواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 138

قوله: مسألة لا فرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا عنه (1).

قوله: نعم يشترط تعيين المدة، فلو تراضيا علي مدة مجهولة كقدوم الحاج بطل بلا خلاف، بل حكي الاجماع عليه صريحا لصيرورة المعاملة بذلك غررية (2).

من مال البائع «1».

فانه يستفاد من هذه الروايات الخاصة جواز جعل الخيار، مضافا الي أن هذا أمر تسالم الفقهاء عليه بحيث لا يعتريه الريب، و قيام السيرة المستمرة الي عصر المعصوم عليه السلام كاشف عن الجواز، و ليس هذا تمسكا بالإجماع فلا تغفل.

[مسألة لا فرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا عنه]

أقول: وقع الكلام فيما بينهم في أن جعل الخيار لا بد أن يكون متصلا بالعقد بل يصح جعله منفصلا عنه أيضا. ربما يقال كما عن الشافعي بعدم صحة جعل الخيار المنفصل، اذ يلزم صيرورة العقد جائزا بعد ما كان لازما. ورد بالنقض بخيار الرؤية و التأخير، و بالحل بأنه صحيح بدليل صحة الشرط.

و فيه: ان القياس بخياري الرؤية و التأخير لا يصح، اذ فيهما قام الدليل بخلاف المقام.

و اما الاستدلال بدليل الشرط ففيه انه محل الاشكال، فان قام اجماع تعبدي بعدم الفرق بين المتصل و المنفصل فهو و الا يشكل الامر لعدم الدليل لكنه يظهر منهم البناء علي الجواز، انما الاشكال فيما تكون المدة المقررة للخيار مجهولة للغرر.

[في شرطية تعيين المدة في هذا الخيار]
اشارة

أقول: يقع الكلام في مقامين: الاول ان ذكر المدة المجهولة كقدوم

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (8) من أبواب الخيار، الحديث (2).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 139

الحاج مثلا هل يوجب الغرر أم لا. الثاني ان الغرر الناشئ من ناحية الجهل بمدة الخيار مبطل للبيع أم لا؟

(اما المقام الاول) فأفاد سيدنا الاستاذ علي ما في التقرير بأنه لا وجه للإشكال اذ المبيع و الثمن معلومان و المجهول مدة الخيار، و اذا كان هذا موجبا للبطلان يلزم البطلان و لو مع معلومية المقدار، اذ لا يدري من عليه الخيار أن من له الخيار يفسخ أم لا، و علي فرض فسخه متي يفسخ. بل لنا أن نقول: انه يجوز جعل الخيار ما دام العمر، و ما أفاده شيخنا الاستاذ بأن العقد له اقتضاءان الملكية، و اللزوم، و جعل الخيار مدة العمر ينافي مقتضي العقد، فاسد لان اللزوم و الجواز من أحكام العقد لا من مقتضياته. هذا ما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله.

و يرد عليه: ان المدة لو لم تكن معلومة يمكن أن تنقضي بعد يومين، و يمكن أن تطول الي سنة، و لا ريب أن الاقدام علي مثل هذه المعاملة جزاف. نعم ربما يرتفع الغرر بأن من عليه الخيار يدري بأنه رابح علي جميع التقادير. و ملخص الكلام انه لا يمكن الالتزام بعدم الفرق بين المده المجهولة و المعلومة.

لا يقال: ان الجهل بالمقدار المذكور لو كان موجبا

للغرر لكان في خيار المجلس أيضا غرر أحيانا، فانه يمكن أن يبقي مجلس العقد الي سنة أو سنتين.

لأنا نقول: ان خيار المجلس حكم تعبدي شرعي يترتب علي العقد الجامع للشرائط. و بعبارة أخري: العقد في نفسه يلزم أن يكون غرريا، و خيار المجلس لا يوجب غررية العقد فانه من آثاره المترتبة عليه.

(و أما المقام الثاني) فهو البحث في أن الغرر مبطل أم لا. فنقول: الجهل بالمدة تارة لا يكون دخيلا في تفاوت القيمة، و أخري يكون دخيلا. و لا كلام علي الاول، اذ المفروض أنه لا غرر. و أما علي الثاني فما يمكن أن يقال في

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 140

قوله: لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدة المجهولة كقدوم الحاج، و بين عدم ذكر المدة اصلا كأن يقول «بعتك علي أن يكون لي الخيار»، و بين ذكر المدة المطلقة كأن يقول «بعتك لان يكون لي الخيار مدة» لاستواء الكل في الغرر، خلافا للمحكي عن المقنعة و الانتصار و الخلاف و الجواهر و الغنية و الحلبي فجعلوا مدة الخيار في الصورة الثانية ثلاثة أيام (1).

وجه البطلان أمور:

منها: الاجماع. و يرد عليه أنه علي فرض حصوله محتمل المدرك فلا أثر له.

و منها: ما أرسله العلامة عن النبي صلي اللّه عليه و آله بأنه نهي عن الغرر «1».

و يرد عليه: ان المرسلة لا تكون حجة، و العمل بها علي فرض تحققه لا يجبر ضعفها.

و منها: ان الشرط فاسد و هو مفسد فيه.

و فيه: أولا ان فساد الشرط اول الكلام، و ثانيا أن الشرط الفاسد لا يفسد.

و منها: ان الغرر في الشرط يسري الي العقد، و البيع الغرري باطل لما ارسله الشيخ قدس سره عن النبي

صلي اللّه عليه و آله انه نهي عن بيع الغرر «2».

و يرد عليه: ان المرسلة لا اعتبار بها، لكن الالتزام بصحة بيع الغرر في غاية الاشكال، فانه لا يبعد أن يكون البطلان مما تسالم عليه.

[لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدة المجهولة كقدوم الحاج، و بين عدم ذكر المدة اصلا]

أقول: أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله ان العقد باطل في جميع الاقسام المذكورة لعدم التطابق بين الايجاب و القبول، فان القابل يمكن أن يجعل المدة

______________________________

(1) التذكرة، الجزء (1) الصفحة (466).

(2) الخلاف الصفحة (528) المسألة (528).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 141

ثلاثة أيام مثلا و الموجب جعلها عشرة أيام، فلا يحصل التطابق بينهما و الحال أن التطابق لازم بين الايجاب و القبول.

و فيه: ان ما أفاده دام ظله لا يمكن المساعدة عليه علي اطلاقه، لأنه يمكن أن يجعل الموجب مدة الخيار ثلاثة أيام و يقبله القابل عشرة أيام فان عدم التطابق في هذه الصورة لا يضر بصحة البيع، اذ المفروض أن القابل قبل ما أوجبه الموجب مع الزيادة. نعم لو فرض أن قبوله يكون بنحو التقييد يشكل. نعم ما أفاده صحيح في عكس المسألة، و هو فيما اذا جعل الموجب مدة الخيار عشرة أيام و يقبله المشتري ثلاثة أيام.

و قد نسب الي عدة من الفحول أن مدة الخيار تكون ثلاثة أيام في صورة عدم ذكر المدة أو ذكر المدة المطلقة.

و ما يمكن أن يستدل به أمران:

أحدهما- الاجماع. و فيه أنه كيف يمكن تحصيل الاجماع التعبدي.

و ثانيهما- الروايات، فهي يمكن أن يكون مستفادا من كلام الشيخ «1» بقوله:

من ابتاع شيئا بشرط الخيار و لم يعين وقتا و لا أجلا بل أطلقه كان له الخيار ثلاثة أيام، دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم. فانه يستفاد من كلامه قدس سره وجود الروايات في المقام الا

أنه لم يذكر شيئا في كتابي التهذيب و الاستبصار، و لعل كان مقصوده من الاخبار هي الاخبار الواردة في خيار الحيوان، بتقريب أن الخيار في الحيوان ثلاثة أيام و ان لم يشترط فيكون في غيره كذلك اذا اشترط الخيار و لكن لم يعين مدته بطريق أولي.

و لا يخفي عدم تمامية هذا التقريب، فان خيار الحيوان في الثلاثة قام عليه

______________________________

(1) الخلاف الجزء (1) الصفحة 512 المسألة 25.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 142

قوله: مسألة، مبدأ هذا الخيار من حين العقد (1).

الدليل و أما في المقام فلا دليل.

و قد روي في كتب العامة أن حنان بن منفذ كان يخدع في البيع لشجة أصابته في رأسه، فقال له النبي صلي اللّه عليه و آله: اذا بعت فقل لا خلابة و جعل له الخيار ثلاثا «1».

و هذه الرواية من حيث السند لا اعتبار بها، و أما من حيث الدلالة فأفاد سيدنا الاستاذ دام ظله ان الاستدلال بمثل هذه الرواية لا ثبات مدة الخيار ثلاثة أيام كالاستدلال علي وجوب الجهر في صلاة الجمعة بقوله «الماء اذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي ء»، و أما جعل الخيار ثلاثا لحنان يمكن أن يكون من باب أنه صلي اللّه عليه و آله ولي الامر بجعل الخيار له لمصلحة قد علمها، و لا وجه للتسرية، و معني قوله «لا خلابة» يحتمل ان يكون خديعة. و الذي يهون الخطب أن الرواية ضعيفة السند، و معها لا تصل النوبة الي البحث عن دلالتها.

و الحاصل ان جعل المدة بجميع أقسامها المذكورة باطل عند القوم لسريان الغرر الي البيع.

[مسألة، مبدأ هذا الخيار من حين العقد]

أقول: ملخص كلامه أن مبدأ خيار الشرط من حين العقد و لو لم يصرح به، لانصراف الاطلاق اليه بحسب

الظهور العرفي، الا أن يقال: ان المتبادر من جعل الخيار جعله في زمان لو لا الخيار لزم العقد، و لكن مقتضي هذا القول كون مبدئه في الحيوان بعد انقضاء الثلاثة. و ملخص الكلام: ان مقتضي الاطلاق ثبوته من حين العقد.

نعم لو قلنا باستحالة تعدد الخيار لا بد من جعله في زمان لا يكون خيار من ناحية أخري. و لذا من يري الاستحالة يلتزم بكون مبدئه من حين التفرق أو

______________________________

(1) التذكرة الصفحة 519 المسألة 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 143

قوله: مسألة يصح جعل الخيار للأجنبي (1).

بعد الثلاثة.

و يرد عليه: ان هذا خلاف تبعية العقود للقصود، فيلزم الالتزام به من حين العقد أو يلتزم بعدم تحققه، لكن الالتزام بثبوته علي خلاف ما قصد لا دليل عليه.

ثم انه لو جعل المبدأ من حين التفرق فهل يكون صحيحا أم لا؟ قد تقدم أن الظاهر بناء القوم علي جعل الخيار مع الانفصال، فمن هذه الجهة لا اشكال فيه انما الاشكال من ناحية الغرر، فلو جعل الخيار من حين التفرق الي آخر الشهر لا اشكال، اذ معلوم أن العقد خياري الي آخر الشهر اما للمجلس و اما للشرط، و أما لو جعل من حين التفرق الي ثلاثة أيام فربما يشكل، فانه لو احتمل بقاء المجلس مدة طويلة لا يدري من عليه الخيار أن العقد متزلزل من أي مقدار من الزمان، فيلزم رعاية أن لا يدخل الغرر في العقد.

[مسألة يصح جعل الخيار للأجنبي]
اشارة

أقول: وقع الكلام في صحة جعل الخيار للأجنبي و عدمها، و لا بد من البحث فيه من جهات:

(الجهة الاولي) أنه كما يجوز جعل الغير وكيلا من قبل ذي الخيار يجوز أيضا جعل الخيار له اصالة أم لا.

و الكلام تارة في امكانه و أخري في اثباته: أما بحسب الامكان فهو أمر ممكن و عدم كونه مالكا للعين لا ينافي كون زمام الامر بيده كما في ارث الزوجة مع أنها لا ترت من العقار، و لا فرق فيما ذكر بين القول بأن الخيار متعلق بالعقد و بين تعلقه بالعين. و أما بحسب مقام الاثبات فالتحقيق أن المستفاد من ادلة الشروط نفوذ كل شرط الا ما خالف الكتاب و السنة، و شرط الخيار للأجنبي مخالف لعموم دليل وجوب الوفاء فلا يكون نافذا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 144

و لا يجوز التمسك بعموم وجوب الوفاء بالشرط، لأنه ليس بمشرع، فلا بد أن يكون مشروعية الشرط ثابتة في الرتبة السابقة حتي يشمله الدليل، لوضوح أن الحكم لا يحقق موضوعه، أضف الي ذلك كله أن مقتضي الاستصحاب أيضا عدم ثبوت حق للأجنبي، فالحق عدم صحة جعل الخيار للأجنبي، فعلي مسلكنا لا تصل النوبة الي البحث عن الجهة الثانية الا انا نتعرضها علي مسلك القوم.

(الجهة الثانية) ان الاجنبي علي فرض جعل الخيار له لا بد أن يراعي مصلحة الجاعل أم لا.

و التحقيق أن يقال: ان جعل الخيار له اما يكون علي نحو الوكالة و اما علي الاصالة، فعلي الاول لا بد من مراعاة مصلحة الموكل الا أن يفهم الاطلاق من التوكيل، و علي الثاني فاما مجعول له من الطرفين و اما من طرف واحد، فلو كان مجعولا من الطرفين فلا اشكال في أن أمر العقد بيده و له أن يفسخ و لو كان بمصلحة أحدهما دون الاخر و ان كان من طرف واحد فاللازم مراعاة صلاحه اذ من يجعل له الخيار يطلب صلاحه فالجعل قاصر من أول الامر فلا استقلال له.

(الجهة الثالثة) ان جعل الخيار للأجنبي هل يحتاج الي قبوله أم لا؟

أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله أن قوله «الناس مسلطون علي أموالهم» «1» يدل علي سلطنة الناس علي أنفسهم بالفحوي، فيحتاج جعل الخيار له اذنه.

و يرد عليه: أولا ان الرواية ضعيفة السند، و عمل المشهور علي تقدير استنادهم اليه لا يجبر ضعفها. و ثانيا ان الامر ليس كذلك، فانه لو أباح أحد للغير التصرف في ماله يجوز للمباح له و لا يتوقف علي رضاه، كما انه نلتزم

______________________________

(1) بحار الأنوار، الجزء (2) الصفحة 272.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 145

قوله: مسألة يجوز لهما اشتراط الاستيمار بأن يستأمر المشروط عليه الاجنبي في أمر العقد (1).

بجواز الوصية التمليكية مع عدم توقفه علي رضاه، و العمدة هو الدليل علي مشروعية جعل الخيار للأجنبي و مقدار دلالته، و حيث أنه لا دليل في المقام فلا يحرز و لو مع رضاه و قبوله.

(الجهة الرابعة) ان الخيار علي تقدير صحة الجعل للأجنبي هل ينتقل الي وارثه أم لا؟

و التحقيق في المقام أن يقال: ان جعل الخيار للأجنبي ان كان بنحو التوكيل فلا ينتقل الخيار الي وارثه لعدم المقتضي، و ان جعل بالاصالة فلا مانع من انتقاله لان ما تركه فلو ارثه.

(الجهة الخامسة) انه هل ينعزل بعزل الجاعل أم لا؟

الحق أنه ان كان علي نحو الوكالة فلا شبهة في انعزال الوكيل بالعزل، الا أن يقع في ضمن عقد لازم بل عقد جائز علي مسلكنا، و ان كان بنحو الاصالة فلا يبعد بقاؤه و عدم زواله بالعزل، اذ لا وجه لانعزاله بعد ثبوته له لكن جميع ذلك فرض اذ قلنا بأنه لا دليل عليه.

[مسألة يجوز لهما اشتراط الاستيمار بأن يستأمر المشروط عليه الاجنبي في أمر العقد]
اشارة

أقول: ان الاستيمار يتصور علي وجهين:

أحدهما- أن يجعل الخيار لنفسه و يشترط الاخر عليه أن لا يختار أحد الطرفين من الفسخ و الامضاء الا بتعيين المستأمر بصيغة المفعول، ففي هذه الصورة لا شبهة في ثبوت الخيار لمن له الخيار، فاذا فسخ قبل امر المستأمر أو أجاز يكون الفسخ صحيحا و كذا اجازته. نعم كان عاصيا تكليفا و يكون للاخر خيار تخلف الشرط في صورة الاجازة.

و ثانيهما- أن يكون خياره علي تقدير أمر المستأمر، بأن يكون نفس الخيار معلقا علي أمر المستأمر و لو فسخ قبل أمر المستأمر أو بعد أمره بالامضاء لم يؤثر

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 146

قوله: ثم في اعتبار مراعاة المستأمر للمصلحة و عدمه وجهان (1).

و لو أمر المستأمر بالامضاء ليس له الفسخ. نعم لو أمره بالفسخ الظاهر أنه له الاجازة اذ لكل ذي حق اسقاط حقه الا أن يشترط عليه بامتثال أمر المستأمر، ففي هذه الصورة لو لم يمتثل و أمضي العقد يثبت للطرف خيار تخلف الشرط.

و للسيد اليزدي كلام في حاشيته، و هو أن تعليق الخيار علي أمر المستأمر كتعليق الخيار علي قدوم الحاج في كون الشرط غرريا، و هو يسري الي البيع فيكون باطلا.

و ما أفاده قدس سره متين جدا لو فرض كون العقد غرريا بهذا الشرط، فان الاشكال وارد من هذه الجهة لا من

جهة التعليق كما توهمه بعض، فان التعليق في المقام غير مبطل، اذ ليس هذا تعليقا في العقد بل تعليق في الشرط. لكن لنا أن نقول: بأن جعل الخيار بهذا النحو ليس أسوأ حالا من جعل الخيار للمشروط له بنحو الاستقلال فلا غرر.

[في اعتبار مراعاة المستأمر للمصلحة و عدمه وجهان]

أقول: هل يجب علي المستأمر بالفتح أن يراعي مصلحة المستأمر بالكسر في أمره أم لا؟ و الحق هو الثاني، فان مقتضي الاطلاق ذلك، فانه اذا أمر بالخيار يثبت للمستأمر بالكسر و ان كان علي خلاف مصلحته الا أن يقوم قرينة حالية أو مقالية علي اعتباره. و ربما يقال باعتبار مراعاة المصلحة و الا لا أثر لأمره الا أنه أمر ذوقي لا يمكن التمسك به.

قد استدل علي صحة هذا الشرط بعموم دليل الشرط كقوله «المؤمنون عند شروطهم» «1».

و فيه: ان دليل عموم الشرط كما مر لا يشمل الشرط المخالف للكتاب و السنة، فان شرط الخيار مخالف لعموم دليل وجوب الوفاء بالعقد. نعم يمكن اثبات

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 6 من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 147

الصحة بالاخبار الخاصة الواردة في المقام، و بعضها و ان كانت ضعيفة سندا الا أن في الصحيح منها غني و كفاية، و قد مر التعرض للأخبار الدالة علي شرط الخيار في صدر المسألة، و المراد بابن سنان عبد اللّه بن سنان عند الاطلاق و يؤيد ذلك ما فسره صاحب الوسائل.

و مما يدل علي جواز جعل الخيار برد الثمن صحيحة سعيد بن يسار قال:

قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: انا نخالط أناسا من أهل السواد و غيرهم فنبيعهم و نربح عليهم للعشرة اثني عشر، و العشرة ثلاثة عشر و نؤخر «نوجب» ذلك فيما بيننا و بين

السنة و نحوها و يكتب لنا الرجل علي داره أو علي أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء قد باع و قبض الثمن منه فنعده ان هو جاء بالمال الي وقت بيننا و بينه أن نرد عليه الشراء فان جاء الوقت و لم يأتنا بالدراهم فهو لنا فما تري في الشراء؟ فقال: أري انه لك ان لم يفعل، و ان جاء بالمال للوقت فرد عليه «1».

و الاشكال في الرواية بأنه يمكن أن يكون المراد اشتراط الاقالة. مدفوع، فانه خلاف الظاهر كما أن احتمال كون البيع صوريا أيضا خلاف الظاهر.

و يدل عليه أيضا ما رواه اسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد اللّه عليه السلام و سأله رجل و أنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج الي بيع داره فجاء الي أخيه فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك علي أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها الي سنة ردها عليه. قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا تري أنه لو احترقت لكانت من ماله.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 7 من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 148

قوله: ان اعتبار رد الثمن في هذا الخيار يتصور علي وجوه (1).

و هذه الرواية واضحة الدلالة علي المطلوب، الا أنه نوقش في سندها بارسالها حتي صاحب الحدائق قد عبر عنها بالمرسلة، و لكن الحق خلافه، فان ظاهر قوله «حدثني» من سمع شهادة باسماع الراوي عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و الظاهر من اشهاده كونها عن حس، فانقدح أنه لا اشكال في جوازه.

[مسألة من أفراد خيار الشرط ما يضاف البيع إليه و يقال له بيع الخيار]
[الأمر الأول في أن اعتبار رد الثمن في هذا الخيار يتصور علي وجوه]
اشارة

أقول: ان المصنف قدس سره

بعد اثبات صحة اشتراط الخيار رد الثمن تعرض لأمور و نحن نتعرض لها تبعا له:

(الاول) أن يؤخذ رد الثمن قيدا للخيار

فيكون الخيار متوقفا علي رد الثمن و يكون مدة الخيار منفصلة عن العقد، لان وجود الخيار مشروط برد الثمن فلا يحصل قبله. ثم ان اخذ رد الثمن قيدا للخيار اما بنحو التعليق أو التوقيت، و يمكن أن يكون الفرق بين التعليق و التوقيت بأن يعلق الخيار علي رد الثمن بلا توقيت بوقت معين و يعلق علي رده في وقت معين، فالاول تعليق و الثاني توقيت.

و قد أورد فيه بايرادين:

أحدهما- انه تعليق، و هو يوجب البطلان (و يدفع) بأن التعليق في الشرط لا يوجب البطلان، فان القدر المتيقن من الاجماع علي بطلان التعليق هو العقد و هذا تعليق في الشرط.

ثانيهما- ان جهالة مدته توجب كون البيع غرريا. و الحق أن يفصل بين التوقيت و التعليق بكون الثاني غرريا دون الاول، اذ المفروض أن المدة معلومة في التوقيت بخلاف التعليق.

(الثاني) أن يؤخذ رد الثمن قيدا للفسخ

بأن يكون له الخيار من أول العقد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 149

لكن لا يفسخ الا في زمان رد الثمن، فلو فسخ بلا رد الثمن الظاهر صحة فسخه، لكن للطرف أن لا يسلم العين الا بعد تسلم الثمن، فان الارتكاز العقلائي يقتضي هذا المعني.

(الثالث) أن يشترط الفسخ برد الثمن

بأن يفسخ بنفس الرد. و أفاد سيدنا الاستاذ بأنه عين الوجه الثاني و لا وجه لجعله وجها مستقلا.

(الرابع) أن يؤخذ رد الثمن قيدا لانفساخ العقد.
اشارة

و لا بد من تنقيح هذا المعني، فانه لو كان معناه أن العقد ينفسخ بنفسه فهو فاسد لأنه خلاف المقرر الشرعي، و ان كان مرجع هذا الشرط الي الفسخ من حين العقد معلقا علي الرد فلا وجه لفساده،

فان ما يمكن أن يرد عليه أحد وجوه:
الوجه الاول- ان الشرط المذكور داخل في شرط النتيجة و لا دليل علي صحته.

و الجواب عنه نقضا و حلا: أما النقض فباشتراط الوكالة في ضمن البيع، و أما الحل فان اطلاق دليل وجوب الوفاء بالشرط لا مانع من شموله لشرط النتيجة.

الوجه الثاني- أن هذا تعليق في الشرط و هو باطل.

و الجواب عنه أنه لا دليل علي بطلان مطلق التعليق، فان الدليل الدال عليه هو الاجماع فيؤخذ بالقدر المتيقن منه و هو العقد. و أما التعليق في الشرط فلا دليل علي بطلانه.

الوجه الثالث- ان الشرط المذكور مناف لمقتضي العقد،

لان العقد لا بد أن يكون محققا حتي يشترط في ضمنه انفساخه برد الثمن، و اذا كان البيع منفسخا بالشرط الحاصل في ضمنه فلا يعقل.

و يرد عليه: ان الايراد المذكور انما يرد لو قلنا بانفساخ العقد في مرتبة تحققه في آن واحد، و أما لو قلنا بتأخر الانفساخ عن العقد فلا يلزم ما ذكر.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 150

الوجه الرابع- أن الشرط المذكور مخالف للكتاب و السنة،

لان الفسخ يحتاج الي سبب شرعي، و الانفساخ بنفسه حين رد الثمن خلاف ما قرره الشارع.

و بعبارة واضحة: ان انتقال المبيع من المشتري الي البائع بلا إنشاء قولي و فعلي غير ثابت في الشريعة.

و يرد عليه: انا قد بينا آنفا أن اشتراط الانفساخ في ضمن العقد علي نحو شرط النتيجة إنشاء لفسخ العقد فراجع.

(الخامس) ان البيع عبارة عن التمليك الدائمي، و جعل الخيار بهذا النحو ينافيه.

و الجواب عنه: أنا لا نسلم التنافي المدعي، بل المفروض أنه يتحقق الملكية الدائمة ثم ينفسخ العقد من حينه بنحو التعليق.

فتحصل: ان الشرط المذكور ان كان علي نحو انفساخ العقد بلا سبب فهو باطل، و ان كان علي نحو شرط النتيجة في ضمن العقد فلا مانع من نفوذه بعد شمول دليل وجوب الوفاء بالشرط.

(السادس) أن يكون رد الثمن شرطا لوجوب الاقالة علي المشتري،

بأن يلتزم المشتري علي نفسه أن يقيله اذا جاء بالثمن. أفاد الشيخ اذا جاء بالثمن تجب عليه الاقالة و لو أبي أجبره الحاكم أو أقال عنه لأنه ولي كل ممتنع.

(السابع) أن يكون رد الثمن شرطا للبيع،

يعني اذا رد البائع فعلي المشتري أن يبيع العين من البائع و يجب عليه البيع لو رد الثمن للشرط و اذا امتنع يرجع الي الحاكم. هذا تمام الكلام في الامر الاول.

(الامر الثاني) أن الثمن المشروط رده اما أن يكون شخصيا، و اما يكون كليا.
اشارة

و يقع الكلام في مقامين: أحدهما في فرض عدم قبض الثمن، ثانيهما في فرض قبضه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 151

(أما المقام الاول) [في فرض عدم قبض الثمن]

فأفاد الشيخ قدس سره بأنه يثبت الخيار و ان لم يتحقق الرد، اذ الرد شرط في صورة القبض.

و الاحسن في مقام التقريب أن يقال: ان الرد ان كان له موضوعية في جعل الخيار فلا يتحقق قبل الرد لعدم تحقق موضوعه، و أما ان كان الرد طريقا لحصول الثمن عند المشتري يثبت الخيار. و حيث أن الظاهر المرتكز هو الثاني يثبت كما أفاده المصنف قدس سره.

(و أما المقام الثاني) [في فرض قبضه]
اشارة

فيقع الكلام في ثلاثة فروع:

الفرع الاول أن يكون الثمن شخصيا،

ففي هذه الصورة اما يشترط في الخيار رد عين الثمن المدفوع، فلا اشكال في عدم ثبوت الخيار بلا فرق بين بقائها و تلفها، كما أنه لا فرق في صورة التلف بين أن يكون بفعله أو بفعل الاجنبي بالاختيار أو بغير الاختيار أو يكون بآفة سماوية. و أما لو اشترط أعم من رد العين في صورة بقائها و بدلها في فرض عدمها- كما هو الظاهر المتعارف من رد الثمن- فيثبت الخيار، و لو شرط رد البدل مع قيام العين هل يكون نافذا أم لا؟

ربما يقال بأن قضية الفسخ هو رجوع كل من العينين الي صاحبه الاصلي، فاشتراط رجوع البدل مع قيام الاصل شرط علي خلاف المقرر الشرعي.

و يمكن أن يصحح الشرط المذكور بوجهين: أحدهما أن يتحقق معاوضة ببيعه بين الثمن و بدله بنفس الشرط المذكور. و يمكن أن يورد عليه بايرادين:

الايراد الاول- ان هذا تعليق في البيع فيكون باطلا. و يمكن أن يجاب عنه بأن التعليق وقع في ضمن الشرط و لا اطلاق لدليل بطلان التعليق. لكن الظاهر أن الاشكال وارد، فان المفروض أن البيع المعلق فاسد و هذا من مصاديقه.

الايراد الثاني- ان البيع مما له أسباب خاصة، فلا يحصل الا بتلك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 152

الاسباب. و يمكن الجواب عنه بأن البيع لا يتوقف علي سبب خاص بل يحصل بأي سبب كان، و لذا يحصل بالمعاطاة، فالميزان أن يصدق عنوان البيع و لو بمعونة قرينة.

ثانيهما- أن يوكل المشتري البائع أن يبدل بين الثمن و بدله، و البائع بعد الفسخ يتصدي أصالة من نفسه و وكالة عن المشتري. اللهم الا أن يناقش بأنه يكون التعليق في عقد الوكالة، فلو فرض

بطلان التعليق في مطلق العقود يعود المحذور.

و لمدعي الصحة أن يستدل باطلاق النص الوارد في المقام، و هو ما رواه سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السلام حيث قال: أري أنه لك أن لم يفعل و ان جاء بالمال في الوقت فرد عليه «1».

بتقريب أن قوله عليه السلام «ان جاء بالمال» يعم رد البدل و لو مع بقاء الاصل. لكن الانصاف انه لا اطلاق في الرواية من هذه الجهة، فان الفسخ يقتضي دخول الثمن في ملك المشتري و ليست الرواية في مقام بيان حكم آخر.

و اللّه العالم.

(الفرع الثاني) ما اذا كان الثمن كليا في ذمة البائع،

فلا شبهة في دفع البدل في ثبوت الخيار، لان ما في ذمة البائع يسقط عنها بوقوع العقد. و ان شئت فقل بأن في ذمته تلف.

(الفرع الثالث) أن يكون الثمن كليا في ذمة المشتري،

فشخصه في ضمن فرد و المشخص فيه اما تالف و اما باق، أما علي الاول فيجري فيه ما مر من الموضوعية و الطريقية، و أما علي الثاني فالظاهر أنه بالفسخ ينتقل الي المشتري فلا بد من رده اليه.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 7 من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 153

(الامر الثالث) ان الفسخ يحصل بمجرد الرد أو هو مقدمة للفسخ؟

قال المصنف: قيل ظاهر الاصحاب أنه لا يكفي مجرد الرد في الفسخ.

أقول: الحق أن يقال: ان الفسخ يتحقق بكل شي ء يدل عليه من القول و الفعل و الرد من الافعال التي يمكن أن يتحقق به الفسخ، فان هذا واضح علي فرض اشتراط الخيار قبل الرد، و أما اذا علق الخيار علي الرد فهل يفسخ العقد بنفس الرد أم لا، الظاهر هو الثاني، لان الخيار في رتبة لاحقة علي الرد فكيف يحصل به الفسخ.

قال سيدنا الاستاذ دام ظله: ان تأخر الخيار عن الرد رتبي و هو غير ضائر.

نعم لو كان الخيار متأخرا عن الرد زمانا لا يمكن أن يتحقق بنفس الرد، فلا مانع من كون الفسخ المتأخر عن الرد رتبة حاصلا بالرد.

و الظاهر ان ما أفاده تام، اذ لا نري مانعا من أن يكون زمان الخيار و الفسخ واحدا، فعليه يحصل الخيار بالرد و في ذلك الان ينفسخ العقد.

و ربما قيل: ان الرد يدل علي ارادة الفسخ، و الارادة غير مراد.

و أجاب عنه الشيخ: بأن الرد يدل علي ارادة كون المبيع ملكا للبائع و الثمن ملكا للمشتري. و بعبارة أخري: يدل الرد علي ارادة الفسخ و لا يعتبر في الفسخ أزيد من هذا.

و أما الاخبار الواردة في المقام فالانصاف انه بشكل اثبات الجواز بها، اذ الروايات ليست في مقام حصول الفسخ و

لو مع فقد الشرائط، و لذا لا يصح الفسخ لورد الثمن بمال مسروق.

و أما رواية معاوية بن ميسرة حيث قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل و كان بينه و بين الرجل الذي اشتري

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 154

منه الدار حاصر فشرط أنك ان أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله. قال: له شرطه … «1».

فانها علي قرض دلالتها لا أثر لها لضعف سندها بمعاوية بن ميسرة، لكن الانصاف أنه لا يبعد أن العرف يفهم من قوله «فان جاء بالمال في الوقت فرد عليه» أن الفسخ يحصل بالرد.

(الامر الرابع) ان الخيار لو كان مشروطا بأن يتحقق بعد الرد فهل يجوز اسقاطه قبله أم لا؟

و الاشكال المتصور في المقام عبارة عن اسقاط ما لم يجب، قال المصنف:

ان مقتضي ما صرح به في التذكرة من أنه لا يجوز اسقاط خياري الشرط و الحيوان، بناء علي حدوثهما من زمان التفرق عدم جواز الاسقاط فيما نحن فيه أيضا، لأنه اسقاط ما لم يجب، الا أن يفرق بين المقامين بأن المشروط له في المقام مالك للسبب من حيث تملكه للرد الموجب له، فله اسقاطه بخلاف ما في التذكرة.

و يرد عليه: أن الفرق المذكور بين المقامين بكون المشروط له قادرا علي الخيار من حيث تملكه للرد في المقام لا يكون مانعا و لا جامعا: أما الاول فلا مكان التفرق عن المجلس أيضا، فانه ربما يكون أحد المتعاقدين قادرا علي التفرق عن المجلس، فما الفرق بين المقامين.

و أما الثاني فلانه يمكن أن يفرض عدم القدرة علي الرد في المقام أيضا، كما اذا اشترط في ضمن العقد أن يرد الثمن بعد شهر مثلا، فانه لا يقدر علي الرد في الحال. مضافا الي أنه لو

كفي ملك الخيار بملك سببه في جواز الاسقاط

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 155

جاز اسقاط الخيار قبل البيع الخياري، لأنه يقدر علي العقد.

ان قلت: لا يجوز قياس أحد المقامين بالاخر، فانه لا مقتضي للإسقاط قبل البيع، بخلاف الاسقاط بعد العقد، فان المقتضي للخيار- و هو العقد- موجود.

قلت: ان الفرق المذكور غير فارق بعد كون الملاك القدرة علي السبب، فانها موجودة في كلا المقامين.

و ربما يجاب عن الاشكال بأنه ليس دليل علي بطلان اسقاط ما لم يجب الا الاجماع، و القدر المتيقن منه غير المقام، حيث أن المقتضي في المقام موجود بخلاف غيره.

و يرد عليه: أنه و ان كان الامر كذلك لكن الالتزام بصحة الاسقاط يحتاج الي الدليل، و ربما يستدل علي صحة اسقاط الخيار قبل الرد بوجه ثالث، و هو أنه بالشرط يتحقق حق للشارط علي المشروط عليه بالفعل، فله أن يسقط حقه الموجود، فلا يكون اسقاطا لما لم يجب.

و يرد عليه: ان الشرط قد يتعلق بفعل، كما لو اشترط خياطة ثوب فان المشروط له يملك الخياطة أعم من أن تكون الخياطة راجعة الي الحال أو تكون مقيدة بزمان متأخر، غاية الامر يملكها بالفعل بنحو الواجب التعليقي، و قد يتعلق بالنتيجة فان كانت النتيجة ملكية فعلية ككونه مالكا لدار كذائي له التصرف بالفعل، و أما اذا كان بحيث لا تحصل الملكية الا بعد مضي زمان فلا ملكية فعلية كي يتصرف فيها.

و ربما يجاب عن الاشكال بما ورد في خياري المجلس و الحيوان من سقوط الاول بالتفرق و الثاني بالتصرف، بتقريب أن مقتضي اطلاق النص سقوط

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 156

الخيار و لو لم يكن

فعليا، فالمقام كذلك.

و يرد عليه: أولا ان الالتزام بالسقوط في ذلك المقام بالتعبد، و ثانيا ان الخيار في بابي المجلس و الحيوان فعلي، فلا جامع بين المقامين.

اذا عرفت ما تقدم فاعلم أنه لو ثبت اجماع تعبدي دال علي الجواز يؤخذ به و الا يشكل الالتزام بالجواز.

و لا تصل النوبة الي ما قيل باستصحاب الخيار بعد الشك في السقوط، لان الاستصح اب المذكور ساقط عن الاعتبار بالمعارضة، لان الخيار لم يكن محققا قبل الرد حتي يستصحب بقاؤه. ثم ان المصنف أفاد بأنه لو تبين المردود من غير الجنس فلا رد و لو ظهر معيبا كفي في الرد و له الاستبدال.

و أفاد المحقق النائيني قدس سره بأن مالية المال انما هو بصورته النوعية العرفية، فلو باع عبدا وحشيا فتبين أنه حمار وحشي بطل البيع سواء عين النوع بنحو التوصيف أو الشرط، كما أنه في مقام القبض أيضا لو أقبض بدل العبد حمارا بطل القبض، لان المقبوض غير ما تعلق به البيع، فان البيع يتعلق بالصورة النوعية لا بالمادة الهيولائية.

و أما لو باع عبدا شخصيا موصوفا أو مشروطا بغير صفة الصحة كالكتابة فلو رد العبد و تبين فيه فقد الوصف أو الشرط فله الخيار بين الرضا بالفاقد أو الا رش، و أما لو كان المبيع كليا فحيث أنه يتنوع بالوصف علي نوعين فلو رد غير الموصوف فله التبديل، لان ما يستحقه في عهدة المشروط عليه هو القسم المتصف بالوصف فله اسقاط ما يستحقه، و لما لم يمكن اعطاء الوصف في ضمن العين فيستبدل بعين أخري.

فان الحق في المقام أن يقال: ان الرد تارة شرط للفسخ بلا نظر الي كون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 157

المردود ملكا للمشتري، و أخري

يكون المقصود رد ملك المشتري. أما علي الاول فيثبت الخيار، اذ شرطه حاصل علي الفرض لكن المشتري بعد الفسخ يملك الصحيح. و أما علي الثاني فلا أثر لرد المعيب. نعم لو اشترط عليه بأن يقبل الاعم يجوز، كما انه يتصور هذا الشرط بغير الجنس. و ملخص الكلام ان رد المعيب في حد نفسه يكون كعدمه.

(الامر الخامس) وقع الكلام بينهم في أن هذا الخيار يسقط بالتصرف أم لا،

فينبغي أن يقع البحث في مقامين: الاول في المقتضي بأن التصرف مقتضي للإسقاط أم لا، الثاني في المانع.

أما الاول فنقول: ان التصرف بما هو لا يقتضي سقوط الخيار، نعم لو قامت القرينة علي كون التصرف رضاء بالبيع يلتزم به، و التمسك بالاخبار «1» الواردة في خيار الحيوان بدعوي أن المستفاد منها كون التصرف مسقطا لخيار الحيوان، و حيث أنه ذكر فيها العلة يتعدي منه الي المقام بعموم العلة. مدفوع بعدم استفادة حكم كلي منها، فان الشارع حكم في ذلك الباب بسقوط الخيار بالتصرف تعبدا و لا وجه للتعدي الي غير مورده. و الحاصل ان التصرف المجرد عن القرينة لا يقتضي سقوط الخيار، و لا يمكن استفادته من الاخبار الواردة في خيار الحيوان، و الاجماع علي تحققه محتمل المدرك.

فما يمكن أن يقال في وجه المنع أمور:

(الاول) ان الخيار معلق علي رد الثمن فكيف يسقط بالتصرف قبل رد الثمن.

و فيه: أولا ان هذا الاشكال انما يتوجه فيما لا يكون الخيار ثابتا بالنص، و ثانيا انه لو قلنا بجواز اسقاط ما لم يجب فلا مانع من اسقاطه بالتصرف قبل

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 4 من أبواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 158

تحققه برد الثمن. نعم لو قلنا بعدم جوازه فالاشكال وارد، لكن لا فرق من هذه الجهة بين اللفظ و الفعل و

الاشكال مشترك.

(الثاني) ان التصرف لا يكون مسقطا في المقام، لان بناء المعاملة علي التصرف في العوض فلا يكون كاشفا عن الرضا بالبيع.

و هذا الوجه متين في حد ذاته الا أنه لا يعد من الموانع، بل معناه أنه ليس فيه اقتضاء الاسقاط، و لذا لو قامت قرينة علي أنه أسقط الخيار بالتصرف لا يبقي مجال لهذا التقريب. اضف الي ذلك أنا لا نسلم كون بناء العقد في هذه المعاملة علي التصرف مطلقا، بل يمكن أن يتعلق الغرض بنفس وجود العوض بلا تصرف فيه.

(الثالث) ان المستفاد من موثقة عمار حيث قال عليه السلام «ان جاء بثمنها رد اليه» «1»، ان الخيار ثابت برد الثمن و لو مع التصرف في الثمن، و بهذه الموثقة تخصص عموم ما دل علي سقوط الخيار بالتصرف.

و يرد عليه: انا قد بينا أن التصرف لا اقتضاء له لسقوط الخيار، و معه لا تصل النوبة الي التمسك بالمانع، فالعمدة في الاشكال عدم المقتضي.

(الامر السادس) أنه لو تلف المبيع تكون خسارته علي المشتري

كما أن منافعه له، و هو مقتضي القاعدة و النص، بل لا خلاف فيه بين الاصحاب، و انما الكلام في أن خيار الشرط منوط بوجود المبيع و بقائه أم لا. و في المسألة أقوال ثلاثة: أحدها سقوط الخيار بتلف المبيع سواء كان التلف بعد الرد أم قبله، ثانيها بقاؤه مطلقا و هو مختار المصنف، و ثالثها التفصيل بين قبل الرد و بعده بأن التلف قبل الرد مسقط له و أما بعده فلا كما ذهب اليه صاحب الجواهر قدس سره.

و ما يمكن أن يقال في وجه سقوط الخيار بالتلف أمران:

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 159

الاول- ان الخيار متعلق بالعين، و اذا

تلف المبيع فلا يبقي موضوع للخيار فينتفي بانتفاء موضوعه.

و الجواب عنه: انا لا نسلم كون الخيار متعلقا بالعين، بل انه متعلق بالعقد، و الذي يشهد لذلك أن الغرض من بيع الخيار تصرف البائع في الثمن و له أن يتلفه بالتلف الاعتباري أو الحقيقي، فلو كان الخيار متعلقا بالعين لكان منافيا له.

الثاني- أن غرض البائع من الخيار في البيع المذكور صيانة ماله من التلف فلو تلف فلا مجال للخيار.

و يرد عليه: أولا انا لا نسلم كون غرض البائع صيانة ماله بعينه مطلقا، بل ربما يتعلق غرضه بحفظ ماله أعم منه و من بدله.

و ثانيا: ان الاغراض لا مدخلية لها في جعل الاحكام، فلا بد من ملاحظة الدليل، فان دل علي عدم سقوطه بالتلف نلتزم به بلا ملاحظة غرض البائع.

نعم لو قيد خياره ببقاء العين لكان لهذا الكلام مجال و هذا أمر آخر.

و أما القول الثالث- و هو التفصيل بين قبل الرد و بعده- فقد اختاره صاحب الجواهر، و لعله توهم أن قاعدة كل بيع تلف في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له تشمل ما انتقل عن ذي الخيار، و من ناحية أخري لعله توهم أن مقتضي تلك القاعدة حق الفسخ و الرجوع الي البدل، فأفاد بأنه لو كان التلف قبل الرد فليس للبائع الفسخ اذ قبل الرد لا خيار له، و أما لو كان التلف بعد الرد يكون له الخيار فيجوز له الفسخ و الرجوع الي البدل.

و علي هذا الفرض يكون في كلامه جهات من الاشكال: الاولي انه يمكن أن يكون الخيار ثابتا قبل الرد كما مر. الثانية ان مقتضي تلك القاعدة تحقق الانفساخ لا ثبوت الخيار و حق الفسخ. الثالثة أن ضمان المبيع في

المقام علي المشتري

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 160

أمر علي القاعدة الاولية فانه مالك العين، و تلف كل شي ء علي مالكه بحسب الطبع الاولي. و كيف كان لا وجه للتفصيل الذي أفاده، فالحق هو القول الثاني الذي اختاره المصنف، أعني ثبوت الخيار مطلقا.

ثم انه لا تنافي بين توقف الخيار علي بقاء العين و بين وجوب ابقاء العين و ربما يقال: ان الحكم بكون الخيار متوقفا علي وجود المبيع و بقائه و الحكم بوجوب ابقاء العين بحالها يتنافيان، لان الواجب المشروط لا يجب حفظ شرطه، فلا يجب الابقاء.

و يرد عليه: ان وجوب الابقاء ينشأ من الشرط، فان البائع يمكن أن يشترط علي المشتري شرطين: أحدهما الخيار عند رد الثمن بشرط بقاء العين، و ثانيهما شرط ابقاء العين عليه. فلو تخلف يثبت للبائع خيار تخلف الشرط و ليس له خيار الشرط.

هذا تمام الكلام فيما لو تلف المبيع، و أما لو تلف الثمن فتارة يكون تلفه بعد الرد و أخري يكون قبله، فيقع الكلام في مقامين:

الاول: فيما لو تلف الثمن بعد الرد، فهل هو من المشتري أم لا؟ ذهب المصنف قدس سره الي الاول مستدلا بالقاعدة المسلمة بأن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له.

و أورد عليه صاحب الجواهر قدس سره بمنع شمول القاعدة للثمن، بل هي تخصص بالمبيع فقط. و استظهر ذلك من رواية معاوية بن ميسرة قال:

سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل و كان بينه و بين الرجل الذي اشتري منه الدار حاصر، فشرط انك ان اتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله. قال: له شرطه. قال أبو الجارود: فان ذلك الرجل

قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين. قال: هو

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 161

ماله. و قال ابو عبد اللّه عليه السلام: أ رأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشتري «1».

و استشكل الشيخ علي الاستدلال بالرواية بأنه لا وجه للاستظهار المذكور، اذ ليس فيها الا أن نماء الثمن للبائع و تلف المبيع من المشتري، و هما اجماعيان حتي في مورد كون التلف ممن لا خيار له، فلا حاجة لهما الي تلك الرواية، و لا تكون الرواية مخالفة للقاعدة، و انما المخالف لها هي قاعدة أن الخراج بالضمان اذا انضمت الي الاجماع علي كون النماء للمالك. نعم الاشكال في عموم تلك القاعدة للثمن كعمومها لجميع أفراد الخيار، لكن الظاهر من اطلاق غير واحد عموم القاعدة للثمن و اختصاصها بخيار المجلس و الشرط و الحيوان.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن تحقيق الكلام في المقام يستدعي البحث عن أمور:

(الاول) في وجه استظهار صاحب الجواهر ما ادعاه من الرواية. و يمكن أن يكون وجه استظهاره أنه يستفاد من الرواية ان نماء الثمن للبائع، و بمقتضي قاعدة أن الخراج بالضمان يحكم بان التلف علي البائع. لكن قد مر أن الرواية ضعيفة بابن ميسرة، لعدول الشيخ من الرواية الي الاجماع، اذ لو أغمض عن انضمام قاعدة الخراج بالضمان لا أثر للإجماع و لا للرواية، و مع ضم تلك القاعدة الي كل من الاجماع و الرواية يفيد و تكون النتيجة خلاف قاعدة أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له. و الحق أنه لا يحتاج في اثبات كون النماء للبائع الي الرواية و لا الي الاجماع، فان كون النماء للبائع مع كونه مالكا للثمن أمر

طبيعي علي مقتضي القاعدة.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 162

(الثاني) ان قاعدة الخراج بالضمان هل له مدرك أم لا؟ و الحق هو الثاني، فان المدرك لها ما رواه الطوسي في كتاب البيع و هو: قوله صلي اللّه عليه و آله «الخراج بالضمان». و هذه الرواية لا اعتبار بها سندا كما هو ظاهر، و أما من حيث الدلالة فيمكن أن يكون المراد منها أن الضمان العقدي المعاملي يقتضي أن يكون المنافع للضامن و لا يرتبط بالضمان التعبدي، و في المقام الضمان تعبدي بحكم الشارع.

(الثالث) ان قوله «التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له» هل يعارضه قوله «الخراج بالضمان» أم لا؟ الحق أن دليل التلف حاكم علي دليل الضمان، فانه يبطل العقد بالتلف قهرا و لا يبقي موضوع للضمان كما لا يخفي. و ان أبيت عن ذلك فنقول: ان دليل التلف خاص لاختصاصه بما اذا كان الخيار للطرف الواحد، و أما دليل الضمان بالخراج فهو عام، فيقدم عليه بقانون تقدم الخاص علي العام.

(الرابع) ان قوله «التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له» هل يختص بخصوص المبيع أو يشمل الثمن أيضا، و أيضا انه يختص بالخيارات الثلاث و هو المجلس و الحيوان و الشرط أو يعم جميع الخيارات. و التفصيل في ذلك و التحقيق فيه موكول الي محله في أحكام الخيار.

هذا تمام الكلام في المقام الاول، و أما المقام الثاني- و هو ما كان التلف قبل الرد- فربما يقال: بأن التلف علي البائع، لأنه لا خيار له قبل الرد.

و أورد عليه الشيخ: أولا بأن الخيار ثابت من الاول، و ثانيا بأنه لا فرق بين الخيار المتصل

و المنفصل فلا وجه لما أفيد.

و يرد علي الشيخ: أولا أنه يمكن أن يكون الخيار منفصلا عن العقد بحسب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 163

الجعل. و ثانيا ان هذا الحكم يمكن أن يكون من أحكام الخيار الفعلي لا الاعم منه و الانشائي، فمع فرض انفصال الخيار لا يتحقق.

ثم ان الشيخ قال: ثم ان قلنا بأن تلف الثمن من المشتري انفسخ البيع، و ان قلنا بأنه من البائع فالظاهر بقاء الخيار، فيرد البدل و يرتجع المبيع.

و الحق التفصيل بأن نقول: ان شرط الخيار لو كان رد شخص الثمن فلا مجال لبقاء الخيار، و ان كان أعم منه و من بدله فالحق ما أفاده الشيخ.

(الامر السابع) أنه هل يكفي الرد الي وكيل المشتري أو وليه الخاص كالأب أو العام كالحاكم أو العدول عند عدمه أم لا.
اشارة

الحق أن يقال: انه لا بد أن يلاحظ سعة الشرط و ضيقه، فلو كان الخيار مشروطا برد الثمن الي خصوص المشتري لا يثبت الخيار بالرد الي غيره، اذ المعاملة لا تتحقق، كما أنه لو علق الخيار بالرد الي أعم منه و من وكيله أو وليه يثبت بالرد الي وكيله، و الوجه فيه ظاهر. و انما الكلام فيما لو علق الخيار علي الرد اليه من باب الموردية لا من باب القيدية فهل يجوز الرد الي غيره أم لا؟ ربما يقال بأنه فرق بين التصريح بالعموم و بين عدم التصريح، فمع التصريح بالعموم يجوز الرد الي وكيله و مع عدم التصريح لا يجوز، و لو كان ذكر المشتري من باب الموردية اذ الشرط للخيار الرد الي المشتري، و دليل الوكالة أو الولاية لا يقتضي أن يكون الرد الي الوكيل ردا الي المشتري، و عليه لو مات البائع يجوز لوارثه أن يرد الثمن الي المشتري، و أما لو مات المشتري فلا يجوز للبائع أن يرد

الي وارثه.

و يمكن الذب عن هذا الاشكال بأن ذكر المشتري ان كان من باب أنه مورد لا من باب أنه مالك، لا فرق بينه و بين وكيله. و بعبارة أخري: فرق بين كون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 164

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 164

الحيثية المالكية تقييدية و بين كونها تعليلية، و بتعبير آخر نقول: تارة بلحاظ دليل الوكالة نلتزم بالجواز فللإشكال مجال، و أخري ندعي بأن دائرة الجعل من الاول تسع الوكيل، اذ ذكر المشتري بخصوصه بما انه ذو صلاحية لان يتصرف في المال، و حيث أن وكيله له هذه الصلاحية فيجوز الرد اليه، فالمتبع سعة الجعل و ضيقه.

اذا عرفت هذه المقدمة فلنتعرض لجهات البحث في ضمن مسائل:
(الاولي) انه هل يجوز رد الثمن الي الوكيل أو لا بد أن يرد الي نفس المشتري؟

و الكلام فيه قد مر آنفا بأن الرد الي المشتري ان كان من باب خصوصية له فلا يجوز رده الي وكيله، و أما ان كان من باب المورد و انه ذو صلاحية في التصرف في المال يجوز.

(الثانية) انه هل يجوز رده الي الحاكم عند عدم التمكن من الوصول اليه،

و الكلام فيه هو الكلام، فانه لو كان للجعل سعة و كان الولي هو الحاكم لعدم التمكن من الوصول اليه يجوز الرد اليه. و منه يظهر الحال في الدفع الي العادل أو الفاسق مع فقدان المرتبة السابقة.

(الثالثة) هل يجوز الرد الي وليه الخاص اذا تحققت المعاملة بيده كالأب و الجد أم لا.

و الحق أن يقال كما قلنا آنفا: اذا اشترط الرد الي خصوص المشتري بما أن له خصوصية في ذلك فلا يجوز الرد الي وكيله، و أما اذا اشترط أعم من ذلك او أطلق فلا ريب في جوازه.

(الرابعة) انه اذا مات المشتري قبل الرد فهل يجوز الرد الي وارثه أم لا؟

و الحكم يظهر مما مر، فانه تابع للجعل.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 165

(الخامسة) انه اذا مات البائع قبل الرد فهل يثبت الخيار لوارثه بالرد الي المشتري أم لا؟

و الظاهر أنه لا اشكال في ثبوته فان ما تركه الميت فلو ارثه.

(السادسة) انه لو اشتري حاكم للصغير شيئا فهل يجوز للبائع أن يرده الي حاكم آخر أم لا؟

و الكلام فيه قد ظهر مما بيناه آنفا بأنه لا بد أن يلاحظ كيفية جعل الشرط سعة و ضيقا، فانه ان كان مختصا بخصوص الحاكم المعين في مقام الجعل فلا يجوز أن يرده الي الحاكم آخر و لا يجوز له أخذه، و ان كان الرد اليه من باب أنه مورد فيجوز الرد الي الحاكم الثاني. هذا فيما لا يكون مزاحمة مع الاول، و أما مع المزاحمة فلو قلنا بجوازها فيجوز أيضا، و أما لو قلنا بعدم جوازها فلا يجوز، اذ في هذا الفرض لا تكون الولاية للمزاحم.

(الامر الثامن) اذا أطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له ذلك الا برد الجميع،

فلو رد بعضه لم يكن له الفسخ، و ليس للمشتري التصرف في المدفوع اليه لبقائه علي ملك البائع. و الظاهر أنه ضامن له لو تلف اذا دفعه اليه علي وجه الثمنية. نعم لو جعله امانة عنده الي أن يجتمع قدر الثمن فيترتب عليه حكم الامانة من عدم الضمان في صورة التلف. و أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله لا معني لدفع البعض بعنوان أنه ثمن، اذ المفروض أنه ليس له الفسخ برد البعض فيكون أمانة عند المشتري، فلو تلف عنه لا يكون ضامنا.

و يرد عليه: انه لا نسلم عدم كون دفع البعض علي وجه الثمنية، اذ يمكن أن يدفع بهذا العنوان، غاية الامر لا يترتب عليه الاثر فليس له الفسخ، فيكون نظير المقبوض بالعقد الفاسد من كون اليد يد ضمان.

ثم انه هل يجوز جعل الخيار في كل جزء بشرط رده أم لا. قال الشيخ:

و لو شرط البائع الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن جاز الفسخ فيما

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 166

قابل المدفوع، و للمشتري خيار التبعيض اذا لم يفسخ البائع بقية المبيع و خرجت المدة.

و

يقع الكلام في موضعين: الاول ان اشتراط الخيار برد بعض الثمن صحيح أم لا؟ أما الموضع الاول فربما يقال بعدم الجواز، لان الشرط رد الثمن و رد الجزء ليس مصداقا للشرط، أما الاول فربما يقال انه لا يثبت الخيار برد بعض الثمن، لأنه يتوقف علي رد الثمن، اذ المعاملة الواحدة غير قابلة للتبعيض.

و يرد عليه نقضا و حلا: أما النقض فبما يباع ما يملك و ما لا يملك، فانه صحيح بالنسبة الي ما يملك و باطل بالنسبة الي ما لا يملك. و أما الحل فبأن الانشاء واحد لكن المنشأ متعدد.

لكن الانصاف أن الالتزام بالصحة في غاية الاشكال، لأنا ذكرنا أن اشتراط الخيار علي خلاف القاعدة و خلاف الكتاب و السنة، و انما التزمنا به لأجل النص الخاص الوارد في المقام، و حيث أنه لا يشمل المقام فلا يمكن الالتزام به.

و علي هذا فلا تصل النوبة الي البحث عن المقام الثاني، و هو ثبوت خيار تبعض الصفقة للمشتري.

لكن لو تنزلنا عما قلناه في المقام الاول فهل يكون للمشتري خيار تبعض الصفقة كما عليه الشيخ؟ فنقول: ان خيار تبعض الصفقة ليس له عنوان مستقل في الفقه بل هو داخل في خيار تخلف الشرط، فلو جعل للبائع الخيار برد كل جزء بلا اشتراط شي ء عليه لا يتحقق خيار للمشتري لعدم المقتضي، و لو جعل له الخيار في كل جزء لكن بشرط رد تمامه تدريجا ففي صورة التبعيض و مضي المدة يكشف فساد فسخه، لان جعل الخيار كان بنحو مقيد و المفروض أن القيد لم يتحقق، و لو جعل له الخيار في كل جزء لكن اشترط عليه بأنه لا يبعض فلو بعض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 167

قوله: مسألة

لا اشكال و لا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع و جريانه في كل معاوضة لازمة (1).

و مضت المدة يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط و ان شئت سمه خيار التبعض.

ثم انه هل يجوز جعل الخيار برد جزء غير معين من الثمن أم لا؟ ربما يقال بعدم الجواز للغرر، و أفاد سيدنا الاستاذ علي ما في التقرير بأنه لا يلزم الغرر اذ المجعول أقل ما يصدق عليه عنوان الرد بنحو اللابشرط عن الزيادة فلا غرر.

و ما أفاده تام ان كان المراد من الجزء ما ذكره، و أما ان كان المراد مقدارا معينا عند البائع مجهولا عند المشتري فلا يتم ما أفاده. و عليه نقول: لو التزمنا بفساد البيع الغرري و صدق هذا العنوان فلا بد من الالتزام بالفساد، لكن حيث أن الغرر بمعني الخطر يمكن أن يتصور في بعض الموارد عدم صدق الخطر و ان المقدم يعلم بأنه رابح علي كل تقدير، و تميز الموارد موكول بنظر المتعاقدين.

(الامر التاسع) قال المصنف: انه كما يجوز للبائع اشتراط الفسخ برد الثمن كذا يجوز للمشتري اشتراط الفسخ برد المثمن.

و الحق أن يقال: ان المدرك في المقام ان كان دليل وجوب الوفاء بالشرط لا يمكن الالتزام بصحة الشرط المذكور لكونه خلاف الكتاب و السنة، و انما التزمنا بصحة اشتراط الخيار عند رد الثمن للروايات الخاصة. و ان كان المدرك الروايات الخاصة فأيضا يشكل الالتزام بالجواز، فان موردها شرط رد الثمن فلا يتعدي الي غير موردها. لكن لا يبعد أن يكون الجواز بين الاصحاب مما لا شبهة فيه، و علي تقدير الجواز يجري فيه جميع ما ذكرناه في رد الثمن فلاحظ.

[مسألة لا إشكال و لا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع و جريانه في كل معاوضة لازمة]
اشارة

أقول: يقع الكلام في أن هذا الخيار يجري في غير البيع من العقود

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 168

اللازمة، و هل يجري في العقود الجائزة، و هل يجري في الايقاعات؟ فلا بد من البحث في مقامات ثلاث:

(المقام الاول) في جريانه في غير البيع من العقود اللازمة و عدم جريانه.
اشارة

و الحق أن يقال انه لو كان المدرك تلك النصوص الخاصة فلا يمكن التعدي الي غير البيع، اذ لا عموم و لا اطلاق فيها، فعليه لا بد من النظر الي كل واحد من العقود اللازمة كي نري أنه يمكن الالتزام بجريان الخيار فيه بحسب ما بأيدينا أم لا، فنقول: ان من العقود اللازمة هي الاجارة فهل يجري فيه خيار الشرط أم لا. الحق أن يقال: انه لا شبهة في جريانه لقيام السيرة الكاشفة عن رأي المعصوم فلا مجال للبحث عن شمول الروايات لها و عدمه، اذ أن المفروض أن جريان هذا الشرط فيها أمر مسلم عند المتشرعة بما هم كذلك و منها النكاح، أما من ناحية المقتضي فالحق عدم ما يقتضي الجواز، فان النصوص الخاصة لا تشمله و دليل الشرط أيضا لا يشمله، لان هذا الشرط علي خلاف الكتاب فانه يجب الوفاء بالعقد.

و لو وصلت الي مرحلة الشك لا يجوز التمسك بالدليل، اذ مقتضي الاستصحاب أن هذا الحق لم يجعل في الشريعة، فشرطه علي خلاف الجعل الشرعي. مضافا الي أن عدم الجواز لعله مما لا شبهة فيه و لا كلام فيه بين الاصحاب،

و أما من ناحية المانع فربما يعد موانع في المقام:
المانع الاول- قيام الاجماع علي عدم جواز الشرط المذكور في النكاح.

و فيه ما فيه، فانه كيف يحصل في مثل المقام اجماع تعبدي.

المانع الثاني- انه ثبت في الشريعة أن رافع النكاح انما هو الطلاق فلا يرتفع بالفسخ.

و فيه أن اثبات الشي ء لا ينفي ما عداه، و الذي يشهد لما ذكرنا أن الخيار ثابت في النكاح في جملة من الموارد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 169

المانع الثالث- ان الخيار يجري في مورد يكون التقايل فيه جائزا كالبيع مثلا،

و بما أن التقايل لا طريق له في النكاح فكذلك الخيار. و فيه ان هذا مجرد ادعاء، و لذا يجري الخيار في النكاح ببعض العيوب، فلا ملازمة بين الامرين.

المانع الرابع- ان النكاح فيه شائبة العبادة، و كل ما كان كذلك فلا يقبل الرجوع،

لقوله «ما كان للّه لا رجعة فيه» «1».

و فيه: أولا بالنقض في موارد يجوز الرجوع فيها، كما اذا تحقق أحد من موجبات فسخ النكاح. و ثانيا ان النكاح لا يشترط فيه قصد القربة قطعا.

المانع الخامس- ان جعل خيار الفسخ في النكاح موجب لابتذال المزوجة و هو ضرر عليها فيشمله دليل نفي الضرر.

و يرد عليه: أولا ان الدليل أخص من المدعي، اذ ربما لا يكون كذلك بل يكون الامر بالعكس. و ثانيا ان الزوجة بنفسها قد أقدمت علي ذلك علي الفرض و مع الاقدام كيف يمكن التمسك بدليل نفي الضرر.

أضف الي ذلك أن دليل نفي الضرر لا يستفاد منه الا الحكم التكليفي و هي الحرمة، و هي لا تنافي الصحة كما حقق في محله.

المانع السادس- ان بناء النكاح يكون علي الدوام، فيكون شرط الخيار منافيا لمقتضي العقد.

و يرد عليه: انه لا ينافي الدوام بل يؤيده، و انما المنافي للدوام التوقيت لا جعل الخيار.

المانع السابع- ان لزوم النكاح حكمي فلا يكون قابلا للفسخ.

و فيه: انه أول الدعوي. و ملخص الكلام أن القصور في ناحية المقتضي

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 11 من أبواب الوقوف و الصدقات الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 170

و تسلم الامر عند الكل و منها الوقف.

و ما قيل أو يمكن أن يقال في عدم جواز اشتراط خيار الفسخ فيه أمور:
الاول- الاجماع.

و فيه ما تكرر منا من الاشكال في الاجماعات.

الثاني- ان الوقف من الامور العبادية

و لذا يشترط في تحققه قصد القربة فيكون داخلا في عموم قوله «ما كان للّه فلا رجعة فيه» «1».

و استشكل سيدنا الاستاذ دام ظله بأن هذه الرواية لا تعم جميع ما كان للّه، فانها ناظرة الي ما كان قصد القربة مقوما له كالصدقة، و أما ما لم يكن كذلك بل كان قصد القربة شرطا له كما في المقام فلا تشمله الرواية و الا يلزم عدم جواز الفسخ في البيع الذي تحقق له تعالي.

و يرد عليه: ان ما أفاده خلاف الاطلاق المستفاد من الرواية، فان مقتضي اطلاق الرواية أن كلما يكون له تعالي لا رجوع فيه. لكن الاشكال في اشتراط القربة في الوقف، و لذا قيل يصح الوقف من الكافر و كيف يتمشي منه قصد التقرب و لا شبهة في صحة وقف المخالف و الحال أن الولاية شرط صحة العبادة.

الثالث- ان الوقف عبارة عن فك الملك و لا يقابل بالعوض،

و الخيار انما يتحقق في المعاوضات.

و يرد عليه: أولا انا لا نسلم كون الوقف فك الملك مطلقا، بل ربما يكون تمليكا غاية الامر يكون ملكا محبوسا لا يجوز لمالكه التصرف فيه.

و ثانيا: انا لا نسلم ان العقد لو لم تكن فيه المعاوضة لا يتحقق فيه الخيار.

و ان شئت فقل الاشكال إما ناش من عدم العوض فلينتقض بالهبة المعوضة، و اما ناش من عدم كونه ملكا فنقول ربما يكون ملكا مضافا بأن التحرير لا يمكن

______________________________

(1) الوسائل، الباب 3 من الوقوف، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 171

الرجوع فيه أول الكلام.

الرابع- ان بناء الوقف يكون علي التأبيد فجعل الخيار ينافيه.

و فيه: أولا ان بناء الوقف لا يكون علي التأبيد مطلقا، فان الوقف الموقت جائز علي ما سلكناه. و ثانيا انه لا منافاة بين التأبيد و جعل الخيار، كما أن الامر كذلك في البيع فان البناء فيه علي التأبيد و يجوز جعل الخيار فيه.

ان قلت: ان الوقف يقتضي سكون الموقوف و عدم حركته، و اشتراط الخيار ينافيه.

و فيه: ان الاقتضاء المذكور في الوقف انما يكون فيما لا يجعل فيه الخيار و الا فلا اقتضاء فيه.

الخامس- النص الوارد في المقام،

فان في المقام روايتين:

الاولي- ما رواه اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير. قال: ان احتجت الي شي ء من المال فأنا أحق به تري ذلك له و قد جعله اللّه يكون له في حياته فاذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقة. قال: يرجع ميراثا علي أهله «1».

و تقريب الاستدلال: ان الشرط فاسد فيفسد العقد، و لذا حكم عليه السلام بانتقاله ارثا، اذ الانتقال لم يتحقق بالوقف.

و ربما يستدل بها علي الصحة، حيث أن الامام حكم بكون العين ميراثا فيصح جعل الخيار.

و استشكل سيدنا الاستاذ دام ظله بأن الاستدلال علي الصحة يحتاج الي تقدير، بأن يقول السائل فاحتاج ففسخ، و هو خلاف الظاهر.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 3 من أبواب الوقوف، الحديث (3).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 172

و يرد عليه: ان هذا المعني يستفاد من ظاهر الرواية و لا يحتاج الي التقدير لكن الحق أن يقال: ان الروايتين المذكورتين خارجتان عن موضوع البحث فانهما تدلان علي صحة الوقف الموقت.

و أفاد سيدنا الاستاد دام ظله بأن كلما يجري التقايل فيه يجري الخيار فيه و

كلما لا يجري التقايل فيه لا يجري الخيار فيه، و حيث ان الوقف لا يجري فيه الاقالة لا يجري فيه الخيار.

و فيه: انه لا يرتبط أحد البابين بالاخر كما تقدم، فلو ثبت اجماع تعبدي علي الجواز نلتزم به، و الا فعلي القاعدة لا يجوز جعل الخيار فيه بالشرط، فان مقتضي عدم جعل هذا الحق في الشريعة يقتضي أن يكون شرط الخيار خلاف المقرر الشرعي فلا يصح، كما أن مقتضي عدم الانتقال بالفسخ فساد الشرط.

و منها- الصدقة. و استدل علي عدم الجواز بالنص الدال علي أن ما كان للّه لا يرجع. و أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله علي ما في التقرير بأن هذا حكم طبعي كالبيع حيث ان طبعه اللزوم و لا ينافيه جعل الخيار، فالاولي في التقريب أن يقال: انه يفهم من هذا العام حكما غير قابل للتخصيص، كقوله «ما خالف الكتاب فاضربه علي الجدار».

و يرد عليه: ان الاطلاق المستفاد من الرواية يقتضي الفساد.

و أفاد السيد في الحاشية بأن مفاد الرواية الرجوع بلا جعل الخيار و أما معه فلا تدل عليه الرواية. و فيه: أنه خلاف الاطلاق المستفاد منها.

و أفاد أيضا: ان الرجوع بالخيار لا يكون رجوعا، لان اخراج المال بالخيار ليس اخراجا علي كل حال و هو ليس اخراجا حقيقة. و ما أفاده أيضا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 173

فاسد، فان الاخراج بالخيار مصداق للإخراج. و الحق أنه لا قصور في الرواية دلالة، مضافا الي أن الشك في الصحة يكفي للبطلان كما أفاده قدس سره.

و منها- الصلح. فانه هل يجوز فيه جعل الخيار مطلقا أو لا يجوز كذلك أو يفصل بين ما كان فائدته الابراء فلا يجوز و بين غيره فيجوز؟ فنقول: لو قلنا

بان الصلح ليس عقدا برأسه فلا مجال لهذا البحث فيه، و ان قلنا انه عقد برأسه فنقول لا مجال للتمسك بالإجماع لما فيه من الاشكال، لكن حيث أن عموم وجوب الوفاء يقتضي اللزوم فالشرط يكون علي خلاف الكتاب، كما أن مقتضي عدم هذا الحق مجعولا من قبل الشارع يقتضي فساد الشرط.

و منها- الضمان. أفاد المحقق النائيني قدس سره بأن لزومه حكمي، و المراد باللزوم الحكمي أنه لا يجري فيه التقايل. و أفاد بأن أثره انتقال الضمان الي ذمة الضامن فلا يضمن المضمون عنه الا بضمان آخر. و هذا الذي أفاده قدس سره لا يكون برهانا علي المدعي، و قد ذكرنا أن جريان الخيار لا يستلزم جواز التقايل، فان كلا منهما يتوقف علي دليله، و العمدة أن شرط الخيار يحتاج الي الدليل، و حيث لا يكون فلا يمكن الالتزام به، و دليل نفوذ الشرط لا يحقق موضوعه.

و منها- الرهن. فان المصرح به في كلام غاية المرام علي ما في كلام الشيخ قدس سره أن جعل الخيار فيه ينافي كونه وثيقة.

و فيه: انه ان ساعد الدليل فلا اشكال من هذه الناحية، اذ المفروض أنه برضي الطرفين، فالعمدة عدم الدليل، بل مقتضي الاصل عدم المشروعية.

و منها- الصرف نقل عن بعض الشافعية أن مصلحة اشتراط القبض في المجلس لقطع العلقة و جعل الخيار ينافي هذا الغرض.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 174

و فيه: أولا ما الدليل علي كون المصلحة ما ذكر، و ثانيا أنه يمكن أن يقطع العلقة من ناحية و يجعل العلقة من ناحية أخري بالتراضي بين المتعاقدين، و العمدة مساعدة الدليل. و يمكن أن ما ادعاه الشافعي يكون سببا لما عن السرائر و الغنية من دعوي الاجماع

علي عدم دخول الخيار فيه، و حال مثل هذه الاجماعات ظاهر.

و منها- القسمة. و فصل الشيخ بين القولي منها و الفعلي فالتزم بالجواز في الاول و بالمنع في الثاني، بدعوي أنه لا يمكن أن يرتبط القول بالفعل، و حيث أن الشرط متحقق بالقول فلا يجري في الفعلي منها و لذا لا يجري في المعاطاة أيضا.

و يرد عليه: أولا أنه لا مانع من ارتباط القول بالفعل كما هو ظاهر، و ثانيا انه يمكن أن يتحقق الاشتراط بدال فعلي و لو مع ضم القرائن أو المقاولة السابقة علي العقد، فالعمدة أن القصور في المقتضي و عدم الدليل في مقام الاثبات.

و ملخص الكلام أنه يمكن الالتزام بجريان شرط الخيار في العقود اللازمة بأحد أمور:
الاول- الاجماع.

و اشكاله ظاهر.

الثاني- بأن اطلاق دليل الشرط يقتضي الصحة.

و فيه: ان الحكم لا يحقق موضوعه و دليل الاشتراط ليس مشرعا فلا بد من اثبات الجواز في الرتبة السابقة.

الثالث- عموم دليل وجوب الوفاء بالعقد،

بدعوي أنه يقتضي صحة العقد بتمام شئونه و الشرط من شئونه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 175

و فيه: انه يشترط في الشرط أن لا يكون مخالفا، و الاصل يقتضي عدم جعل هذا الحق للشارط.

الرابع- أن الاقالة جائزة فشرط الخيار أيضا جائز.

و فيه: انه لا ملازمة بين الامرين، فان الاقالة رفع اليد من العقد من الجانبين، و الفسخ رفع اليد و لو مع عدم رضي الاخر. و الحاصل انه لا تلازم بين الامرين، فانقدح أنه لو لم يقم دليل علي الجواز ففي كل مورد شك في الجواز الاصل عدم الجواز و فساد الشرط.

(المقام الثاني) انه هل يجري خيار الشرط في العقود الجائزة أم لا.
اشارة

و استدل علي عدم الخيار بأمور:

الاول- ان جعل الخيار مع كون العقد جائزا يكون لغوا،

اذ العقد الجائز لا ينفك عن الجواز فلا يترتب عليه أثر فيكون لغوا.

و يرد عليه: انه لا نسلم كونه لغوا بل يترتب عليه الاثر و هو انتقاله الي الورثة بموت من يكون له الخيار. و أيضا يظهر أثر الجعل في صورة لزوم العقد الجائز كتصرف المتهب في العين الموهوبة

الثاني- ان اشتراط الخيار في العقد الجائز يوجب اجتماع المثلين.

و فيه: انه قد مر الجواب عنه في بحث خيار المجلس، مضافا الي ما قيل ان الخيار الحكمي متعلق بالعين و الحقي متعلق بالعقد.

الثالث- ان اشتراط الخيار في المقام تحصيل للحاصل،

فان جواز الفسخ حاصل و لا يحتاج الي تحصيله باشتراط الخيار.

و فيه: ان الحاصل بالشرط فرد آخر من الخيار غير ما كان حاصلا، فليس

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 176

تحصيلا للحاصل.

الرابع- ان اشتراط الخيار في العقود الاذنية لا يرجع الي محصل،

لان وجود العقد متقوم بالاذن فاذا رفع الاذن عن اذنه يرتفع الجواز.

و يرد عليه: أولا ان الدليل اخص من المدعي لعدم كون العقود الجائزة إذنية بتمامها، و ثانيا ان العقود الاذنية اذا تحققت بصورة العقد يترتب عليها أحكام العقود و منها اشتراط الخيار فيها.

و لكن الذي يسهل الخطب أن الكلام في المقتضي، فانه لا دليل علي صحة هذا الشرط، و اذا شك فيه فالاصل عدمه. و لا يمكن التمسك بالعمومات لكونه شبهة مصداقية، و أصالة عدم جعل الشارع هذا الحق للمتعاقدين يقتضي أن يكون الشرط علي خلاف السنة.

(المقام الثالث) في جريانه في الايقاعات و عدمه،
اشارة

و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه عدم الجواز أمور:

الاول- الاجماع،

فانه نقل عن المبسوط دعوي الاجماع علي عدم جريانه في الطلاق و العتق، و عن المسالك دعواه علي عدم جريانه في الابراء.

و فيه: انه علي فرض تحققه محتمل المدرك.

الثاني- ان دليل الشرط منصرف عن الشرط الواقع في ضمن الايقاع

كما انه منصرف عن الشرط الابتدائي، و عن القاموس ان الشرط التزام في ضمن البيع و غيره بناء علي كون المراد بالغير بقية العقود.

و فيه: انه لا وجه للانصراف، و لا يلزم في صدق عنوان الشرط تحقق الالتزامين بل يصدق و لو في ضمن التزام واحد، و الشرط الابتدائي خارج بالتخصص

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 177

أو بالتخصيص.

الثالث- ان الايقاع أمر يقوم بالطرف الواحد و الشرط يتوقف تحققه علي وجود الطرفين فلا يتحقق في ضمنه.

و فيه: انه لا تنافي بين كون الايقاع قائما بشخص واحد، و الشرط الواقع في ضمنه قائما بطرفين كما اعتق عبده و يشترط عليه شرطا.

الرابع- ان الايقاع أمر عدمي

فان العتق ازالة للملكية و الفسخ أيضا ازالة للأمر الثابت، فمعني الخيار فيه اعتبار العدم في العدم.

و فيه: أنه يلزم أن يلاحظ وجه الاشكال، فان الاشكال اذا كان من باب استحالة اعادة المعدوم فهذا الاشكال فلسفي و تحقيقه موكول الي بحثه، و ربما يقال بجواز الاعادة. و كيف كان هذا الاشكال مشترك بين المقام و بقية الموارد التي يجري فيها الخيار، مضافا الي أنه ليس اعادة للمعدوم بل ايجاد لفرد مماثل للمعدوم و انما النظر المسامحي يراه اعادة، و ان كان الاشكال من ناحية أن الفسخ ازالة للأمر الثابت فلا معني لان يتعلق بالامر العدمي، فجوابه أنه لو كان مرجع الفسخ في مثل هذه الموارد الي ايجاد أمر وجودي فلا اشكال، فان الرجوع في العتق يرجع الي ايجاد الرقية.

الخامس- ان المنشأ كعتق العبد مثلا اما معلق علي شي ء و اما غير معلق،

فعلي الاول يرد عليه أن التعليق مبطل له، و علي الثاني يكون الشرط ابتدائيا فلا يجب الوفاء به.

و يرد عليه: ان المنشأ معلق علي التزام الطرف الاخر، الا أنه غير ضائر لان التعليق علي أمر موجود بالفعل و محرز وجوده لا يكون مبطلا كما مر منافي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 178

قوله: الرابع خيار الغبن (1).

بعض المباحث. و بعبارة أخري: بطلان التعليق بلحاظ الاجماع و يقتصر فيه علي القدر المتيقن منه، و يشهد لما ذكرنا من عدم فساد الايقاع بالتعليق النص الوارد فيه «1».

السادس- ان الخيار ملك فسخ العقد و لا حل الا بين الامرين فلا موضوع له في الايقاع.

و فيه: ان الخيار عبارة عن ملك فسخ ما أحقه ذو الخيار فله أن يرفع اليد عما فعله و اعتبره، و يشهد له صحة الاستعمالات المتداولة كقوله «عرفت اللّه بفسخ العزائم».

فانقدح مما تقدم أن العمدة في الاشكال عدم المقتضي للصحة، اذ دليل الشرط لا يكون مشرعا، مضافا الي ان أصالة عدم جعل الشارع هذا الحق للموقع يقتضي أن يكون الشرط خلاف السنة فيبطل.

[القسم الرابع خيار الغبن]
اشارة

أقول: انه نقل عن الصحاح ان الغبن بالتسكين نقص في البيع و بالتحريك نقص في الرأي، و هو في الاصطلاح معاوضة المال بما يزيد علي قيمته السوقية و لا تكون الخديعة معتبرة في صدق الغبن، كما أنه لا يشترط فيه كون المغبون جاهلا، و لذا يقال «فلان أقدم علي معاملة غبنية» و ان كان معتبرا في صدق معناه اللغوي. و علي كل حال ان الغبن ليس بمجمل عند العرف، بل يعلمه الكل و لا حاجة الي اطالة المقال.

و الذي يهمنا في المقام النظر الي أدلة خيار الغبن و البحث عن مقتضاه، و قبل الخوض في ذكر الادلة لا بد أن نقول كما قال الشيخ: ان المراد بالزيادة عن القيمة السوقية أو النقص عنها ما يكون مع ملاحظة ما انضم اليه من الشرط، فلو باع كتابا يساوي عشرة دنانير بأقل منه مع اشتراط الخيار لنفسه فلا يكون مغبونا، لان للشرط قسطا من الثمن.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 16 الباب 11 من أبواب العتق.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 179

فنقول: ما يمكن أن يقال في وجه ثبوت هذا الخيار أمور:
الوجه الاول- الاجماع.

و فيه ما عرفت.

الوجه الثاني- ما استدل به العلامة في التذكرة و هو قوله تعالي «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ»

«1» بتقريب أن المغبون لو عرف الحال لم يرض.

و وجه الشيخ كلامه بأن رضاء المغبون بكون ما يأخذه عوضا عما يدفعه مبني علي عنوان مفقود و هو عدم نقصه عنه في المالية، فكأنه قال اشتريت هذا الذي يساوي درهما بدرهم، فاذا تبين انه لا يسوي درهما تبين انه لم يكن راضيا به عوضا، لكن لما كان المفقود صفة من صفات المبيع لا يكون تبين فقده كاشفا عن بطلان البيع، بل كان كسائر الصفات المقصودة التي لا يوجب تبين فقدها الا الخيار فرارا عن استلزام لزوم المعاملة الزامه بما لم يلتزم و لم يرض به، فالاية انما تدل علي عدم لزوم العقد، فاذا حصل التراضي بالعوض الغير المساوي كان كالرضا السابق بفحوي حكم الفضولي و المكره.

و أورد عليه الشيخ بوجوه:

الاول- ان الوصف المذكور ليس عنوانا للعوض حتي يوجب تخلفه الخيار بل ليس الا من قبيل الداعي الذي لا يوجب تخلفه شيئا.

الثاني: ان الوصف المذكور قد لا يكون داعيا أيضا، كما اذا كان المقصود ذات المبيع من دون ملاحظة مقدار ماليته، فقد يقدم علي أخذ الشي ء و ان كان ثمنه أضعاف قيمته.

الثالث- ان أخذه علي وجه التقييد لا يوجب خيارا اذا لم يصرح به في متن العقد.

أقول: ان الاشكال الاول و الثاني من الشيخ علي الاستدلال متين جدا،

______________________________

(1) سورة النساء: 29.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 180

و أما الاشكال الثالث منه فلا يمكن المساعدة عليه، لأنه لا يجب أن يكون الشرط مذكورا في متن العقد بل المقدر أيضا كالمذكور. و بهذا التقريب تثبت جملة من الخيارات، الا أنه مع ذلك لا يمكن المساعدة عليه، لأنه اما علي نحو التقييد و اما علي نحو

التعليق، أما ان كان بنحو التقييد فالتقييد في الجزئي الخارجي غير معقول، و علي فرض كونه قابلا للتقييد فلا معني للخيار بل يبطل البيع من رأسه، و ان كان علي نحو التعليق فهو أيضا باطل لا يمكن الالتزام به، اذ التعليق يوجب بطلان العقد. مضافا الي أن انتفاء المعلق عليه يوجب البطلان لا ثبوت الخيار.

و أيضا لا يمكن المساعدة علي ما ذكره في مقام التوجيه بأن المقام أولي من باب الفضولي، حيث قال: فاذا حصل التراضي بالعوض غير المساوي كان كالرضا السابق لفحوي حكم الفضولي، فانك تري أن المقام ليس أولي من الفضولي. و لا يمكن قياس المقام به لان العقد تام من جميع الجهات هناك الا الانتساب و هو يحصل بالاجازة فيكون العقد صحيحا، بخلاف المقام فان الكلام في تحقق شرائطه و اذا تحققت الشرائط لا يحتاج الي الاجازة لحصول الانتساب بدونها، مضافا الي أن لنا كلاما في الفضولي حققناه في محله فراجع.

الوجه الثالث- ما أفاده الشيخ قدس سره حول الآية الشريفة،

و هو الاستدلال بصدر الاية، بتقريب: ان أكل المال علي وجه الخديعة ببيع ما يسوي درهما بعشرة دراهم مع تسلط المخدوع بعد تبين انخداعه علي رد المعاملة و عدم نفوذ رده أكل للمال بالباطل، أما مع رضاه بعد تبين فلا يعد أكلا بالباطل و مقتضي الاية و ان كان حرمة الاكل حتي قبل تبين الخديعة الا أنه خرج بالإجماع و بقي ما بعد اطلاع المغبون و رده للمعاملة.

و يرد عليه: أولا ان الخديعة ليست معتبرة في صدق الغبن حتي يقال ان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 181

اكل المال علي وجه الخديعة أكل المال بالباطل.

و ثانيا- أنه ان كان اكل المال بالسبب الصحيح و هو البيع فلا يكون باطلا و ان كان

بالسبب الباطل فلا وجه لصحته بعد ذلك، اذ الشي ء لا ينقلب عما هو عليه، فتكون النتيجة البطلان لا الخيار.

و ثالثا- ان الاجماع علي تسليم تحققه محتمل المدرك فلا يعتني به.

و رابعا- ان الباء في كلمة «بالباطل» سببية لا للمقابلة، فالاكل في المقام بسبب صحيح و هو البيع و لا وجه للبطلان.

لا يقال: انا لا نسلم كون البيع الموجود سببا صحيحا للأكل، فانه وقع علي وجه الخديعة و هو سبب باطل فالاكل به يعد باطلا. لأنا نقول: لم يقم دليل علي بطلان البيع الخدعي.

ثم أفاد المصنف أن صدر الاية الدال علي البطلان معارض لذيلها، و هو قوله تعالي «الا أن تكون تجارة عن تراض» بناء علي ما ذكرنا من عدم خروج ذلك عن موضوع التراضي، و بعد التكافؤ يرجع الي أصالة اللزوم.

و فيه: ان الاستثناء في الاية اما منقطع و اما متصل، فعلي الاول يكون عدم التعارض واضحا، لتعدد الموضوع. و علي الثاني أيضا يمكن أن يقال بعدم التعارض، لان المتفاهم منه ان اكل المال من دون سبب شرعي و ان كان باطلا الا أنه يجوز ذلك مع رضا صاحبه فيكون الذيل قرينة علي صدرها.

و استدرك بقوله: الا أن يقال ان التراضي مع الجهل بالحال يخرج عن كون أكل الغابن لمال المغبون الجاهل اكلا بالباطل. هذا علي نسخة و في بعض النسخ «لا يخرج» مكان «يخرج»، و اختلف بين الاعلام في زيادة حرف النفي و عدمه، فذهب الايرواني قدس سره الي الاول و عليه يرتفع التعارض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 182

و أما علي الثاني فلم يكن استدراكا للمعارضة بل مقرر لها، و الظاهر هو الاول.

ثم قال قدس سره بأنه يمكن أن يقال: ان آية التراضي

تشمل غير صورة الخدع، كما اذا أقدم المغبون علي شراء العين محتملا لكونه بأضعاف قيمته فيدل علي نفي الخيار في هذه الصورة من دون معارضة، فيثبت عدم الخيار في الباقي بعدم القول بالفصل، فتعارض مع آية النهي المختصة بصورة الخدع الشاملة غيرها بعدم القول بالفصل، فيرجع بعد تعارضهما بضميمة عدم القول بالفصل و تكافؤهما الي أصالة اللزوم.

و يرد عليه: ان عدم القول بالفصل لا يمكن التمسك به لإثبات المدعي، اذ لا يكون اجماعا. و علي فرض رجوعه الي الاجماع لا أثر له لاحتمال كونه مدركيا، مضافا الي أنه اجماع منقول لم تثبت حجيته، أضف الي ذلك أنه لا وجه لعدم الخيار مع احتمال التفاوت، فانه لو تم دليل الخيار يقتضي ثبوته حتي في صورة الاحتمال.

(الوجه الرابع) ما أفاده المحقق النائيني قدس سره من الاستدلال بالآية الشريفة بمجموع المستثني و المستثني منه،

بتقريب: ان معني الاية الشريفة في قوة أن يقال: لا تتملكوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه فانه باطل الاعلي وجه التكسب عن رضا، فالتملك بدون رضا المغبون تملك بالباطل و مع رضاه تملك صحيح.

ثم ان رضاه بالتجارة بمعناها الاسمي المصدري هو المعتبر في العقد و رضاه بها حاصل مع عدم علمه بالغبن، و أما مع علمه به فاذا رضي به دخل في عقد المستثني و الا دخل في المستثني منه، و لا نعني بالخيار في المقام الا ذلك.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 183

نعم لو كان المراد معناها المصدري فمع عدم حصول الرضا تبطل رأسا و لا يمكن تصحيحه بالاجازة اللاحقة.

و يرد عليه: أولا أن نتيجة ما أفاده قدس سره هو بطلان البيع لا ثبوت الخيار، لان المفروض عدم الرضا فيدخل في التملك الباطل.

و ثانيا- انا لا نسلم لزوم الرضا في صحة التجارة بقاء أيضا، بل ان الرضا في الحدوث

كاف لصحة التجارة، و هي كانت موجودة في المقام علي الرضا.

و ثالثا- ان الفرق المذكور بين المصدر و اسم المصدر بأن الثاني له اعتبار استمرار و بقاء و قابل لان يلحقه الرضا بعد العقد بخلاف الاول، لا يساعده الدليل بل التفكيك بينهما غير معقول في بعض الموارد كما في المقام و في الضرب. نعم ان ما ذكره صحيح في بعض الموارد كالطهارة مثلا، الا أن الحكم بذلك في جميع الموارد كما تري.

و رابعا- انه لا دليل علي كون الشرط معني اسم المصدر، بل الظاهر ان الشرط هو المعني المصدري.

(الوجه الخامس) قوله صلي اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار»

«1» بتقريب ان لزوم مثل هذا البيع و عدم تسلط المغبون علي فسخه ضرر عليه. و بعبارة أخري: ان الحكم بلزوم العقد ضرر علي المغبون، و هو منفي في الشريعة المقدسة.

و افاد الشيخ قدس سره: بأن هذا الدليل أقوي ما استدل به العلامة في التذكرة و غيرها. و لا يخفي أن الاستدلال بالقاعدة مبني علي مسلك المشهور، و أما علي ما سلكناه تبعا لشيخ الشريعة قدس سره من أن المستفاد من القاعدة حرمة الاضرار لا نفي الحكم الضرري فلا مجال للتمسك بها كما هو ظاهر. نعم

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 17 من أبواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 184

علي مسلك المشهور للتمسك بها مجال، لكن مع ذلك يرد عليه أمور:

منها- ان دليل نفي الضرر ينفي الحكم علي مبني المشهور و لا يثبت به تغريم الغابن. و بعبارة أخري: انه من الادلة النافية لا المثبتة، و أما علي مسلك المنصور فالمستفاد منه الحكم التكليفي فقط، فقد ذكرنا في محله أن المستفاد من القاعدة حرمة الاضرار بالغير، و التفصيل موكول الي محله.

و منها- أن جريان دليل نفي

الضرر للمغبون معارض لجريانه للغابن، فانه ربما يكون حل العقد ضررا علي الغابن، كما اذا كان غرضه التحفظ علي أصل الثمن للخصوصيات المطلوبة فيه.

و يرد عليه نقضا و حلا: أما النقض فبما اذا اشتري الطعام للأكل و لم يكن له ذلك، فهل يمكن الالتزام بثبوت الخيار للمشتري، و أما الحل فبأن تخلف الدواعي و الاغراض لا يعد ضررا عند العقلاء، و بعبارة واضحة: ان نقض الغرض لا يترتب عليه أثر.

و منها- ما أورده المصنف قدس سره بأن انتفاء اللزوم و ثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الرد و الامضاء بكل الثمن، اذ يحتمل أن يتخير بين امضاء العقد بكل الثمن و رده في المقدار الزائد، غاية الامر ثبوت خيار التبعض للغابن، فيكون حال المغبون حال المريض اذا اشتري بأزيد من ثمن المثل و حاله بعد العلم بالقيمة حال الوارث اذا مات ذلك المريض المشتري في أن له استرداد الزيادة من دون رد جزء من العوض.

و يحتمل أيضا أن يكون نفي اللزوم بتسلط المغبون علي الزام الغابن بأحد الامرين من الفسخ في الكل و من تدارك ما فات علي المغبون برد القدر الزائد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 185

أو بدله، و مرجعه أنه يكون للمغبون حق الفسخ اذا لم يرد الغابن المقدار الزائد، فالفرق بين الاحتمالين أنه علي الاحتمال الاول يكون الاختيار بيد المغبون فله أن يرضي كما أن له أخذ الزائد من الغابن، و علي الاحتمال الثاني ليس له ذلك بل الاختيار بيد الغابن. و بعبارة أخري: علي الاحتمال الاول يجوز للمغبون الزام الغابن بدفع الزائد بخلاف الثاني، كما أنه علي الاحتمال الاول ليس للمغبون أن يفسخ بمجرد عدم دفع الغابن

الزيادة بل له أن يلزمه بذلك و بعد عدم امكان الالزام يجوز له الفسخ، و في الاحتمال الثاني يجوز الفسخ بمجرد عدم الدفع و عدم الفسخ، فالمبذول يكون غرامة لضرر المشتري الا أن يكون هبة مستقلة.

و ما ذكرنا نظير ما ذكره العلامة في بيع المرابحة، فانه لو ظهر كذب البائع ليس للمشتري الخيار، بل البائع مخير بين الفسخ ورد الزائد، فالمتيقن من حق الفسخ للمغبون صورة امتناع الغابن من رد التفاوت.

ثم انه أفاد بأن المبذول ليس هبة مستقلة حتي يقال بأنها لا توجب ارتفاع الخيار. و أيضا لا يكون جزء من العوض كما يقال كي يلزم الجمع بين العوض و المعوض في الجزء، بل غرامة نظير الارش في خيار العيب، و لذا لا مجال لان يقال بأن الاستصحاب يقتضي بقاء الخيار و قبول الهبة لا يوجب سقوط الحق، فانه يرد فيه أنه ليس هبة بل غرامة أثبتها دليل نفي الضرر، و لان الشك في الحدوث لا في البقاء فلا مجال للاستصحاب.

ثم أفاد بأن تدارك ضرر المغبون بأحد الاحتمالين أولي من اثبات الخيار له، لان الزام الغابن ضرر عليه، و ضرره و ان لم يكن بحد المعارضة لكن يوجب ترجيح بعض الاحتمالات، و غرض الغابن التحفظ علي ما انتقل اليه. الا أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 186

يقال انه في طرف المغبون كذلك.

و فيما أفاده جهات من الاشكال:

الاولي- لا وجه لاسترداد مقدار من الثمن بلا فسخ البيع فانه ينافي حقيقة المعاوضة.

الثانية- ان أخذ الزيادة هبة مستقلة، لان ذمة الغابن ليست مشغولة، و مع عدم الاشتغال يكون المأخوذ منه هبة، اذ الهبة عبارة عن التمليك المجاني، فانه لا وجه لاشتغال ذمة الغابن، خصوصا اذا كان جاهلا. و

في مسألة ظهور كذب البائع في مقدار رأس المال الذي فرض في القواعد اذا انطبقت علي ما هو مقرر فهو و الا فالكلام فيها هو الكلام.

الثالثة- أنه لا وجه لترجيح أحد الاحتمالين الاخرين علي الاحتمال الاول، اذ كما أن استرداد الثمن من الغابن و إلزامه ضرر عليه كذلك إلزامه بدفع الغرامة ضرر، فأي وجه للترجيح.

الرابعة- ان دليل لا ضرر لا يقتضي جواز أخذ الغرامة، فان المستفاد من القاعدة نفي الحكم لا اثبات شي ء.

ان قلت: ان عدم أخذ الغرامة ضرر علي المغبون. قلت: ان الامر و ان كان كذلك لكن دليل لا ضرر ينفي الحكم الضرري لا اثبات حكم يكون عدمه ضرريا.

الخامسة- ان نقض الغرض ليس ضررا و علي فرضه لا يوجب الخيار، و الا يلزم الخيار في كثير من المعاملات، كما لو اشتري الطعام للأكل و لم يتيسر أو اشتري الدواء للعلاج فلا يحتاج عليه أو علم عدم نفعه و هكذا.

السادسة- انه لا مجال للترديد بين الاحتمال الاول و الاحتمالين الاخيرين،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 187

لأنه لو كانت المعاملة فاسدة بالنسبة الي المقدار الزائد كما هو الاحتمال الثاني أو كان الغابن ضامنا كما هو الاحتمال الثالث فلا تصل النوبة الي الاحتمال الاول لأنه لا ضرر. و ان شئت فقل: ان الاحتمال الاول في طول الاخيرين لا في عرضهما.

و منها- ان المستفاد من اللاضرر نفي الضرر الناشي من حكم الشارع و أما الضرر الناشئ من عند نفسه فلا يمكن رفعه بالدليل المذكور، فان الضرر المتوجه الي المغبون يكون من قبل نفسه.

و يرد عليه: أن الشخص قد يكون عالما بالضرر و يقدم عليه فلا يكون مشمولا لقاعدة نفي الضرر كالصلح المحاباتي، و أما الجاهل بالضرر فلا

يصدق الاقدام به، فالضرر ينشأ من حكم الشارع بلزوم البيع.

و منها- ان اللزوم عبارة عن عدم حل العقد، و هو أمر عدمي ليس قابلا للرفع حتي يرفع بدليل نفي الضرر، فان المرفوع به لا بد أن يكون أمرا وجوديا.

و يرد عليه: ان اللزوم عبارة عن بقاء العلقة الي ما بعد الفسخ، و هو أمر وجودي قابل للرفع، فان عدم الحل يكون من لوازمه.

و منها- لو أغمضنا عن جميع ما ذكر و قلنا: ان دليل نفي الضرر يصلح لإثبات الخيار، و لكن نقول ان غاية ما يثبت به أن للمغبون أن يحل العقد الا أنه ليس محل النزاع فان المدعي ثبوت الخيار المصطلح الذي هو حق شرعي قابل للانتقال و هو لا يثبت به.

و منها- أنه علي فرض صحة التمسك بقاعدة نفي الضرر نقول: ان المستفاد منها يكون فساد العقد لا اثبات الخيار، لان أصل العقد منشأ للضرر.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 188

ان قلت: ان الاجماع قائم علي صحة العقد. قلت: ان المنقول منه غير حجة و المحصل منه محتمل المدرك.

لا يقال: ان رفع صحة العقد يكون خلاف الامتنان. فانه يقال: انه لا نسلم ذلك، فانه لا شبهة في أن دفع الضرر عن الغير لطف بالنسبة اليه فيكون امتنانيا.

(الوجه السادس) جملة من الروايات الواردة في الغبن:

منها- عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: غبن المؤمن حرام «1».

و منها- قوله عليه السلام: غبن المسترسل ربا «2».

و منها- غبن المسترسل سحت «3».

و لا بد أن نبحث في هذه الروايات من جهتين: الجهة الاولي في السند، و الجهة الثانية في الدلالة.

(اما الجهة الاولي) فان الرواية الثانية و الثالثة ضعيفتان سندا، أما الثانية فبأبي جميلة، و أما الثالثة فلان كتاب المستدرك لا يوجد في مجموعه

خبر قابل للاعتماد، مضافا الي أن في السند النوفلي و هو محل الاشكال. نعم لا بأس بالرواية الاولي.

(و أما الجهة الثانية) فان الرواية الاولي و الثانية كما تري أجنبيتان عن المدعي، فان كون الغبن رباء أو حراما لا يدل علي ثبوت الخيار للمغبون، و أما الرواية الثالثة فأفاد المصنف قدس سره يحتمل أن يراد كون الغابن بمنزلة آكل السحت

______________________________

(1) الوسائل، الباب (17) من ابواب الخيار، الحديث (2).

(2) المستدرك الجزء (2) ص 474.

(3) الوسائل، الباب (17) من ابواب الخيار، الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 189

في استحقاق العقاب علي أصل العمل، و يحتمل أن يراد كون المقدار الذي يأخذه زائدا علي ما يستحقه بمنزلة السحت في الحرمة و الضمان، و يحتمل ارادة كون مجموع العوض المشتمل علي الزيادة بمنزلة السحت في تحريم الاكل في صورة خاصة، و هي اطلاع المغبون و رده للمعاملة المغبون فيها.

و مع الاحتمالين الاولين لا وجه لحمله علي الثالث.

و السحت علي ما يظهر من اللغة عبارة عن الحرام، و الظاهر من الرواية أن المقصود ان الغبن بالمعني المصدري سحت، فيكون المقصود أن الغبن حرام تكليفي فلا يرتبط بالمقام.

(الوجه السابع) ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله: تلقي الركبان لا يجوز

فان تلقي و اشتري كان البائع بالخيار اذا ورد السوق «1». الي أن قال: دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم، و روي أبو هريرة ان النبي صلي اللّه عليه و آله نهي عن تلقي الجلب، فان تلقي متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار اذا ورد السوق.

و فيه: أولا انه لا اعتبار بالرواية سندا كما هو ظاهر، و انجبارها بالعمل مخدوش صغري و كبري.

و ثانيا- ان دلالتها علي المدعي مورد الاشكال، اذ غاية ما يستفاد من الرواية أن صاحب السلعة بالخيار اذا ورد السوق بلا تعرض

بالغبن و عدمه. و من الممكن أن هذا الخيار بنفسه مجعول في الشريعة في مقابل بقية الاقسام، و لذا قيل بأنه التزم بعض الفقهاء بثبوت الخيار في المقام و لو لم يكن غبن، أضف الي ذلك أن ثبوت الخيار في مورد بلحاظ الغبن لا يقتضي الملكية.

(الوجه الثامن) و هو أتم الوجوه و اسدها: ان الانسان مدني بالطبع يحتاج الي المعاش و المعاملة،

______________________________

(1) الخلاف ص 581، المسألة 282.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 190

و لو لم يكن تساوي القيمة محفوظا في المعاملة يختل أمر العيشة و النظام، و كل واحد من المتعاملين بحسب النوع يبني علي تساوي العوضين في المعاملة، و لذا قد يصرح به و قد يكتفي بالارتكاز، و المقام من قبيل الثاني.

و بعبارة أخري: ان الظاهر من مقام المعاملة و التجارة أن اقدامه علي اعطاء العوض من باب البناء علي أنه يسوي هذا المقدار و أن العوضين متساويان في المالية، فيكون بمنزلة اشتراط المساواة، فتخلفه يوجب الخيار.

ان قلت: ان البناء علي التساوي يكون من قبيل الدواعي و تخلفها لا يوجب الخيار، و الا يلزم ثبوت الخيار في تخلف كل داع و هو كما تري.

قلت: ان الدواعي اما شخصية و اما نوعية، و تخلف الداعي النوعي يرجع الي الاشتراط، فتخلفه يوجب الخيار.

ان قلت: ان العقد مطلق و لم يشترط بشي ء.

قلت: انه مقدر ارتكازا، و المقدر كالمذكور. و بهذا التقريب يثبت جملة من الخيارات كخيار تخلف الوصف و تبعض الصفقة و الرؤية و العيب. و لتوضيح المقام نقول: انه لا شبهة في أن الناس بنوعهم في معاملاتهم في مقام حفظ التساوي اما يرجع الي التعليق و اما يرجع الي التقييد، و ظاهر أن التعليق يبطل العقد، و الجزئي الخارجي غير قابل للتقييد، فينحصر الامر باشتراط الخيار عند التخلف.

ثم انه هل يكون

مجال لجريان قاعدة نفي الضرر أم لا؟ الظاهر هو الثاني أما علي مسلكنا فظاهر و أما علي المشهور فلانصراف الدليل عن مورد الاقدام و المفروض أن الشخص مع الالتفات و لو ارتكازا أقدم علي المعاملة فلا وجه للفساد. مضافا الي السيرة القطعية المتصلة بزمان المعصوم الكاشفة عن صحة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 191

قوله: مسألة يشترط في هذا الخيار أمران: الاول عدم علم المغبون بالقيمة (1).

قوله: ثم ان الظاهر عدم الفرق بين كونه غافلا من القيمة بالمرة أو ملتفتا اليها و لا بين كونه مسبوقا بالعلم و عدمه و لا بين الجهل المركب و البسيط (2).

المعاملات الغبنية، انما الكلام في ثبوت الخيار و وجهه. نعم لو فرض كون الشخص غافلا بالمرة بحيث لم يصدق عنوان الاشتراط حتي بالارتكاز يكون مقتضي قاعدة نفي الضرر علي مسلك المشهور فساد المعاملة، فلاحظ.

[مسألة يشترط في هذا الخيار أمران]
[الأول عدم علم المغبون بالقيمة]

أقول: أما علي مسلكنا فالامر واضح، لأنه لو أقدم عليه مع العلم به فلا معني لشرط الخيار، و أما لو كان المدرك دليل نفي الضرر فلو أقدم عليه مع العلم فلا يشمله الدليل. نعم لو كان غافلا يمكن أن يحكم بالخيار للدليل المذكور. و ملخص الكلام: انه مع العلم لو صدق عنوان الاقدام فلا خيار، و أما لو صدق عنوان الغفلة عن الضرر فمقتضي قاعدة نفي الضرر علي المشهور الخيار.

أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام: ان المدرك للخيار اما دليل نفي الضرر و اما الاشتراط في ضمن العقد، و علي الاول لا بد أن يلتزم بثبوت الخيار في جميع الموارد الا في مورد صدق الاقدام، و أما لو شك في صدق الاقدام و عدمه و كان المخصص دائرا بين الاقل و الاكثر ففي المقدار المعلوم

يحكم بعدم الخيار و في الباقي يحكم بالخيار.

و ربما يقال: بأنه مع الالتفات لا وجه للخيار، اذ مع الالتفات اما يعلق و اما يطلق، أما علي الاول يبطل و أما علي الثاني يصح بلا خيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 192

قوله: و لو أقدم عالما علي غبن يتسامح فيه فبان أزيد بما يتسامح (1).

و فيه: انه يمكن أن الشخص يقدم علي النقيصة لكن مع الخيار، اذا المفروض أن القاعدة تقتضي الخيار. هذا علي المسلك المشهور، و أما علي المسلك المنصور فالخيار ثابت في جميع الصور، اذ المفروض أن المدرك هو الشرط الضمني و الشرط ثابت مع الجهل أعم من أن يكون غافلا أو ملتفتا.

أقول: قد يقدم علي ما يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح بالمجموع و في هذه الصورة ربما يكون اقدامه بشرط لا عن الزائد، و أخري يكون لا بشرط:

اما الصورة الاولي فلا شبهة في ثبوت الخيار لعدم الاقدام، و أما في الصورة الثانية فربما يقال بعدم الخيار، لان هذا الذي ظهر لا يقتضي الخيار بما أنه يتسامح فيه و الذي كان يعتقده قد أقدم عليه، فانضمام ما لا أثر فيه الي مثله لا يكون منشأ أثر.

و يرد عليه: أنه ان كان المدرك للخيار الشرط الضمني فهو موجود، اذ لم يقدم علي المجموع، و ان كان حديث نفي الضرر فأيضا يكون مقتضاه الخيار، اذ الضرر متوجه و لم يقدم عليه علي الفرض.

ان قلت: ان ما ظهر بعد الاقدام لا يكون ضرريا حتي يشمله دليل نفي الضرر.

و بعبارة أخري: ان المجموع و ان كان فيه الضرر علي المغبون الا أنه قد أقدم بمقدار يتسامح فيه، و لم يجر الدليل في حقه لو لم يظهر

الغبن المتسامح فيه.

قلت: ان كل واحد منهما و ان كان مما يتسامح فيه منفردا الا أن المجموع يشمله دليل نفي الضرر.

و ثالثة- يقدم علي ما يتسامح به ثم يظهر أزيد بما يتسامح بالمجموع، فلا يثبت الخيار علي كلا المسلكين لعدم المقتضي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 193

قوله: ثم ان المعتبر القيمة حال العقد، فلو زادت بعده و لو قبل اطلاع المغبون علي النقصان حين العقد لم ينفع، لان الزيادة انما حصلت في ملكه و المعاملة وقف علي الغبن. و يحتمل عدم الخيار حينئذ لان التدارك حصل قبل الرد (1).

و رابعة- يقدم علي ما يتسامح فيظهر أزيد بما يتسامح. و الحكم في هذه الصورة حكم الصورة الاولي.

و خامسة- هذه الصورة بعينها مع ظهور الزيادة بما لا يتسامح فيها. و الحكم في هذه الصورة حكم الصورة الاولي، و الوجه فيه ظاهر.

الحق أن يقال في المقام: ان المدرك لو كان الاشتراط في ضمن العقد لا وجه لاحتمال عدم الخيار بل الخيار موجود للاشتراط الضمني، و أما لو كان المدرك دليل نفي الضرر فلا وجه لثبوت الخيار. و مجرد وقوع المعاملة مع الغبن مع حصول الزيادة لا يوجب الخيار، اذ المفروض أنه علي هذا المسلك يتوجه الضرر من ناحية لزوم العقد، و المفروض أن اللزوم غير ضرري، فيجب الوفاء بمقتضي القاعدة الاولية.

الا أنه يشكل ذلك في باب الصرف و السلم لو حصلت الزيادة بعد القبض فعلي القول بأن المدرك للخيار الاشتراط فلو قلنا باشتراط تساوي العوضين عند العقد فلا بد أن نلتزم بالخيار، و لو قلنا باشتراطه حين دخوله في الملك فلا وجه للخيار لحصول التساوي علي الفرض، لكن الظاهر هو الاول. و أما ان كان المدرك قاعدة نفي

الضرر فالحق عدم الخيار، لعدم ترتب ضرر علي لزوم العقد.

ثم انه أفاد المصنف بأنه لو قلنا بوجوب التقابض بمجرد العقد في الصرف يثبت الخيار لثبوت الضرر بوجوب اقباض الزائد في مقابلة الناقص، لكن ظاهر

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 194

المشهور عدم وجوب التقابض.

و يرد عليه اشكالان:

الاول- ان القول بكون وجوب التقابض وجوبا تكليفيا خلاف التحقيق كما اعترف المصنف بذلك.

الثاني- ان الخيار من الاحكام المترتبة علي العقد الصحيح فكيف يمكن تحققه قبل القبض الذي يكون شرطا للصحة. نعم لو كان الاقباض واجبا يكون مقتضي قاعدة نفي الضرر عدم وجوبه لكونه ضرريا.

هذا تمام الكلام فيما لو وقعت المعاملة الغبنية من المالك، و أما لو وقعت من الوكيل فهل يترتب علي علمه و جهله أثر أم لا؟ و مقتضي التحقيق أن يفصل في المقام بين الوكيل في مجرد اجراء العقد و الوكيل المفوض، بأن يقال:

انه لو كان وكيلا في مجرد العقد لا عبرة بعلمه و جهله بل العبرة بعلم الموكل و جهله، و أما لو كان وكيلا مفوضا اليه أمر المعاملة فانه لو علم بالغبن فلا خيار له، سواء كان المدرك دليل الاشتراط أو دليل نفي الضرر، و سواء كان الموكل عالما بالغبن أو جاهلا به. اذ المفروض أنه مع العلم لا يشترط الخيار و أيضا يصح الاقدام علي الضرر، و أما لو كان الوكيل جاهلا بالغبن و الموكل عالما به فالظاهر ثبوت الخيار لو كان المدرك الاشتراط.

لا يقال: انه لا يتصور معني معقول للخيار في المعاملة الغبنية من الوكيل اذ المفروض أن الوكيل مفوض و هو مع جهله يشترط الخيار، و أما لو كان المدرك قاعدة نفي الضرر فالظاهر عدم الخيار، اذ يصدق أن الموكل مع علمه

بالحال أقدم علي الضرر فلا تجري القاعدة، فما أفاده المصنف من عدم الخيار مبني علي هذا المبني.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 195

و الحاصل انها اما لازم أو باطل بلا تصوير صورة يكون فيها الخيار. توضيح ذلك: ان التوكيل اما أن يشمل المعاملة الغبنية أو يختص بغيرها. لا اشكال في عدم الخيار في الصورة الاولي، لان الموكل قد أقدم علي الغبن بتعميم توكيله، و أما الصورة الثانية فالمعاملة فيها باطلة، بمعني أنها تقع فضوليا بعد أن لم تشملهما الوكالة.

و الجواب عنه نقضا بنفس الموكل في معاملاته الغبنية، فان أوقع معاملة غبنية فاما يطلق و اما يعلق علي عدم الغبن، ففي الصورة الاولي قد أقدم علي الغبن، و في الصورة الثانية يكون معلقا و التعليق باطل. مضافا الي أن المعلق عليه لا يتحقق مع عدم المعلق عليه.

و حلا بأنه يكون دليلا علي ما هو الميزان في المعاملات، بمعني أنه يوكله في المعاملة بشئونها، فكأنه قائم مقام نفسه.

ثم ان الخيار في المعاملات الغبنية الصادرة من الوكيل فهو للموكل أو للوكيل أو لكليهما.

و التحقيق أن يقال: ان الوكيل في مجرد اجراء الصيغة لا خيار له، و أما الوكيل المفوض فالظاهر ثبوت الخيار لكليهما، بلا فرق بين كون المدرك دليل الاشتراط أو دليل نفي الضرر، خلافا للسيد حيث فصل بين المدركين بالالتزام بأنه لو كان المدرك دليل نفي الضرر يختص الخيار بالمالك، لان عنوان المتضرر لا يصدق علي الوكيل، و ان كان المدرك الاشتراط فالظاهر ثبوته لهما، فانه لو ثبت الخيار و لو من باب نفي الضرر يكون مقتضي القاعدة ثبوته للوكيل أيضا لأنه وجود تنزيلي للمالك.

ثم أفاد المصنف قدس سره: ثم ان الجهل يثبت باعتراف الغابن و بالبينة

دراساتنا

من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 196

ان تحققت و بقول مدعيه مع اليمين لأصالة عدم العلم الحاكمة علي أصالة اللزوم مع أنه قد يتعسر اقامة البينة علي الجهل و لا يمكن للغابن الحلف علي علمه لجهله بالحال. فتأمل.

أقول: ان الجهل ليس موضوعا للخيار و الحكم ليس متعلقا به، و اثبات الموضوع بأصالة عدم الجهل أصل مثبت.

و التحقيق أن يفصل في المسألة بين كون مدرك الخيار دليل الاشتراط و دليل نفي الضرر: فعلي الاول يكون المغبون مدعيا و الغابن منكرا، اذ المغبون يكون قوله خلاف الاصل و لو ترك ترك. و أما علي الثاني يكون الغابن مدعيا لأنه يدعي كون المغبون عالما بالغبن و اقدامه عليه و ان ترك ترك.

فانقدح ان ما أفاده المصنف و جملة من الاعلام ليس علي ما ينبغي، و أما أمره بالتأمل فلعله اشارة الي أن تعسر اقامة البينة و عدم امكان الحلف لا يقتضيان تقديم قول المدعي، و علي فرضه انما يتم في صورة عدم ادعاء الغابن العلم لا مطلقا، بل ربما يقال بأنه يكفي أن يحلف علي عدم علمه بالحال لا أن يحلف علي علمه بعلم المغبون، اذ الحلف علي البط فيما يرجع الي نفسه.

ثم أفاد المصنف ان قولنا «كون مدعي الجهل موافقا للأصل» انما يصح اذا لم يكن المغبون من أهل الخبرة و الا فلا يقبل قوله كما في جامع المقاصد و المسالك.

و قد يشكل بأن هذا انما يوجب عدم قبول قوله من حيث تقديم الظاهر علي الاصل، فغاية الامر أن يصير مدعيا من جهة مخالفة قوله للظاهر، لكن المدعي لما تعسر اقامة البينة عليه و لا يعرف الامن قبله يقبل قوله مع اليمين، فليكن هذا من هذا القبيل.

دراساتنا من

الفقه الجعفري، ج 4، ص: 197

قوله: و لو اختلفا في القيمة وقت العقد أو في القيمة بعده (1).

الا أن يقال: ان مقتضي تقديم الظاهر جعل مدعيه مقبول القول بيمينه لا جعل مخالفه مدعيا يجري عليه جميع أحكام المدعي حتي في قبول قوله اذا تعسر عليه اقامة البينة، ألا تري أنهم لم يحكموا بقبول قول مدعي فساد العقد اذا تعسر عليه اقامة البينة علي سبب الفساد.

هذا مع أن عموم تلك القاعدة- أي قبول قول المدعي- ثم اندراج المسألة فيها محل تأمل، و الوجه في التأمل في عموم تلك القاعدة أن مقتضي الادلة أن اليمين حق المنكر فلا وجه لقبول قول المدعي بيمينه، و اما الوجه في التأمل في الادراج، فان تعسر اقامة البينة علي الجهل في مثل محل الكلام أول الدعوي فانه ربما يكون الاطلاع علي الجهل أمرا ممكنا.

و يرد عليه: أولا ان مجرد كون قول أحد مخالفا للظاهر يجعله مدعيا غير وجيه.

و ثانيا- ان ما أفاده العلمان في الجامع و المسالك لعله ناظر الي أن سماع الدعوي مشروط بكونه أمرا ممكنا عادة، و أما مجرد الامكان العقلي فلا أثر له.

و حيث أن دعوي الجهل من أهل الخبرة بعيد فلا نسمع، فعدم السماع من هذه الجهة لا من جهة أن قوله مخالف للظاهر.

و ثالثا- انه لا وجه للتفصيل بأن يقال: انما يكون مدعيا بأن يقبل قول خصمه مع اليمين لا أن يسمع قوله مع اليمين، فان الكبري لو تمت يترتب عليه الاحكام كلها و الا فلا، الا أن يقال بأن الضرورات تقدر بقدرها و التفصيل موكول الي محله.

أقول: لو وقع الخلاف بين الغابن و المغبون في القيمة فله صور:

(الاولي) وقوع الاختلاف في القيمة حال العقد مع اتفاقهما

علي قيمته الفعلية

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 198

مثلا أن البائع يدعي أن المبيع حال العقد يسوي عشرة و تنزلت قيمته و المشتري يدعي أن قيمته حال العقد ثمانية فلا غبن، و كلاهما متفقان علي أن القيمة الفعلية ثمانية دراهم.

(الثانية) وقوع الاختلاف في القيمة حال العقد مع اتفاقهما علي قيمته سابقا.

(الثالثة) وقوع الاختلاف في القيمة مع اتفاقهما علي اتحاد قيمته حال العقد و قيمته الفعلية.

أفاد المصنف قدس سره ان القول قول منكر سبب الغبن لأصالة عدم التغير و أصالة اللزوم، و كأنه يري تطابق الاصلين علي الاطلاق، و لكنك تري أن ما أفاده غير صحيح علي اطلاقه، نعم هو متين في بعض الصور المذكورة- و هو كما في الصورة الاولي- فان أصالة عدم التغير يوافق أصالة اللزوم، و أما الصورة الثانية- و هي صورة اتفاقهما علي قيمته سابقا- فأصالة عدم التغيير يثبت الخيار للمغبون بخلاف أصالة اللزوم. و الحاصل ان التمسك بأصالة عدم التغير للزوم العقد علي اطلاقه غير صحيح.

و استشكل المحقق النائيني علي جريان الاصل بأن اصالة عدم التغيير من الاستصحاب القهقرائي الذي لا اعتبار به كما حقق في محله.

و يمكن أن يجاب عنه: بأنه يجري استصحاب القيمة الواقعية المعلومة عند اللّه فيحكم بأنه ثمانية دراهم الا انه مثبت، فانه ببركة استصحاب عدم التغير من حين العقد الي الان يثبت التساوي، فانه لو لم يتغير من حين العقد الي الان فلا خيار لمدعي التغير. لكن هذا الاصل بهذا التقريب مثبت، و هذا اشكال آخر غير ما أفاده الميرزا.

و التحقيق أن يقال: ان التغيير و عدمه ليسا موضوعين للحكم حتي يبحث

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 199

قوله: الامر الثاني كون التفاوت فاحشا (1).

حوله، و الذي

ينبغي البحث فيه أن مدرك الحكم للخيار اما دليل الاشتراط أو دليل نفي الضرر، فعلي الاول ان أصالة عدم التغير لا يثبت الخيار الاعلي القول بالاصل المثبت. و بعبارة أخري: ان الاشتراط لا يثبت بالاصل فلا يتحقق الخيار.

و علي الثاني ففي كل مورد يتحقق الضرر يتحقق الخيار، و في الموارد المشكوكة يحكم بعدمه بأصالة العدم، فعموم دليل اللزوم محكم.

و ربما يتراءي من كلام السيد التمسك بالاستصحاب فيما اذا شك في الخيار و عدمه و يحكم ببقاء الملكية بتقريب أن الشك في ثبوت الخيار يرجع الي الشك في بقاء الملكية بعد الفسخ.

و يرد عليه: انه لا تصل النوبة الي الاصل العملي ما دام الاصل اللفظي موجودا و قلنا ان المرجع عموم دليل لزوم العقد، مضافا الي أن الشك في بقاء الملكية بعد الفسخ مسبب من جعل حق الخيار، و الاصل عدم جعل هذا الحق.

[الأمر الثاني كون التفاوت فاحشا]
اشارة

قد تقدم من المصنف أنه يشترط في هذا الخيار أمران: الاول عدم علم المغبون بالغبن و قد اشبعنا الكلام فيه. الثاني كون التفاوت فاحشا. و ينبغي أن يقع البحث في جهات:

(الجهة الاولي) ان التفاوت اليسير لا يوجب الخيار

بل لا بد أن يكون فاحشا أي لا يتسامح فيه- سواء كان المدرك دليل الاشتراط أو دليل نفي الضرر، أما لو كان المدرك دليل الاشتراط فان العقلاء لا يعتنون بالتفاوت اليسير، فلا يتحقق منهم الشرط الارتكازي. و أما لو كان الدليل نفي الضرر فانه لا يصدق الضرر علي التفاوت اليسير و لا يصدق علي المغبون أنه متضرر. و لكنه للمناقشة فيه مجال، لان الضرر عبارة عن النقص في المال، و هو موجود في المقام.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 200

ان قلت: ان الاجماع قائم علي أن الضرر اليسير لا يوجب الخيار.

قلت: انه علي فرض تحققه محتمل المدرك، فلا يمكن أن يعتمد عليه.

ان قلت: ان دليل نفي الضرر منصرف عن الضرر اليسير.

قلت: لا وجه للانصراف.

ان قلت: ان العقلاء يقدمون بهذا المقدار من الضرر.

قلت: ان الاقدام من البعض لا يقتضي الحكم الكلي.

و لكن الذي يقتضيه التحقيق أن يقال: ان المدرك للخيار ان كان دليل نفي الضرر فلا بد من الالتزام بثبوت الخيار و ان كان الضرر شيئا يسيرا. نعم اذا كان بحيث لا يصدق عليه الضرر فلا يترتب عليه الحكم لانتفاء الموضوع.

و ان كان المدرك دليل الاشتراط فلا وجه للخيار، لان الضرر اليسير بحسب النوع و المتعارف عند العقلاء لا يعتنون به و لا يشترطون ذلك بالارتكاز.

(الجهة الثانية) في ضابطة تشخيص الفاحش بأنه ما الميزان فيه.

و قد تصدي بعض لذكر الضابط له الا أنه لا يرجع الي محصل، بل التشخيص فيه موكول الي العرف لعدم ضابط معين فيه، فلا يبعد أن ما نقل عن العلامة قدس سره من تفسيره «بما لا يتغابن فيه الناس» أي لا يعدونه غبنا هو الصحيح.

(الجهة الثالثة) انه اذا شك في الغبن أنه الي حد يوجب الخيار أم لا،

و بعبارة أخري انه افاد المصنف أن المرجع عند الشك هو أصالة ثبوت الخيار لأنه ضرر لم يعلم تسامح الناس فيه و يحتمل الرجوع الي أصالة اللزوم لان الخارج هو الضرر الذي يكون فاحشا لا مطلق الضرر.

و الحق أن يقال: ان المدرك في الباب لو كان دليل الاشتراط فمرجع الشك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 201

في الفاحش و عدمه الي الشك في الاشتراط الارتكازي و عدمه، بأن الاشتراط الارتكازي موجود في المقام أم لا، فلا بد أن يتمسك بدليل اللزوم. و لعل مقصود المصنف من أصالة اللزوم هذا المعني، أي دليل وجوب الوفاء لا الاستصحاب.

و أما لو كان المدرك دليل نفي الضرر فالشك في تحقق الضرر الفاحش و عدمه يدفع بأصالة عدم تحقق الضرر، و ليس هذا تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، اذ بالاصل يحرز عدم كون العقد ضرريا.

و ربما يجاب: بأن الخارج الضرر المعلوم، و مع الشك لا مانع من التمسك بالعام. لكن هذا الجواب مخدوش بأن الموضوع الضرر الواقعي و ليس مقيدا بالعلم، فالحق في الجواب ما ذكرنا. و يمكن اثبات اللزوم بوجه آخر أيضا، و هو أصالة عدم تأثير الفسخ كما مر.

ثم ان الشيخ قدس سره افاد بأنه بقي هنا شي ء، و هو أن ظاهر الاصحاب و غيرهم أن المناط في الضرر الموجب للخيار كون المعاملة ضررية مع قطع النظر عن ملاحظة حال اشخاص المتبايعين، و لذا

حدوه بما لا يتغابن به الناس أو بالزائد علي الثلث كما عرفت عن بعض العامة.

و ظاهر حديث نفي الضرر المستدل عليه في أبواب الفقه ملاحظة الضرر بالنسبة الي شخص الواقعة، و لذا استدلوا به علي عدم وجوب شراء ماء الوضوء بمبلغ كثير اذا أضر بالمكلف و وجوب شرائه بذلك المبلغ علي من لا يضر به ذلك، مع أن اصل شراء الماء بأضعاف قيمته معاملة ضررية في حق الكل.

و الحاصل: ان العبرة اذا كان بالضرر المالي لم يجب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، و ان كان بالضرر الحالي تعين التفصيل في خيار الغبن بين ما يضر

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 202

بحال المغبون و غيره. و الاظهر اعتبار الضرر المالي لأنه ضرر في نفسه من غير مدخلية لحال الشخص.

و تحمله في بعض المقامات انما خرج بالنص «1»، و لذا أجاب في المعتبر عن الشافعي المنكر لوجوب الوضوء في الفرض المذكور بأن الضرر لا يعتبر مع معارضة النص، و يمكن أيضا ان يلتزم الضرر المالي في مقام التكليف، لا لتخصيص عموم نفي الضرر بالنص بل لعدم كونه ضررا بملاحظة ما بإزائه من الاجر، كما يشير اليه قوله عليه السلام بعد شرائه ماء وضوئه بأضعاف قيمته «ان ما يشتري به مال كثير».

نعم لو كان الضرر محجفا بالمكلف انتفي بأدلة نفي الحرج لا دليل نفي الضرر، فنفي الضرر المالي في التكاليف لا يكون الا اذا كان عمله حرجا.

و ربما يورد علي الشيخ بأنه ما لفرق بين دليل نفي الضرر و دليل نفي الحرج حيث يكون التمسك بالاول غير صحيح بخلاف الثاني.

و يمكن أن يجاب بأن الشيخ ليس في مقام الفرق بين الدليلين، فانه منكر للضرر في المقام.

و ان شئت

قلت: ان بين الدليلين عموما من وجه، فربما يتحقق الضرر بدون الحرج و قد يتحقق الحرج بدون الضرر و قد يجتمعان معا.

و ربما يقال مؤيدا للشيخ أن ما بذله المشتري في مقابل ما اشتراه من الماء فانه قيمته ذلك، فلا يكون المشتري متضررا في ذلك بل انه أدي ثمنا في مقابل الماء.

و الجواب عنه: ان الشيخ قد صرح بأنه يجوز شراء ماء الوضوء و لو بأضعاف قيمته، فان الماء الذي يسوي فلسا اذا اشتري دينارا يكون ضررا علي

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (2) الباب (26) من ابواب التيمم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 203

قوله: اشكال ذكر في الروضة و المسالك تبعا لجامع المقاصد في أقسام المغبون اما أن يكون هو البائع او المشتري أو هما معا- انتهي. فيقع الاشكال في تصور غبن كل من المتابعين معا (1).

المشتري بالوجدان. و الحق أن يقال: ان الميزان في جريان القاعدة هو الضرر المالي في جميع الموارد و منها المقام، اذ الحكم ترتب علي الموضوع، فالعبرة بالضرر المالي، و أما شراء الماء في باب الوضوء فانه خرج عن القاعدة بالنص كما أفاده الشيخ.

و أما ما أفاده قدس سره بأنه يمكن أن يلتزم بأن شراء الماء بأضعاف قيمته لا يكون ضررا بملاحظة ما بإذائه من الاجر، لا يمكن المساعدة عليه، لان الثواب مترتب علي عنوان الاطاعة، و هي تتوقف علي وجود الامر المتوقف علي عدم كون متعلقه ضرريا، فاذا توقف عدم الضرر علي الثواب يلزم الدور.

هذا أولا و ثانيا ان العوض الاخروي لا يوجب رفع موضوع الضرر و لا يتدارك الضرر الدنيوي، و الا لا يتحقق معني لقوله تعالي من «جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا»، و يلزم أن لا يتحقق لها مورد في

باب العبادات، و هو كما تري. مضافا الي أن الاجر الاخروي لو كان رافعا للضرر يكون رافعا للحرج أيضا.

أقول: وقع الاشكال فيما بينهم في تصور غبن كلا المتعاملين، و مناط الاشكال أن غبن البائع يتحقق فيما لو باع متاعه بأقل مما يسوي و غبن المشتري يتحقق فيما لو اشتري السلعة بأكثر، و غبن كلاهما يرجع الي بيع شي ء بأقل و اكثر. و هذا غير معقول، و لذا قيل في تصور ما ذكر وجوه:

(منها) ما نقل عن المحقق القمي بأنها تفرض فيما اذا باع متاعه بأربعة توامين من الفلوس، بأن يعطيه عنها ثمانية دنانير معتقدا أنها تسوي اربعة توامين ثم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 204

تبين أن المتاع يسوي خمسة توامين و ان الدنانير تسوي خمسة توامين الا خمسا، فصار البائع مغبونا من جهة كون الثمن أقل من القيمة السوقية بخمس تومان و المشتري مغبونا من جهة زيادة الدنانير علي أربعة توامين، فالبائع مغبون في أصل البيع و المشتري مغبون فيما التزمه من اعطاء الدنانير عن الثمن و ان لم يكن مغبونا فيه.

و يرد عليه كما أورده المصنف: ان مثل هذا البيع المشروط بهذا الشرط يلاحظ فيه حاصل ما يصل الي البائع بسبب مجموع العقد و الشرط، كما لو باع شيئا يسوي خمسة دراهم بدرهمين علي أن يخيط له ثوبا مع فرض كون أجرة الخياطة ثلاثة دراهم. و عليه يكون المغبون في المثال البائع فقط.

(و منها) ما ذكره البعض- و المظنون كونه صاحب الجواهر- بأنه يتصور هذا المعني اذا باع شيئين في عقد واحد بثمنين يكون كل من المتعاملين مغبونا في واحد منهما.

و يرد عليه: انه اما يكون ارتباط بين المعاملتين و اما يكون كل منهما

غير مرتبط بالاخر، أما علي الثاني فيترتب علي كل حكمه، و علي الاول اما لا يكون عبن و اما يتوجه دون الاخر.

(و منها) ما عن مفتاح الكرامة بأنها تفرض فيها اذا ادعي كل من المتبايعين الغبن، كما اذا بيع ثوب بفرس بظن المساواة ثم ادعي كل منهما نقص ما في يده عما في يده الاخر و لم يوجد المقوم ليرجع اليه فتحالفا، فيثبت الغبن لكل منهما فيما وصل اليه.

و يرد عليه: أولا ان الظاهر أن لازم التحالف عدم الغبن في المعاملة أصلا، و ثانيا انه علي فرض التسليم يكون حكما ظاهريا و الحال أن الكلام في الغبن الواقعي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 205

(و منها) أن يراد بالغبن في المقسم معناه الاعم الشامل لصورة خروج العين المشاهدة سابقا علي خلاف ما شاهده أو خروج ما أخبر البائع بوزنه علي خلاف خبره، و قد أطلق الغبن علي هذا المعني في كلام العلامة و غيره. و قد استحسن المصنف هذا الوجه، و لا وجه لاستحسانه، اذا الكلام في الغبن بالمعني الخاص كما نبه المصنف في ذيل كلامه.

(و منها) ما ذكره بعض من أنه يحصل بفرض المتبايعين وقت العقد في مكانين.

كما اذا حضر العسكر البلد و فرض قيمة الطعام خارج البلد ضعف قيمته في البلد، فاشتري بعض أهل البلد من وراء سور البلد طعاما بثمن متوسط بين القيمتين، فالمشتري مغبون لزيادة الثمن علي قيمة الطعام في البلد و البائع مغبون لنقصانه عن القيمة في مكانه، أي خارج البلد.

و يرد عليه: ان الميزان في الغبن و عدمه محل العقد، فان المبيع بعد العقد باق علي قيمته حين العقد و انما نزلت قيمته بنقل المشتري الي مكان آخر.

(و منها) ما

ذكره السيد قدس سره بأن الغبن أعم من أن يكون من جهة التفاوت في المالية عرفا في حد نفسه- بأن يكون قيمته في حد نفسه أزيد من الثمن- و أن يكون من جهة لزوم ضرر علي المغبون من أجل المعاملة و ان كانت بثمن المثل، كما لو فرض أن له أمة تسوي عشرة توامين و لها ولد يسوي خمسين فباع الامة بدون الولد بعشرين و فرض أن الولد يموت بالتفريق بينه و بين أمه، فهذا البيع يوجب الضرر علي البائع و ان كان بيعه بأزيد من ثمن المثل، فكأنه باع ما يسوي ستين بعشرين. و المشتري مغبون من جهة أنه اشتري ما يسوي عشرة بعشرين، فكل منها مغبون من وجه.

و يرد عليه: ان الامور الشخصية ليست مناطا للأحكام، و الميزان في الغبن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 206

قوله: مسألة ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار أو كاشف عقلي عن ثبوته حين العقد (1).

و عدمه القيمة السوقية في حد نفسها، و الا يلزم بأنه لو باع أحد ورقة فيها خط أبيه يسوي عنده الف دينار بدينارين كون البائع مغبونا و الحال أنه لا يسوي الورقة الا دينارا واحدا. و هوي كما تري، و هو كما لو باع أحد مصرعي الباب ثلاثة دراهم مع أنه يسوي درهمين منفردا و ستة دراهم منضما، فان البائع و المشتري كلاهما مغبونان، اما البائع فلان ما باعه منضما يسوي أزيد مما باعه، و أما المشتري فلان ما اشتراه لا يسوي منفردا ثلاثة دراهم. و ظهر مما ذكرنا أن ما توهم في المقام من كون كليهما مغبونين غير صحيح.

[مسألة ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار أو كاشف عقلي عن ثبوته حين العقد]
اشارة

أقول: ان في المسألة جهات من البحث:

(الجهة الأولي) أن الخيار ثابت من أول الأمر أو يحدث عند ظهور الغبن،

فان المدرك للخيار لو كان دليل الاشتراط فالامر واضح، فان الاشتراط الضمني يقتضي الخيار فهو ثابت من أول الامر، اذ المفروض عدم التساوي، و لو كان المدرك دليل نفي الضرر فانه أيضا ثابت بنفس العقد، و الظهور لا دخل له في ذلك.

ان قلت: ان الضرر في المقام ناش من جهل المكلف بالغبن، و لا يرفعه الدليل لعدم كونه ناشئا من الحكم الشرعي.

قلت: يمكن أن يورد عليه نقضا و حلا:

أما النقض فبما اذا كان المكلف عالما بالموضوع بأن يعلم أن الغبن محقق هنا و لكن يكون جاهلا بالحكم و هو حكم الشارع بالخيار، فهل يلتزم الخصم بعدم الخيار كلا.

و أما الحل فلا شبهة في أن الحكم بلزوم العقد في المقام حكم ضرري، و هو

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 207

منفي في الشريعة نعم لو كان مدرك الخيار الاجماع لكان لهذا التفصيل مجال، فان القدر المتيقن منه صورة ظهور الغبن و كذا لو كان المدرك ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله في حديث تلقي الركبان انهم بالخيار اذا دخلوا السوق، حيث يفهم من الرواية أن دخول السوق دخيل في حدوث الخيار، و ان كان المجال واسعا لان يقال: ان الدخول في السوق لا موضوعية له في ثبوت الخيار، بل انه من باب أن اعمال الخيار- و هو السلطنة الفعلية بالامضاء أو الفسخ- لا يمكن الا بعد دخول السوق و العلم بالغبن، و لا ينافي ذلك ثبوت الخيار عنه و حصول الغبن حين العقد. و الذي يهون الخطب أن المدرك علي المسلك الحق هو الاشتراط فلاحظ.

(الجهة الثانية) ان الخيار هو السلطنة الفعلية علي الفسخ أو أن الخيار يفارقها؟

ربما يقال: بان الخيار ليس عين السلطنة، و الشاهد لهذا المدعي أنه يمكن أن يكون له الخيار و لا

يكون له اعماله، كما اذا اشترط عدم اعماله فيكون حق الخيار غير السلطنة علي الامضاء و الفسخ.

و لكن الحق أن هذا الحق ليس الا السلطنة الفعلية علي الفسخ، غاية الامر ربما لا يجوز له اعمال السلطنة بلحاظ الشرط، فانه لا دليل علي التعدد و لا مقتضي له.

(الجهة الثالثة) أنه علي تقدير تسليم أنهما حقان مستقلان يقع البحث في أن السلطة علي الفسخ أيضا

كالخيار المصطلح يتحقق من حين العقد أو بعد ظهور الغبن الحق هو الاول، أعم من أن يكون الخيار عين السلطنة أو غيرها، أما علي الاول فواضح و أما علي الثاني فلان مقتضي الاشتراط ثبوت حق الاعمال من حين العقد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 208

قوله: مسألة يسقط هذا الخيار بامور (1).

(الجهة الرابعة) أفاد المصنف ان الآثار المجعولة للخيار بين ما يترتب علي تلك السلطنة الفعلية كالسقوط بالتصرف،

فانه لا يكون الا بعد ظهور الغبن فلا يسقط قبله كما سيجي ء. و منه التلف، فان الظاهر أنه قبل ظهور الغبن من المغبون اتفاقا لو قلنا بعموم قاعدة كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له لمثل خيار الغبن، و بين ما يترتب علي ذلك الحق الواقعي كإسقاطه بعد العقد قبل ظهوره، و بين ما يتردد بين الامرين كالتصرفات الناقلة.

أقول: انه لا مجال لهذا البحث علي ما ذكرنا من ترتب الآثار من أول الامر، و أما علي المسلك الاخر فالآثار كلها مترتبة علي الوجود الواقعي.

و عدم القول بكون التصرف مسقطا لا ينافي ما ذكرناه، اذ كون التصرف مسقطا ان كان من باب أن الرضا دال علي الاسقاط فعدمه قبل الظهور من باب عدم دلالته علي الاسقاط، و ان كان من باب التعبد الشرعي فلا بد من الالتزام به سواء ظهر الغبن أم لا.

و أما التصرفات الناقلة التي يتردد بين الامرين عنده فعلي القول بالمنع عنها تكون ممنوعة في المقام أيضا، الا أن يقال: بأن الخيار لا يتحقق الا بعد ظهور الغبن، و أما من يلتزم بثبوت الخيار من أول الامر و مع ذلك يلتزم بنفوذ التصرف فكلامه لا يكون حجة فلا حجة للتردد.

و أما حكمهم بأن التلف قبل ظهور الغبن من المغبون يمكن أن يكون من باب عدم ثبوت الخيار قبل الظهور، و

يمكن أن يكون من باب عدم شمول قاعدة أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له للمقام.

[مسقطات خيار الغبن]
[الأول من المسقطات إسقاطه بعد العقد]

اقول: ان خيار الغبن يسقط بمسقطات المسقط الاول اسقاطه بعد العقد،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 209

و هو قد يكون بعد العلم بالغبن، فلا اشكال في صحة اسقاطه بلا عوض مع العلم بمرتبة الغبن و لا مع الجهل بها اذا أسقط الغبن المسبب عن أي مرتبة كان فاحشا أو أفحش.

و لو أسقطه بزعم كون التفاوت عشرة فظهر مائة هل يسقط الغبن أم لا؟ فتردد الشيخ في المقام و قال: في السقوط و جهان من عدم طيب نفسه لسقوط هذا المقدار من الحق كما لو سقط حق عرض بزعم أنه شتم لا يبلغ القذف فتبين كونه قذفا، و من أن الخيار أمر واحد مسبب عن مطلق التفاوت الذي لا يتسامح به و لا تعدد فيه فيسقط بمجرد الاسقاط.

أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله بأن المدرك لو كان حديث نفي الضرر فلا بد أن يلتزم بوجود حق واحد بأن الشارع حكم بجواز البيع عند الضرر، و عليه فاذا أسقط خياره يسقط ذلك بلا فرق بين الفاحش و الافحش.

و أما لو كان المدرك دليل الاشتراط فيكون الحق منحلا في كل مرتبة من الغبن، فاذا اسقط الخيار في رتبة لا يوجب سقوط الخيار في رتبة اخري بل هو موجود في تلك المرتبة لتحقق الاشتراط الارتكازي فيها، ففي هذه الصورة يكون المقام نظير اسقاط حق العرض في عدم سقوط حقه فيما اذا أسقط بزعم أنه شتم لا يبلغ القذف فتبين كونه قذفا.

و لا يكون الاسقاط بنحو التعليق، كي يقال بأن التعليق يوجب البطلان و الاطلاق يقتضي السقوط مطلقا، اذ يمكن أن يسقط الخيار

من الناحية الخاصة، فلا يكون تعليقا كما لا يكون مطلقا.

أقول: ان المدرك للخيار لو كان دليل نفي الضرر فلا طريق لنا الي أن نقول: ان ما ثبت بهذا الدليل خيار حقي قابل للإسقاط، لاحتمال أنه يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 210

خيارا حكميا لا يكون قابلا له. و بعبارة أخري: لو كان الدليل قاعدة نفي الضرر فما الدليل علي كون أمر الخيار بيد من له الخيار، و أما لو كان المدرك دليل الاشتراط فلا يمكن الالتزام بكون الخيار متعددا و الا يلزم اجتماع خمسين خيارا في مورد واحد، و هو كما تري. و الحاصل انا لا نسلم أن يكون حق الخيار انحلاليا، بل انه حق واحد عند عدم تساوي العوضين، بلا فرق بين كون المدرك قاعدة نفي الضرر و بين كونه دليل الاشتراط، و المسقط للخيار تارة يسقطه بنحو الاطلاق فيسقط مطلقا و أخري يعلق الاسقاط علي كون الغبن في مرتبه خاصة.

و لا يرد اشكال التعليق، لان شمول دليل المنع- و هو الاجماع- ممنوع.

و ان أبيت عن ذلك فنقول: له أن يسقط ذلك علي نحو التوصيف، بأن يقول «اسقطت خياري الذي يكون ناشئا من الغبن الفاحش» مثلا، أو المرتبة الكذائية، فعلي تقدير عدم المطابقة لا وجه للسقوط لعدم الاسقاط فرضا.

و الحق أنه لا فرق بين حق الخيار و حق العرض و ان كان له مراتب متعددة لكن الوجود في الخارج واحد، فيجري فيه ما جري في حق الخيار، بلا تفاوت بأنه يمكن اسقاطه بنحو التعليق، كما أنه يمكن اسقاطه بالعنوان المشير التوصيفي.

نعم لو تعدد في الخارج يمكن اسقاط بعض أفراده و ابقاء بعضه الاخر.

ثم قال الشيخ: و أما الاسقاط بعوض بمعني المصالحة عنه به فلا

اشكال فيه مع العلم بمرتبة الغبن أو التصريح بعموم المراتب، و لو أطلق و كان للإطلاق منصرف- كما لو صالح عن الغبن المحقق في المتاع المشتري بعشرين بدرهم- فان المتعارف من الغبن المحتمل في مثل هذه المعاملة هو كون التفاوت أربعة أو خمسة في العشرين فيصالح عن هذا المحتمل بدرهم، فلو ظهر كون التفاوت ثمانية عشر و ان المبيع يسوي درهمين ففي بطلان الصلح لأنه لم يقع علي الحق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 211

الموجود أو صحته مع لزومه لما ذكرنا من أن الخيار حق واحد له سبب واحد و هو التفاوت الذي له أفراد متعددة فاذا اسقطه سقط أو صحته متزلزلا لان الخيار الذي صالح عنه باعتقاد أن عوضه المتعارف درهم تبين كونه مما يبذل في مقابله أزيد من الدرهم، ضرورة أنه كلما كان التفاوت المحتمل أزيد يبذل في مقابله أزيد مما يبذل في مقابله لو كان أقل فيحصل الغبن في المصالحة، اذ لا فرق في الغبن بين كونه للجهل بمقدار ماليته مع العلم بعينه و بين كونه لأجل الجهل بعينه، وجوه.

أقول: ان أقوي الوجوه هو ما اختاره المصنف من صحة الصلح متزلزلا.

لا يقال: ان المصالحة مبنية علي المسامحة و المغابنة، فلا معني للغبن فيه بالنسبة الي من لا يعلم.

لأنه يقال: ان المصالحة علي قسمين: قسم منها يبتني علي المسامحة و الامر فيه كما تقول، و قسم منها لا يبتني علي ذلك بل هي قنطرة لأخذ الحق كما اذا لا يمكن أخذه الا بهذا العنوان فهي لا تبتني علي المسامحة.

و أما الاشكال بأنه عالم بالغبن و معه كيف يتحقق الخيار. فمدفوع، اذ يمكن العلم بأصل الغبن مع الجهل بمرتبته.

و أما الاسقاط قبل ظهور الغبن

و قبل العلم به، فأفاد المصنف فالظاهر أيضا جوازه. و يمكن أن يورد عليه بوجوه:

(الاول) انه لا يكون جازما بوقوع الاسقاط منه لاحتمال عدم موضوع له.

و بعبارة أخري: انه لا يكون عالما بمتعلق الاسقاط فلا يكون جازما بالنية.

و يرد عليه: أولا بأن العلم بالمتعلق لا يكون شرطا في الاسقاط الجزمي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 212

بل له أن يسقط جزما، الا أنه في صورة عدم الغبن في الواقع يكون الاسقاط لغوا.

و ثانيا- يمكن اسقاطه بنحو التعليق، فانه لا يشترط الجزم في النية و هو لا يكون باطلا عقلا. و الدليل الشرعي لا يشمل مثل المقام، مضافا الي أنه تعليق علي ما يتوقف صحة الانشاء عليه و مثل هذا التعليق غير باطل، كما لو علق البيع علي كون المبيع ملكا له. هذا علي تقدير كون الخيار ثابتا بمجرد العقد، و أما علي القول بحدوثه بعد ظهور الغبن فيشكل بأنه اسقاط لما لم يجب.

و أجاب عنه الشيخ بأنه يكفي في ذلك تحقق السبب المقتضي للخيار، و هو الغبن الواقعي و ان لم يعلم به، و هذا كاف في جواز اسقاط المسبب قبل حصول شرطه و قاس المقام بعدة موارد، كإبراء المالك الودعي المفرط عن الضمان، و كبراءة البائع من العيوب الراجعة الي اسقاط الحق المسبب عن وجودها قبل العلم بها، و كطلاق مشكوك الزوجية و اعتاق مشكوك الرقية منجزا أو الابراء عما احتمل الاشتغال به، و البراءة عن العيوب المحتملة في المبيع، و ضمان درك المبيع عند ظهوره مستحقا للغير.

و فيه: انه ليس في الامور الشرعية أسباب و مسببات، بل ليس الا الحكم و الموضوع، مضافا الي أنه لو تم الاشكال لا يمكن ذبه بهذا البيان. و

أما قياس المقام بالمذكورات فمحل اشكال، فان التزويج معلق علي الزوجية، فعلي تقدير كونها زوجة يتحقق الطلاق، كما أن العتق يتحقق علي تقدير الرقية. نعم لو طلق المرأة بشرط تحقق الزوجية في المستقبل يكون نظير المقام. و أما التبري من عيوب المبيع فمرجعه الي اسقاط الشرط و رفع اليد عن شرط الخيار، و لا يرتبط بما نحن فيه.

و أما الابراء الودعي فهو أول الكلام، فانه لو قلنا بأن الضمان يتحقق بنفس

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 213

التفريط، فلا يقاس بالمقام، و لو قلنا بأن الضمان من أحكام التلف مع التفريط فاسقاطه قبل التلف مشكل. و أيضا البراءة من درك المبيع، فان الالتزام بالصحة و تطبيق القواعد عليها مشكل. فلاحظ.

و أما ما أفاده قدس سره من كفاية تحقق السبب فلا يرجع الي محصل، اذ فيه: أولا أنه ليس في الاحكام الشرعية الا الموضوع و الحكم، و أما المقتضي و السبب و الشرط فكلها مما لا يرجع الي محصل. و ثانيا لو كان محذور في تعلق الانشاء بما لا وجود له فلا يرتفع بهذا الجواب، فالاحسن في الجواب أن يقال:

ان اسقاط ما لا يجب لا محذور فيه، فان ما فيه المحذور أن يسقط ما لا يكون ثابتا، و أما سقوطه بعد ثبوته فلا مانع فيه.

مضافا الي أنه يمكن أن يقال: بأن الاسقاط متعلق بالشرط الموجود حاليا بأن يسقط الشارع حقه من ناحية شرطه فيسقط حقه الشرطي، و هو أمر فعلي لا استقبالي.

هذا و أما لو تنزلنا عن هذا الجواب و قلنا بعدم ثبوت الخيار الا بعد ظهور الغبن و العلم، فالظاهر أنه لا مفر عن الاشكال الرابع، فان اثبات جواز اسقاط حق يتحقق في المستقبل من الان

مشكل الا أن تصل النوبة الي الاستصحاب فيسقط بالمعارضة و يرجع الي عموم وجوب الوفاء. فلاحظ.

ثم ان الشيخ قدس سره ذكر أنه يشكل الامر في الصلح، حيث أنه في فرض عدم الخيار لا يكون عوض. و دفع الاشكال بأنه يضم اليه شي ء، و ما أفاده غريب فان ضم شي ء الي المجهول علي خلاف القاعدة و في مسألة الآبق مع الضميمة مورد النص، فالاولي أن يقال: انه لو كان المدرك للخيار الاشتراط فهو أمر فعلي.

نعم علي تقدير كون المدرك قاعدة لا ضرر يشكل الامر، لكن مجرد الاحتمال

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 214

قوله: الثاني من المسقطات اشتراط سقوط الخيار في متن العقد (1).

كاف بأن يصالح عن الحق الاحتمالي فان العوض مقابل المحتمل بما انه محتمل.

ثم ان السيد أفاد بأن المضر عدم وجوده في الواقع لا الجهل بوجوده، فما دام يكون الجهل موجودا يحكم بالصحة. و هذا غير سديد، لأنه بالاصل يحرز عدمه، فالحق أن يقال: ان يجعل في مقابل المحتمل أو يجعل شي ء آخر و يشترط في ضمنه اسقاط الخيار علي تقدير وجوده.

[الثاني من المسقطات اشتراط سقوط الخيار في متن العقد]

أقول: يقع الكلام فيه من الجهات المشتركة بين المقام و ما تقدم من الخيارات الكلام هو الكلام و لا وجه للإعادة، و انما الاشكال الخاص الذي صار محلا للكلام بين الاعلام لزوم الغرر من اشتراط السقوط في هذا الخيار و خيار الرؤية.

أما الكلام في خيار الرؤية فالاولي ترك التعرض له في المقام و بيان الحق بنحو وافي في تلك المسألة، و انما المناسب للتعرض في المقام ما يرجع الي اشتراط سقوط خيار الغبن.

قال في الدروس في هذا المقام ما لفظه: و لو اشترطا رفعه أو رفع خيار الرؤية فالظاهر بطلان العقد للغرر. ثم

احتمل الصحة في خيار الغبن سهولة رفع الغرر. و جزم السيمري في غاية المرام ببطلان العقد و الشرط، و تردد المحقق الثاني الا أنه استظهر الصحة.

أقول: أما ما أفاده الشهيد قدس سره بأن الغرر في الغبن سهل الازالة، لعله ناظر الي أنه يرتفع بدفع الغرامة.

و يرد فيه: ان الغرر بوجوده يفسد العقد، و ارتفاعه بعد العقد فضلا عن قبوله للارتفاع لا يكون مصلحا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 215

و أما وجه ما أفاده من الاشكال فيمكن تقريبه بأن يقال: ان كون الجهل بالصفات موجبا للغرر اما لأجل كونه جهلا بالصفات بما هو جهل بها و اما لأجل كونه موجبا للجهل بالمالية، و الاول باطل و الا يلزم أن يكون الجهل بالصفات غير الدخيلة موجبا له و الحال أن الامر ليس كذلك، فتعين الثاني، و لازمه بطلان البيع في المقام.

و أورد فيه: بأن لازم هذا الكلام كون البيع فاسدا لا خياريا، اذ الخيار لا يكون مصححا و الا يلزم تصحيح كل بيع غرري بالخيار كبيع مجهول الوجود أو المتعذر تسليمه. فالحق أن يقال: ان الغرر المنهي في البيع بلحاظ المتعلق و المتعلق عبارة عن المبيع و الثمن، فبجهالة أحدهما يكون البيع غرريا، فلو جهل المبيع في ذاته- كما لو تردد بين الحمار و الفرش- يكون باطلا، كما أنه لو جهل وصفه الدخيل في المالية يكون غررا و باطلا و أما لو جهل وصفه غير الدخيل لا يكون باطلا. و أيضا لو علم الوصف و الجهل تعلق بالقيمة لا يكون باطلا، لان اتصاف البيع بالغرر بلحاظه يكون بواسطتين و بعيد عنه بهما، و مع امكان الحمل بواسطة واحدة لا وجه لإسراء الحكم اليه.

هذا غاية ما يمكن أن

يقال في المقام، و لكن الظاهر فساده، فانه وجه ذوقي و لا تنطبق عليه الصناعة، بل الحق أن الميزان في البطلان صدق الغرر بأي وجه كان، و من الظاهر صدقه مع الجهل بالقيمة و لو مع العلم بالصفات، و الميزان اطلاق الدليل.

و أما ما أفيد من أن الخيار لا يرفع الغرر الاعلي نحو الدور، ففيه ان الغرر يرتفع بنفس الشرط، فارتفاع الغرر متوقف علي شرط الخيار و الصحة الشرعية تتوقف علي عدم الغرر، فلا دور كما ذكرنا سابقا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 216

قوله: الثالث تصرف المغبون بأحد التصرفات المسقطة للخيارات المتقدمة بعد علمه بالغبن (1).

و أما النقض بمورد بيع مجهول العين أو المتعذر تسليمه، فان كان الاشكال منحصرا بالغرر يمكن دفعه بما ذكر و لا نبالي من الالتزام في كل مورد يكون كذلك. فالمتحصل ان اشتراط سقوط الخيار مع احتمال الغبن يكون مضرا لأوله الي الغرر، لكن الكلام في مدرك بطلان الغرر، و قد مر منا ما فيه من الاشكال، و علي فرض تمامية الاجماع علي البطلان فاللازم الاقتصار علي القدر المتيقن.

[الثالث من المسقطات تصرف المغبون بأحد التصرفات المسقطة للخيارات المتقدمة بعد علمه بالغبن]

أقول: لا كلام في سقوط الخيار بالتصرف الكاشف عن الرضا و الدال علي الاسقاط، كما أنه لا اشكال في عدم سقوطه لو لم يكن التصرف دالا و كان قبل العلم بالغبن، انما الكلام في التصرف غير الدال علي الاسقاط الواقع بعد الاطلاع علي الغبن.

ربما يقال: بأنه مسقط اما بلحاظ الاجماع و اما بلحاظ عمومية العلة المستفادة مما ورد في خيار الحيوان، و كلا التقريبين فاسد كما مر تفصيله في خيار المجلس.

و ربما يقال: بقصور المقتضي للخيار، لان مدرك للخيار اما الاجماع و اما قاعدة لا ضرر: أما الاول فقاصر من حيث الشمول،

و أما الثاني فكما لا يشمل مورد الاقدام علي المعاملة المتضمنة للغرر كذلك لا يشمل المعاملة الضررية التي التزم المغبون بها، فلا دليل علي الخيار بقاء.

و فيه: ان المدرك هو الاشتراط في ضمن العقد، مضافا الي انه لو كان المدرك قاعدة نفي الضرر فلا وجه لما أفيد، فان المفروض أن الضرر تحقق و الخيار وجد علي طبق القاعدة، فما دام لم يسقط بالاسقاط لا وجه لسقوطه بل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 217

قوله: الرابع من المسقطات تصرف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن تصرفا مخرجا عن الملك علي وجه اللزوم كالبيع و العتق (1).

هو باق كما في نظائره. و ان شئت قلت: الخيار حصل بتحقق الغبن، و لا وجه لسقوطه ما دام لم يسقطه من له الخيار.

[الرابع من المسقطات تصرف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن تصرفا مخرجا عن الملك علي وجه اللزوم]

أقول: المسقط الرابع تصرف المغبون قبل العلم بالغبن تصرفا مخرجا عن الملك علي وجه اللزوم كالبيع و العتق، فان المصرح به في كلام المحقق و من تأخر عنه السقوط علي حسب نقل المصنف، و أيضا قال: قيل انه المشهور، و هو كذلك عند المتأخرين- انتهي.

و ما يمكن أن يقال في وجهه أمور:

منها- الاجماع علي ما يظهر من بعض الكلمات، فانه نقل عن الشهيد قدس سره أنه قال: ان الحكم بعدم السقوط حسن ان لم يكن الحكم اجماعيا.

و فيه: ان تحققه أول الكلام، قال المصنف: و الظاهر عدمه، و علي فرض تحققه لا اعتبار بهذه الاجماعات كما منا مرارا عديدة.

و منها- ان المدرك لهذا الخيار قاعدة نفي الضرر و الاقدام بالتصرف التزام بالضرر.

و فيه: ان الاقدام قبل العلم بالغبن ليس اقداما بالضرر، و اخراج العين عن الملك بالبيع و شبهه ليس دليلا علي الاسقاط حتي مع العلم بالغبن، مضافا الي

أن دليل الخيار عندنا ليس قاعدة الضرر بل الدليل الاشتراط الضمني.

و منها- ان ضرر المغبون معارض بضرر الغابن بقبوله البدل.

و فيه: أولا انه يمكن رد العين بنفسها فيما يكون ممكنا، فالدليل أخص من المدعي. و ثانيا لا ضرر علي الغابن، فانه علي تقدير المثلية فواضح و علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 218

تقدير القيمية فأيضا كذلك، لأنه باختياره عرضه للنقل فمقصوده أخذ قيمته، و بعبارة أخري: لا ضرر عليه، و علي فرض تحققه ببعض الفروض يكون الحكم مختصا بذلك المورد. أضف الي ذلك أنه بعد التعارض يثبت الخيار باشتراطه في ضمن العقد.

و أما ما في كلام السيد من التمسك باستصحاب الخيار، فمردود بأن المرجع دليل اللزوم لا استصحاب الخيار.

و منها- أنه لا يمكن تحقق التراد مع نقله عن الملك. و فيه: أنه يمكن تحققه في بعض الاحيان، و ثانيا ان الموضوع للخيار هو العقد لا العين، فالحق أنه لا وجه و لا مقتضي لسقوط الخيار.

ثم ان الشيخ قدس سره ذكر في المقام فروعا، و لا يخفي أنه علي ما ذكر يكون مقتضي القاعدة بقاء الخيار في جميعها و ربما يختلف الحكم علي المسلك الاخر. و كيف كان نتعرض للفروع تبعا للشيخ:

(الاول) انه لا فرق بين البائع و المشتري، فان قلنا بعدم السقوط كما قلنا فلا فرق بين أن يكون المغبون هو البائع أو المشتري، كما أن الظاهر أنه لا فرق بينهما علي مقالة المشهور.

(الثاني) انه لا فرق علي المسلكين بين النقل اللازم و بين فك الملك كالعتق و الوقف و بين أن تكون النتيجة كذلك كالاستيلاد، بل و يلحق به تلف العين، فانه لا فرق بين هذه الفروض من حيث الحكم. نعم ربما يقال: بأن

مدرك المشهور لو كان هو الاجماع فلا بد من الاقتصار علي المتيقن منه.

(الثالث) انه هل يكون فرق بين النقل الجائز و اللازم أم لا؟ يظهر من المصنف الفرق و انه لا يسقط الرد بالأول لا مكان التدارك. و لا يخفي أنه لا يفرق علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 219

ما سلكناه، و أما علي تقدير كون المدرك هو الاجماع يمكن الفرق، و أما علي تقدير كون المدرك قاعدة نفي الضرر فيمكن الاشكال في الفرق بأنه لو فسخ فاما يجب فسخ العقد الجائز فنقول بوجوبه فيما نقل بالناقل اللازم باشترائه اذا كان ممكنا و ان لم يكن واجبا فما الفارق.

و ان قيل: بأن الفسخ بنفسه يفسخ العقد الواقع. نقول: بمثله فيما كان الواقع لازما أيضا بلا فرق.

(الرابع) هل تلحق الاجارة بالبيع في هذا الحكم أم لا، أما علي المسلك المنصور فالامر واضح و لا مقتضي للسقوط في البيع فكيف بالاجارة، و أما علي القول بالسقوط فلا بد من ملاحظة المدرك، فان كان المدرك الاجماع فلا بد من الاقتصار علي القدر المعلوم، و ان كان مقتضي المدرك في الوصول عدم وصول العين إلي مالكها فالمدرك في الاجارة موجود.

(الخامس) علي فرض سقوط الخيار بالاجارة لو لم يعلم بالغبن الا بعد انقضاء الاجارة هل الخيار ساقط أيضا أم لا؟ أفاد الشيخ بأنه توجه الرد، و أيضا قال بأنه متوجه الرد لو لم يتوجه الي الغبن الا بعد انفساخ البيع.

و يرد عليه: ان المانع عن الرد ان كان الانتقال عن ملك المشتري و المغبون فلا فرق بين انحائه، و ان كان المانع أن العين لا تصل الي الغابن فلا بد من الحكم بالصحة حتي لو علم بالغبن قبل التصرف أو

بعده لكن قبل انقضاء مدة الاجارة أو قبل انفساخ البيع.

(السادس) انه لو امتزجت العين بغيرها بحيث تحصل الشركة فهل يسقط الخيار أم لا؟ لو قلنا بأن الحادث المانع عن رد العين يوجب السقوط لا بد من الالتزام بسقوطه كما هو ظاهر، و لذا نقول بالسقوط لو تغيرت بالنقصان،

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 220

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 220

و أما لو تغيرت بالزيادة فاما تكون الزيادة عينية أو تكون حكمية أو تكون من جهتين. اختار الشيخ السقوط في الاول و الاخير، و اختار عدم السقوط في الوسط، لعدم امكان الرد في الاول و الاخير لحصول الشركة علي القول بها و امكان الرد في الوسط، و قال بعد ذلك: فتأمل.

و يمكن أن يكون نظره في الامر بالتأمل الي أن الزيادة الحكمية اذا كانت بلحاظ زيادة وصف في العين كالصبغ تكون الشركة حاصلة و تكون مانعة من الرد كما سيجي ء عنه قدس سره في التصرف الصادر من الغابن.

هذا كله في تصرف المغبون، و أما لو تصرف الغابن بالتصرف الناقل اللازم فأفاد المصنف بأنه لا وجه لسقوط خيار المغبون.

و يمكن أن يقال: انه لو كان المدرك للخيار الاشتراط الضمني فالامر ظاهر و لا وجه للسقوط، كما أن مدرك السقوط لو كان هو الاقدام أو الاجماع يكون السقوط بلا وجه، و أما لو كان المدرك للسقوط تصرف الغابن كما مر يقع التزاحم بين الضررين، فانه لو لم يكن له الخيار يتضرر بواسطة الغبن، و لو كان له الخيار يتضرر بأن ماله لا يرجع اليه، فالقاعدة ساقطة و يرجع الي

استصحاب الخيار.

و فيه: أولا يمكن أن يكون تصرف الغابن قبل الظهور فلا خيار حتي يستصحب، و ثانيا المرجع دليل اللزوم لا استصحاب الخيار، و أما في أصل التزاحم فان كان الضرر المتوجه من اللزوم اذا كان أشد و اكثر بحيث تكون زيادته موضوعة لشمول القاعدة فالحق تقدير الخيار، لان المفروض أن الحكم باللزوم ضرري فلو فسخ المغبون و وجد العين خارجة عن ملك الغابن بالبيع أو مثله من النواقل فتارة يقع البحث في أن تصرف الغابن باطل من أول الامر بلحاظ كون المتعلق متعلق حق الغير و أخري يكون صحيحا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 221

و تحقيق هذا البحث راجع الي أحكام الخيار، و في المقام نبحث بناء علي كون تصرفه صحيحا فتارة نقول: بأن المغبون بعد اعمال الغير له أن يفسخ العقد و أخري نقول بأن فسخه يبطل تصرف الغابن من حينه أو من أصله، أما علي القول بعدم الابطال فلا وجه للقول بأن له ابطاله، اذ لازم الفسخ ان كان تلك العين ان كانت موجودة و بدلها ان لم تكن فالامر ظاهر، و ان كان الفسخ متوقفا علي رد العين و الا يكون الخيار بلا موضوع فلا خيار فلا فسخ و ان كان موجودا مطلقا، و لازمه انتقال العين الي ملك الفاسخ مطلقا، فاللازم انفساخ العقد الصادر من الغابن بنفسه- أي بفسخ المغبون- يبطل العقد الصادر من الغابن بلا اعمال شي ء من قبل المغبون.

و ملخص الكلام انه لو فسخ المغبون فوجد العين قد انتقلت بالنقل باللازم كالعتق و الوقف و البيع اللازم، فتارة يقال بأن له ابطال العقد من أصله، و أخري يقال بأن له ابطاله من حينه، و ثالثة يقال بأن له

الرجوع الي البدل، و رابعة يقال بأن فسخه يوجب بطلان ما صدر من الغابن من أصله أو من حينه.

فنقول: لا وجه للإبطال لا من الاصل و لا من الحين، اذ ما صدر من الغابن ان كان تاما و لا يتوقف علي شي ء و أمر صدر من أهله و وقع في محله فلا مقتضي لجواز ابطاله لا من أصله و لا من حين الفسخ، و ان كان مشروطا و متوقفا علي أمر فلازمه عدم تحققه. و بعد فرض تحققه و الالتزام ببقاء الخيار للمغبون فاما يكون لازم الفسخ رجوع العين الي الفاسخ علي فرض بقائها و رجوع بدلها علي فرض عدم بقائها فلازم الفسخ رجوع البدل اليه و ان كان لازم الخيار رجوع العين الي الفاسخ أين ما كانت فلازمه انفساخ العقد قبل الفسخ آنا ما كي يتلقي الفاسخ العين من المفسوخ عليه، فعلي كل حال لا تصل النوبة الي ابطال الفاسخ

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 222

العقد الصادر من الغابن.

ان قلت: انه لا يستحق شيئا حتي يفسخ المعاملة الثانية.

قلت: أولا هذه الدعوي بلا دليل و غير منطبقة علي مستند، و ثانيا يلزم الجمع بين العوض و المعوض في فترة الفسخ، و ثالثا لو جاز عدم استحقاقه شيئا في فترة الفسخ لجاز عدم استحقاقه الي الابد. و أما وجه بطلان ما صدر من الغابن من أصله هو أنه تصرف في متعلق حق المغبون، كما لو تصرف الراهن في متعلق حق الرهانة فان ما صدر منه يتوقف علي اجازة من له الحق و بدون اجازته لا يصح.

و فيه: ان حق الخيار متعلق بالعقد لا بالعين، فلا مانع من تصرف الغابن.

و بعبارة أخري: الخيار من أحكام العقد لا

من أحكام العين، و أما وجه بطلانه من حينه أن حق الخيار يتحقق بعد ظهور الغبن فالدليل أخص من المدعي.

و ثالثا- ان أصل المبني فاسد كما مر.

و أما الوجه للقول الثالث فهو أنه لا وجه لتزلزل العقد الصادر من الغابن أما علي القول بأنه لا يتحقق الخيار الا بعد ظهور الغبن فالتصرفات الواقعة تامة و لا وجه للنقاش فيها، و أما علي القول المنصور فأيضا الامر كذلك، فانه لا وجه لتزلزله كما سيجي ء في أحكام الخيار، فان التصرف من غير ذي الخيار في زمان خيار غير المتصرف صحيح لازم.

ثم ان الشيخ أفاد بأنه يمكن أن نلتزم ببطلان الاستيلاد بالفسخ و لو لم نقل ببطلانه بالبيع لسبق حق الخيار علي الاستيلاد.

و فيه: انه لا فرق من هذه الجهة، فان حق الخيار اذا كان متعلقا بالعين يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 223

مانعا من الصحة في الجميع، و ان كان متعلقا بالعقد لا يكون مانعا مطلقا فلا وجه للتفصيل. مضافا الي أنه لو كان وجه للتفصيل بين قبل الظهور و بعده لكان ذلك التفصيل متوجها في المقام أيضا.

ثم الظاهر عدم الفرق بين أن يكون النقل جائزا و بين كونه لازما، فان التصرف لو كان صحيحا من الغابن فلا وجه لبطلانه و لو كان جائزا و ان لم يكن صحيحا فلا فارق و جواز الفسخ من نفس الغابن أو من طرفه أو من كليهما لاستلزام جوازه من الاجنبي، و المفروض أن المغبون أجنبي بالنسبة الي تملك المعاملة فلا تغفل.

ثم ينقل عن الشهيد في المسالك بأنه ان كان الناقل مما يجوز ابطاله يجبر علي ابطاله و ان لم يبطل ابطله الحاكم و ان لم يمكن أبطله بنفسه. ثم أورد

فيه: بأنه لا وجه لما أفاده، لان بالفسخ اما يدخل نفس العين في ملك الفاسخ و اما يدخل بدله، فعلي الاول لا يبقي موضوع للفسخ و علي الثاني فلا وجه للعدول الي غيره.

ثم وجه كلام الشهيد بأنه يمكن أن يكون دخول العوض من باب الحيلولة.

ثم أورد عليه: بأن الحيلولة انما تكون فيما يكون نفس التالف باقيا في ملك المغبون، و أما مع عدم بقائه في ملكه فلا موضوع لبدل الحيلولة- انتهي.

و يمكن أن يقال: بأن أثر الفسخ اعتبار نفس العين في ذمة المفسوخ عليه حتي في مورد التلف الحقيقي، اذ لو لاه لم يكن الفسخ فسخا. و الحاصل انه يعتبر التالف و الناقل بنفسه في ذمة الطرف و يجب عليه دفعه ما دام ممكنا و لم يكن ضررا و حرجا علي مسلك القوم، و لم يكن حرجا علي مسلكنا حيث أنكرنا دلالة حديث لا ضرر علي نفي الحكم الضرري في الشريعة. و علي هذا البيان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 224

تم ما أفاده الشهيد.

ثم أفاد الشيخ بأنه علي تقدير عدم وجوب فسخ العقد الجائز من قبل الغابن لو فسخ بطبعه و عاد العين اليه، فاما يكون بعد أخذ المغبون البدل و اما يكون قبله، أما علي الاول فلا وجه لدفعها الي المغبون، لان المفروض أنه أخذ البدل و علي الثاني يجب دفعها.

ثم قال: هذا فيما اذا كان بالفسخ، و أما كان العود بملك جديد فالاقوي عدم وجوب ردها مطلقا، لأنه ملك جديد تلقاه من مالكه و الفاسخ يملك بسبب ملكه السابق بعد ارتفاع السبب الناقل، فكأن الغابن بالفسخ أعاد الملكية السابقة.

و أيضا المغبون بفسخ العقد الغبني يعيد الملكية السابقة، لكن تم هذا الوجه ان كان

العود بسبب الفسخ لا بسبب مستقل، فعليه لا بد من هذا التفصيل.

و الحق أن يقال علي مسلك المصنف: انه لا بد من التفصيل بين فسخ الغابن قبل فسخ المغبون أو بعده، فان كان قبله فالحق كما أفاده علي طبق البيان، و ان كان بعده فلا وجه لانتقال العين الي المغبون، اذ المفروض أن المغبون ملك البدل لا بعنوان الحيلولة، و أما علي ما سلكناه فلا بد من الفرق بين أخذ البدل و عدمه، فانه اذا أخذ البدل فلا مجال لمطالبة العين و ان كان لم يأخذ البدل له أن يأخذ نفس العين، بلا فرق بين أن يكون الانتقال بالفسخ أو بسبب جديد و الوجه فيه ظاهر.

ثم أفاد الشيخ بأن تصرف الغابن ان كان مغيرا للعين فاما يكون بالنقيصة و اما يكون بالزيادة و اما يكون بالامتزاج، فان كان بالنقيصة فاما يوجب تغيرا في العين تغيرا يوجب الارش و اما لا يوجب الارش، فان كان يوجب الارش أخذه مع الارش كما هو مقتضي الفسخ لان الفائت مضمون بجزء من الثمن فاذا رد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 225

تمام العوض وجب رد تمام المعوض فيتدارك الفائت بالارش، و مثله ما لو تلف جزء من الثمن.

و الظاهر أن مراده من النقص الموجب للأرش هو العيب في مقابل نقصان ما لا يعد عيبا و ان كان مؤثرا في نقص القيمة.

و يمكن أن يورد عليه: بأن النقص ان كان راجعا الي الوصف أعم من أن يعد عدمه عيبا أو لم يعد لا يقابل بجزء من العوض، فاثبات وجوب رفع الارش من قبل الغابن يحتاج الي دليل، و حيث أن الوصف لا يقابل بشي ء فلا يتم ما أفاده في المتن.

و التمسك

بأن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له، مخدوش بأنه لا يطلق عليه التلف، و ثانيا ان شمول تلك القاعدة لخيار الغبن أول الكلام.

و الذي يمكن أن يقال: ان لازم الفسخ عود العين علي ما هي عليه بجميع الخصوصيات الي الفاسخ، و لا فرق فيه بين أن يكون النقص مما يوجب الارش أو لا يوجبه و كان التغيير بفعل الغابن أو بفعل غيره أو بآفة سماوية، و تحقيق هذه الجهة موكول الي باب أحكام الخيار.

ثم أفاد بأنه ان كان لا يوجبه شيئا رده بلا شي ء، و منه ما لو وجد العين مستأجرة، فان علي الفاسخ الصبر الي انقضاء المدة. و لا يجب علي المفسوخ عليه شي ء، لان المنفعة من الزوائد المتخللة المنفصلة، و هي ملك للمفسوخ عليه، لأنها تابعة للملك المطلق، فاذا تحقق ملك العين في زمان ملك المنفعة بأسرها و يحتمل انفساخ الاجارة في بقية المدة لان منفعة الملك المتزلزل متزلزل و به جزم القمي.

و فيه نظر، فانه لا وجه لتزلزله. نعم ذكر الصدر بأنه اذا وقع التفاسخ

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 226

لاختلاف المتبايعين فوجد البائع العين مستأجرة يكون للبائع علي المشتري أجرة المثل ببقية المدة، و سيجي ء ما يمكن أن يكون فارقا بين المقامين.

أقول: قد ظهر مما ذكرنا آنفا أنه لا وجه للقول بأنه لا شي ء للفاسخ علي المفسوخ عليه بالنسبة الي بقية المدة، اذ قلنا ان لازم الفسخ عود الملك الي الفاسخ علي ما هو عليه. لكن لا وجه لما ذكره القمي، فان الاجارة وقعت صحيحة، و هي عقد صحيح لازم بالضرورة، و لا وجه لانفساخها، فالصحيح هو ضمان أجرة المثل بالنسبة الي بقية المدة أو ما نقص عن العين

بلحاظ نقص تلك المدة. و لا يبعد أن يكون الامر ان متطابقين دائما، و أما الفرق الذي أفاده المصنف بين الفسخ و التفاسخ فالظاهر أنه ليس كذلك، بل لا فرق بين الامرين، و الجامع بينهما أن العقد ان انفسخ بالفسخ أو التفاسخ يلزم رجوع العين الي المالك الاول بتمام شئونه و أما لو رجع بغير انفساخ- كما انتقل اليه بالارث أو بالاشتراء- فكان مسلوب المنفعة يكون له كذلك، و الوجه فيه ظاهر.

و أما ان كان التغير بالزيادة فأفاد المصنف بأنها تكون تارة حكمية محضة كقصارة الثوب فالظاهر ثبوت الشركة فيه بنسبة تلك الزيادة، بأن يقوم العين و يؤخذ ما به التفاوت. و لا يخفي أن مراده من الشركة ان كانت الشركة في العين كما هو ظاهر العبارة فلا يمكن المساعدة عليه كما هو ظاهر، فان المفروض الزيادة الحكمية لا تقابل بالثمن، و أما الشركة في المالية فقد وقع بينهم الخلاف في ذلك، و الوجه في تحقق الشركة أحد أمرين: أحدهما انه بفعل المفسوخ عليه و لعمله احترام، ثانيهما أنه يدخل في ملكه بتبع ملك العين، فلو فسخ العقد لا وجه لخروجه عن ملكه، و كلا الوجهين مخدوش.

أما الاول فلان عمله كان في ملكه فلا مقتضي لان يكون مضمونا، و أما الثاني

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 227

فلان العين بواسطة الوصف علت قيمته و المملوك هي العين، و الوصف غير مملوك كما هو ظاهر.

مضافا الي أن الوجه الاول لا كلية له، اذ ربما يكون بفعل الغير كما أنه ربما يكون بفعل اللّه، فالدليل أخص من المدعي. فالحق أنه لا مقتضي للشركة وفاقا للأستاذ حيث أفتي في منهاجه في بحث خيار الغبن بعدم شي ء للغابن.

فلاحظ.

هذا فيما كانت

الزيادة موجبة لازدياد القيمة، و أما ما لا تكون دخيلة في زيادتها فالامر أوضح.

و أخري تكون عينية محضة كالغرس، فربما يقال: بأن المغبون مسلط علي القلع بلا شي ء عليه من الارش كما نسب الي العلامة في المختلف. و ربما يقال:

بأنه مع الارش كما اختاره الشهيد في المسالك، و ربما يقال: بأنه ليس له مطلقا كما نسب الي المشهور في بعض المقامات.

و الحق من هذه الوجوه هو الوجه الاول، فان الغرس واقعا عن حق في أول الامر لا يدل علي كون بقائه حقا، فان ابقاءه بلا رضي الاخر ظلم و لا عرق له.

و مما ذكرنا علم أن ما اختاره الشهيد- و هو الوجه الثالث- ليس علي طبق القاعدة، و لا مجال لان يقاس ببيع الارض مشغولة بالزرع مع علم المشتري به أو بيع دار المستأجرة، فانه مع علم المشتري يكون البقاء شرطا بخلاف المقام. مضافا الي أنه في الاجارة لا مقتضي لان يعارض المشتري المستأجر اذ المستأجر قد ملك المنفعة بالاجارة قبل تملك المشتري، غاية الامر أن يثبت الخيار للمشتري ان كان جاهلا بالحال، و هذا واضح لا ريب فيه.

ان قلت: قلعه للغرس يكون ضررا علي صاحب الغرس.

قلت: الصبر ضرر علي صاحب الارض، مضافا الي أن الحكم الشرعي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 228

عبارة عن جواز القلع لا وجوبه، و المشهور غير قائلين برفع الحكم الترخيصي بقاعدة لا ضرر، أضف الي ذلك أنا ذكرنا في بحث القاعدة أن مفادها حرمة الاضرار لا رفع الاحكام الضررية. و من الظاهر أن التصرف في المملوك لا يكون حراما و لو كان ضررا بالنسبة الي الغير و الا يلزم عدم جواز اخراج المستأجر عن الدار في كثير من الموارد و

هو كما تري.

ان قلت: مقتضي قوله «ليس لعرق ظالم حق» «1» انه لو لم يكن الغارس ظالما لما يكون له الحق، و في المقام كان الغرس عن حق علي الفرض.

و فيه: أولا ان الرواية ضعيفة سندا فلاحظ، و ثانيا يتوقف الاستدلال علي ثبوت المفهوم للرواية و هو أول الكلام، و ثالثا مقتضي ما ذكرنا أنه لو لم يبادر الي القلع فهو ظالم فيدخل في المنطوق، و كونه حدوثا عن حق لا يدل علي كونه حقا بقاء. و رابعا غاية ما في الباب دلالته علي كون صاحب الحق له العرق، و هذا واضح ظاهر لكن الكلام في الصغري، و كونه حقا بحسب البقاء أول الكلام.

و من هذا البيان ظهر ما في تقريب المدعي بأن صاحب الغرس كان له الحق و قد استوفي الحق، و من الظاهر أن الغرس بما هو غرس ملكه لا بما هو خشب و حطب. و بعبارة أخري: ان المغروس بهذا العنوان ملك له فقد سبق استيفاؤه فلا يجوز منعه.

و فيه: الجواب يظهر بالتأمل، و هو اذا استوفي فلا شي ء كي يقع النزاع فيه، و ان لم يستوف فلا مقتضي للاستيفاء بعد.

و من هذا البيان يظهر فساد القول الثالث الذي اختاره السيد في الحاشية

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (17) كتاب الغصب الباب (3) حديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 229

قوله: و لو كان التغير بالامتزاج (1).

فان الجمع بين الحقين يتوقف علي اثبات الحق، و هو أول الكلام بل مقطوع العدم.

و قد ظهر مما ذكرنا أنه لو قلع صاحب الغرس لا يجب طم الارض، فان المغبون تملك الارض خالية، الا أن يقال: بأن الغابن ملزم برد العين علي ما هي عليها فلا بد من طمها.

و هذا هو الحق.

ثم ان المشتري هل يجوز له تصدي القطع ابتداء أو بعد امتناع صاحبه أو يلزم الرجوع الي الحاكم؟ الحق انه يلزم مراجعة صاحبه فانه ماله و لا يجوز التصرف في مال الغير بلا اذنه و مع امتناعه يتصدي الحاكم فانه ولي الممتنع.

و القول بأنه لا احترام له كما في كلام السيد أو ليس لعرق ظالم حق كما في كلام الايرواني فلا مقتضي للرجوع الي الحاكم. ليس علي ما ينبغي، فان حرمة التصرف في مال الغير بحالها بالنسبة الي غير الحاكم.

و بعبارة أخري: ان مقتضي حرمة التصرف في مال الغير و تسلط مالك الارض علي تخلية أرضه من غرس الغير يقتضي أن يتصدي للقلع مع امتناع مالكه الحاكم الشرعي الذي ولي كل ممتنع، و أما لو اختار صاحب الارض الابقاء يكون أجرة الارض له و لا فرق فيما ذكرنا بين الغرس و الزرع لعين المدرك، و لا يتفاوت الحال من جهة طول المدة في الغرس و قصره في الزرع.

و أيضا علم مما ذكرنا أنه لو أراد صاحب الغرس قلع غرسه لا يجوز للمالك منعه، فان كل أحد مسلط علي ماله و ليس لغيره منعه من التصرف. هذا كله في الزيادة.

أقول: و أما الامتزاج فتارة يكون بغير جنسه و أخري يكون بالجنس،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 230

أما لو كان بغير الجنس فان كان علي وجه الاستهلاك- كما في امتزاج ماء الورد بالنفط بحيث يعد ماء الورد تالفا من جهة الاختلاط- فهو في حكم التالف و يرجع الي قيمته، و ان لم يعد من التالف كالخل الممزوج بالانكبين فأفاد المصنف بأنه يمكن أن يقال بأنه كالتالف فيطالب القيمة فيسقط خياره كما في التالف.

و يمكن

أن يقال بالشركة، كما لو كانا لمالكين.

و أفاد السيد في الحاشية بأنه يمكن أن يقال: بأنه للمغبون الخيار بين أخذ العوض و بين اختيار الشركة، و ذلك لان عين ماله موجود في الضمن و له المطالبة، فتكون النتيجة الشركة في الثمن لا في العين لعدم الدليل و له المطالبة بالعوض لمكان الحيلولة.

و أما ما أفاده السيد ففيه مواضع للنظر، اذ لو كان الفسخ موجبا لرجوع العين الي الفاسخ فلا مقتضي للقول بأخذ العوض الا دليل الحيلولة، و قد مر ضعفه.

و ثانيا- انه لو كان العين راجعة اليه بالفسخ فلا معني للالتزام بالحيلولة، اذ المفروض تحققه و وجوده.

و ثالثا- كيف يلتزم بعدم تحقق الشركة مع رجوع العين الي الفاسخ.

و رابعا- انه لا مقتضي للشركة في الثمن مع أن العين موجودة.

و أما ما أفاده الشيخ فالحق أن يقال بعدم تحقق الشركة و سقوط الخيار بالنسبة الي نفس العين كما هو ظاهر عبارته و الانتقال الي القيمة فانه تلف بالامتزاج كما لو صار بيض الدجاج فرخا فانه لا وجه لرجوع الفرخ الي المغبون بل الحق بقاء الفرخ في ملك الغابن و انتقال القيمة الي الفاسخ.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 231

و مما ذكرنا ظهر أنه لا مجال لان يقال: اذا لم تكن العين راجعة الي الفاسخ يكون العين بلا مالك لتساوي نسبة الفاسخ و من عليه الخيار بالنسبة الي العين. و وجه فساد هذا الاشكال أن كلا المالين كانا لشخص واحد و بالامتزاج صار حقيقة ثالثة، فلا فرق بين الفاسخ و من عليه الخيار، فان المال مال من عليه الخيار و أما الفاسخ فماله تلف بالامتزاج.

و أما لو كان الامتزاج بالجنس فان كان بالمساوي أفاد الشيخ بأنه يثبت

الشركة.

ان قلت: لا شبهة في أن الامتزاج بمال الغبن قبل الفسخ لم يكن موجبا للشركة، اذ لا معني للشركة في مال الانسان، فبعد الفسخ اما يرجع عين مال المغبون فلا شركة و ان لم يعد نظرا الي أنه تلف بالامتزاج فلا موضوع للشركة.

قلت: نختار الشق الاول و نقول بالفسخ يرجع عين المال الي الفاسخ، فعليه المقتضي للشركة واضح و هو الامتزاج. و الحاصل ان الامتزاج في المقام لا يوجب تغيير الحقيقة، بل العين موجودة حقيقة غاية الامر الخصوصية- و هي الامتياز- مفقودة، و هذه الجهة توجب الشركة بعد الفسخ، فما أفاده الشيخ هو الصحيح.

و ربما يقال: بأن الامتزاج لو كان مع مال الاجنبي لا يمكن رجوع العين الي الفاسخ لاستحالة رجوع العين الاستقلالي و أما الاشاعي فلم يكن بسبب البيع فكيف يرجع بالفسخ. و بعبارة ملخصة: ان ما خرج من يده بالبيع لا يمكن رجوعه اليه، و ما يمكن الرجوع لم يخرج عن ملكه بالبيع حتي يرجع بالفسخ.

و يرد عليه نقضا و حلا: أما النقض فبما لو تغير لون العين- بأن كان احمر فصار أبيض بعد البيع- فان الخصم لا بد أن يلتزم بعدم رجوع العين

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 232

بالفسخ اذا كانت للفاسخ، اذ لا يعقل رجوعه لتغيره بصيرورته أبيض، و أما الابيض فلم يكن منقولا بالبيع، فان هذا الاشكال أوهن من بيت العنكبوت.

و أما الحل فان عين المال في المقام موجود و المتغير انما هو بعض خصوصياته، و هو لا يوجب عدم رجوع العين بالفسخ. و الحق تمامية ما أفاده الشيخ، و هو أن بالفسخ قد دخل العين في ملك الفاسخ و هو يوجب الشركة.

و استشكل عليه المحقق الايرواني: بأن الحكم بالشركة

هنا ينافي ما تقدم في تصرف المغبون من الحاق الامتزاج بالخروج عن الملك، فان بين الكلامين تهافت.

و الجواب عنه: انه لا يقاس المقام بما تقدم من الشيخ، اذ فرق بين ما مر و بين ما نحن فيه، فانه يصدق التلف هناك بخلاف المقام فان عين المال موجود في المقام مع زوال بعض الخصوصيات.

و التحقيق أن يقال: ان مال المغبون بالفسخ قد دخل في ملكه، و هذا الدخول يوجب الشركة، غاية الامر لو كانت الشركة موجبة للعيب في العين ليتحقق الارش علي الغابن.

هذا تمام الكلام فيما اذا كان الامتزاج بالمساوي و أما لو كان الامتزاج بالأردإ فقد حكم الشيخ بحصول الشركة أيضا، و أفاد بأن في استحقاقه لأرش النقص أو تفاوت الرداءة من الجنس الممتزج أو من ثمنه وجوه، و لم يختر وجها.

و لا يبعد أن يقال: بأن الامتزاج يوجب الشركة، و أما النقص الحاصل فيوجب أخذ الارش. و أما لو كان الامتزاج بالاجود فربما يقال انه يملكه بالنسبة و لا شي ء عليه فانه رزق رزقه اللّه.

و يرد عليه: أولا بالنقض بسابقه، اذ المفروض أن الغابن ليس غاصبا و مع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 233

قوله: بقي الكلام في حكم تلف العوضين مع الغبن (1).

ذلك لم يقل أحد بأنه لا شي ء عليه بل رزق رزقه اللّه. و لا فرق بين المقامين، اذ الرداءة و الجودة أمران اضافيان.

و ثانيا بالحل، فان المفسوخ عليه لا بد أن يرد مال الفاسخ بمقتضي قانون الفسخ، و لا أرش علي المغبون للغابن، لان الجودة ليست بفعله، بل حتي لو كانت بفعله لا نلتزم بالارش علي الفاسخ، و لذا نلتزم بأنه ليس له شي ء في العبد المسلم و في قصارة الثوب.

و بما

ذكرنا ظهر أنه لا تصل النوبة الي توجه اشكال الربا، و علي فرض الالتزام بالقول الاخر أيضا لا نلتزم باشكال الربا، فان اشكاله مختص بالمعاوضات الاختيارية لا التعاوض القهري الذي يحصل في أثر الامتزاج، فان دليل الحرمة قاصر من الشمول فلاحظ.

[الكلام في حكم تلف العوضين مع الغبن]
اشارة

أقول: يقع الكلام في حكم التلف، فانه اما يكون من المغبون أو من الغابن، و علي كل تقدير اما باتلاف من يده و اما باتلاف سماوي و اما بالفعل الاجنبي.

فههنا فروع يجب أن لا تخفي عليك
اشارة

قبل التعرض بالفروع، أن الوجه في تعرض المصنف لهذه المسألة في المقام أنه قد ادعي الشهرة بل الاجماع علي أن تصرف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن مسقط للخيار فقد يتوهم بأنه لو كان التصرف مسقطا لكان السقوط بالتلف أولي، فذكر حكم التلف لدفع هذا التوهم، و هو أن القول بالسقوط هناك لا يلزمنا القول هنا الا أن يكون الجامع بين الموردين موردا للإجماع فهو أول الكلام. مضافا الي ذلك أن الاجماع ليس بحجة.

اذا عرفت ذلك فلنشرع في بيان الفروع:

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 234

(الفرع الاول) ما لو تلف ما عند المغبون باتلاف منه،

فانه لا وجه لسقوط الخيار كما مر و سيجي ء في أحكام الخيار، فلو فسخ يغرم قيمة التالف و يأخذ ما عند الغابن ان كان موجودا و بدله ان لم يكن. و قد تردد المصنف بين غرامة قيمته يوم التلف و يوم الفسخ، و الظاهر أنه لا وجه لغرامة يوم التلف، فانه تلف في ملكه، فالمدار علي يوم الفسخ، بل المدار علي يوم الاداء، لما قلنا من ثبوت نفس العين في الذمة لو لا النص الخاص في المقام.

و الحاصل انه لو قلنا بأن مدلول صحيحة «1» ابي ولاد الحناط كون المدار علي يوم الغصب، فلا بد من القول بأن الميزان بيوم الفسخ في المقام، و أما لو لم نقل به فالميزان بيوم الاداء. نعم لو قلنا بأن تفاوت القيمة مضمون علي الضامن يلزم القول بوجوب أعلي القيم، و هكذا الامر لو كان التلف بآفة سماوية.

و أما لو كان باتلاف اجنبي أفاد الشيخ الاعظم: ان المغبون يرجع بعد الفسخ الي الغابن، لأنه الذي يرد اليه العوض فيؤخذ منه المعوض أو بدله و الغابن يرجع الي المتلف.

و يرد عليه: أنه لا وجه للرجوع

الي المتلف، لأنه أتلف مال المغبون فضامن له، بلا فرق بين أن نقول بالانتقال الي القيمة من حين التلف و بين أن نقول بثبوت نفس العين في عهدة الضامن الي حين أخذ البدل. اما علي الاول فظاهر، و أما علي الثاني فلان العين الثابتة في ذمة المتلف ملك للمغبون و انتقاله الي الغابن بلا موجب.

أفاد السيد اليزدي أن علي القول ببقاء نفس العين في ذمة المتلف الي حين أخذ البدل يمكن دعوي أن الغابن يجد ما صار ملكا له بالفسخ في ذمة المتلف

______________________________

(1) التهذيب الجزء (2) ص 176.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 235

قوله: و ان رجع عليه البدل ثم ظهر الغبن ففسخ (1).

قوله: و لو كان باتلاف الغابن (2).

فيرجع عليه.

و يرد عليه: انه يلزم مما ذكر أن المتلف لو لم يؤد بدل ما أتلفه لم يكن حق للغابن الرجوع الي المغبون. الا أن يقال: بأنه من موارد توارد الايدي، لكنه فرق بين المقامين، فان المفروض فيما نحن فيه أن الاجنبي وضع يده علي ملك المغبون فلا وجه للرجوع الي غيره، بخلاف توارد الايدي فان شمول قاعدة اليد علي الجميع سواء.

أقول: اي أن المغبون ان رجع الي الاجنبي و أخذ البدل ثم ظهر الغبن ففسخ المغبون رد علي الغابن القيمة يوم التلف أو يوم الفسخ.

و قد ظهر مما ذكرنا انه لو قلنا بأن المناط يوم الغصب بمقتضي الصحيحة فالمناط يوم الفسخ، و ان قلنا بعدم دلالة الصحيحة و سلكنا علي طبق القاعدة فالمدار بيوم الاداء ان لم نقل بأعلي القيم كما أنه ليس ببعيد.

أقول: اي لو كان التلف باتلاف الغابن فان لم يفسخ المغبون أخذ القيمة من الغابن و ان فسخ أخذ الثمن منه.

و أورد

عليه السيد ان مقتضي القاعدة أن الغابن يغرم للمغبون قيمة يوم التلف و يغرم المغبون له قيمة يوم الفسخ، و تظهر الثمرة في تفاوت القيمتين.

و يمكن الجواب عنه: بأنا لو قلنا ان الميزان بيوم الاداء لا بيوم الغصب فالظاهر أنه يتهاتر و لا شي ء لأحدهما علي الاخر فلا يترتب ثمرة عليه، و لكن لو قلنا بأعلي القيم من يوم الغصب الي يوم الاداء فالثمرة المدعاة في كلام السيد متين.

و لو كان التلف باتلاف الغابن و أبرأه المغبون ثم فسخ لا بد من أن يرد اليه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 236

قوله: تلف ما في يد الغابن بآفة او باتلافه ففسخ المغبون اخذ البدل (1).

قوله: و لو تلف باتلاف الاجنبي رجع المغبون بعد الفسخ الي الغبن (2).

القيمة، لان الابراء بمنزلة أخذ البدل منه.

هذا تمام الكلام في الفرع الاول مع ما يتعلق به من اللواحق.

الفرع الثاني فيما يتعلق بتلف ما في يد الغابن

فانه أيضا يتصور علي أقسام:

(منها) أن يكون باتلاف الغابن، و يلحق به ما لو كان بآفة سماوية. أفاد الشيخ الاعظم: لو فسخ المغبون في هذه الصورة بعد التلف يأخذ البدل، و في اعتبار القيمة يوم التلف أو يوم الفسخ قولان، ظاهر الاكثر الاول.

و قد أورد عليه السيد في الحاشية بأنه لا وجه لجعل يوم التلف مدارا للحكم و كذا كونه ظاهر الاكثر محل تأمل.

و التحقيق أن يقال: انك قد عرفت في الفرع الاول أنه لا وجه لكون يوم التلف مناطا للحكم، بل الميزان بيوم الفسخ علي تقدير تمامية دلالة الصحيحة و يوم الاداء علي تقدير آخر، و نحن اخترنا أن الميزان يكون بأعلي القيم، فلا نعيد.

هذا تمام الكلام فيما لو كان التلف باتلاف الغابن.

و أما لو كان باتلاف أجنبي فأفاد الشيخ بأن

المسألة ذات وجوه ثلاثة:

الاول: أن يرجع المغبون بعد الفسخ الي الغابن، لأنه ملك القيمة علي المتلف، و لأنه الذي يرد عليه العوض فيؤخذ منه المعوض أو بدله.

الثاني: أن يرجع الي المتلف، لان المال في ضمانه، و ما لم يدفع العوض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 237

قوله: مسألة الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاوضة مالية (1).

فنفس المال في عهدته.

الثالث: أن يكون مخيرا في الرجوع بأي منهما، أما الغابن فلانه ملك البدل، و أما المتلف فلان المال المتلف في عهدته.

و الحق في المقام أن يقال كما عرفت في الفرع الاول: ان الغابن ضامن للمغبون و المتلف ضامن للغابن، بلا فرق بين أن نقول ان الثابت في ذمة المتلف نفس العين أو القيمة، و ان كان السيد فصل بين المقامين و قد مر تفصيله و الجواب عنه. و أيضا لا يقاس المقام بباب توارد الايدي كما مر توضيحه آنفا.

[مسألة الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاوضة مالية]

أقول وقع الكلام بين الاعلام في أن خيار الغبن يختص بعقد البيع أو يدخل في كل عقد معاوضي أو لا بد من التفصيل في المقام. أفاد الشيخ قدس سره بأن الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاوضة مالية.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: انه لو كان المدرك لهذا الخيار الاجماع فلا بد من الاقتصار علي المقدار المعلوم منه، و هو البيع فلا يجري في غيره من المعاوضات، و أما لو كان المدرك الرواية الواردة في مسألة تلقي الركبان و هي قوله «غبن المسترسل سحت»، أو الاشتراط الضمني و هو اشتراط التساوي، أم قاعدة نفي الضرر فالمقتضي للعموم موجود لعدم الفرق بين البيع و غيره كما هو ظاهر، فان نفي الضرر لا يختص بالبيع كما أن الاشتراط الضمني

بمقتضي الارتكاز الطبعي في جميع المعاملات علي السواء. و حيث أن المدرك عندنا هو الشرط الارتكازي الفطري فهو لا يختص عند العرف العقلائي بمعاوضة دون معاوضة، بل نلتزم بالخيار في كل مورد يكون الشرط الارتكازي موجودا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 238

قوله: نعم يبقي الاشكال في شموله للصورة المتقدمة و هي ما اذا علم من الخارج بناء شخص تلك المعاملة بيعا كان أو غيره علي عدم المغابنة و المكايسة من حيث المالية، كما اذا احتاج المشتري الي قليل من شي ء مبتذل لحاجة عظيمة دينية او دنيوية فانه لا يلاحظ في شرائه مساواته للثمن المدفوع بازائه، فان في شمول الادلة لمثل هذا خفاء بل منعا الا أن يتم بعدم القول بالفصل (1).

هذا في غير الصلح، و أما الصلح فهو علي أقسام، فانه تارة يتوسل بالصلح لدفع بعض المحاذير و يراد منه في الحقيقة أن يترتب عليه أثر البيع، فلا شبهة في جريان الغبن فيه بلا اشكال، و أخري يقع الصلح علي ما في الذمم في صورة الشك و الترديد و الغرض التخلص عن الاشتغال و يكون مبنيا علي المسامحة فلا يجري فيه، لأنه مقدم و لم يشترط شيئا فلا مجري لقاعدة نفي الضرر و القاعدة الاشتراط كما هو ظاهر، و ثالثة يدعي احد علي آخر شيئا و الاخر ينكره و يصالحان علي اسقاط الدعوي.

ففي الفرض لا بد أن يقع التقابل بين الثمن و ترك الدعوي، و لو وقع في مقابل متعلق الدعوي يكون باطلا، لان المفروض أنه ليس شيئا في نظر المنكر و لو انكشف بعد ذلك صدق دعوي المدعي يكون الاشتغال بماله لعدم موجب لسقوطه. و في مثل هذا الصلح أفاد السيد الاستاذ دام ظله

بعدم جريان خيار الغبن لعدم موضوعه.

و فيه: انه ليس الامر كذلك، اذ ربما يكون مورد الدعوي مقدارا طائلا، و رفع اليد عن الدعوي بالمقدار الذي قبلاه يكون غبنيا.

اقول: لا شبهة في أن المقدار الذي كان بناء المعاملة علي عدم المغابنة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 239

قوله: اختلف اصحابنا في كون هذا الخيار علي الفور او علي التراخي؟ (1).

لا تشمله الادلة، سواء كان المدرك قاعدة نفي الضرر أو الاشتراط الضمني أو الاجماع، و أما المقدار الزائد منه فيدخل في عمومها.

و أما عدم القول بالفصل ففيه اشكال من وجوه قد بيناها في محله.

[كون خيار الغبن فوريا أو متراخيا]
اشارة

أقول: قد وقع الكلام بينهم في كون خيار الغبن فوريا أو متراخيا، و يظهر من كلام الشيخ أن القول الاول هو المشهور.

و الذي ينبغي في المقام أن يقع البحث في ثلاثة مواضع: الموضع الاول فيما يستدل به علي الفور، الموضع الثاني فيما يستدل به علي التراخي، الموضع الثالث فيما لو لم تتم الادلة من الطرفين فما هو مقتضي القاعدة؟

(أما الموضع الاول) [فيما يستدل به علي الفور]

فقد استدل للفورية بأن الخيار علي خلاف القاعدة، فيقتصر علي المقدار المعلوم خروجه عن تحت القاعدة.

و يرد عليه: أولا انه لو تحقق حكم حدوثا و لم يكن مانع عن بقائه بلحاظ دليل آخر يكون مقتضي الاستصحاب بقاؤه الي أن يحصل العلم بارتفاعه، فمجرد ما ذكر في الدليل لا يكون وجها للفور.

و ثانيا لا وجه للالتزام بالاختصار علي مقدار خاص بل لا بد من ملاحظة مدرك الخيار، فانه لو كان المدرك هو الاجماع لكان لهذا التقريب وجه، و أما لو كان المدرك حديث نفي الضرر أو قاعدة الاشتراط لا يتم هذا التقريب.

و بعبارة أخري: لو كان لدليل الخيار اطلاق أو عموم يقتضي الخيار بقاء لا يبقي مجال لهذا لاشكال.

و استدل للفورية أيضا بعموم وجوب الوفاء بالعقد، فان المرجع عند الشك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 240

عموم العام لا استصحاب حكم المخصص، و لذا قال في جامع المقاصد: ان عموم العام للأفراد يستتبع عموم الازمنة و الا لم ينفع بعمومه.

و الظاهر أن مقصوده ان عموم العام ان كان ناظرا الي الزمان فيشمل كل فرد من الزمان و ان لم يكن شاملا للزمان فلا أثر له، اذ المفروض أنه لم يشمل الفرد الزماني.

و بعبارة أخري: ان وجوب الوفاء بالعقد ان لم يكن ناظرا الي الاستمرار الزماني فما فائدة العموم

الافرادي، و ان كان ناظرا الي العموم الازماني فالمرجع هو العام.

و أورد عليه الشيخ: بأن لحاظ الزمان بالنسبة الي الافراد اما بنحو الظرفية و اما بنحو القيدية. و بعبارة أخري: الاستمرار الزماني تارة يلاحظ علي نحو الظرفية لأداء الدين مثلا بالنسبة الي جميع الازمنة، فان وجوب أداء الدين حكم واحد مستمر، فلو ارتفع الوجوب بالنسبة الي قطعة من الزمان لا مجال للأخذ بالعام، بل المقام مقام الاخذ باستصحاب حكم المخصص، بل لو لم يكن الاستصحاب جاريا لمحذور تصل النوبة الي أصل آخر. و السرّ فيه ان الحكم الواحد اذا ارتفع فلا مجال لعوده.

و أما لو كان الزمان قيدا للحكم بحيث يكون كل زمان ملحوظا مع استقلاله- كما في صوم شهر رمضان- فلو خرج فرد من العموم مقتضي القاعدة الاخذ بالعموم بالنسبة الي بقية الافراد بحيث لو لم يكن الاخذ بالعام ممكنا لا مجال للأخذ بالاستصحاب، لأنه من قبيل اسراء حكم من موضوع الي موضوع آخر.

و هذا الذي ذكرنا لا فرق فيه بين أن يكون العام وضعيا أو اطلاقيا، فان المناط ما ذكرنا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 241

و بهذا يظهر فساد ما في جامع المقاصد من أنه حيث أن عموم وجوب الوفاء اطلاقي يجوز استصحاب الحكم المخصص. و أيضا يظهر بما ذكرنا أن ما أفيد في الاصول من أنه قد يخصص العام بالاستصحاب ليس علي ما ينبغي، و المقام من القسم الاول، و عليه مقتضي الاستصحاب بقاء الخيار لأنه باستمرار الخيار لا يتحقق تخصيص زائد كي ينفي بالعموم. فقد ظهر بما ذكر أن العموم لا يمنع بالاستصحاب كما أن الاستصحاب لا يمنع به، فان مورد كل منهما مغاير لمورد الاخر فلا اجتماع بينهما.

فقد تحصل أن

المقام مورد جريان استصحاب الخيار، بحيث لو لم يجر الاستصحاب لا مجال للأخذ بعموم وجوب الوفاء، بل لا بد من اثبات اللزوم بوجه آخر، ففي المقام حيث ان الحكم بلزوم العقد من القسم الاول فالمقام مورد استصحاب حكم المخصص لا الاخذ بعموم العام. هذا ملخص كلامه رفع مقامه.

و يرد عليه: ان القاعدة تقتضي الاخذ بعموم العام علي كل حال، فانه مع وجود الامارة لا تصل النوبة الي الاخذ بالاصل، فانه فرش بالنسبة اليها.

و السرّ فيه أن العام حجة في أفراده- أعم من أن تكون افراده ملحوظة بنحو الاستعراق أو تكون ملحوظة بنحو المجموع- مثلا لو قال المولي «اكرم هؤلاء العشرة» بنحو العام المجموعي بحيث يكون الحكم واحدا ثم أخرج فردا أو فردين من العشرة أ ليس مقتضي القاعدة الاخذ بالدليل و اكرام البقية، فعليه لا بد من الاخذ بعموم وجوب الوفاء.

و الظاهر أن المقام من هذا القبيل كما أفاده الشيخ، أما علي مسلكنا في معني الوفاء فالامر ظاهر، اذ المستفاد من الدليل هو لزوم العقد و هذا حكم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 242

واحد مستمر، و أما علي مسلك الشيخ- و هو وجوب الوفاء- فربما يقال بأن لكل زمان وجوب من الامر ليس كذلك، فان كون الزمان قيدا بحيث يكون لكل زمان حكم غير حكم زمان آخر يحتاج الي المئونة و الي لحاظ خاص، و هو خلاف الظاهر. و علي ما ذكرنا لا فرق بين المسلكين، فانه علي كل تقدير يكون مقتضي القاعدة الاخذ بالعام.

ثم انه هل يكون فرق بين أن يكون التخصيص من الاول و بين أن يكون من الوسط كي يقال بأنه لو كان من الاول لا بد من الاخذ بالعموم، فانه ليس

تخصيص في الفرد، و أما لو كان من الوسط فيجب الاخذ بالاستصحاب اذ ليس فيه تخصيص زائد. فعلي فرض صحة هذا الكلام يفصل فيه و لا يبعد أن يفرق بأن يقال: لو كان من الاول فلا مانع من الاخذ بالعام اذ يلزم تخصيص الفرد فيجب الاخذ به في المقدار المشكوك فيه، فتحصل أن الحق في المقام ان القاعدة تقتضي الاخذ بالعام علي جميع التقادير.

ان قلت: لا مجال للأخذ بعموم العام لا بالاستصحاب و لا بدليل العموم، أما الاول فلان المفروض انقطاعه بالتخصيص، و أما بالعموم فلان المدرك لعمومه اما نفس الدليل أو قوله صلي اللّه عليه و آله «حلال محمد حلال الي يوم القيامة» أما الاول فلا يعقل أن يكون ناظرا الي هذه الجهة، لان نفس الحكم غير ناظر الي بقائه و عدم نسخه.

و بعبارة أخري: ان استمرار الجعل فرع وجود الجعل، و ان شئت قلت:

ان الجعل موضوع لاستمراره و كيف يمكن أن يكون الموضوع بيانا لحكمه و أما قوله «حلال محمد حلال» ناظر الي أن ما يكون حلالا لا ينسخ و يكون باقيا، و اما ان الفسخ بعد العقد هل هو حلال أم لا لا يستفاد منه، و في المقام لا ندري

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 243

بأن العقد بعد زمان يكون لازما أو جائزا، فلا مجال الا لاستصحاب حكم المخصص.

قلت: ما أفيد في بيان الاشكال من أن الجعل غير ناظر الي استمراره تام لكن اذا تمت مقدمات الاطلاق فيستفاد منها استمرار المجعول. و بعبارة أخري:

نأخذ بالاطلاق و نحكم ببقاء المجعول الي الاخر.

(الموضع الثاني) [فيما يستدل به علي التراخي]

أفاد الشيخ قدس سره بأنه أيضا لا مجال للأخذ بالاستصحاب لان موضوع الخيار من يكون متضررا و لا يكون متمكنا من

الفسخ، فلو قدر علي الفسخ ينعدم موضوع الخيار و يشترط في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع.

و فيه: أولا ان تقييد الموضوع بهذا القيد بلا وجه، فان المستفاد من القاعدة أن المتضرر يكون له الخيار، و من الظاهر أن المغبون متضرر في الان الثاني كما أنه متضرر في الان الاول.

و ثانيا- ان كان المراد من التمكن التمكن مع قطع النظر عن الحكم الشرعي فهو غير متمكن حتي في الان الثاني، و ان كان بلحاظ الحكم الشرعي فهو متمكن حتي في الان الاول، فلا بد من عدم الخيار من الاول.

لا يقال: ان دليل لا ضرر ينفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر، و الضرر في المقام ناشئ من فعل المغبون.

فانه يقال: هذا التقريب دوري، اذ الاقدام لا يصدق الا مع فورية الخيار و الحال ان الفورية تتوقف علي الاقدام بحسب هذا البيان.

الاشكال الثاني في الاستصحاب من جهة أن الشك في بقاء الخيار من حيث المقتضي، اذ شك في بقائه من حيث نفسه بلا تحقق رافع في عمود الزمان.

و فيه: انه و ان كان الامر كذلك لكن قد حقق في الاصول أن الاستصحاب حجة بلا فرق بين الموارد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 244

ثم ان الشيخ نقل كلاما عن بعض معاصريه و لا يبعد أن يكون المراد منه صاحب المقابيس، و حكم بأنه لا محصل له، و ملخص ما أفاده: انه لو كان اللزوم أمرا مستمرا فمقتضي القاعدة الرجوع الي العموم بعد مضي زمان الخيار المعلوم وجوده، و أما لو لم يكن لدليل اللزوم عموم فمقتضي استصحاب الملكية عدم تأثير الفسخ كما ان مقتضي بقاء الخيار تأثيره، و الثاني مقدم علي استصحاب بقاء الملكية. لكن القول بعمومية اللزوم أقوي.

فأورد عليه:

بأن المقام ليس مقام الرجوع الي العام كما مر، و أيضا الكل متفقون علي أن دليل اللزوم هو العام لا استصحاب الملك.

و أنت خبير بأن ما أفاده التستري متين، اذ كما ذكرنا لا فرق في الاخذ بالعموم بين كون العموم استغراقيا و بين كونه مجموعيا، كما أنه لو لم يمكن الاخذ بعموم العام فلا مناص من الاخذ باستصحاب الملكية. فما أفاده قدس سره متين جدا.

فتحصل مما ذكرنا أنه لا اشكال في الاستصحاب من هذه الجهة. نعم يبقي الاشكال العام المساوي في جميع الاستصحابات الحكمية.

و لكن الذي يهون الخطب من اصله أنه لا تصل النوبة الي جريان الاستصحاب كي يجري فيه القيل و القال، فانه لو كان المدرك للخيار الاجماع أو حديث لا ضرر لكان لهذا الاشكال مجال، و أما لو كان المدرك الاشتراط في ضمن العقد فلا وجه لفورية الخيار، بل مقتضي القاعدة بقاء الخيار بعد مضي زمان الاول و حيث انا اخترنا هذا المسلك يكون مقتضاه استمرار الخيار كما هو واضح.

ربما يقال: انه لو قيل باستمرار الخيار يتضرر الغابن كما قيل نظيره في اجازة العقد الفضولي، لكن قياس المقام بذلك الباب قياس مع الفارق، اذ لو قلنا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 245

بأن الاصل لا يجوز له التصرف فيما انتقل عنه ربما يتضرر ضررا عظيما، و أما في المقام يجوز للغابن أن يتصرف فيما انتقل اليه غاية الامر لو فسخ المغبون يرد القيمة.

فانقدح مما ذكر أن الحق أن الخيار مستمر، لكن لو أغمض عما ذكرنا و قلنا بعدم جواز الاخذ بالعموم لما ذكره الشيخ، و أيضا التزمنا بعدم جريان استصحاب الخيار، و من ناحية ثالثة قلنا بأن دليل الخيار لا يقتضي استمراره.

[الموضع الثالث فيما لو لم تتم الادلة من الطرفين فما هو مقتضي القاعدة؟]

فموقع البحث

هو الموضع الثالث من المواضع الثلاثة، و مقتضي الاصل عند الشك في بقاء الخيار عدمه، فان الاستصحاب يقتضي عدم تأثير فسخ المغبون بعد زمان الوهلة الاولي. و لا مجال للمعارضة في المقام، فانه لا يستصحب الملكية بل بقاء الملكية علي القاعدة، اذ البيع قد أثبت الملكية الدائمة لكل من الطرفين، و انما شك في أن الفسخ أثر في الخروج أم لا، و الاصل عدمه.

و ان شئت قلت: ان الشك في بقاء الملكية مسبب عن الشك في تأثير الفسخ، و الاصل السببي مقدم علي المسببي.

ثم انه علي القول بفورية الخيار فهل الميزان بالفورية الحقيقية أو العرفية؟

لا يخفي أن هذا اللفظ بماله من المفهوم لم يقع تحت دليل كي يستظهر منه شي ء بل اما نلتزم بالتراخي كما تقدم حتي علي القول بكون المدرك للخيار دليل لا ضرر، و اما لا بد من القول بالفورية الحقيقية بلا فرق بين صورة العلم و الجهل و الالتفات و الغفلة و النسيان، فان دليل نفي الضرر ينفي الضرر الناشئ من قبل الشارع لا الضرر المتوجه من جهة الجهل أو الغفلة، كما أنه لا مجال للأخذ

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 246

قوله: الخامس خيار التأخير قال في التذكرة من باع شيئا و لم يسلمه الي المشتري و لا قبض الثمن و لا شرط تأخيره و لو ساعة لزم البيع ثلاثة ايام (1).

بدليل لا حرج، فان الفسخ لا يكون واجبا كي يقال بأن امتثال هذا التكليف فورا أمر حرجي.

و ملخص الكلام أن المدرك للفورية أعم من أن يكون عموم وجوب الوفاء أو قاعدة نفي الضرر بالنسبة الي الغابن أو استصحاب الملكية و عدم تحقق الخيار يكون مقتضي القاعدة الالتزام بالفورية الحقيقية.

و السر فيه

كما ذكرنا أن المنفي بالقاعدة ما يكون من قبل الشارع، و أما الضرر المتوجه الي المكلف من ناحية جهله أو نسيانه أو غفلته أو عدم فحصه أو غير ذلك فلا يكون منفيا بالقاعدة كما هو ظاهر، الا أن يقوم اجماع تعبدي علي التراخي و عدم الفورية الحقيقية. و الذي يهون الخطب أن أصل المبني فاسد.

ثم انه قدس سره تعرض لفروع راجعة الي دعوي المغبون التارك للفسخ فورا الجهل أو النسيان، و قد مر في المسألة الثانية من مسائل خيار الغبن الفروع الراجعة الي دعوي الجهل بالغبن، و الظاهر وحدة الملاك و المناط في كل المقامين. و يظهر حكم الفروع المذكورة في المقام مما ذكر في تلك المسألة، فلا وجه للإعادة.

[القسم الخامس خيار التأخير]
اشارة

اقول: القسم الخامس من الخيارات خيار التأخير، و المشهور بين العلماء أنه لو باع شيئا و لم يسلمه الي المشتري و لا قبض الثمن و لا شرط التأخير فالبيع لازم الي ثلاثة أيام، فان لم يجي ء المشتري بالثمن في الثلاثة يكون للبائع الخيار،

و الذي يمكن أن يكون مستندا لهذا الحكم أمور:
اشارة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 247

الاول: الاجماع.

و فيه ما عرفت منا مرارا فلا نعيد.

الثاني: قاعدة نفي الضرر،

إذ البائع لا يجوز له التصرف في المبيع لكونه ملكا للغير و يكون تلفه عليه لأنه من التلف قبل القبض، و المفروض أنه لم يقبض الثمن.

و يرد عليه: أولا ان الاستدلال بالقاعدة لا ينطبق علي القيود التي أخذت في هذا الحكم كما هو ظاهر.

و ثانيا- يجوز للبائع أخذ المبيع و تملكه بعنوان التقاص، لكن الحكم بجواز التقاص في غير صورة صدق الغصب و العدوان مشكل.

الثالث: النصوص الواردة في المقام،

و هي العمدة:

(و منها) ما رواه زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده فيقول حتي آتيك بثمنه. قال: ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له «1». و هذه الرواية تامة سندا و دلالة.

(و منها) ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: اشتريت محملا فأعطيت بعض ثمنه و تركته عند صاحبه ثم احتسبت أماما ثم جئت الي بايع المحمل لأخذه فقال قد بعته، فضحكت ثم قلت: لا و اللّه لا أدعك أو أقاضيك. فقال لي: ترضي بأبي بكر بن عياش؟ قلت: نعم، فأتيته فقصصنا عليه قصتنا فقال ابو بكر: بقول من تريد أن أقضي بينكما بقول صاحبك أو غيره. قال: قلت بقول صاحبي. قال:

سمعته يقول من اشتري شيئا فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له «2».

و لا بأس فيها من حيث الدلالة.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 9 من ابواب الخيار الحديث (1).

(2) نفس المصدر الحديث (2).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 248

(و منها) ما رواه علي بن يقطين انه سأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يبيع البيع و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن. قال: فان الاجل

بينهما ثلاثة أيام فان قبض بيعه و لا فلا بيع بينهما «1». و هي أيضا تامة سندا و دلالة.

(و منها) ما رواه اسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام: من اشتري بيعا فمضت ثلاثة أيام و لم يجي ء فلا بيع له «2».

(و منها) رواية هذيل بن صدقة الطحان «3»، و هي مخدوشة سندا و دلالة.

و قد أفاد المصنف بأن ظاهر هذه الاخبار بطلان البيع كما فهمه في المبسوط، و حكي القول عن ظاهر الاسكافي المعبر بلفظ الروايات، و توقف فيه الأردبيلي، و قواه في الكفاية، و جزم به في الحدائق، و طعن علي العلامة حيث أنه اعترف بظهور الاخبار في الفساد و مع ذلك اختار ما ذهب اليه المشهور، و استدل بأن الاصل صحة العقد و حمل الاخبار علي نفي اللزوم.

ثم انه قدس سره أفاد بأن ظهور الاخبار في الفساد و لكن حيث أن المشهور فهموا منها نفي اللزوم، و هذا المعني يقرب أن يكون المراد منها نفي اللزوم لا الصحة، مضافا الي أنه يمكن أن يقال بأن الوارد في اكثر الروايات من نفي البيع بالنسبة الي المشتري فقط قرينة علي أن المراد بالمنفي اللزوم لا الصحة، الا أن في رواية علي بن يقطين ورد بلفظ «لا بيع بينهما». و كيف كان فلا أقل من الشك فيرجع الي استصحاب بقاء الملكية.

ان قلت: الملكية كانت موجودة في ضمن المكية اللازمة، و بعد ارتفاعها نشك في تحققها في ضمن غيرها، و لا مجال للاستصحاب فيها، لأنه من الاستصحاب الكلي من القسم الثالث الذي لا نقول بجريانه حتي علي مسلك الشيخ القائل

______________________________

(1) نفس المصدر الحديث (3).

(2) نفس المصدر الحديث (4).

(3) نفس المصدر الحديث (5).

دراساتنا من الفقه الجعفري،

ج 4، ص: 249

بجريان القسم الثالث في بعض الفروض.

قلت: ان اللزوم ليس فصلا للملكية كي يتوجه هذا الاشكال، بل حكم للملكية فلا مانع من الاستصحاب.

و فيما أفاده مواقع للنظر:

أما أولا- فلانه قدس سره مع اعترافه بظهور الاخبار في الفساد كيف يتبع فهم المشهور، فانه وقع هذا الخلاف بينهم بأن الشهرة تكون كاسرة للظهور أم لا، و الحق أنه لا اعتبار بالشهرة في قبال الظهور.

نعم لو لم يكن معني اللفظ معلوما لدينا و فهم المشهور منه شيئا لا يبعد بل يقرب جواز متابعتهم لأنهم أهل اللسان و ليس مقامهم أنزل من قول اللغوي، و أما لو كان معني اللفظ ظاهرا لدينا فلا مجال لرفع اليد عن الظهور المحرر بفهم المشهور خلافه.

و ثانيا- ان ما أفاده قدس سره من أنه لا أقل من الشك فيرجع الي الاستصحاب فانه لو وصل الامر الي هذه المرحلة لا تصل النوبة الي الاخذ بالاستصحاب، فان أدلة الصحه للبيع تقتضي الصحة، اذ من الظاهر أن اجمال دليل المخصص المنفصل عن العام أو المطلق لا يسري اليهما. و مجرد ذهاب المشهور الي خلاف الظاهر لا يقتضي رفع اليد عن الحجة، فان غاية ما يترتب علي فهم المشهور حصول الظن بخلاف ظاهر الروايات، و هو لا يغني من الحق شيئا، فلا مانع من الاخذ باطلاق حلية البيع و التجارة. و لعمري ان هذا أمر ظاهر واضح و لم يكن من المطالب أن يخفي علي مثله مع أنه استاذ الكل في الكل، غير أن صدور الاشتباه من غيرهم عليهم السلام ليس بعزيز.

و ثالثا- ان الاستصحاب في المقام غير جار علي مسلكه، حيث أنه من

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 250

الشك في المقضي فلاحظ.

و رابعا- ان هذا

الاستصحاب معارض باستصحاب عدم الجعل، فتكون النتيجة هي الفساد.

و أما ما أفاده قدس سره من جريان الاستصحاب و عدم كونه من القسم الثالث متين، و ما اورده عليه السيد في الحاشية غير وارد، فانه أفاد في الحاشية بأن اللزوم و الجواز فصلان للملكية، اذ لا يعقل تحقق الملكية بلا لزوم و جواز، و قاس المقام بباب جعل الجواز حيث أنه لا يمكن أن يتحقق الا مع احد الفصول من المنع من الترك أو الرجحان أو التساوي و كذلك المقام.

و ما أفاده فاسد جدا، اذ يرد عليه: أولا النقض بالجسم فانه لا يقبل أن يوجد الا مع اللون و الحال انه ليس فصلا للجسم و يكون مباينا معه بل يكون عرضا قائما به.

و ثانيا ان اللزوم و الجواز من أحكام الملكية، كما أن جواز بيع الملك و عدمه من أحكام الملك، فهل يمكن أن يقال بأن الجواز و عدمه من فصول الملكية، و لذا بالنسبة الي الغافل يتصور جعل الملكية بلا جعل اللزوم او الجواز. نعم بالنسبة الي الشارع الّذي يكون محيطا علي جميع العوالم لا يتصور منه الغفلة، فلا يعقل جعل الملكية بلا جعل اللزوم أو الجواز. و الحاصل ان هذا الاشكال غير وارد علي الشيخ.

أفاد السيد الاستاذ دام ظله بأنه لو قلنا بأن الروايات التي وردت فيها كلمة «فلا بيع له» للمشتري ظاهرة في نفي اللزوم، بقرينة انه لو كان المراد نفي الصحة لكان المناسب أن يقال فلا بيع لهما أو فلا بيع بلا ذكر شي ء تقدمت علي رواية علي بن يقطين الدالة علي الفساد، اذ بعد وقوع التعارض بينهما

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 251

و تساقطهما بالمعارضة يكون الترجيح مع تلك الروايات، لان

الشهرة موافقة لها.

و أما لو قلنا باجمال تلك الروايات فنقول: بأن رواية ابن يقطين ساقطة لاعراض المشهور عنها، فالقدر المتيقن هو الجواز بعد ثلاثة أيام. و بعبارة أخري: القدر المعلوم بعد الثلاثة ان البيع لازم فنشك في بقاء الملكية و نحكم بها بالاستصحاب.

و فيما أفاده جهات من الاشكال علي ما استفدنا من بياناته القيمة، فانه أولا يرد عليه أن الشهرة الفتوائية لا تكون حجة بل المرجح الشهرة الروائية، و تحقيق الكلام موكول الي باب التعادل و الترجيح، فما أفاده في الشق الاول غير تام.

و أما الشهرة الروائية فليست في تلك الروايات، فان ما رواه جميل عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام و ان رويت بطرق عديدة لكن تصل كلها الي زرارة. و بعبارة أخري: الرواية واحدة و أما غيرها فكلها ساقطة سندا.

أما رواية ابن طحان فبنفسه، و أما رواية ابن حجاج فبأبي بكر، و أما رواية ابن عمار فالراوي عنه أبان و فيه نقاش اذ لم يوثق، مضافا الي أن الشهرة بهذا المقدار لا يتحقق كما هو واضح.

و ثانيا: ان اعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب سقوطها، فما آفاده في الشق الثاني أيضا فاسد.

و ثالثا: أنه لو وصل الامر الي ما ذكره فلا نحتاج الي الاستصحاب كما ذكرنا في رد الشيخ بل نأخذ باطلاق دليل الصحة.

و رابعا: انه لو وصلت النوبة الي الاستصحاب يعارضه أصالة عدم الجعل فتكون النتيجة هو الفساد، اذ خروج الملك عن ملك مالكه بهذا المقدار معلوم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 252

و الزائد علي هذا المقدار خلاف الاستصحاب. و من الظاهر أن هذا الاستصحاب ليس فيه اشكال و ايراد.

و استدل الاستاذ دام ظله لإثبات المدعي بتقريب آخر، و هو:

أن ما يستفاد منه البطلان رواية ابن يقطين، و المراد منها أن البائع بعد مضي ثلاثة أيام لو قبض المثمن- أي لم يفسخ المعاملة- فهو و ان لم يقبض بأن فسخ البيع فلا بيع بينهما، و هذا عبارة أخري عن الخيار بعد الثلاثة الذي التزم به المشهور.

و المنشأ في هذا الاستناد فاء التفريع، فانه عليه السلام قال «فان الاجل بينهما ثلاثة أيام فان قبض» فالمراد من كلمة «القبض» اقباض البائع المبيع بعد الثلاثة.

و منه يظهر أن اقباض الثمن قبل الثلاثة و عدمه لا يرتبط بالخيار و عدمه، و لو تم هذا البيان و قلنا باجمال الرواية تصل النوبة الي استصحاب الملكية بذلك البيان الذي مر عليك آنفا.

و فيه: اولا أن هذا البيان يتوقف علي كون قبض مشددا و هو أول الكلام و المفروض عدمه في الرواية، و احتمال الاشتباه خلاف الاصل العقلائي، بل مقتضي الاصل عدم صدوره مشددا من الامام عليه السلام، فان التفريع يصح.

مع كونه في الثلاثة، فان الاجل ثلاثة أيام فلو تحقق القبض- أي قبض الثمن- في هذه الثلاثة فهو و الا يكون البيع باطلا.

و ثانيا: ما افاده من الاخذ بالاستصحاب، ففيه ما مر منا آنفا فلاحظ.

و استشكل السيد في الحاشية علي جريان الاستصحاب بوجه آخر، و هو أن ظاهر الاخبار البطلان من الاول، فكأنه ان القبض في الثلاثة شرط الصحة و مع عدمه يكون البيع باطلا بأن لم يقع صحيحا بأثر صحيح ثم طرأ عليه الفساد، و عليه لو أجمل اللفظ و وصلت النوبة الي الاستصحاب لا يكون الاستصحاب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 253

قوله: ثم انه يشترط في هذا الخيار امور: احدها عدم قبض المبيع و لا خلاف في اشتراطه ظاهرا

(1).

جاريا لأنه لا متيقن في السابق كي يستصحب.

و فيه: انه يكفي في الصحة بعد الاجمال صحة اطلاق البيع، فلا اشكال في الاستصحاب من هذه الجهة بل الاشكال من جهة ما أورده فلاحظ.

اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أن الظاهر من رواية ابن يقطين البطلان، و احتمال كون لفظ «قبض» مع التشديد خلاف الظاهر. و عليه يكون المراد من لفظ «بيعه» هو الثمن، أي قبض البائع الثمن في ضمن الثلاثة و ان لم يقبض فالبيع باطل لا من اصله بل من حينه، خلافا للسيد حيث ذهب الي البطلان من الاول. فيكون مفاد الرواية موافقا لبقية الروايات. و لا مجال لوقوع التعارض بين الروايات، اذ دلالة ما دل علي نفي البيع من طرف المشتري في نفي اللزوم ليس بحد يوجب رفع اليد عن رواية ابن يقطين الظاهرة في الفساد، و علي فرض التعارض فالقاعدة تقتضي الحكم باللزوم لعدم الترجيح لأحد الطرفين.

نعم لو قلنا بجواز التنجيز الاصولي في المتعارضين للمجتهد أن يختار جانب الجواز المستفاد من أحد الطرفين كما أن له اختيار جانب الاخر فلاحظ. نعم لا يبعد أن يحصل الاجماع علي عدم اللزوم، اللهم الا أن نقول بأنه مدركي.

[قد ذكر في هذا الخيار شروط]
اشارة

اقول: قد ذكر لهذا الخيار شروط:

[الشرط الأول عدم قبض المبيع]

(الاول) انه ذكر المصنف قدس سره لا خلاف في اشتراطه ظاهرا مستدلا برواية علي بن يقطين علي تقدير تشديد لفظ «قبض» و كون المراد بالبيع المبيع.

و أورد عليه السيد الاستاذ دام ظله: بأنه علم مما ذكرنا عدم موضوع لهذا الكلام، فانه حمل اللفظ علي الاقباض بعد مضي الثلاثة بالتقريب المتقدم، و قد مر ما فيه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 254

و نقل المصنف عن الرياض انكار دلالة الرواية علي هذا الشرط، ثم أورد عليه بانه لا وجه للإنكار الا احتمال سقوط هذه الجهة من الرواية من النسخة التي أخذها منها، أو احتمال كون البيع بالتشديد، بأن يكون المراد منه هو البائع، أي قبض بايعه الثمن. و هذا الاحتمال ضعيف، فان استعمال البيع مفردا عير معهود، مع أن الاصل عدم التشديد- انتهي.

و لا يخفي ما في كلام المصنف، اذ ما أفاده في الرياض لا يتوقف علي هذا التقريب، فانه يرد عليه: أولا ان أصالة عدم التشديد في البيع يعارض بأصل عدم التشديد في قبض. و ثانيا انه علم مما ذكرنا أن ما أفاده يمكن استفادته من الكلام، بأن يقرأ «قبض» بلا تشديد و يكون المراد من بيعه هو الثمن.

و ملخص الكلام في المقام علي ما ذكرنا: ان الروايات متطابقة علي أن الشرط في الخيار عدم قبض الثمن، و أما بالنسبة الي المبيع فلا تعرض له في الروايات فلاحظ، فمقتضي الاطلاق أنه لو لم يقبض الثمن يثبت الخيار، أعم من أنه قبض المثمن أو لم يقبض.

ثم انه لو كان عدم القبض لعدوان البائع- بأن دفع المشتري و البائع لم يقبضه- أفاد الشيخ قدس سره بأنه لا يثبت الخيار، لان هذا الخيار

للإرفاق بالنسبة الي البائع لان لا يتضرر.

و ما أفاده قدس سره في وجه هذا الحكم و ان كان متينا لكن الاولي أن يستدل بقوله «ان جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيام و الا فلا بيع له»، فان المستفاد من هذه العبارة أن الميزان لثبوت الخيار عدم مجي ء المشتري بالثمن في الثلاثة.

ثم ان المشتري لو قبض المبيع بلا اذن من البائع بلا اقباض للثمن، ففيه وجوه: منها انه كلا قبض مطلقا، و منها انه لو استرده يكون كلا قبض و الا فلا،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 255

و منها أنه قبض مطلقا، و منها أنه لو قلنا بأنه يرتفع الضمان بهذا القبض يكون قبضا مؤثرا و الا فلا.

و اختار الشيخ الوجه الاخير، بتقريب أن البائع انما جعل له الخيار لدفع ضرره و المفروض أنه لا يتضرر بالتلف لأنه لا ضمان عليه لو تلف و لا يجب عليه حفظ المبيع، و أما جريانه من التصرف في الثمن فيتدارك بأخذ المبيع مقاصة.

و لا يخفي أنه علي ما ذكرنا لا تصل النوبة الي هذا البحث، اذ ذكرنا أن الميزان في ثبوت الخيار و عدمه قبض الثمن و عدمه، و مع الاغماض عما ذكرنا يرد علي الشيخ بأن دليل الخيار لم يكن حديث الضرر كي يجي ء هذا البيان بل كان المدرك النص الخاص. هذا أولا، و ثانيا أن التقاص يتوقف علي التمكن من الاسترداد، و ثالثا ان التقاص يتوقف علي أن لا يكون حبس الثمن من طرف المشتري عدوانا.

و الحق علي هذا المسلك أن يكون هذا القبض كلا قبض، اذ المستفاد من رواية ابن يقطين أن الميزان باقباض البائع لا بالقبض مطلقا.

و لو مكن المشتري و لم يقبضه أفاد

الشيخ قدس سره بأن المسألة مبنية علي ارتفاع الضمان و عدمه.

و الحق أن الميزان بما يستفاد من النص، و لا يبعد أن يقال بأنه لو صدق الاقباض علي مجرد التمكين يسقط و الا فلا.

و استظهر صاحب الجواهر من بعض النصوص كخبر زرارة أن مجرد التمكن من القبض لا أثر له، اذ فيه قال «سائل ثم يدعه عنده»، و مع ذلك أجاب عليه السلام بثبوت الخيار. و أيده السيد في الحاشية و قال: ان الحق مع صاحب الجواهر، فانه يصدق الوديعة مع التمكن من الاخذ، بل يصدق حتي في صورة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 256

قوله: الشرط الثاني عدم قبض مجموع الثمن (1)

أخذ المبيع أولا و تركه عنده ثانيا.

لكن الحق مع الشيخ قدس سره، اذ غاية ما في الباب هو الاطلاق كما في كلام السيد، و من الظاهر أن الاطلاق يقيد بما في رواية علي بن يقطين و جعل الميزان بالاقباض و عدمه، فالعمدة صدق الاقباض علي التمكين و عدمه.

نعم لو شك في الصدق فلا بأس بالاخذ باطلاق رواية زرارة بهذا المقدار.

ثم ان قبض بعض المبيع كلا قبض أو كالقبض، بدعوي أنه يصدق عليه قبض المبيع أو يلتزم بالتبعض بالنسبة الي ثبوت الخيار وجوه.

لا اشكال في أن القبض علي الاطلاق لا يصدق علي قبض البعض، فهذا الوجه باطل. فأفاد الاستاذ دام ظله في المقام بأن المسألة من فروع النزاع المعروف بين الفقهاء بأن ضم ما لا يصح بيعه الي ما يصح يوجب بطلان الجميع أو صحة ما يصح، و الحق هو الثاني. و السر فيه أن المبيع ينحل بسبب أجزاء المبيع الي بيوع عديدة، فمقتضي القاعدة جريانه بالنسبة الي البعض.

و لكن الظاهر أن ما أفاده و

ان كان تاما بحسب الكبري الكلية لكن الظاهر من خبر ابن يقطين الذي هو العمدة في هذا الحكم قبض المجموع، فلا أثر في قبض البعض.

[الشرط الثاني عدم قبض مجموع الثمن]

أقول: الشرط الثاني من شرائط خيار التأخير عدم قبض مجموع الثمن.

أفاد الشيخ قدس سره ان قبض البعض كلا قبض.

و أفاد الاستاذ بأن اللازم قبض تمام الثمن لكن البيع ينحل بحسب أجزائه فبالنسبة الي ذلك المقدار يصدق انه قبض تمام الثمن، فيكون للبائع حق الخيار بالنسبة الي البقية و يجوز له الفسخ، غاية الامر انه فسخ يكون للمشتري خيار التبعض.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 257

قوله: و القبض بدون الاذن كعدمه (1).

و الحق أنه لا يمكن مساعدته، فان المستفاد من رواية زرارة بحسب الفهم العرفي لزوم قبض تمام الثمن كما عليه الشيخ قدس سره. نعم الاستدلال للمدعي برواية ابن حجاج بتقريب أن أبا بكر هكذا فهم من كلام الامام عليه السلام ليس تاما، اذ فيه: أولا ان الرواية ضعيفة السند كما تقدم. و ثانيا لم يعلم من كلام أبي بكر القاضي أنه حكم لمن و علي من، فانه ليس في الرواية دلالة من هذه الناحية. و ثالثا ان فهم أبي بكر لا فائدة فيه.

و الحق ما ذهب اليه الشيخ حيث قال: فيه نظر، خلافا للعلامة حيث استدل بالرواية. و العجب من الميرزا حيث قال علي ما في كلام مقرره: لم أفهم وجه النظر، فان وجهه ظاهر كما قال سيدنا الاستاذ دام ظله. و كيف كان ففي رواية زرارة لإثبات المدعي غني و كفاية فلاحظ.

أقول: لو قبض الثمن بلا اذن المشتري هل له أثر أم لا؟ أفاد الشيخ قدس سره بأنه لا أثر له.

أفاد الاستاذ في المقام علي ما في التقرير بأن

المستفاد من الاخبار الواردة في المقام أن الميزان للخيار عدم المجي ء بالثمن بنحو السالبة بانتفاء المحمول بأن يكون الثمن عنده و لم يجي ء به.

و بعبارة أخري: الاخبار متعرضة للصورة التي يمكن الاتيان به و لم يأت به و أما لو لم يكن ممكنا فالرواية لا تشمله، فعليه لا تكون هذه الصورة موردا لدلالة الخبر، فلا بد من أن يعمل علي طبق القاعدة.

و ما أفاده منقوض بصورة الغفلة و النسيان، فهل يمكن أن يقال بأنه لو لم يجي ء بالثمن لا يثبت الخيار، بتقريب أنه لم يكن متمكنا لغفلته، لكن مع ذلك لا يبعد أن يقال: بأن الرواية لا تشمل هذه الصورة، أي صورة قبض البائع الثمن بدون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 258

قوله: و هل هي كاشفة او مثبتة أقواهما الثاني (1).

اجازة المشتري، فان الرواية منصرفة عن هذه الصورة.

و أما ما أفاده الشيخ قدس سره من أن ضرر الضمان باق في صورة عدم قبض الثمن باذنه. فلا وجه له، فان البائع مالك للثمن و يجوز له التصرف، فلو امتنع المشتري من الاقباض للبائع أن يفسخ البيع عند الحاكم و يقبض الثمن.

لكن هذا الاشكال غير وارد علي الشيخ، اذ هو قدس سره استدركه بعد سطر بقوله: لو كان القبض عن حق فلا خيار، لان الخبر منصرف عن الصورة. و لكن الذي يتوجه الي الشيخ أن يقال: ان المدار في سقوط الخيار لو كان مجي ء المشتري بالثمن فلا فرق بين القبض عن حق و بلا حق و لا بد من الالتزام بثبوت الخيار، و ان قلنا بانصراف الدليل عن صورة القبض فلا فرق بين الرضا و عدمه أيضا و ان الخيار غير ثابت.

أفاد المحقق الايرواني أن المستفاد من

الاخبار أن القبض مانع عن الخيار علي نحو الاطلاق، فلا خيار مع القبض بلا فرق بين الصورتين.

و ما أفاده و ان كان موافقا لما ذكرناه، لكن تقريب المدعي مختلف فانا ندعي أن الرواية منصرفة عن صورة القبض، و أما الفرق بين المبيع و الثمن بأن يقال في طرف المبيع لا بد من الاذن و أما في طرف المشتري يكفي مطلق القبض، فلا وجه له كما يظهر من كلام الشيخ.

أقول: لو قلنا باشتراط الاذن فلو قبض الثمن فأجاز المشتري هل يكون كاشفة أو ناقلة؟ افاد الشيخ بأن الحق انه ناقل، و تظهر الثمرة فيما قبض قبل الثلاثة و أجاز بعدها فلا بد من السؤال من مراده، فما أفاده من أن الحق انه ناقل ان كان ناظرا الي ما أفاده في باب الفضولي من أن الاجازة ناقلة فيرد عليه انه قد مر أن مقتضي القاعدة في ذلك الباب هو الكشف، و ان كان نظره بأن مقتضي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 259

قوله: الشرط الثالث عدم اشتراط تأخير تسليم احد العوضين (1).

القاعدة النقل في المقام و ان كان الكشف هناك فالحق كما أفاده، اذ الامر التكويني لا يستند الي الشخص بالاجازة بخلاف الامور الاعتبارية كالملكية و نحوها.

ثم ان للسيد كلاما في المقام، و هو أن قبض البائع للثمن اسقاط للخيار غاية الامر لو كان بلا اذن لا يؤثر و أما بعد لحوق الاجازة فيؤثر و ان كانت الاجازة ناقلة. و كلامه مخدوش من جهات اذ يرد عليه:

أولا- ان الخيار يثبت بعد الثلاثة و القبض كان في الثلاثة.

و ثانيا- ان قبض الثمن لا يرتبط باسقاط الخيار.

و ثالثا- ان القبض لو كان اسقاطا للخيار فلا يفرق بين الصحيح و الفاسد.

و

رابعا- أنه لا معني لكون الاجازة كاشفة كما ذكرنا.

[الشرط الثالث عدم اشتراط تأخير تسليم أحد العوضين]

أقول: أفاد السيد الاستاذ دام ظله في المقام علي ما في التقرير بأن جعل حق التأخير يتصور علي ثلاثة أقسام: الاول أن تكون المدة أزيد من ثلاثة أيام الثاني أن يجعل ثلاثة أيام، الثالث أن يجعل أقل منها.

أما لو كان ازيد من الثلاثة فلا تشمله أخبار المقام، و الوجه فيه أن الاخبار الواردة في هذا الباب تتضمن حكمين: سلبي و هو عدم الخيار الي الثلاثة و ايجابي و هو الخيار بعد الثلاثة.

و لا يخفي ان الخيار في فرض التأخير علي طبق القاعدة بمقتضي الشرط الضمني، فالحكم السلبي المستفاد من أخبار الباب علي خلاف القاعدة، و شرط التأخير معناه عدم الخيار الي هذه المدة، فلا تنافي بين الاخبار و بين الشرط.

و أما ثبوت الخيار بعد الثلاثة فهو حكم علي طبق القاعدة للشرط الضمني، لكن لا مجال لهذا التقريب مع شرط التأخير، فالتأخير علي القاعدة و لا موقع للعمل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 260

قوله: الشرط الرابع أن يكون المبيع عينا او شبهه كصاع من صبرة (1).

بأخبار الباب كما هو ظاهر و لو كان حق التأخير بمقدار الثلاثة يثبت الخيار بمقتضي القاعدة الاولية و بمقتضي أخبار الباب و يكون البيع قبلها لازما، غاية الامر هذا اللزوم يكون له سببان و هما اشتراط التأخير و الروايات الخاصة. و أما لو كان أقل من الثلاثة فلا و لو جعل حق التأخير يكون البيع لازما يومين و بعد انقضائهما يثبت الخيار بمقتضي أخبار الباب. فتحصل أن النتيجة تظهر فيما يكون حق التأخير أزيد من الثلاثة، فانه بعد انقضاء الثلاثة لا يثبت الخيار بل بعد انقضاء المدة المقررة بينهما. و الحاصل انه

لا يشترط هذا الخيار بعدم اشتراط التأخير.

هذا كلامه.

و الحق أن ما أفاده غير تام، فان النص كما أفاده الشيخ قدس سره منصرف عن صورة شرط التأخير. و توضيح هذا المطلب: ان الظاهر من النص في هذا الباب أن ابتداء المدة و الاجل من حين العقد. هذا من ناحية و من ناحية أخري ان الظاهر منه أن هذا فيما يكون الوظيفة التسليم لكن جعل علي خلاف القاعدة حق التأخير، و من الظاهر أنه مع جعل اشتراط التأخير لا يكون الوظيفة التسليم بل بمقتضي القاعدة الثانوية لمن يكون عنده المال أن يؤخر تسليمه، فلا بد من الالتزام بأحد الامرين اما جعل المدة من حين العقد و اما من حين انقضاء الاجل، و كلاهما خلاف الظاهر. و يؤيد المدعي أنه ادعي الاجماع عليه في الجهة كما في عبارة الشيخ فلاحظ.

[الشرط الرابع أن يكون المبيع عينا او شبهه كصاع من صبرة]
اشارة

أقول: و الذي يمكن أن تقول به لهذا الشرط أمور:

الاول- الاجماع،

و قد تصدي الشيخ قدس سره أن الحكم مجمع عليه عندهم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 261

و فيه: ان الاجماع المنقول غير حجة و المحصل غير حاصل، مضافا الي أنه محتمل المدرك ان لم يكن مقطوعا.

الثاني- ان المدرك لهذا الخيار قاعدة نفي الضرر،

و لا ضرر فيما يكون المبيع كليا، لأنه لا ضمان عليه.

و فيه: أولا انه يتصور الضرر فيما يكون كليا، فانه يمكن أن يتصور أن الشخص قادر علي تسليم وزنة من الحنطة و لا يقدر علي أزيد من هذا المقدار، فبالتأخير يقع في الضرر، بأن لا يمكنه أن يعامل مع غير هذا المشتري.

و ثانيا: ان الدليل ليس قاعدة نفي الضرر بل الدليل الاخبار.

الثالث- الاخبار الواردة في المقام.

و لا يخفي أن رواية زرارة دالة علي الشخصية لكن لا مفهوم لها فلا بد من ملاحظة غيرها، و أما رواية علي بن يقطين فالحق أنه عام، و أنه لا فرق بين كون المبيع كليا و شخصيا.

ثم انه قد ذكر شروطا أخري لهذا الخيار:
منها عدم الخيار من ناحية أخري للبائع و لا للمشتري،

و قد نسب هذا القول الي العلامة في التحرير. و ما يمكن أن يكون وجها لهذا القول أمور:

الاول: انه قد مر آنفا بأن التأخير الذي يكون موضوعا لهذا الخيار هو التأخير لا عن حق، هذا من ناحية و من ناحية أخري أن من أحكام الخيار عدم وجوب التسليم و عدم لزوم الاقباض، فلو فرضنا ثبوت الخيار يكون التأخير عن حق فلا يكون موضوعا للخيار.

و فيه: ان المبني فاسد من أصله، و هو جواز عدم الاقباض مع الخيار، فان أثر الخيار جواز حل العقد لكن ما دام العقد باقيا يجب العمل بمقتضاه، و المفروض أن كل واحد من العوضين قد انتقل الي الطرف الاخر فيجب علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 262

كل منهما الاقباض للاخر.

و ما عن الميرزا بأنه لا يجب الوفاء في فرض الخيار فلا يجب الاقباض غير تام، اذ الوفاء عبارة عن عدم حق الفسخ و لا تنافي بين الجواز و لزوم الاقباض.

ان قلت: وجوب الاقباض هو انما بلحاظ الشرط الضمني، و حيث أن العقد جائز فلا يجب الوفاء بالشرط، لان المفروض ان دليل «أَوْفُوا» غير شامل له.

قلت: دليل نفوذ الشرط قوله عليه السلام «المؤمنون عند شروطهم» فالشرط نافذ.

ان قلت: كيف يكون العمل بالشرط لازما مع أن المفروض أن العقد جائز.

قلت: لا تنافي بين الامرين، بل لعله قد مر منا بأن العقد لو انحل باعمال الخيار يكون وجوب العمل بالشرط بحاله بل يمكن أن يقال بنفوذ الشرط

حتي فيما يكون في ضمن العقد الفاسد لتحقق أركانه و اطلاق دليل صحته و نفوذه فلاحظ.

و تفصيل الحال موكول الي باب الشروط فانتظر.

و يؤيد المطلوب أنه لو لا ذلك يلزم أن يكون مبدأ الثلاثة، من حين انقضاء المجلس لوجود خيار المجلس، و بعد انقضاء الثلاثة فيما يكون المبيع حيوانا لوجود خيار الحيوان. و هو كما تري، و الوجه في هذا الالتزام أنه لو لاه يقع التنافي بين أدلة هذا الخيار و أدلة تلك الخيارات، و الجمع بين الادلة بهذا النحو ليس جمعا عرفيا بل تبرعي، و رفع للتنافي بأي وجه كان. و من الظاهر أن الجمع التبرعي لا اعتبار به و الا لا يبقي المعارضة بين الادلة كما هو ظاهر.

الثاني: انصراف دليل هذا الخيار عن مورد وجود خيار آخر.

و فيه: أنه لا وجه لهذا الانصراف، فانه مجرد ادعاء.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 263

الثالث: ان الخيار الثابت بالتأخير للبائع بلحاظ تضرره من جهة التأخير و مع وجود الخيار لا يكون في التأخير ضرر عليه، اذ يمكنه الفسخ.

و فيه: أنه لو كان المدرك حديث لا ضرر لكان لهذا البيان مجال، و حيث أن الدليل النص الخاص في المقام فلا مجال لهذا التقريب كما هو ظاهر.

الرابع: ان مقتضي دليل الخيار ان العقد لازم قبل الثلاثة و خيار بعد مضيها و المستفاد من هذا الدليل أنه يثبت الخيار بعد الثلاثة- أي جنس الخيار- فبقانون المقابلة يفهم أن اللزوم قبل الثلاثة مطلقا فلا يكون خيار قبل الثلاثة علي الاطلاق.

و فيه: ان النفي و الاثبات في هذا الخيار راجعان الي الناحية الخاصة و هي التأخير و عدمه، فلا ينافي ثبوت الخيار من ناحية أخري.

و بعبارة أخري: الذي يفهم من الرواية

أنه لا خيار من ناحية التأخير الي ثلاثة أيام، و هذا ظاهر واضح، فالحق أن هذا الشرط فاسد و لا دليل عليه.

(و منها) تعدد المتعاقدين،

بتقريب أن هذا الخيار لا يثبت ما دام خيار المجلس موجودا. هذا من ناحية و من ناحية أخري أنه اذا كان العاقد واحدا لا يتصور سقوط خيار المجلس.

و فيه: أولا انه قد مر آنفا عدم منافاة هذا الخيار مع خيار المجلس. و ثانيا انه لا يثبت الخيار الناشئ من قبل المجلس للوكيل في مجرد الصيغة. و ثالثا يمكن اشتراط سقوطه أو اسقاطه بعد العقد.

ان قلت: المستفاد من رواية زرارة ان المشتري غير البائع.

قلت: هذا مما لا شبهة فيه، فانه لا يعقل اتحاد المشتري و البائع، لكن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 264

قوله: ثم ان مبدء الثلاثة من حين التفرق أو من حين العقد وجهان (1).

تعدد المتعاملين لا يستلزم اتحاد العاقدين، و هذا ظاهر واضح.

(و منها) أن لا يكون المبيع حيوانا أو خصوص الجارية،

و المدرك ما رواه ابن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام في جارية اشتراها و قال المشتري و جئتك بالثمن. قال عليه السلام: ان جاء فيما بينه و بين شهر و الا فلا بيع له.

و نسب الي الصدوق الحكم في مطلق الحيوان، و الحق انه لا وجه للقول به في مطلق الحيوان، فان الوارد في النص خصوص الجارية و الحمل علي المثال لا وجه له و ليس في الرواية دليل علي عدم الاقباض من طرف البائع. و أيضا المستفاد من الرواية بطلان البيع بعد شهر. و كيف كان حكم خاص في خصوص هذا النوع من المبيع، و لا وجه لتسرية الحكم الي مطلق الحيوان.

ثم ان سيدنا الاستاذ دام ظله أفاد في المقام بأن المستفاد من هذه الرواية أن الخيار ثابت و لو مع عدم اقباض المبيع، فبها يقيد ما رواه ابن يقطين و نقول:

بأن في بيع الجارية خصوصية و هي عدم

اشتراط عدم اقباض المبيع، و لو علم من الخارج اتحاد الحكم بين الموارد تقيد هذه الرواية برواية ابن يقطين، لكن الرواية من حيث أنه لم يعمل بها الا الصدوق ساقطة عن درجة الاعتبار.

و يرد عليه: أولا ان اعراض المشهور لا يسقط الخبر عن الحجية. و ثانيا انه لا تنافي بين الخبرين كي يقيد أحدهما بالاخر لأنه ليس في رواية ابن يقطين مفهوم بل حكم في مورد خاص.

[في أن مبدء الثلاثة من حين التفرق أو من حين العقد وجهان]

اقول: ان مبدأ الثلاثة من حين العقد أو من حين التفرق. أفاد الشيخ قدس سره بأنه من حيث كون الظاهر من الرواية ان مدة الغيبة ثلاثة أيام يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 265

قوله: مسألة يسقط هذا الخيار بامور (1).

المعيار بالتفرق، و من حيث ان الضمير يرجع الي المشتري يكون كناية عن عدم التقابض، و هذا هو الاقوي.

و الحق أن يقال: انه لا اجمال في الرواية، فان الظاهر أن الضمير يرجع الي الاشتراء، فيكون دالا علي أن الميزان العقد، و علي فرض الاجمال يؤخذ برواية ابن يقطين، فانها ظاهرة في أن المبدأ نفس العقد.

ثم انه لو كان في الروايات اجمال فهل مقتضي الاصل الثانوي ما ذا؟ الحق أن مقتضاه أيضا أن يحسب من حين العقد، فان الازيد من هذا المقدار- أي أزيد من الثلاثة أيام من حين العقد- ليس دليل يدل علي اللزوم، فيؤخذ بمقتضي الشرط الضمني المقتضي للخيار، و هذا ظاهر فلا تغفل.

[مسألة يسقط هذا الخيار بأمور]
اشارة

أقول: افاد الشيخ قدس سره بأنه يسقط هذا الخيار بأمور:

(منها) اسقاطه بعد الثلاثة،

و هذا أمر علي طبق القاعدة الاولية، فان هذا الخيار من الحقوق، و من الظاهر ان الحق قابل للإسقاط.

انما الاشكال في سقوطه بالاسقاط في الثلاثة من حيث أن الخيار يحصل بعد الثلاثة. و وجه الاشكال أنه اسقاط لما لم يجب. و يدفع بأنه لا اشكال في اسقاط ما لم يجب الا التعليق، و بطلان التعليق من جهة الاجماع و القدر المتيقن منه ما يكون في البيع. نعم الاسقاط علي نحو التنجيز لا يمكن حيث لا معني للإسقاط بلا تعلقه بالساقط و المفروض عدمه.

و بعبارة أخري: الاسقاط أمر تعلقي، و تحققه بلا تحقق ما يتعلق به لا يمكن، لكن الكلام و الاشكال في اصل المقتضي، فانه لا دليل علي جواز الاسقاط علي نحو الاطلاق، بحيث كلما يكون ممكنا ثبوتا نلتزم بصحته، و انما المسلم أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 266

الحق الفعلي قابل للسقوط بالاسقاط.

و أفاد الشيخ قدس سره في وجه الجواز وجوها:

الاول- ان العقد سبب للخيار، و المفروض أنه تحقق في الخارج، فيجوز اسقاط الخيار بعد تحقق العقد.

و فيه: انه ليس في الاحكام الشرعية الا تحقق الموضوع و الحكم و لا سبيل للسببية و أمثالها، مضافا الي أن السببية التامة بعد لم تحقق، فان المفروض أن الخيار لا يتحقق الا بعد مضي الثلاثة، و الاشكال في عدم الدليل علي صحة الاسقاط ما لم يتحقق في الخارج.

الثاني- جواز اشتراط سقوطه في ضمن العقد، فيجوز في المقام بالفحوي.

و فيه: كما في كلامه قدس سره بأن المدرك للجواز لو كان هو الاجماع لكان لتقريب الاولوية مجال، و لكن لو كان دليل الشرط ففي الاصل اشكال فكيف بالفرع.

و قد

أفاد الميرزا قدس سره وجها آخر للجواز، و هو أن الخيار و ان كان موضوعه بعد الثلاثة لكن مبدأ تحققه من حين العقد، فانه من حينه يجب علي المشتري بمقتضي الشرط أن يدفع الثمن و تحقق الخيار من جهة تأخير الثمن، فمعني اسقاط الخيار اجتيازه عن حق المطالبة، و هذا الحق فعلي فلا موضوع للإشكال.

و ما أفاده قدس سره متين من حيث أن حق المطالبة امر وضعي و حق قابل للإسقاط لكن يرد فيما أفاده: أولا ان اسقاط الخيار ليس معناه الاجتياز عن حق المطالبة، فان كل واحد منهما امر في مقابل الاخر. و ثانيا ان الاجتياز عن حق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 267

المطالبة لا يوجب سقوط الخيار، فان الخيار مترتب علي التأخير اعم من أن يكون التأخير عن حق أم لا، فالاشكال باق علي حاله.

اذا عرفت ما تقدم نقول: يمكن أن نتمسك بوجه آخر، و هو أن هذا الخيار ليس كالخيار التعبدي المجعول من قبل الشارع كخياري المجلس و الحيوان، بل خيار ثابت بمقتضي الشرط، و من الظاهر أن الشارط بشرطه يملك ما شرطه علي المشروط عليه، و هذه الملكية فعلية و قابلة للتصرف فيه فلا مانع من رفع اليد عنه و اسقاطه. مثلا لو اشترط البائع علي المشتري خياطة ثوبه بعد شهر و بعد البيع لو أسقط الشرط هل يشكل بأنه لا يجوز حيث أن ظرف الخياطة غير متحقق، و المقام كذلك.

و مما ذكر يظهر أمر، و هو أنه لو شرط البائع علي المشتري أن يحج عن أبيه في موسم الحج و قبل مجي ء الموسم مات الشارط و بعد مجي ء الموسم لم يحج المشتري يكون خيار تخلف الشرط للميت أو للوارث، فان

قيل للميت قلنا الميت ليس قابلا لان يملك شيئا بعد الموت، و ان قيل للوارث قلنا ان الارث يتعلق بما تركه الميت و المفروض أنه لم يترك شيئا و مع ذلك كيف يمكن الالتزام بعدم الخيار.

و حل هذه الشبهة بما ذكرناه، فان الشارط بشرطه يملك شيئا علي المشروط عليه، و هذا الحق المملوك له ينتقل بالارث الي وارثه. نعم لو لم يرجع الاسقاط الي ما ذكرناه و بلا اسقاط الحق الفعلي و مع ذلك يسقط خياره في ظرفه يبقي الاشكال بحاله و لا دافع له.

(و منها) اشتراط سقوطه في ضمن العقد،

أفاد الشيخ في المقام بأن المدرك لصحة هذا الشرط لعله عموم الشرط. ثم أورد بأن شمول عموم الشرط يتوقف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 268

علي جواز الشرط في حد نفسه و الا يشكل، اذ الشرط لا يوجب مشروعية ما لا يجوز بلا شرط.

و لا يخفي أنه قد مر تفصيل هذا البحث في بحث مسقطات خيار المجلس و لا نعيد. و محصل ما ظهر مما قلنا هناك: أن الدليل علي صحة هذا الشرط النص الخاص الوارد في باب المكاتبة، و هو ما رواه ابن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن رجل- الي أن قال- بشرط أن لا يكون لك الخيار علي أبي اذا أنت ملكت نفسك. قال عليه السلام: لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم «1». فانه يفهم من هذه الرواية بحسب الفهم العرفي أن شرط سقوط الخيار المتأخر عن زمان العقد صحيح و جائز. فبملاحظة هذه الرواية لا بأس أن نلتزم بجواز هذا الشرط و الا يشكل الامر كما حققناه فيما تقدم من بحث خيار المجلس فراجع.

(و منها) بذل المشتري للثمن بعد الثلاثة.

قال الشيخ قدس سره فان المصرح به في التذكرة سقوط الخيار حينئذ، و قيل بعدم سقوط الخيار بذلك استصحابا، و هو حسن لو استند الي الاخبار- انتهي موضع الحاجة من كلام المصنف.

و ملخص ما أفاده قدس سره في المقام هو الفرق بين أن يكون الدليل النص و بين أن يكون حديث نفي الضرر، فانه علي الاول لا مانع من استصحاب الخيار.

و فيه: يرد أولا انه لو استندنا الي الاخبار فلا نحتاج الي الاستصحاب، اذ يكفي اطلاق النص، فان مقتضي مفهوم قوله عليه السلام «و الا فلا بيع له» ان عدم المجي ء بالثمن في

الثلاثة يوجب الخيار، أعم من لا يجي ء بالثمن أو جاء به بعد الثلاثة.

ثانيا- ان الاستصحاب في الحكم الكلي غير جار علي المبني للمعارضة.

و أفاد قدس سره بأنه لو كان المدرك حديث نفي الضرر فلا وجه للخيار، لان

______________________________

(1) الوسائل، الباب (17) من ابواب المكاتبة الحديث (1).

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 269

المفروض أن الضرر غير موجود الان و القاعدة لا تتدارك الضرر السابق فالحكم اللزوم.

و أفاد الاستاذ في المقام علي ما في التقرير: بأنه لو كان ما أفاده تاما لا يكون وجه للخيار كما أفاده، لكن لا وجه للزوم أيضا، لان اللزوم حكم واحد مستفاد من قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فاذا ارتفع في زمان فلا وجه لعوده لأنه حكم واحد، فاذا سقط لا دليل علي ثبوته. اللهم الا أن يدفع المشتري الثمن في الان المتصل بآخر زمان الثلاثة، فانه في هذا الفرض لا مانع من جريان استصحاب اللزوم، لكنه مجرد فرض و لا واقع له. هذا كلامه.

و يرد فيه: أولا ان عموم «أَوْفُوا» محكم، و لا وجه لرفع اليد عنه الا في مقدار دلالة الدليل كما ذكرنا كرارا، فالمرجع عموم «أَوْفُوا» و لا منافاة بين بقاء اللزوم و بين أن يكون حكما واحدا و لا يكون له عموم زماني.

و ثانيا: انه لا مجال لاستصحاب اللزوم حتي مع فرض الاتصال بزمان انقضاء الثلاثة لمعارضته بعدم الجعل.

و ثالثا: أن ما ذكره لو فرض تاما لكن تكون النتيجة هو اللزوم، لأنه مع الشك في صحة الفسخ حكم ببقاء الملكية، و هذا معني اللزوم.

هذا ما يرجع الي كلام سيدنا الاستاذ دام ظله، و أما ما أفاده الشيخ قدس سره في هذا المقام فحاصله: انه لو كان الدليل حديث نفي الضرر

فلا مجال لبقاء الخيار لان المفروض أن الضرر مرتفع حين البذل و الضرر السابق لا يتدارك بالقاعدة، و لا يكفي تحقق الضرر سابقا، اذ المستفاد من القاعدة ان المنفي الضرر الفعلي، و المفروض أنه لا ضرر فعلا.

و يظهر من كلامه أنه لا يري جريان الاستصحاب، و لذا أورد عليه السيد في الحاشية بأنه يجري الاصل مع شرح طويل. و لكن الذي يسهل الخطب أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 270

المدرك ليس حديث نفي الضرر، مضافا الي أن الاستصحاب معارض بعدم الجعل، و حيث ان المدرك هو النص و قلنا انه مطلق و لا وجه لما أفاده من انصرافه الي صورة التضرر الفعلي، فان كون الملاك هو دفع الضرر عن البائع لا يوجب الانصراف فالمحكم اطلاق النص، و عليه ما أفاده العلامة لا يخلو عن ضعف.

(و منها) أخذ الثمن من المشتري.

قال الشيخ قدس سره بناء علي عدم سقوطه بالبذل.

و لا يخفي أنه ليس الاخذ دائما مترتبا علي البذل كي يتجه ما أفاده، بل يمكن تحقق الاخذ بلا أن يتحقق البذل، كما لو أخذه بلا اذن من المشتري فلا موقع لهذا الكلام. و كيف كان ما قيل في وجه سقوط الخيار بالبذل أنه التزام فعلي بالبيع فيسقط به.

و فيه: أنه لا وجه لسقوط الخيار بالاخذ، فان مجرد الاخذ لا يستلزم سقوط الخيار، فان للبائع أن يأخذ الثمن لأنه حقه، و لكن مع ذلك يمكن أن يستفيد من حقه الخياري و يفسخ فلا وجه لهذا المدعي. و الحاصل انه لا وجه للسقوط بالاخذ الا ان يقصد به الاسقاط، و حيث ان الاصل عدم قصد الاسقاط فلا يحكم به الا مع العلم أو الاطمئنان العقلائي أو اقامة حجة شرعية فلا يعبأ بالظن فكيف

بمجرد الاحتمال.

و لا يقاس المقام بباب سقوط خيار الحيوان، فانه بلحاظ النص الخاص الوارد فيه، مضافا الي أن في مورد الحيوان التصرف وقع في مال نفسه، و في المقام لا يكون التصرف في مال نفسه مطلقا، كما لو فرض أن الثمن كلي فانه يحتمل أن يكون بعنوان العارية أو الهبة، و احتمال العارية أو الهبة مخصوص بما يكون الثمن كليا اما في الثمن الشخصي فلا معني لهذا الاحتمال، اذ المفروض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 271

قوله: و هل يسقط الخيار بمطالبة الثمن (1).

قوله: مسألة في كون هذا الخيار علي الفور أو التراخي (2).

أن الثمن ملك للبائع فلا يتصور العارية أو الهبة.

ثم ان ما أفاده الشيخ بأن خير الوجوه أوسطها و لكن الاقوي الاخير، لا يخلو عن تناقض فلاحظ.

فتحصل مما ذكرنا أنه لا وجه لسقوط الخيار بالاخذ، فانه لا دلالة علي اسقاط الخيار حتي في خيار الحيوان فكيف بالمقام فان الاخذ لا يدل علي الاسقاط بأي نحو من الدلالات.

[هل يسقط الخيار بمطالبة الثمن]

أقول: الحق هو عدم السقوط، فان مطالبة الثمن لا يدل علي اسقاط الخيار لا في المقام و لا في سائر الخيارات، لا لان المطالبة ليست تصرفا، فان المسقط لا يلزم أن يكون تصرفا، و التصرف انما يكون مسقطا اذا قصد به الاسقاط بل لأنه لا مقتضي فيه للإسقاط.

و لا يخفي أن المدرك لهذا الخيار ليس حديث الضرر كي يكون مجال لما أفاده الشيخ من الفرق بين كون الضرر الموجب للخيار هو الاستقبالي، بخلاف الضرر في البيع الغبني، فانه لا موضوع لهذا البحث، فان الدليل هو النص الخاص المضي للشرط الضمني الواقع بين المتبايعين.

[مسألة في كون هذا الخيار علي الفور أو التراخي]

أقول: هذا الخيار فوري أم تراخي، أفاد الشيخ قدس سره بأنه قد مر ما يكون مستند الكل من القولين و قد مر أن المستند للفورية عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بتقريب أن الخارج منه مقدار و في غيره يكون العموم مرجعا، و المستند للخيار استصحاب الخيار.

و الحق من هذين القولين قد ظهر مما مر، فان الحق أن عموم العام متبع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 272

و لا مانع من الاخذ به الا في مقدار خرج بالدليل. و الاشكال فيه: بأنه ليس فيه عموم زماني غير جار كما عرفت آنفا فلا مجال للاستصحاب. مضافا الي أن الاستصحاب في أمثال المقام لا يجري علي مذهب الشيخ لأنه شك في المقتضي كما هو ظاهر.

اضف الي ما ذكرنا أنه معارض بأصالة عدم الجعل. و لكن هذا كله مع فرض الشك، و أما بالنظر الي النص الوارد في المقام فلا مجال لهذا البحث، فان مقتضي اطلاقه بقاء الخيار.

و هذا هو الوجه لما أفاده الشيخ قدس سره بأن الجواز أقرب الي البطلان المستفاد من قوله عليه السلام «لا بيع له»

كي يرد عليه كما عن الميرزا بأن الاقربية لا يوجب الحمل عليه. مضافا الي أنه قد مر بأن قوله عليه السلام «لا بيع» لا يدل علي البطلان، حيث نسب الي خصوص المشتري.

و ملخص الكلام في المقام يمكن أن يستدل للتراخي بأحد وجوه:

الاول- أن نقول ان قول عليه السلام «لا بيع له» ظاهر في الخيار و باطلاقه يثبت التراخي.

الثاني- أن نقول بأنه ظاهر في نفي الصحة، لكن ببركة الاجماع نحكم بالصحة مع الجواز، و باطلاق نفي الصحة نحكم بالجواز المتراخي.

الثالث- ان نقول بأنه مجمل، و يحتمل أن يكون ناظرا الي نفي الصحة كما يمكن أن يكون ناظرا الي نفي اللزوم، و ببركة الاجماع نحكم بالصحة و ببركة الاستصحاب نحكم ببقاء الجواز، لكن يرد فيه: أنه معارض بعدم الجعل و لنا أن نقول: بأن الظاهر من النص هو الفساد علي الاطلاق، لكن قبل الفسخ

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 273

قوله: مسألة لو تلف المبيع بعد الثلاثة كان من البائع اجماعا (1).

لا يفسد قطعا و أما بعد الفسخ فحيث لا دليل يحكم بالفساد. و هذا معني كونه جائزا أو خياريا فلاحظ.

[مسألة لو تلف المبيع بعد الثلاثة كان من البائع اجماعا]

أقول: لو تلف المبيع بعد الثلاثة يكون من مال البائع أم لا؟ قال الشيخ قدس سره: كان من مال البائع اجماعا مستفيضا بل متواترا كما في الرياض، و يدل عليه النبوي المشهور و هو قوله صلي اللّه عليه و آله: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه «1».

و لا يخفي أن النبوي ضعيف سندا، و عمل المشهور به لا يجبره، و الاجماعات يحتمل أن تكون مستندة الي النبوي. و لكن الظاهر أن الحكم في الجملة مسلم فيما بينهم. و لا يخفي ان هذا حكم المبيع

الذي لم يقبض من المشتري.

و ربما يقال: بأنه يقع التعارض بين هذه الرواية و قاعدتين أخريين: احداهما قاعدة الخراج بالضمان «2»، ثانيتهما قاعدة التلف في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له «3».

و يجاب عن القاعدة الاولي:

أولا- بأنه لا دليل عليها.

و ثانيا- ان قاعدة الخراج بالضمان أعم من قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فان مورد الثانية اوسع فتخصص بالاولي كما هو الميزان.

و ثالثا- المستفاد من الرواية النبوية بحسب النظر فيها ان الخراج في مقابل الضمان المعاملي، فكل ضمان معاملي يستلزم الخراج، و في المقام الضمان جعلي

______________________________

(1) المستدرك، الجزء (2) الصفحة 473.

(2) مبسوط الجزء (2) الطبع الجديد الصفحة 126.

(3) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من ابواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 274

و مولوي لا معاملي.

و رابعا- ان المورد خارج تخصصا، فانه بحكم الشارع التالف يرجع الي ملك من في يده المال. و عليه فلا تختل قاعدة الخراج بالضمان.

و يجاب عن الثانية- و هي قاعدة كل مبيع في زمن الخيار فهو ممن لا خيار له المستفادة من بعض الروايات «1»، فيجاب عنها بوجوه:

الاول: انه قيل باختصاصها بخيار الحيوان و المجلس و الشرط كما في كلام المصنف و انتظر لتحقيق الحال فيها فيما يجي ء من أحكام الخيار إن شاء اللّه تعالي.

الثاني: ان القاعدة بحسب ما يستفاد من النص اختصاصها بما بعد القبض و لا اتحاد بين القاعدتين بحسب المورد.

الثالث: ان تلك القاعدة ناظرة الي أن من له الخيار اذا تلف ما انتقل اليه فهو علي من عليه الخيار، و في المقام أثبت الضمان علي من يكون له الخيار فكم فرق بين الامرين. و لو تلف في الثلاثة فالمشهور كما في كلام المصنف ان ضمانه علي البائع

أيضا و ادعي عليه الاجماع في كلام جماعة من الاعلام، كما أن علي خلافه ادعي الاجماع و ذهب اليه المفيد و غيره.

و ما يمكن أن يكون مدركا للمشهور أمور: منها الاجماع، و منها النبوي المتقدم، و منها ما رواه عقبة بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتي يقبض المتاع- الخ «2» فان هذه الرواية دالة علي كون التلف في الثلاثة حيث ان المشتري قال آتيك بالثمن غدا فسرق المتاع. فلاحظ.

______________________________

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الخيار.

(2) الوسائل الباب (10) من ابواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 275

قوله: مسألة لو اشتري ما يفسد من يومه فان جاء بالثمن ما بينه و بين الليل و الا فلا بيع (1).

و لكن هذه الوجوه الثلاثة كلها مخدوشة، فان الاجماع المنقول غير حجة و المحصل منه غير حاصل، مضافا الي أنه مدركي، و النبوي ضعيف و لا ينجبر بالعمل و الرواية لا اعتبار بها من جهة محمد بن عبد اللّه بن هلال فان تم الامر بالتسالم فهو و الا يشكل الحكم علي طبق المشهور. و لو مكنه و لم يقبض فلو قلنا بصدق القبض بالتمكين يترتب عليه حكم القبض فلا يكون تلفه عليه بعده. و أما لو قلنا بأن القبض لا يتحقق بالتخلية و التمكين يترتب عليه حكم التلف قبل القبض و لا وجه لما أفاده الشيخ من انصراف الدليل الي غير هذه الصورة.

[مسألة لو اشتري ما يفسد من يومه فإن جاء بالثمن ما بينه و بين الليل و إلا فلا بيع]

أقول: لو اشتري ما يفسد من يومه كالبقولات و الخضروات فأفاد الشيخ قدس سره بأنه ان جاء بالثمن ما بينه و ما بين الليل فهو و الا فلا بيع له.

و لا يخفي أن المتاع

لو فرض فساده في اليوم فلا أثر للخيار في الليل أعم من أن يكون المدرك النص أو قاعدة لا ضرر، و لذا ما أفاده في الدروس من كون هذا الخيار خيار ما يفسده المبيت متين، فلا بد أن يكون المراد بالعموم مجموع اليوم و الليل، كما أطلق هذا المعني في بعض الموارد، و يكون المراد بالفساد الاشراف عليه لا تحققه. و كيف كان يمكن أن يكون المدرك لهذا الخيار أحد أمور:

الاول- النص الخاص، و هي مرسلة محمد بن ابي حمزة أو غيره عن ابي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يشتري ما يفسد من يومه و يتركه حتي يأتي بالثمن.

قال: ان جاء فيما بينه و بين الليل بالثمن و الا فلا بيع له. و هذه الرواية من حيث الدلالة لا يبعد أن تكون دالة علي الفساد كما مر آنفا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 276

و أما مرسل صدوق في الفقيه بقوله «العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطيخ و الفواكه يوم الي الليل»، فيحتمل أن يكون من كلام الصدوق لا من كلام الامام. و عن الجواهر انه الظاهر مضافا الي انه مرسل و لا اعتبار به.

و أما نقل صاحب الوسائل بأن الرواية مستندة فاشتباه منه، كما يظهر اشتباهه من نقله الرواية مرسلة في الباب التاسع من أبواب الخيار و الخامس منها.

فلاحظ.

و أما من حيث الدلالة فيمكن أن يكون المراد من قوله عليه السلام «العهدة فيما يفسد من يومه» ان تلف المبيع من البائع يكون الي الليل، و تكون الرواية مخصصة لقاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه. و يمكن أن يكون المراد من العهدة عهدة البيع، أي يكون البيع لازما

يوما واحدا و بعده يكون جائزا، أعم من أن جاء المشتري بالثمن أم لا، غاية الامر مقيد برواية ابن حمزة.

الثاني- الشرط الضمني علي حسب الارتكاز العقلائي، و هذا لا اشكال فيه و لكن مقتضاه ثبوت الخيار بالتأخير مطلقا، و ليس محدودا بهذا الحد كما هو ظاهر.

الثالث- قاعدة نفي الضرر، فان مقتضاها ثبوت الخيار فيما يكون اللزوم ضرريا. و هذا التقرير تام علي مسلك القوم في مفاد القاعدة، و أما علي ما سلكناه فلا تقتضي الخيار كما هو واضح. مضافا الي انه مع ثبوت الخيار بمقتضي الشرط الارتكازي لا يكون مجال للقاعدة، فان البيع لا يكون لازما برفع الزامه بالقاعدة.

ثم انه هل يتعدي الي بقية الموارد كما لو كان المبيع مما يفسد في نصف اليوم، لو قلنا بضعف المدرك كما قلنا فلا مجال لهذا البحث، كما أنه علي فرض التنزل لا وجه للتعدية فانها تحتاج الي الدليل. نعم يكون الشرط الارتكازي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 277

قوله: ثم الظاهر ان شروط هذا الخيار شروط خيار التأخير (1).

جاريا علي القاعدة.

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 277

[ثم الظاهر أن شروط هذا الخيار شروط خيار التأخير]

أقول: ان الشيخ أفاد بأن الظاهر شروط هذا الخيار شروط خيار التأخير.

لا يخفي علي ما ذكرنا لا يبقي مجال لهذا البحث، و أما مع الاغماض فالظاهر أنه لا وجه للالتزام بوحدة الفرعين، فانه لا يبعد أن يكون الخيار في ذلك المقام ناشئا من تأخير الثمن. و في المقام ناشئا من عدم قبض الثمن.

نعم بعض الشرائط ملحوظ في المقام، لكن علي حسب القاعدة لا من باب لحاظ تلك الشرائط، فان المبيع لو قبض

لا يبقي مجال للخيار، فالميزان بقبض الثمن لا بعدم مجي ء الثمن.

ان قلت: الظاهر من رواية علي بن حمزة ان الموضوع عدم مجي ء المشتري بالثمن و مجيئه.

قلت: المفهوم من الرواية أن مجي ء المشتري بالثمن يكون مقدمة لقبض الثمن. فلاحظ الرواية و تأمل فيها تصدق مقالتنا.

و الحاصل ان الميزان بقبض الثمن فهذا شرط لازم، كما أنه لا بد من كون المبيع شخصيا اذ لا يتصور الفساد في الكلي في الذمة.

ثم ان المراد بالفساد الوارد في النص ليس الفساد الحقيقي كما أفاد الشيخ، فان الفواكه و الخضروات ليست تفسد حقيقة بمرور يوم واحد، بل تنقص قيمتها بزوال طراوتها كما هو المشاهد في الاسواق. فلا يرد عليه الاشكال بأن معني الفساد هو الحقيقي، و أما تغيير الصورة النوعية فهو تلف لا فساد.

و هل يلحق بالفساد فوات السوق أم لا؟ لو كان المدرك النص الخاص فالحق أنه لا يشمله، و لو كان حديث نفي الضرر فلو قلنا بأن فوات السوق يكون داخلا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 278

قوله: السادس خيار الرؤية، و المراد به الخيار المسبب عن رؤية المبيع علي خلاف ما اشترطا فيه المتبايعان (1).

في التلف يشمله الحديث لأنه ضرر علي البائع، و أما لو لم يكن كذلك فان لم يجي ء المشتري بالثمن يكون لزوم البيع ضررا علي البائع، كما هو ظاهر حديث أنه محروم من التصرف في الثمن و في المبيع، لكن ذكرنا أن المدرك هو الشرط الارتكازي يجري في هذا الفرض أيضا كما هو ظاهر.

[القسم السادس خيار الرؤية]
اشارة

أقول: لا يخفي لو عنون البحث بهذا العنوان لا يبقي مجال، للبحث عن دليل هذا الخيار، لأنه يدخل في خيار تخلف الشرط، و الحال أن المدعي خيار الرؤية خيار برأسه في قبال

بقية الخيارات كما عده الشهيد. و كيف كان

ما يمكن أن يستدل به لإثبات هذا الخيار أو استدل به أمور:
الاول- الاجماع.

و فيه ما يرد في غيره من الموارد، فان الاجماع في مثال المقام لو لم يكن مقطوع المدرك فلا أقل من احتمال كونه مدركيا فلا اعتبار به.

الثاني- حديث نفي الضرر،

بتقريب أن لزوم العقد ضرري و الضرر منفي في الشريعة. و فيه:

أولا: انه علي مسلكنا لا مجال للاستدلال للمدعي كما هو ظاهر.

و ثانيا: ان الضرر انما نشأ من أصل العقد لا من لزومه. و بعبارة أخري:

ان العقد اما وقع علي الاطلاق بلا اشتراط الخيار لو ظهر مخالفا لما يكون منظورا، و اما مع شرط الخيار. أما علي الثاني فلا مجال للتمسك بحديث نفي الضرر، لان المفروض ثبوت الخيار بالتخلف، و أما علي الاول فلا يشمله الحديث، لان المفروض أن المكلف بنفسه أقدم علي الضرر، مضافا الي أنه لو كان ضرريا يكون المتضرر مغبونا، فلا حاجة الي اثبات خيار الرؤية.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 279

و ثالثا: لا يكون تخلف الوصف دائما موجبا للضرر بل ربما لا يكون ضرر.

نعم تخلف الغرض الشخصي و هذا غير الضرر. نعم يتصور الضرر في الامور الشخصية و لكن يجري فيه ما قلنا في الضرر النوعي المتوجه الي الشخص.

و للأستاذ كلام في المقام علي ما في التقرير، و هو أن الضرر المتصور في المقام ناشئ من أصل المعاملة لا من لزومها.

ان قلت: نحكم بفساد المعاملة لكونها ضرريا.

قلت: حديث لا ضرر انما يرفع الاحكام الضررية التأسيسية كوجوب الوضوء الضرري، و أما الاحكام الامضائية الضررية فلا يشملها الحديث، و حيث ان صحة البيع حكم عقلائي لا يكون مشمولا للقاعدة.

و فيه: ان هذا الدعوي بلا دليل، و لا وجه لهذا التقييد، بل مقتضي الاطلاق عدم الفرق العمدة في الاشكال ما ذكرناه.

الثالث- النصوص:

منها ما رواه جميل قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل اشتري ضيعة- الي أن قال- فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: انه لو قلب منها و نظر الي تسعة و

تسعين قطعة ثم بقي منها قطعة و لم يرها كان له في ذلك خيار الرؤية «1»، بتقريب أن القطعة غير المرئية ظهرت علي خلاف ما كان يتصور فبعد الرؤية يكون له الخيار.

أفاد الاستاذ في المقام علي ما في التقرير ان في هذه الرواية ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الاول- أن يكون المراد من النظر النظر قبل البيع الي تسع و تسعين قطعة من الضيعة و عدم النظر الي قطعة، فيكون البيع غرريا فيكون باطلا.

و بطلان تلك القطعة يوجب بطلان البيع بالنسبة الي تمام الضيعة من باب أن ضم

______________________________

(1) الوسائل الباب (15) من ابواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 280

المجهول الي المعلوم يوجب بطلان المركب منهما، و يكون المراد من الخيار الاختيار في تجديد البيع الصحيح و رفع اليد عن المعاملة. و علي هذا الاحتمال لا يكون الخبر مرتبطا بما نحن فيه.

الاحتمال الثاني- ان يكون المراد بالنظر النظر بعد البيع و هو لا يكون موجبا للخيار، مضافا الي ان الخيار المبحوث عنه في المقام خيار الرؤية و خيار عدم الرؤية.

الاحتمال الثالث- ان يكون المراد من عدم الرؤية عدمها بعد الاشتراء و المراد بالرؤية الوجدان، أي بعد الاشتراء لم يجد ما اشتراه و قد يستعمل الرؤية في لوجدان كقوله تعالي «لا تري أمتا و لا عوجا»، فيكون المراد بالخيار خيار تبعض الصفقة و يكون علي القاعدة، و لكن لا يرتبط بالمقام، فالرواية لا دلالة فيها علي المقصود، و هذا ما أفاده الاستاذ دام ظله.

فالحق ان ما أفاده غير تام، فان الظاهر من الرواية ان البيع فرض صحيحا و الامام أمضي هذا الفرض و انما يسأل الراوي عن حقه في استقباليته، فأجاب الامام بأنه له فيها خيار الرؤية. و ليس

هذا بحسب الفهم العرفي الا تخلف تلك الاوصاف المتصور في القطعات فكأنما المشتري فتش و جزم بأن الضيعة بتمامها من سنخ واحد و لكن انكشف له الخلاف بعد البيع كما هو المترائي في المعاملات المقدار له، فالحق أن الرواية لا قصور فيها من حيث الدلالة علي خيار الرؤية المبحوث عنه. فلاحظ و تأمل.

و منها ما رواه زيد الشحام عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و فيها قال لا تشتر شيئا حتي تعلم اين تخرج سهم، فان اشتري فهو بالخيار اذا خرج. و تقريب الاستدلال بالرواية أنه لو خرج السهم المشاع علي خلاف ما وصفه البائع يكون المشتري

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 281

بالخيار بعد الرؤية.

و أفاد الشيخ قدس سره بأنه لم يعلم وجه الاستدلال بهذا الخبر، لأنه لو اشتري بنحو المشاع فلا موقع لخيار الرؤية، و ان اشتري بنحو الفرد المعين الذي يعين بعد ذلك فهو باطل، و علي فرض صحته لا يجري فيه خيار الرؤية. و لكن ان المراد اشتراء عدد معين بنحو الكلي في المعين و يكون المراد من الخيار خيار الحيوان.

و يرد فيما أفاده من أن عدم جريان خيار الرؤية في المشاع ليس علي ما ينبغي فانه أي فرق بين المبيع الشخصي و المشاع.

و أما ما أفاده قدس سره من البطلان فيما يكون البيع متعلقا بالفرد المعين فلا يبعد أن يكون نظره الي سهمه قبل التعيين لا يكون ملكا له فلا يجوز بيعه.

و أما لو كان نظره في وجه الفساد الي عدم تعينه فيمكن أن يرد فيما أفاده بأنه معين عند اللّه فلا محذور فيه.

و أما علي فرض الصحة فلا وجه لخيار الرؤية كما في كلامه فغير تام، فانه لا مانع من

جريان الخيار فيه.

و أما ما أفاده من امكان كون المراد بالخيار خيار الحيوان و من البيع بيع الكلي في المعين فالظاهر أن نظره الي عدم جريان خيار الحيوان الكلي، فلا بد من التقسيم.

و فيه: أنه علي فرض شمول الدليل للكلي فلا وجه لثبوت الخيار بعد التقسيم بل يثبت من أول الامر، و لو فرض عدم شموله للكلي فلا وجه لثبوته بعد التقسيم لأنه حين البيع لم يتحقق موضوع الخيار علي الفرض و بعد التقسيم لم يتحقق بيع. و بعبارة أخري: ان خيار الحيوان يثبت من حين البيع، و المفروض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 282

عدم شموله للمقام من حينه، فلا وجه لثبوته بعد ذلك. مضافا الي أنه لو سلم عدم شموله للكلي للانصراف يشكل شموله لما يعرضه التشخص، اذ يمكن أن يقال بانصرافه الي ما يكون متشخصا بالذات لا بالعرض.

هذا ما يرجع الي كلام الشيخ، و أما حق القول في الرواية أن يقال: لا يبعد أن يكون المراد بطلان الاشتراء قبل التقسيم، و المراد بالخيار الخيار في الاشتراء الجديد بعد التقسيم لا الخيار المصطلح. و لعل الوجه في البطلان ان المراد بالسهم ما يخرج بعد التقسيم، و من الظاهر أنه قبل التقسيم لا يكون من له السهم مالكا لتلك الحصة المعينة.

و يحتمل أن يكون المراد من الخيار خيارا استقلاليا في قبال بقية الخيارات بأن يكون البيع صحيحا لكن بعد اخراج السهم و يكون المشتري بعد خروج السهم بالخيار. و لكن هذا الاحتمال بعيد، و كيف كان لا ترتبط هذه الرواية بما نحن فيه.

و منها: ما عن منهال القصاب «1» و هذه الرواية كما تري لا ترتبط بهذا البحث مضافا الي ضعف سندها، فالعمدة صحيح جميل.

الرابع- الشرط الارتكازي،

و الظاهر أنه أمر عقلائي و يشمله دليل صحة الشروط. و ما يمكن أن يرد فيه و يبحث عنه قد تقدم في الابحاث السابقة فلا نعيد.

ثم هل يختص هذا الخيار بالمشتري أو يعم البائع؟ لا شبهة في أنه لو كان المدرك الشرط الارتكازي يعم البائع، كما أن الامر كذلك لو كان المدرك الاجماع أو حديث نفي الضرر. و أما لو كان المدرك النص فلا شبهة في عدم شمول صحيحة جميل للبائع، و حمل كلامه عليه السلام علي العموم- بدعوي أن ذكر المشتري

______________________________

(1) الوسائل الباب (12) من ابواب عقد البيع الحديث 8.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 283

قوله: مسألة مورد هذا الخيار بيع العين الشخصية (1).

من باب المثال في كلام السائل- عهدتها علي مدعيها.

[مسألة مورد هذا الخيار بيع العين الشخصية]
اشارة

أقول: الظاهر عدم الفرق بين أن يكون المبيع شخصيا خارجيا أو كليا في المعين أو كليا مشاعا، و ان المدرك لو كان هو الاجماع أو الارتكاز العقلائي أو قاعدة نفي الضرر فعموم الحكم واضح، و أما لو كان المدرك النص فأيضا يفهم العرف عدم الفرق، فكما أيضا لا يفرق بين الضيعة و غيرها فكذلك لا يفرق بين المذكورات. و لا يبعد أن يكون نظر الشيخ أيضا الي ما ذكرنا. نعم لا يجري في الكلي في الذمة، اذ لا يتصور فيه خيار الرؤية كما هو ظاهر.

ثم ان في هذه المسألة عدة اشكالات:
(الاول) أنهم ذكروا و اشترطوا في صحة العقد ذكر ما يتفاوت المبيع بلحاظ ثمنه،

فان الاوصاف الدخيلة في اختلاف الثمن لا بد من ذكرها. و أيضا اشترطوا ذكر ما يعتبر ذكره في باب السلم، و الحال أنه فرق بين هذين الضابطين، فان الضابط في باب السلم أوسع دائرة من الضابط في المقام، اذ التضيق في باب السلم يوجب عزة الوجود أو تعذره، و أيضا يتعذر في باب السلم استقصاء الصفات بخلاف ما نحن فيه، فكيف يمكن جعل كل من الامرين ضابطا للصحة في المقام. و ادعاء الاجماع عليه مع أنه من الجمع بين المتنافيين.

و الجواب عن هذا الاشكال: ان مرجع الامرين الي شي ء واحد. و توضيح المدعي: ان الغرر انما ينشأ من الجهل بالصفات الدخيلة في الرغبات بحسب النوع و توجب زيادة القيمة و نقصانها. و بعبارة أخري: الصفات الدخيلة في الرغبات الموجبة لاختلاف قيمة الاشياء علي ثلاثة أقسام:

القسم الاول- ما يكون قوام الشي ء به كالبقرية و الحمارية و غيرها من المقومات

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 284

الحقيقية، و مثله ما يكون مقوما عرفيا كالرجولية و الانوثية. و يلحق بما ذكر كل صفة دخيلة في عمدة القيمة و يكون معتدا به عند العقلاء ككتابة

العبد و قوته و شباب الجارية و جمالها الي غيرها من الصفات الملحوظة عند العقلاء التي تختلف الرغبات باختلافها.

القسم الثاني- ما يكون دخيلا في اختلاف الرغبات لكن لا بمقدار يعتد به بل بمقدار يصير غير قابل لبروز الخلاف.

القسم الثالث- ما يكون دخيلا في الجهات الشخصية، ككون هذا الخط خط الوالد، و المعتبر ذكره في العقد او للاطلاع عليه من الخارج.

أما القسم الاول فانه مع الجهل به يتحقق الغرر، و أما القسم الثاني و الثالث فلا يلزم العلم بهما و لا ذكرهما، اذ لا يوجب الجهل بهما الغرر المنهي، فلا موجب لاشتراط ذكره أو العلم به. و من الظاهر أنه يعتبر في السلم ذكر ما يكون من القسم الاول كما يعتبر في البيع العين الحاضرة، و لو فرض تعذر وجوده نلتزم بفساد البيع و لا نبالي، فلا خلاف بين الضابطين.

(الثاني) ان الاوصاف التي يختلف بها الثمن غير محصورة خصوصا في العبيد و الاماء،

و الاحالة علي المعظم احالة علي المجهول. و أجاب المصنف بأن الميزان في الصحة رفع الغرر العرفي الذي أخص من الغرر الشرعي.

و لا يخفي أنه ليس للغرر حقيقة شرعية كي يكون تفاوت بين المعني العرفي و الشرعي، لكن ما أفاده هو الميزان، فانه يلزم رفع الغرر و الخطر اما بالتوصيف و اما بالمشاهدة، و لو لاه لكان البيع فاسدا لفساد الغرر فلا اشكال.

(الثالث) انه لو كان ذكر الاوصاف بمنزلة الرؤية فلا بد في صحة البيع من رؤية المبيع و مشاهدته كاملا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 285

مع انهم يكتفون في المشاهدة بأقل من هذا المقدار، و الحال أن المدرك واحد و هو لزوم الغرر.

و الجواب: ان الميزان في المشاهدة و التوصيف ارتفاع الغرر، و هو يرتفع بمشاهدة ما يكون دخيلا في اختلاف الثمن. و بعبارة أخري: يكفي الاطلاع علي مقدار لا يقدم العقلاء في الاقل منه. نعم المسامحات العرفية لا اعتبار بها كما أن المداقة غير معتبرة.

(الرابع) ان الصفات الدخلية لو لم تذكر عند البيع يبطل البيع بلحاظ لزوم الغرر،

و ان ذكر يوجب ذكرها تقييد المبيع و وجوده غير معلوم و هذا الغرر أعظم.

و الجواب: كما عن الشيخ بأنه يرتفع الغرر بذكر الصفات و لا يكون ذكر الصفات موجبا للتقييد بل التقييد غير معقول بالنسبة الي الجزئي الخارجي.

و ما في كلام السيد في الحاشية من أنه مع حصول العلم يرتفع الغرر مع عدم حصوله لا أثر لذكر الصفات لعدم رفع الغرر، ليس علي ما ينبغي، فان الغرر يرتفع بذكر الاوصاف، اذ مرجع ذكر الاوصاف هو الاشتراط، و مع الاشتراط لا غرر، اذ يعلم المشتري بأنه لو لم يكن بالوصف له الخيار.

ان قلت: فما أثر الاشتراط، اذ غرض المشتري أن يحصل العبد الكاتب، و مع الاشتراط ربما لا يصل الي غرضه، فالاشكال باق علي حاله.

قلت: أو لا ننقض بما يكون البائع عادلا أو ثقة أو اخبر بكون العين متصفة بصفة كذائية، فانه لا شبهة في صحة البيع و مع ذلك لا يطمئن المشتري بوصوله الي غرضه من الاشتراء، و مجرد حجة قول البائع لا يؤثر في غرض المشتري.

و ثانيا- عدم وصول المشتري الي غرضه و عدم احرازه هذا المعني لا يؤثر في بطلان المعاملة و صحتها، بل الميزان في صحة العقد عدم المجازفة و عدم

دراساتنا من الفقه الجعفري،

ج 4، ص: 286

الاقدام الخطري، و هذا المعني يحصل بالاشتراط.

ان قلت: صحة الاشتراط تتوقف علي صحة العقد، و الحال أن صحة العقد تتوقف علي صحة الشرط فيلزم الدور.

قلت: هذا الاشكال وارد بالنسبة الي الخيارات الجعلية الشرعية كخيار المجلس و الحيوان، و أما بالنسبة الي الخيار العرفي فلا، بيان ذلك: ان الخيار الشرعي انما يتحقق فيما يكون العقد صحيحا، فيلزم الدور بالتقريب المتقدم، و أما الخيار العرفي الناشي من الاشتراط يوجب رفع الغرر مع قطع النظر من الشرح، و بهذا الاشتراط يدفع الغرر، و مع امتناعه لا محذور في شمول دليل الصحة اياه كما هو ظاهر.

ان قلت: ان خيار الرؤية أيضا جعل تعبدي، فيجري الاشكال.

قلت: ان الرافع للغرر هو اشتراط الارتكازي و هو موجود في مورد البحث.

و في كلام السيد ثلاثة اشكالات في المقام:

منها- انه لو كان الاشتراط موجبا لصحة العقد فالتقييد أيضا كذلك، فانه اما يوجب بطلان البيع أو يوجب الخيار فلا ضرر.

و منها- أنه يلزم بيع المجهول مع الاشتراط و لا يمكن الالتزام به.

و منها- أنه يلزم الجواز حتي مع عدم الاشتراط لمكان خيار المجلس مطلقا و خيار الحيوان في خصوصه.

و يرد عليه: ان التقييد غير قابل في الجزئي الخارجي، و أما الصحة مع خيار المجلس ففيها أنه قد مر آنفا أن الخيار التعبدي لا يوجب الصحة، و أما بيع المجهول فكل مورد يكون الفساد من ناحية الغرر نلتزم بالصحة بجعل الخيار، و المعيار رفع الخطر، فلو كان الخطر مرتفعا بالخيار نلتزم بالصحة، و أما لو كان الجهل مضرا فهو أمر خارج عن البحث و تابع لدليل الاعتبار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 287

(الخامس) ان الشرط لا يتعلق الا بأمر غير اختياري،

و ظاهر أن كتابة العبد ليست تحت اختياره فكيف يشترط في

ضمن العقد.

و الجواب: ان الشرط لا يتعلق بالكتابة، بل الشرط عبارة عن جعل الخيار عند انكشاف عدم الكتابة، فما أفيد في الاشكال و ان كان تاما لكن لا ينطبق علي ما نحن بصدده.

(السادس) ان العقود تابعة للقصود،

و المفروض أن القصد متعلق بالموصوف بالوصف الكذائي، فلا بد من الالتزام بالفساد عند فقدانه لا الصحة مع الخيار، كما أن الامر كذلك فيما كان الشرط فاسدا، حيث قالوا بأنه مفسد للعقد.

و لا يقاس بمسألة تبعيض البيع من حيث الملكية و عدمها، حيث حكموا بالصحة بالنسبة الي البعض و الفساد بالنسبة الي بعض آخر، اذ الثمن يقسط علي أجزاء المبيع و لا يقسط علي الشرط، فاللازم القول بالفساد أولا، و علي فرض الصحة لا وجه للخيار، و لذا ذهب الأردبيلي الي أن البطلان مقتضي القاعدة. و احتمل العلامة البطلان و أجاب عنه بعض. و يحتمل أن يكون صاحب الجواهر بأن الاشتباه ناش من عدم الفرق بين الوصف الكلي و الشخصي و بين الوصف الذاتي و العرضي، و ان المورد من موارد تعارض الوصف و الاشارة مقدمة.

و هذا الجواب كما أفاد الشيخ جزاف، فان بحث تعارض الوصف و الاشارة انما يكون فيما يدور الامر بين أمرين في مقام الاثبات، كما لو قال المولي «اكرم هذا العالم» و يشير الي زيد الجاهل، فلا ندري نأخذ بكلامه حيث يدل علي وجوب اكرام العالم، أو نأخذ بمقتضي الاشارة حيث تدل علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 288

وجوب اكرام الجاهل المشار اليه في الخارج، و في المقام لا شبهة في تعلق العقد بهذا العين الخارجية.

هذا أولا، و ثانيا علي فرض صحة ما أفاده فما الوجه في ثبوت الخيار، اذ معني تقديم الاشارة أن الوصف لا اعتبار به

عند الاشارة.

و الحق في الجواب أن يقال: أولا ان الحق صحة العقد في مورد الشرط الفاسد، و سنبين حقيقة الحال في بحث الشرط و نقول بأن فساد الشرط لا يسري الي العقد، فلا مجال للقول بالفساد في المقيس عليه فكيف بالمقيس.

و ثانيا- انه لا وجه لهذا القياس، اذ في المقام لا يكون فاسدا كما هو ظاهر.

و ملخص الكلام ان اشتراط الكتابة في العين الخارجية ليس تقييدا اذ لا يعقل تقييد الجزء الخارج، و لا يكون تعليقا اذ التعليق علي الصفة العرضية يبطل البيع، بل معني الاشتراط كما ذكرنا آنفا عبارة عن جعل الخيار عند عدم الوصف، و لا شبهة في أن العقد مع الخيار يخرج عن كونه غرريا فيصح و يثبت الخيار، فلا وجه للبطلان، كما أنه لا وجه للصحة بلا خيار بل القاعدة تقتضي الصحة مع الخيار.

ثم ان المشهور فيما بين القوم التخيير بين الرد و الا مساك مجانا، و نسب الي ابن ادريس أن له الخيار بين الرد و الامساك بالارش.

و ربما يقال في وجهه: بأن الضرر يرتفع بكل من الامرين فله الخيار بين الامرين.

و فيه: أولا ان حديث لا ضرر ليس مدركا للخيار كما مر مفصلا. و ثانيا علي فرض كونه مدركا انما يقتضي عدم لزوم العقد لا جواز استرداد الارش، حيث أن القاعدة لا تقتضي ثبوت أمر بل مقتضاها النفي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 289

قوله: مسألة الاكثر علي ان خيار الرؤية فوري (1).

قوله: مسألة يسقط هذا الخيار بترك المبادرة عرفا (2).

و الحق ما عليه المشهور، فان الوصف لو كان وصفا عرضيا يكون الخيار بين الرد و الارش بمقتضي دليل خيار العيب لا خيار الرؤية، و أما لو لم يكن كذلك

فلا دليل لثبوت الارش، بل الثابت بمقتضي خيار الشرط و النص الخاص جواز الرد أو الامساك مجانا. ثم ان تشخيص الوصف الذاتي الذي يدور عليه صحة العقد و بطلانه و العرضي الذي يكون مدارا للخيار هو العرف.

[مسألة الأكثر علي أن خيار الرؤية فوري]

أقول: ذهب الاكثر الي أن خيار الرؤية فوري، بل عن ظاهر التذكرة عدم الخلاف بين المسلمين الامن احمد.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: ان دليل الخيار لو كان هو الاجماع لا يدل الاعلي المقدار المتيقن و في الزائد منه يرجع الي عموم وجوب الوفاء، و لا مجال للاستصحاب مع وجود الامارة، مضافا الي أنه شك في المقتضي، و لا يجري عند من يشترط في جريانه احراز المقتضي و معارضته بأصالة عدم الجعل. و أما لو كان المدرك دليل لا ضرر فمع بقاء الضرر يبقي الخيار ببقاء موضوعه، و مع انتفائه في الان الثاني لا مقتضي لبقائه. و أما لو كان المدرك النص- كما هو الحق- فمقتضي اطلاقه بقاء الخيار الي الاخر، كما أن مقتضي الشرط الارتكازي كذلك.

و لا مجال أن يقال: ان المستفاد من النص محدودية الخيار بزمان الرؤية فكما ان الخيار في خيار المجلس محدود بالرؤية، فكذلك في المقام محدود بزمان الرؤية، فان هذا التعريف فاسد و مناف لإطلاق الدليل فلاحظ. فالحق كما أفاده الاستاذ في منهاجه بأن الاقرب هو التراخي.

[مسألة يسقط هذا الخيار بترك المبادرة عرفا]

أفاد الشيخ بأنه يسقط هذا الخيار بترك المبادرة عرفا. و لا يخفي أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 290

ما أفاده مبني علي كون هذا الخيار فوريا، و عليه يكون اطلاق المسقط عليه بالمسامحة، اذ بقاء ينتهي أمده لا انه يسقط، مضافا الي أنه قد مر آنفا ان الحق انه ليس فوريا و يسقط بالاسقاط بعد الرؤية.

و هذا لا شبهة فيه، و هل يسقط بالتصرف بعدها أم لا، قد مر أن التصرف بما هو تصرف ليس مسقطا علي القاعدة، و لا بد من قيام دليل خاص عليه. نعم لو قصد به الاسقاط يسقط،

فانه يسقط بكل ما يكون مسقطا خارجا و لو بمعونة القرينة. و لو تصرف فيها قبل الرؤية فأفاد الشيخ بأن فيه وجوها ثلاثة:

الاول- انه مسقط مطلقا. و الوجه فيه أن التصرف مسقط تعبدي، و استفيد هذا المعني من أدلة سقوط خيار الحيوان بالتصرف.

و فيه: انه قد مر أن الدليل يختص بمورده، و لا وجه للتعدي مضافا الي أن الخيار لو حدث بعد الرؤية، فلا موضوع له قبلها.

الثاني- ان التصرف لا يكون كاشفا، فلا يكون مسقطا مطلقا.

و فيه: ان الاشكال لو كان بهذا المقدار يمكن دفعه بأن النص ربما يكون كاشفا.

الثالث- ما في المتن من الابتناء علي جواز الاسقاط قبل الرؤية. و هذا هو الحق، و هل يجوز اسقاطه قبل الرؤية أم لا؟ لو قلنا بأن مدرك الخيار الشرط الارتكازي فلا مانع من الاسقاط قبل الرؤية، لان الخيار موجود بالشرط قبلها، بل يجوز حتي علي القول بثبوته بعدها، لما مر منا أنه بالشرط يثبت حق للشارط، و له أن يسقط عقد الشرطي.

و أما لو قلنا بأن المدرك النص فلا يبعد أن يقال: بأن المستفاد منه ثبوت الخيار قبلها. بتقريب أن تناسب الحكم و الموضوع يقتضي ثبوته، و ذلك لان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 291

المنشأ للخيار عدم الرؤية و هو سبب للخيار و الرؤية المتأخرة طريق اليه، و لذا نلتزم بثبوته الواقعي و لو مع عدم الرؤية.

و أما لو نوقش في هذا التقريب و فيل بأنه خلاف ظاهر الدليل و لا أقل من الاجمال، فيشكل الاسقاط لا من باب أنه اسقاط ما لم يجب، فإنه قد مر بأنه لا ضير فيه، بل لعدم دليل صالح يقتضي جواز اسقاطه قبل أو ان تحققه. و كل ذلك قد

مر في المباحثة المتقدمة.

ثم أنه هل يجوز اسقاط هذا الخيار في ضمن العقد؟ الاقوال في المسألة ثلاثة:

الاول- ان هذا الشرط فاسد و مفسد للعقد، هذا القول منسوب الي العلامة و جماعة.

الثاني- ان كليهما صحيح، و هذا القول منسوب الي النهاية و بعض.

الثالث- ان الشرط فاسد و العقد صحيح.

و استدل علي القول الاول: بأن اشتراط السقوط في ضمن العقد يوجب غررية العقد فيبطل العقد و الشرط، و لا بد في المقام من التفصيل بأن نقول: ان الغرر قد يرتفع بغير اشتراط الخيار، كما لو علم بوصف المبيع أو قام عليه بينة شرعية، فلا يكون اسقاط الخيار موجبا للغرر، و أما لو كان طريق رفع الغرر بالاشتراط فالحق كما أفيد.

ان قلت: ان الخيار حكم شرعي و لا يرفع به الغرر و الا لكان بيع كل مجهول جائزا بالخيار.

قلت: لا منافاة بين كونه صحيحا شرعيا و بين كونه رافعا للغرر، اذ الحكم بالخيار فيما يشترط الخيار ليس حكما تأسيسيا بل حكما امضائيا مع قطع النظر

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 292

عن الحكم الشرعي.

و أما ما أفيد في الاشكال: من انه يلزم جواز بيع كل مجهول مع جعل الخيار فقد مر الجواب عنه و قلنا لا نبالي بما ذكر، فان كل مجهول يوجب الغرر، و كان وجه فساده من ناحية الغرر نلتزم بأنه يرتفع بجعل الخيار.

فانقدح أنه لا يجوز اشتراط سقوط الخيار من جهة استلزامه الغرر، و أما من ناحية اسقاط ما لم يجب فلا يتوجه الاشكال، لان مرجع سقوط الخيار الي عدم الاشتراط. نعم بالنسبة الي الخيار الشرعي التعبدي المستفاد من النص فاشكال اسقاط ما لم يجب يجري فيه، و قد مر أنه ليس فيه اشكال من ناحية

التعليق لكن الاشكال فيه من ناحية عدم الدليل علي اسقاطه قبل أوانه بحاله، فانه لا دليل علي جواز اسقاط كل حق في كل زمان حتي قبل ظرف ذلك الحق.

فانقدح بما ذكرنا: ان الحق بطلان العقد و الشرط. و أما القول بصحة العقد و الشرط بدعوي أن الخيار لا يؤثر في صحة العقد فلا وجه لبطلانه باشتراط سقوطه فالعقد صحيح، و حيث أنه يجوز اشتراط سقوط الخيار- لان لكل ذي حق اسقاط حقه- فالشرط صحيح أيضا.

فيرد فيه: ان صحة العقد ربما تتوقف علي جعل الخيار كما بينا، و علي فرض صحة العقد لا وجه لصحة الشرط لعدم المقتضي كما ذكره.

و أيضا ظهر أن ما أفيد من صحة العقد و فساد الشرط غير تام بالنسبة الي صحة العقد، و أما بالنسبة الي فساد الشرط فالحق كما أفيد، اذ الكلام في المقتضي فانه لم يثبت أن ذا الحق يمكنه شرعا اسقاط الحق قبل أوان الحق.

ان قلت: كيف يكون اشتراط سقوط الخيار موجبا للبطلان و الحال أن التبري من العيوب لا يوجب فساد العقد، و الحال أن الغرر الحاصل بالعيب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 293

قوله: مسألة لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت و لا بابدال العين. (1)

أعظم من الغرر الناشئ من صفة الكمال.

قلت: أولا التبري من العيوب انما يجوز فيما تكون الامارة المعتبرة علي الصحة بحيث ينسد باب احتمال الغرر و الخطر. و ثانيا علي فرض تسلمه نقول:

مقتضي القاعدة هو الفساد في كلا الموردين، غاية الامر بواسطة دلالة الدليل نرفع اليد في مورد التبري و نلتزم بالصحة، اذ ليس الحكم بالفساد حكما عقليا غير قابل لان يخصص، و الحكم بالفساد في غير ذلك المورد و ليس هذا بعزيز.

[مسألة لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت و لا بإبدال العين]

أقول: لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت و بتبديل المبيع بغيره، فانه لا وجه لسقوطه، أعم من أن يكون المدرك له الشرط الارتكازي أو النص الخاص و الوجه فيه ظاهر.

ثم ان الشيخ أفاد بأنه لو شرط الابدال في صورة ظهور المبيع علي خلاف الوصف، ففي الدروس الاقرب الفساد.

لا يخفي ان اشتراط الابدال اما يكون بنحو شرط الفعل و اما يكون بنحو شرط النتيجة، أما علي الاول فالظاهر أنه لا مانع منه، فان الابدال أمر جائز و يلزم بالشرط و لو امتنع منه يجبر من قبل الحاكم، بل يجوز له أن يتصدي له لأنه ولي الممتنع، و علي فرض عدم امكان الاجبار و التصدي مباشرة يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط فلا موجب للفساد لا من ناحية الغرر كما هو ظاهر و لا من ناحية الشرط. و الحاصل ان شرط الابدال مرجعه الي اشتراط عقد جديد واقع بين البائع و المشتري، و واضح أنه لا اشكال فيه. و هذا يتصور بنحوين: أحدهما تبديل المبيع بعين أخري، ثانيهما تبديل الثمن بثمن آخر أقل. و كلاهما جائزان بلا اشكال.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 294

و أما علي الثاني فيشكل بأن شرط النتيجة ان كان معناه حصول المبادلة عند ظهور الخلاف بلا سبب و بنفسه فلا دليل علي صحته بل الدليل قائم علي فساده لان الشرط يلزم أن يتعلق بأمر جائز شرعا، و التبديل بغير السبب غير شرعي، و ان كان معناه جعل التبديل فعلا بنحو التعليق فأيضا غير جائز، اذ التعليق في المعاوضة أمر فاسد شرعا.

لا يقال: لا اشكال في التعليق اذا وقع في حيز الشرط.

فانه يقال: الشرط غير شرعي، و لا بد أن يكون المتعلق للشرط أمرا جائزا

في حد نفسه فيلزم بالشرط، و المفروض أن المعاوضة التعليقية أمر غير جائز.

هذا كله فيما يكون المقصود تبديل العين بعين أخري، و ان كان المقصود تبديل الثمن مرجعه الي انفساخ المعاملة و إنشاء عقد جديد و يكون الاشكال في هذا الفرض أوضح و أقوي كما هو ظاهر.

و بما ذكرنا ظهر أن ما أفاده الاستاذ دام ظله في المقام كما في التقرير ليس علي ما ينبغي، فانه أفاد في المقام ان الاشكال المتصور في المقام ثلاثة:

الاول- اشكال التعليق. و حيث ان المدرك هو الاجماع فلا يشمل المقام.

الثاني- ان العقد و التبديل كيف يمكن أن يتحقق بالشرط. و فيه ان التعويض ليس من الامور التي يكون له سبب خاص كالطلاق.

الثالث- لزوم الغرر. و فيه أنه لا غرر من ناحية هذا الشرط و قد ظهر بما قدمناه ان الاشكال من ناحية أخري، و هو أن الشرط لا يكون شرعا. و أيضا ظهر بما ذكرنا فساد ما أفاده السيد من أن هذا التعويض ليس مبيعا كي يشترط.

و أما المقام الثاني و هو شرط الابدال فهو أيضا اما أن يكون بنحو شرط

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 295

الفعل و اما أن يكون بنحو شرط النتيجة، فالصور أربع:

(الصورة الاولي) أن يشترط المشتري علي البائع بأنه لو ظهر المبيع علي خلاف الوصف يبدل العين بغيرها. و الظاهر أنه لا اشكال فيه من أي ناحية، فان المعاوضة أمر جائز وضعا و تكليفا و يلزم بالشرط.

(الصورة الثانية) أن يشترط المشتري علي البائع ابدال الثمن بغيره، و معناه أنه اذا استقاله المشتري يقيله و يعاوض معه معاوضة جديدة. و هذا أيضا لا اشكال فيه من ناحية كما هو ظاهر.

(الصورة الثالثة) أن يشترط المشتري علي البائع

ابدال العين بغيرها بنحو شرط النتيجة، و ما يتصور فيه من الاشكال امور: الاول انه تعليق اذ مرجعه الي تعليق العقد علي ظهور الخلاف مثلا كالوجوب المشروط في التكليفيات و كالوضيعة التمليكية في الوضعيات. و يذب هذا الاشكال بأن اشكال التعليق في العقود ليس الا من ناحية الاجماع، و فيما يكون بنحو الاشتراط في ضمن العقد لا يكون مشمولا للإجماع ان لم يكن خلافه مجمعا عليه. نعم قد علم من الشرع أنه لا يجوز في بعض العقود تعليق مفاد العقد علي أمر استقبالي، كالزوجية مثلا فانه لا يجوز تزويج المرأة من الشهر الآتي و أما مثل البيع فلا.

الثاني- انه كيف يمكن ايجاب العقد بالشرط. و يذب أيضا هذا الاشكال بأن بعض العقود و الايقاعات مرهونة في مقام الانشاء بمبرز خاص كالطلاق مثلا فانه لا يتحقق بكل مبرز و لا بكل لفظ، و أما جميع العقود فليس الامر فيها كذلك. نعم لو قلنا بأن البيع يحتاج الي مبرز خاص و لفظ مخصوص يشكل الامر.

ان قلت: هذا ليس بيعا بل معاوضة مستقلة كما في حاشية السيد، و التعويض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 296

بغير العناوين الخاصة لا يحتاج الي لفظ خاص.

قلت: لا نتصور هذا المعني و لا دليل علي صحة هذا المدعي، فان مقتضي قوله تعالي «لٰا تَأْكُلُوا» الي قوله «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» ان تملك مال الغير لا يجوز الا بالتجارة، و قد ذكرنا في بعض الابحاث المتقدمة ان التجارة اما تكون عبارة عن البيع و اما تكون مجملة، و علي كلا التقديرين شمولها لغير البيع اما ممنوع و أما مشكوك فيه. و مما ذكرنا ظهر الاشكال في مقالة السيد، و هذا الذي ذكرنا

موضوع أساسي تترتب عليه آثار.

الثالث- انه يوجب الغرر. و فيه انه لا وجه للغررية، فانه لو لم يكن رافعا للغرر لا يكون غررا، اما بالنسبة الي المشتري فانه يعلم بأن المبيع اما كاتب و اما غير كاتب، أما علي الاول فيدخل الكاتب في ملكه، و أما علي الثاني فيعلم بأنه يدخل في مقابل غير الكاتب في ملكه عبد كاتب، و أما بالنسبة الي البائع فانه مع جهله بالموضوع يكون المعاملة غررية بالنسبة اليه من الاول، و ان لم يكن جاهلا فهذا الشرط لا يوجب غررا بالنسبة اليه، بل يمكن أن يتصور عدم الغرر بالنسبة اليه حتي مع الجهل، بأن يعلم أن المقدار المأخوذ من الثمن يري العبد الكاتب فيعلم بأنه لا خطر عليه علي كل تقدير.

(الصورة الرابعة) أن يشترط المشتري علي البائع بنحو الشرط النتيجة بتبديل الثمن بغيره، و مرجع هذا الاشتراط الي اشتراط الانفساخ عند ظهور الخلاف و معاملة أخري.

و الاشكالات المتصورة في الصورة المتقدمة جارية في المقام مع اجوبتها.

و لسيدنا الاستاذ اشكال في المقام من ناحية أخري، و هي: ان لازم الفسخ في ضمن العقد احد الامرين و كلاهما باطلان: احدهما التناقض، ثانيهما تحديد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 297

الملكية في البيع. بيان ذلك: ان الفسخ في ضمن العقد رفع للملكية، فلو قصد البيع بماله من المعني العرفي- أي الملكية الدائمة- يكون الفسخ مناقضا له و لو قصد التمليك الي حين الفسخ يكون خلاف معني البيع. نعم لا مانع من الفسخ في ضمن عقد آخر. هذا ملخص اشكاله، و في كلامه مواضع للنظر:

الاول- انه لا فرق من هذه الجهة بين أن يكون شرط الفسخ في ضمن هذا العقد و بين أن يكون في

ضمن غيره من العقود، فلو باع بنفسه داره من زيد و في ذلك الوقت شرط و كيله انفساخ هذا البيع في ضمن عقد أوقعه مع وكيل المشتري يجري الاشكال بعينه بلا فرق.

الثاني- ان ما أفاده ينافي ما أفاده في حقيقة جعل الخيار، حيث قال: معني جعل الخيار للبيع. الي قوله: فسخت فانه يستلزم التحديد في التمليك.

الثالث- و هي العمدة انه تارة يوقع البيع و في ذلك الزمان يفسخ بحيث يقارن زمان الملكية و الانفساخ، و أخري يكون زمان الانفساخ متأخرا عن زمان البيع. أما علي الاول فلا يمكن، اذ معناه الجمع بين المتناقضين، و اما لو كان زمان الانفساخ متأخرا عن الملكية الحاصلة من البيع فلا يتوجه محذور، اذ الفسخ معناه رفع الملكية الثابتة، و لا منافاة بين الامرين عند التأمل.

ثم ان في المقام كلاما لصاحب الحدائق في الرد علي الشهيد، حيث أن الشهيد أفاد بأنه لو شرط الابدال يكون الشرط فاسدا فيكون مفسدا. فأورد عليه في الحدائق: بأنه لا وجه لحكمه بالفساد مطلقا، بل فيما ظهر المبيع موصوفا يصح لدلالة الاخبار علي الصحة، و أما في صورة الخلاف يفسد لفساد الشرط اذ مقتضي الاخبار ثبوت الخيار و اشتراط سقوطه يكون فاسدا لمخالفته مع السنة و مع فساده يكون مفسدا للعقد. و شرط الابدال لا يكون جابرا لظهور مخالفته

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 298

المبيع الوصف، اذ المفروض أنه شرط سقوط الخيار. و هذا الشرط مخالف للنص الدال علي الخيار، فيكون فاسدا فيكون مفسدا.

و لا يخفي أن ما أفاده الشهيد من البطلان معللا بكونه غررا و تكليفا و ليس للإبدال سبب الا الشرط الضمني و الحال أن الابدال له سبب خاص، فقد مر الجواب عنه.

و

أما صاحب الحدائق فان كان ناظرا الي أن العقد صحيح، مع ظهور الوصف لان المعلق عليه موجود، ففيه أنه يلزم التعليق في البيع، و هو باطل، مضافا الي أنه في صورة الخلاف يلزم البطلان لانتفاء المعلق عليه، و الحال أن ظاهر كلامه تعليل الفساد بفساد الشرط. و ان كان من جهة فساد الشرط و ناظرا بأن شرط الفاسد مفسد، فيرد عليه أن الشرط الفاسد اذا كان مفسدا لا يفرق فيه بين حصول ما عليه الشرط و بين غيره، مضافا الي ان اشتراط الاسقاط ليس مخالفا للسنة.

و أما في كلام الاستاذ من أن حق الخيار حق قابل للإسقاط. ففيه ان الاشكال من ناحية أن اسقاطه قبل أوان وقته بحاله، كما أن ما أفاده من أن شرط سقوط الخيار منصوص، فقد مر أن النص «1» مخصوص بمورده و لا وجه للتعدي.

و الحاصل: ما أفاده الشهيد لوجه بطلان الشرط فقد مر الجواب عنه، و قلنا:

ان شيئا من المذكورات لا يكون موجبا للفساد.

و أما ما أفاده صاحب الحدائق فان كان نظره في الحكم بالصحة في صورة وجود الوصف تحقق المعلق عليه، فيرد عليه أن التعليق يوجب البطلان مضافا الي أن لازمه بطلان العقد في صورة الفقدان. و ان كان نظره الي كون الشرط الفاسد مفسدا، فمضافا الي أنه ليس تاما في حد نفسه، يرد عليه أن الشرط الفاسد علي القول بالافساد يكون مفسدا مطلقا، و لا يختلف باختلاف التقادير و لا

______________________________

(1) الوسائل الباب (11) من ابواب المكاتبة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 299

قوله: مسألة الظاهر ثبوت خيار الرؤية في كل عقد واقع علي عين شخصية موصوفة (1).

يفرق بين الصورة. مثلا لو اشترط في ضمن العقد شرب الخمر علي تقدير

مجي ء زيد، يكون هذا الشرط مفسدا للعقد أعم من مجي ء زيد و عدمه.

و أيضا يرد عليه: ان كون الشرط فاسدا مبني علي كون المدرك النص، و أما عند من يكون المدرك للخيار الشرط الارتكازي فلا يتم البيان. فلاحظ.

أضف الي ذلك كله أن شرط الابدال شرط لفسخ العقد، فأي تناف بينه و بين الخيار، بل مؤكد للخيار فان الفسخ بعد العقد من آثار الخيار لا من آثار عدمه.

و أما ما أفاده الاستاذ من أن اسقاط الخيار أمر جائز فلا يكون خلافا للسنة.

ففيه أن الكلام في المقتضي، اذ قبل أوانه لا دليل لصحة الاسقاط. اللهم الا أن لا يكون نظر صاحب الحدائق الي هذا الوجه.

و أما ما أفاده من أنه منصوص، ففيه ان النص مخصوص بمورده.

ثم ان اشتراط تبديل الثمن يمكن أن يكون المراد منه تبديله بأقل منه، و قد ظهر الوجه في صحته و ما يتوجه عليه و ما يجاب به مما ذكرنا فلا وجه للإعادة.

[مسألة الظاهر ثبوت خيار الرؤية في كل عقد واقع علي عين شخصية موصوفة]

أقول: هل خيار الرؤية يختص بالبيع أو يجري في غيره من العقود أيضا؟ أفاد الشيخ قدس سره بأن الظاهر ثبوته في كل عقد، لأنه مع ظهور الخلاف اما يحكم بالبطلان كما عليه الشهيد و اما يحكم بالصحة بلا خيار، لكن الاول خلاف طريقة الفقهاء و الثاني لا مقتضي له، لان عدم الوفاء عند عدم الوصف لا يكون علي خلاف وجوب الوفاء، فلا مقتضي لوجوب الوفاء.

و فيه: انه ليس دليل وجوب الوفاء منحصرا بآية «أَوْفُوا»، بل مقتضي الاستصحاب بقاء الملكية عند الشك في صحة الفسخ. مضافا الي أن الظاهر من

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 300

قوله: لو اختلفا فقال البائع لم يختلف صفة و قال المشتري قد اختلف (1).

قوله: لو نسج

بعض الثوب فاشتراه علي أن ينسج الباقي كالأول بطل (2).

كلامه أن العقد معلق علي الوصف.

و فيه: انه يلزم البطلان للتعليق، مضافا الي أن لازمه عند ظهور الخلاف البطلان لا الصحة مع الخيار.

و الحق أن يقال: ان المدرك للخيار لو كان هو النص الخاص فلا وجه لثبوته في غير البيع لعدم المقتضي، و حيث أن النص مدرك كما مر فلا مجال لتسريته من هذه الجهة، لكن الذي يهون الخطب أن الشرط الارتكازي موجود في كلية الموارد فالخيار موجود.

[لو اختلفا فقال البائع لم يختلف صفة و قال المشتري قد اختلف]

اقول: الظاهر أن القول قول البائع، اذ المشتري يعترف بأن العقد وقع علي العين الشخصية الخارجية و يدعي الخيار، و الاصل عدمه.

و لا فرق بين أن يكون الاختلاف بينهما بين أن يدعي المشتري أني اشتريت العبد علي أن يكون كاتبا و بين أن يدعي اني اشتريت العبد الكاتب، بأن يقال في الاول القول قول البائع و في الثاني القول قول المشتري، بتقريب أن البيع في الثاني مركزه المقيد فالاختلاف بينهما في المبيع، و الاصل عدم وقوعه علي غير المقيد. و لا يعارضه أصالة عدم وقوعه علي المقيد، لأنه لا يثبت وقوعه علي المطلق الاعلي نحو الاثبات، فان هذا البيان و الفرق فاسد، اذ لا شبهة في وقوع البيع علي العين الشخصية باعتراف المشتري، و الكلام في أمر زائد و الاصل عدمه.

[لو نسج بعض الثوب فاشتراه علي أن ينسج الباقي كالأول بطل]

أقول: نسب الي المبسوط و العلامة و جملة من الاعلام، و استدل علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 301

قوله: السابع خيار العيب (1).

المنع بأن بعض المبيع حاضر و بعضه في الذمة مجهول.

و لتوضيح الحال ينبغي ذكر الاقسام المتصورة و بيان الحال فيها، فنقول:

تارة يبيع ما يكون بعضه منسوخا بعنوان المنسوخ و البيع يقع علي المنسوج الخارجي- أي ما ينسج بعد ذلك- فربما يقال بأنه باطل من جهة أنه معدوم، لكن يمكن أن يقال بأن البيع أمر اعتباري و الملكية قابلة لان تتعلق بأمر يوجد بعد ذلك، لكن حيث أن المنسوجة صورة نوعية عرفية و البيع يقع علي الصورة النوعية العرفية فلا يصح البيع لأنه داخل في بيع ما ليس عنده.

و أخري يبيع المنسوج و غير المنسوج و يشترط نسج الباقي علي عنوان الاول، فالبيع صحيح. و في صورة عدم النسج يثبت للمشتري خيار تخلف

الوصف و الشرط.

و ثالثة يبيع مع المنسوج الشخصي مقدارا كليا علي أن ينسجه علي هذا المنوال، فلو لم ينسجه يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط.

و رابعة يبيع مقدارا شخصيا منسوجا مع مقدار كلي منسوج علي هذا المنوال. ففي هذه الصورة لو لم ينسجه فقد أفاد الشيخ بأن للمشتري خيار تبعض الصفقة، و الحال أنه ليس الامر كذلك، بل للمشتري أن يطالبه بتسليم ما اشتراه منه، و مع التعذر يثبت له خيار التخلف.

[القسم السابع خيار العيب]
اشارة

أقول: أفاد الشيخ بأن اطلاق العقد يقتضي وقوعه مبنيا علي سلامة العين، و انما ترك اشتراطه صريحا اعتمادا علي أصالة السلامة. لا يخفي أن الغرض النوعي من المعاملة التحفظ علي المالية، و من الظاهر أن وصف الصحة من أهم ما يختلف به مالية الشي ء، فعليه لو بيع عين مع الشك في صحته و عيبه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 302

يكون البيع باطلا لكونه غرريا.

و ربما يتمسك في رفع هذا الاشكال بأصالة السلامة كما في كلام الشيخ، و لا بد من أن يتأمل في هذا الوجه، فانه ان كان المراد منها الاستصحاب ففيه أن الاستصحاب و ان كان من الامارات لكن لا يكون مثبتا، و حيث ان الاثر يترتب علي احراز عدم الخطر و الاستصحاب لا يوجب رفع الشك النفساني، فالغرر بحاله.

و أما في كلام الاستاذ بأنه يمكن أن العين وجدت من أول الامر معيبا فلا مجال لاستصحاب الصحة. فيرد فيه ان استصحاب عدم كونه معيوبا بالعدم الازلي لا مانع منه، الا أن يقال لا بد من احراز الصحة و لا يثبت الصحة بعدم العيب. فلاحظ.

و ربما يتمسك بالغلبة، و فيه أنه علي فرض التسليم لا يورث الا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا.

و

ربما يتمسك ببناء العقلاء، و لكن الظاهر أنه ليس بناء منهم بحيث مع قطع النظر عن العلم الخارجي أو الاطمينان أو الشرط الارتكازي يكون لهم بناء علي هذا الامر، و لا أقل من الشك فلا يثبت، فعليه نقول: المراد بالاصل المذكور الظاهر أنه عبارة عن الارتكاز و الاشتراط. و قد مر أن هذا الشرط رافع للغرر.

و الحاصل ان البائع لو لم يتبرأ من العيب و لم يقيد المبيع بالعيب فالاطلاق يقتضي أن يكون صحيحا، فليس المراد من الاطلاق عدم التقييد بالصحيح كي يقال عدم التقييد بالصحة لا يقتضي الصحة.

و أيضا لا يتوجه الايراد بأنه لو كان هذا الانصراف صحيحا و تماما فلما ذا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 303

قوله: مسألة ظهور العيب في المبيع يوجب تسلط المشتري علي الرد و اخذ الارش (1).

لا يلتزمون به في الايمان و النذور، فانهم يكتفون بالفرد المعيب. و أيضا لا يتوجه الايراد بأن الجزء الحقيقي غير قابل للتقييد، كما أن الايراد بأن مقتضاه البطلان مع فقدان صفة الصحة، فان هذه الاشكالات كلها مرتفعة.

ثم ان اشتراط الصحة في متن العقد يوجب تأكيد خيار العيب أو يكون موجبا لثبوت خيار آخر غير خيار العيب. أفاد الشيخ تبعا لتصريح جماعة في كلامهم أنه تأكيد لا تأسيس، و جعل ما رواه «1» يونس مؤيدا لما أفاده و اختاره حيث استظهر من الرواية أن الخيار هو خيار العيب و ان اشترط بكارة الامة.

[مسألة ظهور العيب في المبيع يوجب تسلط المشتري علي الرد و أخذ الأرش]
اشارة

أقول: لا شبهة في أن ظهور العيب في السلعة يوجب جوار الرد و أخذ الارش في الجملة بمقتضي الاجماع و الاخبار الواردة في الابواب المتفرقة.

انما الاشكال في أن جواز أخذ الارش في عرض جواز الرد بحيث يكون ذو الخيار مخيرا بين

أحد الامرين أو يختص أخذ الارش بمن لا يكون له الرد فلا يكون أخذ الارش في عرض جواز الرد.

و ما يمكن أن يستدل به علي التخيير بين الامرين أمور:
(منها) ما عن الفقه الرضوي «2»:

فان خرج في السلعة عيب و علم المشتري فالخيار له ان شاء رد و ان شاء اخذه اورد عليه بالقيمة ارش العيب. باحتمال زيادة الهمزة و يكون العطف بالواو، فتدل الرواية علي التخيير بين الامرين.

و فيه: أولا ان الرواية ضعيفة سندا، بل لم يعلم كون هذا الكتاب كتاب رواية. و ثانيا انه لا دليل علي زيادة الهمزة.

______________________________

(1) المستدرك الباب 12 من ابواب الخيار الا فيما يكون المردود من عين الثمن.

(2) الوسائل ج 12 الباب 6 من ابواب احكام العيوب الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 304

(و منها) أن يقال بأن أخبار الرد مطلقة بالنسبة الي تمام الثمن المنطبق علي الفسخ و الي رد جزء منه المنطبق علي أخذ الارش.

و يرد فيه: أولا- ان هذا خلاف ظاهر أخبار الرد، فان ظاهرها رد تمام الثمن.

و ثانيا- ان هذا البيان يتم لو كان الرد في الارش من عين الثمن، و الحال أنه ليس الرد من العين لازما و لا يصدق الرد.

و ثالثا- مال من الروايات علي التفكيك بين الرد و الارش، بأنه لو كان الشي ء قائما بعينه يري و ان كان غير قائم بعينه يأخذ الارش، فان القسمة قاطع للشركة، و من تلك الروايات ما روي عن احدهما الي أن قال: ان كان الشي ء قائما بعينه رده علي صاحبه و أخذ الثمن و ان كان الثوب قد قطع أو خط أو صبغ يرجع بنقصان العيب. و لكن الرواية مرسلة فغير قابلة للاستناد.

(و منها) ان الخيار معلول للعيب،

فلو كان المبيع معيبا يثبت للمشتري الخيار بين الامرين، و لكن حيث أن حق الرد ضعيف يسقط بالتصرف فيبقي الخيار بالنسبة الي الارش. و هذا التقريب و ان كان ممكنا ثبوتا و لكن لا دليل عليه اثباتا.

(و منها) أن المستفاد من الروايات أن الارش يثبت بالتصرف،

أعم من أن يكون التصرف قبل العلم بالعيب و بعده، و العرف يستبعد أن يكون الوطي مثلا موجبا لثبوت حق آخر.

و بعبارة أخري: مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أن يكون حق الرد عرض أخذ الارش، غاية الامر بالتصرف يسقط الاول و بقي الثاني، و الا يلزم أن يكون الزام الارش متوقفا علي اختيار ذي الخيار، بأن يطالب من عليه الخيار

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 305

قوله: ثم ان في كون ظهور العيب مثبتا للخيار أو كاشفا عنه ما تقدم في خيار الغبن (1).

بالارش و بعد اعتذاره بعدم وقوع التصرف يلزم بالارش و فيه ان هذا مجرد استحسان.

[ثم إن في كون ظهور العيب مثبتا للخيار أو كاشفا عنه ما تقدم في خيار الغبن]

أقول: لا يبعد أن يقال بأن المتفاهم عند العرف أن الميزان بنفس العيب و العلم و الظهور طريق، فانه وقع في جملة النصوص، و ظاهرها يقتضي دوران الخيار مداره، لكن العلم ليس كبقية القيود بحيث يفهم منه الموضوعية بل الظاهر بحسب الفهم العرفي الطريقية. هذا فيما يكون المدرك لهذا الخيار النص، و أما علي تقدير كون المدرك الشرط الارتكازي فالامر أوضح. هذا أولا و ثانيا يمكن أن يستدل للمدعي ببعض نصوص الباب، منها ما رواه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال علي عليه السلام: لا يرد الجارية التي ليست بحبلي اذا وطئها صاحبها و يوضع عنه من ثمنها بقدر عيب ان كان فيها «1».

و أيضا ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام لا يرد الجارية التي ليست بحبلي اذا وطئها و كان يضع له من ثمنها بقدر عيبها «2».

و ما رواه محمد بن ميسر عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: كان علي عليه السلام لا يرد

الجارية بعيب اذا وطئت و لكن يرجع بقيمة العيب … «3».

فان المستفاد من هذه الروايات أن الميزان بنفس العيب.

و أما ما في كلام الاستاذ دام ظله من أنه يفهم من هذه الطائفة الاطلاق- أي عدم الفرق بين قبل الظهور و بعده- و أنه في قوة أن يقال: ان المعيب يرد قبل الوطء و يؤخذ الارش له بعد الوطء، و لا وجه للتقييد بما قيد بالعلم و الظهور لان حمل المطلق علي المقيد في المثبتين علي خلاف القاعدة. مخدوش بأن

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من ابواب احكام العيوب الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 5.

(3) المصدر السابق، الحديث 8.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 306

المستفاد من الرواية أنه عليه السلام كان يأخذ الارش في صورة الوطء، و من الظاهر أن أخذ الارش كان فيما لو ظهر العيب فلا موضوع للإطلاق.

و أما ما أفاده الشيخ قدس سره من التأييد للمدعي بأن حق مطالبة الارش لا معني له بظهور العيب بل يثبت بنفس العيب. مدفوع أيضا بأنه لا مانع من ثبوت الارش بعد ظهور العيب كالرد، فان الارش ليس إلا غرامة و تداركا و ليس واقعا في مقابل مقدار من العين.

و هل يمكن الاستدلال للمدعي بالإجماع و النص علي جواز التبري في ضمن العقد كما في كلام الشيخ قدس سره أم لا؟ الظاهر هو الثاني، أما الاجماع فلا أثر له كما مر مرارا، و أما النص فالمستفاد منه جواز التبري في ضمن العقد و تتعبد به بمقدار دلالته و الكلام في المقام في ثبوت الخيار بوجود العيب الواقعي و المستفاد من النص ليس الا التبري قبل تمامية العقد، و الكلام في المقام فيما بعد العقد. و ملخص الكلام

انه حكم خاص تعبدي في مورد خاص، و لا فرق فيه بين الثبوت قبل الظهور و بعده و علي كلا التقديرين اسقاط لما لم يجب.

و مما يدل علي المقصود النصوص الواردة في جواز رد المملوك من أحداث السنة «1».

ثم ان المصنف أفاد بأنه لو لم يستفد من النص أحد الامرين لا بد من الرجوع الي القواعد، لكن لم يذكر ما هو مقتضي القاعدة. و الظاهر أن مقتضي القاعدة عدم الثبوت الا بعد الظهور و ذلك لاقتضاء وجوب الوفاء و القدر الخارج بعد الظهور. و أيضا مقتضي الاستصحاب عدم تأثير الرد قبل الظهور.

و الحاصل أن ما يمكن أن يكون وجها لثبوت الخيار قبل العلم أمور:

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) باب 2 من أبواب أحكام العيوب.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 307

قوله: ثم انه لا فرق في هذا الخيار بين الثمن و المثمن (1).

الاول- ان ظهور العيب بمنزلة رؤية المبيع علي خلاف ما اشترط فيه.

و فيه أنه مبني علي كون مدرك الخيار الاشتراط لا النص.

الثاني- الاجماع نصا و فتوي علي جواز اسقاط الخيار و التبري في ضمن العقد. و فيه أنه لا دليل علي المدعي و انما هو حكم مخصوص بمورده.

الثالث- أن الارش لا معني له أن يتوقف علي الظهور. و فيه أنه لا مانع منه.

الرابع- ان النصوص بحسب الفهم العرفي تدل علي أن الموضوع هو العيب لا ظهوره، فان العلم و الظهور طريق و كاشف لا موضوع. و هذا الوجه لا بأس به.

الخامس- أنه يستفاد من النصوص الواردة في باب أحداث السنة أن المناط هو العيب لا ظهوره، و مجرد امكان أن يكون له شرط و هو الظهور لا يقتضي الالتزام به ما لم يدل عليه دليل.

السادس-

بعض النصوص الواردة في رد الجارية بالعيب قبل الوطء و سقوطه بالرد.

[ثم إنه لا فرق في هذا الخيار بين الثمن و المثمن]

أقول: ان البحث المذكور يختص بما اذا كان المدرك في الباب هو النص، و أما اذا كان المدرك دليل نفي الضرر أو الاشتراط الارتكازي أو الاجماع فلا مجال للبحث المذكور، لعدم الفرق بين الثمن و المثمن في هذا الفرض، و ان كان العموم فيما يكون الاجماع مشكلا.

ثم ان المصنف قال في وجه ما ذهب اليه من عدم الفرق بين الثمن و المثمن انه لا خلاف فيه، و ان كان مورد الاخبار ظهور العيب في المبيع، لان الغالب كون الثمن نقدا غالبا و المثمن متاعا فيكثر فيه العيب بخلاف النقد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 308

قوله: يسقط الرد خاصة بأمور: أحدها التصريح بالتزام العقد و اسقاط الرد و اختيار الارش (1).

و فيما أفاده مجال للمناقشة، لان الغلبة في الاثمان كونها نقدا و ان كان مسلما في زماننا هذا الا أنه لا يكون كذلك في عصر النبي «ص» و الائمة «ع»، بل كان الثمن فيه متاعا أيضا في كثير من الحالات.

و كيف كان فلا بد أن يلاحظ مقتضي الاطلاق فهل يشمل الثمن و المثمن كلاهما أم يختص بالثمن؟

أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله أن العنوان المأخوذ في الدليل كلمة «شراء»، و هو يطلق علي كلا الطرفين.

و فيما أفاده نظر، لان ما أفاده من عدم الفرق يتصور في كلمة «اشتراء» حيث انه يستعمل في الايجاب و القبول، و أما «الشراء» فلا يستعمل الا في جانب المشتري. أضف الي ذلك أن المستفاد من ظاهر الادلة اختصاص العيب بخصوص المبيع. و كيف كان فان قام الاجماع التعبدي علي تعميمه للثمن أيضا فهو و الا فالامر مشكل.

[يسقط الرد خاصة بأمور:]
[أحدها التصريح بالتزام العقد و إسقاط الرد و اختيار الأرش]

أقول: لا بد أن لا يخفي عليك أن هذا البحث يتوقف علي القول بالعرضية بين

الرد و الارش، و أما اذا قلنا بأن الارش يكون في طول الرد فلا تصل النوبة الي البحث المذكور. و علي أي حال فالحق كما أفاده المصنف أن الرد يسقط بالتصريح بالتزام العقد و اسقاط الرد بأن يقول «التزمت بالعقد و اسقطت الرد» لأنه حق من الحقوق و هو قابل للإسقاط كما حقق في محله.

و في هنا كلام للمحقق الايرواني قدس سره، و هو: ان حق الخيار في المقام حق واحد متعلق بأحد الامرين من الفسخ و أخذ الارش لا حقان و الإجازة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 309

قوله: الثاني التصرف في المعيب (1).

الجمع بين الفسخ و أخذ الارش، و الحق الواحد لا يقبل التجزية و التبعيض، فان سقط سقط رأسا و لم يبق منه شي ء، و الا بقي بكماله و تمامه، فكان فعلا متعلقا بما كان متعلقا به أولا، و مع الشك يستصحب بقاؤه.

و فيه: لا نفهم مراده، فانه ما المراد بوحدة الحق، اذ لا شبهة في تعدد متعلق الحق، غاية الامر يمكن أن يكون اسقاطه مشروطا بشرط، و هو اسقاط العدل الاخر أيضا. و مجرد هذا الاحتمال لا يضر بعد ما علمنا بأنه يجوز لذي الحق اسقاط حقه، الا أن يقال: ليس لنا مطلق يؤخذ به في كل مورد شك في جهة من الجهات.

و أما الاستصحاب المذكور فهو معارض بمثله، و هل يكون فرق بين الالتزام بالعقد و بين اسقاط الخيار كما يظهر من كلام المصنف، فلا يبعد أن يكون قول القائل «أسقطت خياري» ظاهرا في اسقاط كلا الامرين في مقام الاثبات، و أما في مقام الثبوت فلا وجه للتفكيك.

[الثاني التصرف في المعيب]

أقول: و البحث في المقام راجع الي أن التصرف يسقط الخيار أم لا؟

فنقول:

لا شبهة في سقوط الخيار بالفعل الدال علي الرضا، فانه من الامور الانشائية التي تقبل تحققها بكل من القول و الفعل. و عمدة الكلام في كون التصرف بما هو مسقط للخيار أم لا، و الذي يمكن وجها لكون التصرف مسقطا أمور:

(الاول) الاجماع. و فيه قد علمت منا مرارا أن المحصل منه غير حاصل، و علي تقدير حصوله محتمل المدرك، و المنقول منه ليس بحجة.

(الثاني) ما عن العلامة في التذكرة ان تصرفه فيه رضاء منه بالمعيب، و لو لا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 310

ذلك كان ينبغي له الصبر و الثبات حتي يعلم حال صحته و عدمها.

و فيه: ان هذا الاستدلال دوري فان كشف التصرف عن الرضا يتوقف علي كون التصرف الخارجي ضدا للخيار و عدم اجتماعه معه و لو في نظر الشارع، و لو توقف المضادة و كونه مسقطا للخيار علي الكشف المذكور لزم الدور.

(الثالث) الروايات الواردة في المقام، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما رجل اشتري شيئا و به عيب و عوار لم يتبرء اليه و لم يبين له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار و بذلك الداء أنه يمضي عليه البيع و يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به … «1».

بتقريب: ان المشتري بعد التصرف لا يجوز له أن يرد المعيب، هذا كبري القضية، و أما احراز الصغري فيستفاد من صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط فان أحدث المشتري فيما اشتري حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه فلا شرط.

قيل له:

و ما الحدث؟ قال: ان لامس أو قبل أو نظر منها الي ما كان يحرم عليه قبل الشراء «2».

و يرد عليه: ان المستفاد من الرواية الاولي أن المسقط للخيار الحدث المغير للعين كتقصير الثوب و غيره، و أما التصرف المطلق من دون أن يغير العين فلا يصدق عليه الحداث الحدث.

و أما الرواية الثانية ففيها: أولا أنها مختصة بخيار الحيوان كما يستفاد ذلك من قوله «ان لامس أو قبل أو نظر منها الي ما كان يحرم عليه قبل الشراء».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب (4) من أبواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 311

قوله: الثالث تلف العين أو صيرورته كالتالف (1).

و ثانيا- انه يمكن أن يكون صدق احداث الحدث علي التقبيل في المقام من جهة أنه كانت للاستمتاع، و عليه فلا يمكن التعدي الي غيره كتعليق الباب و غيره.

و ثالثا- ان المستفاد من بعض الروايات «1» ان من اشتري جارية لا تحيض في ستة أشهر من غير حمل و لا كبر و لا صغر فهو ترد منه، و ان كان متصرفا فيها.

نعم و في المقام رواية «2» تدل علي أن التصرف اذا كان مغيرا للعين مسقط للخيار و الا فلا، الا أنها مرسلة فلا يعتمد عليها.

و رابعا- لنا دليل في المقام علي خلافه، فان قوله عليه السلام «كان علي لا يرد الجارية اذا وطئت» «3»، يدل بمفهومه أنه كان يرد في غير صورة الوطء حتي مع اللمس و النظر، و كذا يستفاد ذلك من الروايات الواردة في جواز رد المملوك باحداث السنة.

[الثالث تلف العين أو صيرورته كالتالف]

أقول: المسقط الثالث التلف أو صيرورته كالتالف، أفاد الشيخ قدس سره بأن المستفاد

من المرسلة «4» بضميمة الاجماع أنه يشترط في بقاء هذا الخيار بقاء العين في الملك و ان هذا الخيار له خصوصية تختلف عن بقية الخيارات، فان الخيار في غير المقام لا يسقط بتلف العين و لكن في المقام يسقط اذا لم تبق العين بحالها و خرجت عن ملك مالكها. و ملخص ما رامه قدس سره أن المستفاد من المرسلة و الاجماع اشتراط بقاء العين بحالها، فلو تلفت بالتلف الحقيقي أو الحكمي يسقط الرد.

أقول: اما الاجماع فقد مر ما فيه، و أما المرسلة فأولا انها ضعيفة السند، و

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب (3) من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث (3).

(3) الوسائل، الجزء 12 الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث (8).

(4) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب أحكام الخيار، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 312

ثانيا ان المستفاد منها اشتراط كون العين قائمة بعينها، و من الظاهر أن المستفاد من هذه الكلمة حدوث التغير الحسي في المبيع، و أيضا من الظاهر أن انتقالها الي ملك الغير لا يكون تغيرا فيها.

و أفاد الاستاذ دام ظله علي ما في التقرير بأن المستفاد من المرسلة أن الامر دائر بين رد العين و بين أخذ الارش، و فيما يكون المبيع منتقلا الي الغير لا يمكن رده، فيسقط الرد و يبقي الارش، و لذا لو أمكن ارجاعه بفسخ أو بمعاملة جديدة أو انتقاله بسبب غير اختياري كالإرث لا مانع من الرد.

ان قلت: ان الملكية حصلت للمشتري باشترائه و قد انعدمت بالبيع من الشخص الثالث، فكيف يمكن الفسخ مع أن الملكية غير قابلة للرد.

قلت: أولا ان النقل و الانتقال يتعلقان بالعين

لا بالملكية، و تعرضنا لهذه الجهة في بحث المعاطاة مفصلا.

و ثانيا: نسأل من أن المشتري قبل البيع من الثالث لو التفت الي العيب هل يكون له الرد أم لا؟ و لا سبيل الي الثاني، و علي الاول هل ترجع الملكية الي البائع أم لا؟ علي الثاني يعود الاشكال، و علي الاول نقول: فعليه لا مانع من انتقال الملكية من الثالث الي الثاني و منه الي الاول. هذا ملخص ما أفاده و فيه: أولا ان المرسلة لا اعتبار بها، و ثانيا ان غاية ما يستفاد منها أن الخيار بالنسبة الي الرد دائر مدار امكان رد العين، و في غير هذه الصورة لا تعرض للرواية بجواز الرد و عدمه، فلنا أن نلتزم بالخيار بواسطة «1» ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، فان الميزان المستفاد من هذه الرواية في جواز الرد و عدمه احداث الحدث في المبيع و عدمه، فالحق أن يقال: ان الخيار يسقط

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب احكام الخيار، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 313

بالتلف الحقيقي، و أما في غيره بأن ينتقل المبيع الي الغير بالبيع و أمثاله أو حجر المالك عن التصرف فيه فلا وجه لسقوط حق الرد، الا ان يقال: بأن العرف بمناسبة الحكم و الموضوع يفهم أن اشتراط قيام العين بحالها مقدمة لرد العين الي صاحبها، فلو لم يمكن الرد يسقط حق الرد.

ثم انه لو قلنا بأنه يسقط الرد بالانتقال الي الغير و لكن عادت بعد الانتقال، فهل يجوز رده أم لا.

اختار الشيخ عدم الجواز، و استدل عليه بالاصل. و الظاهر أن مراده بالاصل أصالة عدم حدوث الحق بعد سقوطه.

و أفاد الاستاذ بأن المستفاد من النص

أن شرط الفسخ و رد العين بقاءها بحالها حين الفسخ لا أزيد من هذا المقدار، فلو فرض أنه رجع المبيع الي المشتري الاول لا مانع من الرد لأنه حين الرد يكون علي حاله و قائما بعينه، بل نقول:

بأنه لو حدث فيه حدث- بأن كسر رأس العبد ثم عاد الي ما كان أولا- يجوز رده.

و ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه، لأنه ليس المستفاد من رواية زرارة إلا حق الرد بشرط عدم حدوث حدث، فلو أحدث حدثا فيه ينقلب الموضوع و لا وجه لرجوعه أي رجوع حق الرد كما أفاد الشيخ، و لا تصل النوبة الي الاصل العملي و هي أصالة عدم رجوع الحق بل لدلالة نفس الرواية مضافا الي دلالة قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

و هذا الذي نقول ليس من جهة عدم العموم الزماني كما في كلام الاستاذ، فانا لا نفرق بين العام الاستغراقي و المجموعي فان العام محكم في كلا المقامين بل من جهة أن المستفاد من النص أن حق الخيار دائر مدار عدم احداث حدث

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 314

قوله: الرابع من المسقطات حدوث عيب عند المشتري (1).

و معه لا دليل علي الخيار كما هو ظاهر.

و هذا فيما يكون الحدث تكوينيا ظاهر، و أما فيما يكون الحدث اعتباريا- كما لو انتقل الي الغير ثم رجع الي ملكه- فالامر أيضا كذلك. و بعبارة أخري: اما نلتزم بعدم سقوط حق الرد بالانتقال و أما نقول به، أما علي الاول فلم يسقط كي يرجع و أما علي الثاني فلا وجه لرجوعه لعدم الدليل. و الالتزام انه بنحو القضية الحقيقية كما في كلام الاستاذ فلا يساعده الدليل، و ان كان أمرا ممكنا ثبوتا. و الحق سقوطه بالانتقال

فلا يرجع الاعلي الاحتمال الذي احتملنا من عدم سقوطه بانتقاله الي الغير حتي بانتقال غير قابل للرجوع.

بقي في المقام شي ء، و هو: ان المستفاد من النص أن المانع لحق الرد احداث الحدث في العين، فلو فرض حدوث حدث فيها بآفة سماوية و أمثالها فما حكمه؟

الحق أن يقال بعدم السقوط، فان الحكم تعبدي و لا بد من الالتزام به بقدر دلالة الدليل، و لا يدل الدليل أزيد من الحدث الذي يكون باحداث المشتري، و أما في غيره فلا وجه لتسرية الحكم كما هو ظاهر.

[الرابع من المسقطات حدوث عيب عند المشتري]
اشارة

أقول: و في المسألة صور ثلاث، و تفصيل ذلك: انه اذا أحدث العيب بعد العقد علي المعيب: فاما أن يحدث العيب في العين قبل القبض، و اما ان يحدث بعده في زمان خيار يضمن فيه البائع المبيع، و اما أن يحدث بعد مضي الخيار فتكون المسائل ثلاثة:

(المسألة الاولي) حدث العيب في المبيع قبل القبض،
اشارة

و يقع الكلام في المسألة من جهتين:

الجهة الاولي- أن العيب الحادث بعد العقد و قبل القبض كالعيب الموجود قبل العقد في كونه موجبا للخيار أم لا.
اشارة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 315

و هذه المسألة يبحث عنها في المقام استدراكا.

الجهة الثانية- أن العيب الحادث بعد العقد و قبل القبض هل يسقط الخيار الحادث بالعيب القديم أم لا. و هذه المسألة هي التي عقدت المسألة لأجلها

فما يمكن أن يستدل به علي كونه موجبا للخيار أمور:
الاول: الاجماع.

و فيه ما تقدم منا مرارا.

الثاني: النصوص الواردة في المقام:
(منها) صحيحة بريد بن معاوية

عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجل اشتري من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه علي بعض من أجمة واحدة و الانبار فيه ثلاثون ألف طن، فقال البائع قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتري قد قبلت و اشتريت و رضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم و وكل المشتري من يقبضه، فأصبحوا و قد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طن و بقي عشرة آلاف طن. فقال: العشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري و العشرون التي احترقت من مال البائع «1».

(و منها) ما رواه عقبة بن خالد

عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجل اشتري متاعا من رجل و أوجبه غير أنه ترك المتاع عنده و لم يقبضه قال آتيك غدا إن شاء اللّه، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتي يقبض المتاع و يخرجه من بيته، فاذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتي يرد ماله اليه «2».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 19 من ابواب عقد البيع و شروطه، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب (10) من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 316

(و منها) قوله «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه»

«1». تقريب الاستدلال بهذه الاخبار: أن المراد من كون التلف علي البائع كون المبيع في عهدته و كأن المعاملة لا تتم الا بالقبض أو مضي زمان الخيار، و معني كون الضمان عليه ان التلف أو النقص في ملكه، و المراد بالضمان ضمان معاملة لا ضمان يد، اذ المفروض أن يده ليست يد ضمان. و حاصل المعني ان تلف المبيع كلا أو بعضا و كذا عيبه قبل القبض كالتلف و العيب قبل العقد، فكأنه وقع في ملكه و لازمه الانفساخ كلا أو بعضا في الاولين و ثبوت الخيار في الاخير.

ان قلت: ان الاخبار لو كانت شاملة لنقص الاوصاف لزم الحكم بالانفساخ في صورة العيب كما في صورة التلف، و الحال أن المطلوب اثبات الخيار.

قلت: المراد بالضمان ليس ضمان اليد، بل معناه ان عهدته علي البائع، و معني كون التلف في عهدة البائع أنه يفرض حدوث التلف أو النقص في ملك البائع و يترتب علي تلفها الانفساخ و علي عيبها الخيار، و ليس هذا استعمال اللفظ في المعني المشترك، فان معني الضمان أمر واحد و هو

كون التلف في عهدة البائع، و يؤخذ بلازم هذا في كلا الموردين، فلا يلزم اختلاف معني الضمان بالنسبة اليهما حتي يلزم استعمال اللفظ في المعنيين.

و يؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام «و يصير المبيع للمشتري»، فيستفاد من هذا التعبير أن المال قبل القبض لم يصر مالا للمشتري. و ملخص الكلام أن المبيع ما لم يقبض يعتبر بقاؤه في ملك بايعه، و يترتب عليه أنه لو تلف يكون البيع منفسخا بالنسبة و لو عاب ترتب عليه الخيار، و أيضا لازمه ثبوت الارش، و ان اختلف أقوال العلماء فيه، فذهب الي ثبوته جماعة منهم العلامة و الشهيدان،

______________________________

(1) المستدرك، الجزء 2 الباب 19 من ابواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 317

كما أنه ذهب الي عدمه جماعة أخري و منهم الشيخ و الحلي و كاشف الرموز.

و يرد عليه: أولا انه قد جمع في مقام الاستدلال بين نصوص الباب و نصوص المسألة الآتية و هي التلف في زمان الخيار، و الحال أنه لا وجه للخلط بين البابين و النصوص الواردة في المقام و ان كان بعضها ضعيفا سندا لكن في المعتبر منها كفاية، لكن الموضوع فيها التلف و العيب لا يكون مصداقا للتلف، و حمل التلف علي أظهر أفراده يحتاج الي قرينة.

و ثانيا- ان حصل التلف في ملك البائع لا يلزم أن يكون من أول الامر، بل لنا أن نقول بأنه يدخل في ملكه قبل التلف آنا ما، و التفصيل موكول الي محله.

فتحصل أن الدليل في مقام الاثبات قاصر الا أن يقوم اجماع تعبدي كاشف و أني لنا باثباته.

و أما الجهة الثانية- من المسألة الاولي و هي أن حدوث العيب قبل القبض هل يوجب سقوط الخيار الثابت بالعيب الموجود قبل العقد أم لا؟

قال الشيخ قدس سره بأنه لا خلاف بينهم في عدم كونه مانعا عن الرد بالعيب السابق.

و المستند ان كان الاجماع

فيرد فيه ما مر آنفا، و لكن الحق أنه غير مانع عن الرد علي القاعدة، اذ ما يتصور أن يكون وجها لكونه مانعا أمران: أحدهما عدم قيام العين بحالها، و ثانيهما أنه حدث فيه حدث. أما الاول فغير تام لان المدرك هي المرسلة أي مرسلة جميل، و من الظاهر عدم اعتبارها، و اما حدوث الحدث فقد مر منا أن الحدث الموجب للمنع عن الرد هو الحدث الذي أحدثه المشتري بمقتضي رواية زرارة فلاحظ. و عليه لا وجه لكونه مانعا عن الرد بالعيب السابق.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 318

(و اما المسألة الثانية) و هي ما لو كان حدوث الحدث في المبيع يكون بعد العقد في زمان الخيار الذي يكون التلف فيه علي البائع،
اشارة

ففيها أيضا جهتان:

أما الجهة الاولي- ففي كون العيب الحادث سببا للخيار كالعيب السابق علي العقد و عدمه،

فنقول: المدرك لهذا الحكم ان كان الاجماع ففيه ما فيه، و ان كان النصوص الدالة علي التلف في زمن الخيار علي من لا خيار له منها ما رواه «1» ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام، ففيه أن المستفاد من تلك النصوص أن العين لو تلفت في زمن الخيار أو حدث فيه حدث يكون ضمانه علي من لا خيار له، و هذا المقدار لا يقتضي أن يكون حدوث العيب موجبا لثبوت الخيار. و بعبارة أخري: لا يستفاد من تلك النصوص أن الشارع جعل حدوث العيب في زمن الخيار كالعيب الحادث في العين قبل العقد و نزل ما حدث في زمن الخيار منزلة العيب السابق في جميع الآثار و الاحكام.

و أما الجهة الثانية- و هي أن العيب الحادث في زمن الخيار هل يكون مانعا عن الرد بالعيب السابق أم لا؟

فقد ظهر الحق مما ذكرناه آنفا. و حاصله عدم وجه في كونه مسقطا لا من باب الاجماع فانه مخدوش، بل من باب أنه لا مقتضي للمانعية، فان حدوث الحدث في زمن الخيار في عهدة من ليس له الخيار، و هذا المقدار لا يوجب المانعية. و من ناحية اخري لا يصدق علي مطلق الحدث الحادث في العين أن المشتري أحدثه و الموضوع للحكم هذا العنوان فلاحظ.

(و أما المسألة الثالثة) و هي ما لو حدث عيب في العين بعد القبض و بعد مضي زمان الخيار،
اشارة

فيقع الكلام فيها بأن حدوث العيب هل يكون مانعا عن الرد

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 5 من ابواب الخيار، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 319

بالعيب السابق أم لا،

يقع البحث في هذه المسألة في مقامات:
المقام الاول: فيما يمكن أن يكون دليلا للمانعية،
اشارة

و هو أمور:

منها مرسلة جميل،

فان مقتضاها انه لو لم تبق العين بحالها لا يجوز ردها. و فيه أن المرسلة لا اعتبار بها.

و منها: ما عن العلامة،

و حاصله ان الضرر المتوجه الي المشتري من قبل العيب السابق متدارك بخيار المشتري، و الضرر المتوجه الي البائع من قبل البيع الحادث يتدارك بجواز امساك البائع عن القبول. و بعبارة أخري: يقع التعارض بين الضررين.

و فيه: ان القاعدة علي ما سلكناه لا تدل الاعلي الحرمة التكليفية، أما علي مسلك القوم فلا يتوجه الضرر دائما، فان التغيير لو كان موجبا للعيب يجب علي المشتري عند الرد دفع الارش للبائع فلا ضرر علي البائع. مضافا الي أن دليل الخيار النص الخاص لا قاعدة الضرر.

و أما ما أفاده الشيخ قدس سره من أنه بعد التعارض يرجع الي استصحاب الخيار. فيرد فيه: أولا ان الاستصحاب في الحكم الكلي معارض بعدم جعل الزائد. و ثانيا انه لا تصل النوبة الي الاستصحاب، بل المحكم عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

(و منها) أنه مع العيب لا يصدق الرد.

و فيه انه لا شبهة في صدق الرد، و انكاره مكابرة.

(و منها) أن حدوث الحدث في العين حيث أن المشتري ضامن له يكون مثل احداثه الحدث الموجب لإسقاط الخيار.

و فيه انه لا دليل علي هذا المدعي.

(و منها) الاجماع.

و فيه ما فيه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 320

فتحصل من جميع ما تقدم عدم ما يقتضي كونه موجبا لسقوط الخيار المسبب عن العيب السابق.

(المقام الثاني) في أن الميزان و المناط للعيب الحادث المانع عن الرد ما هو؟

هل الميزان بمطلق التغيير أو التغير الحسي أو بأن يحدث فيه عيب أو غير ذلك. لا يخفي أن المدرك رواية زرارة، و العنوان المذكور فيها الذي يكون مدارا للمانعية احداث الحدث، أي يحدث المشتري فيه حدثا، فكلما صدق هذا العنوان يترتب الحكم، و مع عدم صدق هذا العنوان لا وجه للسقوط، و مع الاجمال أيضا يحكم ببقاء الخيار، لان المفروض أن هذا الخيار مع قطع النظر عن النص أمر عقلائي ارتكازي.

و لا يخفي أنه لو أحدث في المبيع حدثا موجبا لزيادة قيمته كالسمن في الشاة فالظاهر أنه لا يوجب سقوط الخيار، فانه يصدق عليه احداث الحدث، لكن الدليل عن مثله منصرف بحسب الفهم العرفي. نعم لو كانت الزيادة لا توجب الشركة و بعد الرد يكون المشتري ذا حق في المبيع، لا يكون وجه للانصراف فيكون مانعا.

(المقام الثالث) لو زال العيب الحادث عند المشتري هل يجوز له الرد أم لا؟

الظاهر هو الثاني، لعدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء الحادث و زواله.

و الميزان في المسقطية احداث الحدث الذي ذكر في صحيحة زرارة و عوده بزوال التغيير بعد سقوطه به يحتاج الي دليل. و أما المذكور في المرسلة بأنها ترد اذا كانت قائمة بعينها فلا يعتمد عليها لإرسالها.

(المقام الرابع) لو رضي البائع برده مجبورا بالارش أو غير مجبور هل يجوز له الرد أم لا؟

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 321

قوله: تنبيه ظاهر التذكرة و الدروس أن من العيب المانع من الرد بالعيب القديم تبعض الصفقة (1).

أفاد الشيخ قدس سره بأن سقوط الرد لرعاية حق البائع و مع رضاه لا وجه لعدم الجواز، فان المقتضي للخيار موجود.

و فيه: ان الامر و ان كان كذلك لكن مقتضي النص سقوطه بحدوث العيب، و كما ذكرنا آنفا أنه لا وجه لثبوته بعد سقوطه، فلا يجوز الرد بالخيار بل يجوز بالاقالة.

ان قلت: دليل المانعية قاصر عن شمول هذه الصورة.

قلت: لا وجه لقصوره، فان مقتضي الاطلاق ان احداث الحدث يوجب سقوط الخيار، و ثبوته بلا سقوطه يحتاج الي دليل مفقود في المقام. نعم الاقالة لا مانع عنها، و الفرق العملي غير ظاهر.

و لا يخفي أن ضمان البائع للمشتري ضمان معاوضي و ضمان المشتري ضمان اليد، و الفرق بينهما أن في غرامة البائع يلاحظ النسبة بين القيمة الواقعية و بين الثمن المسمي، و في غرامة المشتري يلاحظ القيمة الواقعية، و لذا ربما لا بد أن يدفع مقدارا أزيد من الثمن.

ثم ان البائع لو رضي برد المعيب مجبورا بالارش أو بلا ارش فهل يجوز أن يطالبه المشتري بالارش و لا يرضي بالرد؟ أفاد الشيخ في المبسوط أنه لا يجوز، فان اخذ الارش يتوقف علي امكان الرد.

و فيه: انه بلا وجه، فان مقتضي ثبوت الارش مع احداث الحدث أن

يكون للمشتري أخذ الارش، أعم من أن يكون البائع راضيا بالرد أم لا.

[تنبيه ظاهر التذكرة و الدروس أن من العيب المانع من الرد بالعيب القديم تبعض الصفقة]
اشارة

أقول: الكلام يقع في مواضع ثلاثة: الاول أن يكون التبعض في

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 322

أحد العوضين، الثاني أن يكون في البائع، الثالث أن يكون في المشتري.

(أما الموضع الاول) و هو التبعض في أحد العوضين
اشارة

فكما لو اشتري شيئا أو شيئين بثمن واحد من بايع واحد فظهر بعضه معيبا، الظاهر أنه لو كان المبيع واحدا حقيقة أو عرفا- كما لو اشتري عبدا أو دارا فانكشف أن بعض المبيع معيوب- لا يجوز الرد بخصوصه، أعم من أن يكون مدرك الخيار النص أو الارتكاز العقلائي، لان مورد الخيار المبيع المعيوب لا جزئه، كما أنه لو كان المبيع متعددا و لكل منهما قيمة معلومة و جمع بينهما في الانشاء فانه يكون البيع في المفروض متعددا فيجوز اعمال الخيار بالنسبة الي خصوص المعيب بلا شبهة.

و انما الكلام فيما اشتري شيئين ببيع واحد و ثمن واحد فظهر العيب في أحدهما فهل يجوز اعمال الخيار بالنسبة الي خصوص المعيوب أم لا.

و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه عدم جواز الرد أمور:
(منها) الاجماع.

و حاله معلوم.

(و منها) أنه لو كان المردود جزء مشاعا يلزم الشركة و ان كان جزء معينا يلزم تبعض الصفقة.

و فيه يرد: أولا انا لا نتصور رد المعيب في الجزء المشاع، و ثانيا لا محذور في تبعض الصفقة علي البائع غير توهم الضرر، و من الظاهر أنه لا كلية له، اذ ربما لا يكون عليه ضرر.

و أفاد الايرواني بأن توجه الضرر لا يمنع عن الخيار، لأنه حكم وارد في مورد الضرر، و دليل نفي الضرر لا يمنعه.

و فيه: انه انما يتم هذا البيان فيما يكون الخيار موردا للضرر، فانه في مثله لا مجال لرفع الحكم بدليل لا ضرر، كما يكون الامر كذلك فيما وجب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 323

الجهار، و أما لو لم يكن كذلك فلا مانع من رفع اليد عن الاطلاق بدليل نفي الضرر. و الذي يهون الخطب أن دليل لا ضرر ليس ناظرا الي رفع الحكم، و مع الاغماض يترتب عليه أنه لو كان ضررا علي البائع يجبر بالخيار. و بعبارة أخري: لو كان التبعض ضررا علي البائع يمكن أن يعمل بالخيار.

ان قلت: ان غرض المشتري تعلق بابقاء الجزء الاخر، و اعمال الخيار من قبل البائع يكون ضررا علي المشتري.

قلت: أولا ينقض بما لو اشتري حيوانا مع شي ء آخر فهل يجوز له اعمال خيار الحيوان. و ثانيا نقض الغرض الشخصي للمشتري لا يكون مناطا للضرر، فان الضرر من باب و نقض الغرض الشخصي من باب آخر. و ثالثا هذا الضرر ناشئ من فعل المشتري و لا يرتبط بالحكم الشرعي. و رابعا بعد تعارض الضررين يسقط قاعدة لا ضرر و يبقي دليل الخيار بحاله، فيجوز له اعمال الخيار بالنسبة الي خصوص المعيب.

(و منها) أن المستفاد من النص أن الصبغ يمنع عن الرد،

و ليس وجهه الا حصول الشركة.

و فيه: ان الميزان بصدق احداث الحدث، و لذا لو كان الصبغ موجبا لنقصان القيمة

يكون مانعا عن الرد أيضا، فلا يكون المنع من جهة حدوث الشركة. مضافا الي أن الرد في المقام لا يوجب الشركة بل يوجب التبعض.

(و منها) ان شرط رد المعيب ان يكون قائما بعينه.

و فيه: أولا أن مرسلة جميل ضعيفة، و ثانيا انه لا شبهة في المبيع بأنه باق و قائم بعينه كما هو ظاهر.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 324

(و منها) ما عن صاحب الجواهر، و هو أن الخيار حق واحد متعلق بمجموع المبيع لا كل جزء منه، و لا أقل من الشك

لعدم اطلاق موثوق به، و الاصل اللزوم.

و يرد فيه: أولا ان لازم ذلك عدم الجواز حتي مع رضي البائع، لان القصور من ناحية المقتضي لا من جهة المانع. و ثانيا لا شبهة في وحدة حق الخيار و لم يقل احد أنه يجوز للمشتري ان يرد جزء المعيب. و أيضا لا يتوهم أحد بأنه يجوز له رد خصوص الصحيح، انما الكلام في أن مركز الخيار مجموع ما وقع عليه العقد بحيث لا يجوز له رد خصوص المعيب أو مركز الخيار خصوص المعيب، و انما يجوز رد المجموع لعدم ترتب تبعض الصفقة او للإجماع أو لصدق المسبب علي المجموع.

و الحق أنه يصدق المعيب علي خصوص المعيب و اطلاق الدليل يشمله، فانه يصدق أنه اشتري شيئا معيبا و لا يكون هذا الكلام كذبا فيترتب عليه الخيار.

و مما يؤيد المدعي بل يدل عليه أنه يجوز رد المعيب مع رضي البائع بالاتفاق، و انما لم يجز رد خصوص المعيب بلا رضي البائع لأجل ترتب التبعض، فيعلم أنه لو لم يكن خصوص المعيب موردا للخيار لم يكن رده جائزا الا بالتفاسخ، و بالتفاسخ يجوز الرد حتي في مورد خصوص الجزء الصحيح كما هو ظاهر.

(و أما الموضع الثاني) و هو ما لو تعدد البائع فلا خلاف في جواز التفريق،

و لو اشتري اثنان من اثنين يدخل في المسألة الثالثة، و هو الموضع الثالث من البحث.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 325

(و أما الموضع الثالث) و هو ما لو اشتري شيئا من ثالث فانكشف أنه معيب هل يجوز أن يرد أحدهما حقه بخيار العيب أم لا،
و قبل بيان الحال لا بد من التنبيه علي أمر،

و هو أنه لو تعدد العقد- كما لو باع البائع نصف العين من زيد و في ذلك الحال باع وكيله النصف الاخر من بكر- لا شبهة في ثبوت الخيار لكل من الشريكين، كما أنه لو باع نصف داره من زيد بثمن معين و نصفها الاخر من بكر كذلك، و في مقام الانشاء انشأ كلا البيعين بانشاء واحد يكون لكلا المشتريين الخيار، اذ لا يرتبط أحدهما بالاخر، انما الاشكال فيما يكون العقد واحدا واردا علي شي ء واحد بثمن واحد.

و ما يمكن أن يقال في وجه المنع أمور:
(منها) أنه لو تفرد أحدهما بالرد لا يكون البيع قائما بعينه.

و فيه: أولا ان مدرك هذا الحكم ضعيف للإرسال. و ثانيا ان المستفاد من الرواية أن المبيع بعد انتقاله الي المشتري يلزم أن يكون قائما بعينه الي زمان الرد، و هو كذلك و يصدق عليه هذا العنوان فانه قائم بعينه.

و الحاصل ان الميزان في ثبوت الخيار بقاء العين علي نحو تلقاه من البائع و المفروض أنه كذلك و ليس الميزان بأن يرجع الي ملك البائع علي نحو خرج من ملكه.

(و منها) ان الانفراد بالرد يوجب الضرر بالنسبة الي البائع.

و فيه: أولا يلزم عدم الخيار حتي في صورة تعدد العقد، فانه لا فرق في توجه الضرر في الصورتين. و ثانيا يمكن أن يتصور عدم توجه الضرر. و ثالثا يتعارض ضرره مع ضرر المشتري، فانه يتضرر بالصبر علي المبيع. و رابعا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 326

قوله: مسألة يسقط الارش دون الرد في موضعين (1).

ان البائع أقدم علي الضرر، فانه بمقتضي الارتكاز العقلائي التزم بأنه في صورة العيب يقبل رد المبيع، و عليه لا فرق بين علم البائع بالتنقيص و عدمه.

(و منها) أن دليل الخيار منصرف عن المقام.

و فيه: أولا انه لا وجه للانصراف، لان غايته قلة وجوده، و هي لا توجب الانصراف. و ثانيا انه بناء عليه لا بد من الالتزام بعدم الخيار حتي لمجموع الشريكين.

(و منها) أنه خيار واحد قائم بمتعدد،

فليس لكل منهما الاستقلال باعماله.

و فيه: ان الميزان بصدق عنوان أخذ في دليل الخيار، فان المأخوذ فيه قوله عليه السلام «من اشتري شيئا و به عيب أو عوار»، فاذا صدق هذا العنوان يترتب عليه حكم الخيار بلا كلام.

و ملخص الكلام ان اثبات أن الخيار أمر واحد قائم بمتعدد فلا يجوز الانفراد بالاعمال يحتاج الي الدليل، بل الميزان بصدق موضوع الخيار، و هذا العنوان يصدق علي كل منهما، بلا فرق بين أن يكون القبول واحدا أو متعددا، بل الحكم في المقام أظهر من خيار الحيوان فيما لو اشتراه شريكان، فان نصف الحيوان لا يصدق عليه الحيوان بخلاف المقام.

[مسألة يسقط الأرش دون الرد في موضعين]
[الأول- إذا اشتري ربويا بجنسه نظهر عيب في أحدهما فلا أرش حذرا من الربا.]

أقول: أفاد المصنف بأن الارش يسقط في موضعين:

الاول- اذا اشتري ربويا بجنسه نظهر عيب في أحدهما فلا أرش حذرا من الربا. و يقرب ذلك بوجهين: الاول ما قربه الشيخ قدس سره بأن المستفاد من أدلة تحريم الربا أن وصف الصحة في أحد الجنسين كالمعدوم لا يترتب علي فقده استحقاق عوض، فالعقد علي المتجانسين لا يجوز أن يصير سببا لاستحقاق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 327

أحدهما علي الاخر زائدا علي ما يساوي الجنس الاخر، فتشمله أدلة حرمة الاخذ بالتفاضل.

و يرد عليه: ان ما ذكره مبتني علي ان تكون الغرامة في إزاء صفة الصحة و الحال أنه ليس كذلك.

و الذي يدل علي أن الارش ليس في مقابل وصف الصحة أن المشتري لو كان جاهلا بالعيب أو كان جاهلا بحكم الارش و لم يطالب البائع بالارش لم يجب علي البائع شي ء علي ذمته، فان ما أخذ في مقابل الصحة غرامة شرعية حكم بها الشارع.

الثاني- ما أفاده صاحب الكفاية في حاشيته علي المكاسب

أن المستفاد من أدلة تحريم الربا أنه كما لا يجوز الزيادة في الربويين من ابتداء البيع كذلك لا يجوز في حال استقراره و لزومه، فيكون حال الزيادة كحال زيادة الشرط في طرف أحد الربويين، و لازمه عدم جواز أخذ الارش بعد العلم بالعيب.

و فيه: أولا ان ظاهر الادلة حرمة الربا حدوثا فلا تشمله بقاء. و ثانيا ان الوفاء علي العقد يترتب علي البيع، فلا بد أن يكون صحيحا في رتبته السابقة حتي يترتب عليه وجوب الوفاء. و ثالثا ان وجوب الوفاء و الالتزام لا ربط له بأخذ الارش و عدمه، و لذا لو لم يقدر علي رد المعيوب فلا بد أن يلتزم بالعقد سواء أخذ الارش أم لا.

و الحاصل ان الارش حكم شرعي لا

يوجب الربا، فمن ذهب الي كون الارش و الرد في الرتبة الواحدة يلتزم ببقاء الارش اذا لم يمكن الرد.

الثاني- العيب الذي لا يكون موجبا لنقص القيمة، و قد مثلوا له بالخصاء في العبد، فانه عيب و لا يوجب نقصا في القيمة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 328

قوله: مسألة يسقط الرد و الارش معا بامور (1).

و أورد عليه المصنف: بأن الميزان في القيمة الاغراض العرفية و ان كانت فاسدة عند الشرع، و من الظاهر أن جملة من الناس يرغبون في العبد الخصي لأغراضهم الفاسدة. و الحاصل ان العيب لو لم يكن نقصا للقيمة لا يوجب الارش.

لكن يرد عليه: انه لو قلنا بأن العيب الموضوع للخيار هو العيب الموجب لنقص القيمة فلا يكون غير المنقص موجبا للرد أيضا فلا موضوع لهذا البحث.

[مسألة يسقط الرد و الأرش معا بأمور]
[الأول العلم بالعيب قبل العقد]

أقول: الاول العلم بالعيب قبل العقد، و ادعي الشيخ أنه بلا خلاف و لا أشكال. و بعبارة أخري: يشترط في تحقق الخيار جهل المشتري بالعيب، و الدليل عليه أن الخيار المستفاد من الدليل رتب علي صورة الجهل، فلاحظ رواية زرارة و فيها قال عليه السلام «من اشتري شيئا و لم يتبرء اليه و لم يتبين له» الخ، فموضوع الخيار غير العالم بالعيب.

و قد يستدل للمدعي بمفهوم رواية زرارة، و المستدل صاحب الجواهر، و أفاد المصنف بقوله: و فيه نظر. ربما يورد علي المصنف بأن الوصف و ان لم يكن له مفهوم و لكن في المقام خصوصية تقتضي الدلالة بالمفهوم.

و توضيح الحال: ان الوصف و ان لم يكن دالا مفهوما لما ثبت في الاصول من عدم المفهوم للوصف، و لكن هذا فيما لا يكون المتكلم في مقام بيان الكبري الكلية و الا يكون الوصف دالا مفهوما

و في المقام انه عليه السلام في مقام بيان ضابطة كلية، فطبعا يدل الكلام علي المفهوم و الا يلزم لغوية الضابطة.

و ربما يورد عليه بأنه لا وجه لعدم دلالة الشرطية علي المفهوم، فان المقام ليس داخلا فيما لا تكون الشرطية دالة علي المفهوم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 329

و توضيح الحال: ان الشرط المذكور في القضية الشرطية علي أقسام: فان الشرط تارة لا يكون دخيلا في ترتب الجزاء بحسب الخارج و الواقع كما قوله «ان جاءك زيد اكرمه» فان مجي ء زيد لا يكون دخيلا في تحقق الاكرام خارجا اذ يمكن الاكرام و لو مع عدم مجيئه. و أخري يكون دخيلا في ترتب الجزاء خارجا، بحيث لو لم يتحقق لا يمكن ترتب الجزاء، كما في قوله «اذا ركب الامير فخذ ركابه». و ثالثة مركب من أمرين كقوله «اذا ركب الامير و كان يوم السبت فخذ ركابه» فان أخذ الركاب بالنسبة الي الركوب من قبيل الثاني و بالنسبة الي يوم السبت من قبيل الاول.

و الشرط في المقام من قبيل القسم الثالث، فان الخيار بالنسبة الي الاشتراء من قبيل الثاني و بالنسبة الي العلم من قبيل الاول، فلا وجه للنظر في الشرطية بأنها مسوقة لبيان الموضوع و لا مفهوم له.

و لكن المحتمل بل الظاهر أن نظر المصنف في الاستدلال ليس من هذه الجهة، كيف و هو بعد سطر يستدل بالمفهوم، بل يمكن أن يكون الوجه أمرا آخر و هو أن البيان من طرف البائع له موضوعية و مع عدمه يتحقق الخيار حتي مع العلم بالعيب، و لا أقل من احتمال الموضوعية.

لكن الحق عدم ورود الاشكال علي صاحب الجواهر، لأنه قد ذكرنا مرارا أن أخذ هذه المفاهيم في الدليل

يفهم منه العرف الطريقية و يستفيد أن المناط هو العلم خصوصا في المقام، اذ «عبر» بصيغة المجهول، فانه لو كان التعبير بصيغة المعلوم لكان لاحتمال الموضوعية وجه، و أما مع كون التعبير بصيغة المجهول فليس لهذا الاحتمال مجال، فالحق مع صاحب الجواهر.

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 330

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 330

فلو شرط مع العلم خيار العيب الذي له أحكام خاصة فاختار صاحب الجواهر قدس سره الصحة و الشيخ فساد الشرط و العقد، و لا بد من التكلم أولا في فساد الشرط و عدمه، و ثانيا في افساده للعقد و عدمه.

فنقول هذا النحو من الاشتراط يتصور بنحوين: الاول أن يشترط تحقق هذا الحكم الخاص بلا جعل من المتعاقدين، الثاني أن يشترط بجعل منهما.

فان كان علي النحو الاول يكون باطلا. لان الشرط ليس مشرعا و لا يمكن جعل الحكم الشرعي بالشرط، و هذا ظاهر. و من البعيد كله أن اراد صاحب الجواهر من كلامه هذا الفرض. و ان كان علي النحو الثاني فالظاهر جوازه، فانه لا مانع منه و ليس فيه مخالفة للشرع، فان المستفاد من الدليل أن ترتب الخيار بهذا النحو في هذه الصورة و ينفي الخيار الخاص في صورة العلم، لكن لا يدل علي أنه لو التزما باختيارهما و جعلا أمرا خاصا علي عهدتهما يكون باطلا فلا مقتضي للفساد بل المقتضي للصحة تام.

هذا تمام الكلام في فساد الشرط و عدمه، و ظهر أن الحق صحته، و أما افساده علي تقدير فساده فهو مبني علي ذلك البحث. و الحق أنه لا يوجب فساد العقد

كما سيجي ء.

(الثاني) مما يوجب سقوط الرد و الارش معا تبري البائع عن العيوب،
و ما يمكن أن يستدل به أمور:
(منها) الاجماع،

فانه ادعي عليه اجمالا، و لكن الاجماع فيه ما فيه.

(و منها) ان العقد بحسب القاعدة الاولية لازم، فانه يجب الوفاء به،

و انما تخرج عن القاعدة للارتكاز العقلائي، و من الظاهر أنه مع التبري لا يبقي مجال

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 331

للتمسك بالارتكاز كما هو ظاهر. و لكن العمدة ملاحظة النص، فان الميزان مقدار ما يستفاد منه.

(و منها) النصان الواردان في المقام:

أحدهما ما رواه «1» زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، فانه اشترط فيها تحقق الخيار بعدم تبري البائع فلاحظ. ثانيهما مكاتبة جعفر بن عيسي «2»، فان دلالتها علي المدعي لا ينكر، لكن سندها مخدوش بجعفر بن عيسي، اذ أن الرجل لم يوثق، و المدح الذي يرويه الكشي في حقه لا يدل علي وثاقته، بل يستفاد من تلك الرواية أنه وقع مورد اعتراض أبي الحسن عليه السلام. فلاحظ جامع الرواة ج 1 ص 155.

ثم انه لا فرق بين التبري الإجمالي و التفصيلي، فان اطلاق رواية زرارة يقتضي عدم الفرق. هذا كله في التبري عن العيوب الموجودة حال العقد، و ربما يقال بأن التبري من العيب قد يجتمع مع الغرر في البيع، و هو فيما لا يكون للمشتري طريق الي احراز صحة العقد فيكون البيع باطلا بالغرر.

ان قلت: مقتضي اطلاق رواية زرارة صحته.

قلت: شمول الرواية لمورد الغرر يكون بالاطلاق لا بالنصوصية كي يخصص به دليل بطلان الغرر. و يجاب عن هذا التوهم بأنه لو قلنا بأن أصالة السلامة أصل معتبر تدل علي سلامة المبيع فلا غرر، كما أنه لو قلنا بأن المستفاد من رواية زرارة بحسب الفهم العرفي أن هذا الدليل ناظر الي دليل نفي الغرر فلا اشكال أيضا لتقدم الحاكم علي المحكوم، و أما لو لم نقل بالحكومة نقول:

يقع التعارض بين دليل نفي الغرر و بين هذه الرواية بالعموم من وجه، و بعد التعارض و التساقط تصل النوبة الي

الاخذ باطلاق أدلة صحة البيع.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 16 من ابواب الخيار، الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء (12) الباب 8 من ابواب احكام العيوب، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 332

و أما العيوب المتجددة فأفاد المصنف أنه يصح البراءة من تلك العيوب بمقتضي دلالة «المؤمنون عند شروطهم».

و ربما يشكل بأنه من اسقاط ما لم يجب. لكن فيه ما مر من أنه ليس عليه دليل، و القدر المعلوم من الاجماع غير هذا المورد، لكن الاشكال كما ذكرنا سابقا من ناحية عدم الدليل علي جواز اسقاط الحق الذي يتحقق بعد ذلك، و لكن الحق ان التبري يرجع الي عدم اشتراط الخيار، و هذا ليس اسقاطا للحق.

ان قلت: يلزم منه الغرر.

قلت: ان العيب الحادث في المبيع بعد العقد لا يوجب الغرر.

ان قلت: العيب الحادث في زمان الخيار يوجب الخيار فيعود محذور اسقاط ما لم يجب.

قلت: علي فرض تمامية هذا المطلب و ثبوت الخيار بمثله يدخل تحت دليل صحة التبري.

ثم ان المصنف أفاد بأن البراءة في المقام يحتمل فيها معان، و ذكر ثلاثة معان: عهدة العيوب، ضمان العيب، حكم العيب. و الحق أن البراءة المستفادة من الدليل معناها عدم تعهد البائع بشي ء من قبول الفسخ و أداء الارش، و هذا هو الصحيح، و اما البراءة عن عهدة العيب فيمكن أن يرد فيه بأن العيب أمر تكويني و ليس متعلق عهدة البائع، كما أن البراءة من الحكم لا معني له، فان الحكم أمره بيد الشارع. نعم ضمان العيب معناه تعهد ادائه و البراءة منه عدم التعهد.

ثم ان التبري هل يكون مؤثرا في سقوط بقية الآثار ككون التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له بحيث لو مات الحيوان بالعيب

الموجود في المبيع و كان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 333

قوله: ثم ان هنا امورا يظهر من بعض الاصحاب سقوط الرد و الارش بها (1).

في زمان خيار الحيوان للمشتري فهل يكون علي البائع أو يسقط. و التحقيق أن يقال: اما يقصد المتبري بالتبري سقوط تلك الحقوق و اما لا يقصد، أما علي تقدير عدم القصد فلا مقتضي للسقوط، و أما علي تقدير القصد فأفاد الاستاذ بأن سقوطه في هذا الفرض مبني علي كون تلك الامور من الحقوق القابلة للرد أو من الاحكام غير القابل للرد.

و فيه: ان الكلام في تبري البائع، و البائع من عليه الحق لا من له الحق، فكيف يسقط. مضافا الي أنه يدخل في بحث اسقاط ما لم يجب، بل الظاهر كما أفاده الشيخ أن مقتضي دليل ضمان تلك الامور بقاء الضمان بحاله، و لا وجه لسقوطها.

[ثم إن هنا أمورا يظهر من بعض الأصحاب سقوط الرد و الأرش بها]
اشارة

أقول: ثم ان الشيخ أفاد بأنه يظهر من بعض سقوط الرد و الارش بأمور:

(منها) زوال العيب قبل العلم به،

كما صرح به في غير موضع من التذكرة.

و قال الشيخ قدس سره بأن الظاهر هو التفصيل بين الارش و الرد بالسقوط في الثاني دون الاول، و ذلك لان العيب مع زواله و عدم بقائه لا يكون المشتري متصرفا فيه فلا وجه للرد. و أما الارش فهو غررية حاصلة من العيب الموجود في المبيع و براءة ذمة المالك عنه بلا وجه لو لم يكن اجماع. و التحقيق ان يقال بعدم الفرق بين الارش و الرد، فان المدرك كما مر النص الخاص أو قاعدة نفي الضرر، و مقتضي النص عدم الفرق بين الصورتين، و أما قاعدة ان الزائد العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد ليس تحته شي ء و لا ينطبق علي برهان، فالعمدة ظواهر الادلة، و مقتضاها عدم سقوط شي ء من الامرين. لاحظ رواية «1» زرارة،

______________________________

(1) الوسائل الجزء 12 الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 334

فان المستفاد منها أن المبيع اذا كان به عيب للمشتري أن يرد، أعم من أن يزول، أو لا يزول، و يؤكده أن مقتضي الارتكاز العقلائي هو الخيار مع العيب و البقاء ليس شرطا لجعل الخيار.

و لو فرض الشك فهل يجري استصحاب الخيار؟ الظاهر لا، لا لعدم بقاء الموضوع، فان الموضوع المستفاد من الرواية باق، بل لان المرجع عند الشك عموم وجوب الوفاء، مضافا الي أن الاستصحاب في المقام يعارضه استصحاب عدم الجعل في المقدار الزائد. نعم مقتضي عدم الانتقال الي الغير موافق لعدم الخيار.

(و منها) التصرف بعد العلم بالعيب.

و ما يمكن أن يكون وجها لهذا المدعي أمران:

أحدهما- ان التصرف رضاء به و فيه: ان التصرف أعم من الرضا، فانه ربما يتصرف الشخص و لا يقصد الاسقاط.

ثانيهما- ان النص

الدال علي جواز أخذ الارش مختص بالتصرف الذي يكون قبل العلم.

و فيه: انه ليس الامر كذلك، بل مطلق من هذه الجهة كرواية «1» ابن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السلام، فان مقتضي هذه الرواية سقوط الرد بالوطي و ثبوت الارش ان كان في الامة عيب، أعم من أن يكون الوطي قبل العلم بالعيب أو بعده.

و ملخص الكلام في المقام: انه لا وجه للسقوط علي طبق الموازين الاولية،

______________________________

(1) الوسائل الجزء 12 الباب 4 من احكام العيوب الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 335

فانه ما دام لم يسقط ذو الحق حقه لا يسقط حقه، و أما الاستناد الي ما ورد في سقوط خيار الحيوان بالنص فقد مر أنه حكم تعبدي وارد في مورد خاص.

و أما النصوص الواردة في المقام فالمستفاد منها أن احداث الحدث يوجب سقوط الرد، و أما الارش فلا دليل علي سقوطه بالتصرف بعد العلم، بل النصوص اما ساكتة من هذه الجهة و اما تدل باطلاقها علي بقاء حق الارش كما ذكرنا.

و ربما يقال: انه لا وجه لضم مسقط الي مسقط آخر وعده مسقطا مستقلا.

و لكن يمكن رفع الاشكال بأن ظاهر ما يدل علي سقوط الخيار بالتصرف اختصاصه بمورد لو لم يرد يأخذ الارش، و من ناحية أخري ان مقتضي دليل لا ضرر تحقق الخيار للمشتري، لأنه لو لم يأخذ الارش و لم يكن له حق الرد يتوجه اليه الضرر.

و أفاد الاستاذ بأنه ما المراد من الضرر، فانه لو كان المراد منه الضرر المالي فالمفروض أنه ليس ضررا ماليا، و ان كان المراد أنه خلاف الغرض الشخصي فهو و ان كان كذلك لكن الدليل الدال علي سقوط الخيار بالتصرف يكون مخصصا لقاعدة نفي

الضرر.

و التحقيق أن يقال: ان التصرف ان لم يكن احداثا لحدث في المبيع و لم يقصد به الاسقاط فلا وجه للسقوط، و ان قصد به الاسقاط فلا مجال لهذا الاستدلال و ان كان مصداقا لإحداث الحدث فان قلنا بأن قاعدة نفي الضرر ليس من شأنها اثبات الخيار فالامر ظاهر، و ان لم نقل بذلك فليس ما أفاده الاستاذ علي ما ينبغي، لان احداث الحدث لو منع من الرد و يكون الامساك ضرريا لا مانع من التمسك بالقاعدة، اذ لو فرض أنه قد يتوجه الضرر و قد لا يتوجه تكون القاعدة رافعة للضرر فيما يكون ضرريا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 336

الا أنه يقال: هذا خلف، فانه لو فرض أن تخلف الغرض الشخصي ضرر يكون الحكم بعدم الرد واردا في مورد الضرر، و لا مجال لرفعه بالقاعدة، اذ القاعدة واردة في مورد الضرر. و الذي يسهل الخطب أن تخلف الغرض الشخصي ليس ضررا فلا تشمله القاعدة.

(و منها) حدوث عيب في المعيب بعيب غير موجب لنقصان القيمة.

أفاد الشيخ قدس سره بأنه يشكل الحكم بسقوط الرد، لان المشتري يتضرر بامساك المعيب، و النص الدال علي سقوط الرد بحدوث العيب يدل علي سقوطه فيما يكون الرد موجبا للأرش، و في المقام لا أرش، و لو فرض التعارض بين ضرر المشتري مع ضرر البائع بالصبر علي المعيب بالعيب الجديد يكون المرجع أصالة جواز الرد، فالقاعدة تقتضي جواز الرد، الا أن يمنع عنه الاجماع، و هو غير متحقق في المقام، بل المفيد مخالف في أصل المسألة.

و فيما أفاده قدس سره مواقع للنظر:

الاول- ان ما أفاده من أن المستفاد من النص أن سقوط الرد فيما يكون الارش ثابتا، فانه يرد عليه أولا أنه يستفاد من النص الوارد في المقام كرواية زرارة

أمران: أحدهما سقوط الرد بحدوث حدث في المبيع، و ثانيهما ثبوت ما به التفاوت بعنوان الغرامة علي البائع. و أما الارتباط بين الامرين بحيث يكون سقوط الرد مشروطا بثبوت الارش فلا يستفاد فلاحظ، فلو فرض عدم نقص بواسطة العيب الموجود فلا موضوع للأرش كما هو ظاهر.

و ثانيا- انه لا دليل علي الرد الا النص الدال علي الخيار علي النحو الخاص و فيما لا يكون العيب موجبا للنقص، فلا دليل علي الخيار.

و بعبارة اخري: المستفاد من النص الوارد في المقام أمور ثلاثة: ثبوت الرد بالعيب السابق، و سقوط الرد بحدوث الحدث، و ثبوت الارش. و هذه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 337

الامور مرتبط بعضها ببعضها الاخر، فلو قطع النظر عن النص الدال علي الخيار بهذا النحو فليس لنا نص دال علي ثبوت الخيار، و القاعدة الاولية تقتضي اللزوم الا أن يتمسك بالشرط الارتكازي، و هو غير خيار العيب الثابت بالتعبد.

و أما حمل النص علي الغالب، اذ الغالب في العيب أن يكون موجبا للنقص فلا ينفي الخيار من الفرد النادر كما في كلام الاستاذ. فغير سديد، اذ لو سلمنا كون النص ناظرا الي الغالب لا يكون للخيار في الفرد النادر دليل.

الثاني- انه لا موقع للتمسك بحديث نفي الضرر، فانه علي فرض دلالته علي مذهب المشهور انما يشمل موردا يكون فيه ضرر، و المفروض أنه ليس فيه ضرر مالي، و أما الضرر الغير المالي- أي عدم ترتب نظر المشتري- فهو أمر مشترك بين جميع موارد السقوط، و حيث ان الدليل الدال علي سقوط الرد ورد في مورد الضرر لا مجال للتمسك بحديث نفي الضرر.

الثالث- أنه بعد تعارض الضررين لا تصل النوبة الي أصالة جواز الرد، فانه ان كان

لدليل الرد اطلاق يشمل المقام فهو و الا المرجع عموم وجوب الوفاء بالعقد، فانه لا تصل النوبة الي الاصل ما دام الامارة موجودة.

و الحق في المقام أن يقال: انه لو كان الحدث الحادث في المعيب بفعل المشتري يكون الرد ساقطا و لا أرش، لان المفروض عدم نقصان في القيمة، و ان لم يكن بفعله يكون الرد جائزا غاية الامر يكون المشتري ضامنا للنقص الحاصل فيه حيث أنه في ضمانه.

(و منها) ثبوت احدي مانعي الرد في المعيب الذي لا يجوز أخذ الارش فيه لأجل الربا،

و المقصود من المانعين التصرف و حدوث العيب في العين،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 338

و الكلام يقع تارة فيما يقتضي الحق و أخري فيما أفاده الشيخ قدس سره و ثالثة استظهار مراد العلامة من كلامه.

أما الحق في المقام كما ذكرنا سابقا ان أخذ الارش لا يرتبط بالربا فانه غرامة شرعية و ليس داخلا تحت العنوان المحرم، و عليه لو سقط الرد تصل النوبة الي اخذ الارش بلا اشكال.

و أما الشيخ قدس سره فقد أفاد بأن المشتري لما أقدم علي المعاملة الربوية فقد أقدم علي اسقاط أخذ الارش، فاذا تصرف خصوصا بعد العلم بالعيب تصرفا دالا علي الرضا بفاقد الوصف لزم العقد.

و يرد عليه: ان الحكم الشرعي كذلك أول الكلام، و ثانيا لا يصدق الاقدام الا مع العلم بالحكم الشرعي، و ثالثا التصرف أعم من الرضا كما مر، و رابعا قد مر أن الرد يسقط فيما يثبت الارش فما أفاده غير تام.

ثم انه لو تنزلنا و قلنا بأن الارش لا يجوز أخذه للزوم الربا و قلنا بأن الرد يسقط و لو مع عدم الارش، فهل يمكن منع الرد بحديث نفي الضرر أم لا؟

ربما يقال: بأنه يمكن، اذ المفروض أنه توجه الي المشتري ضرر مالي غير قابل

للتدارك، فيجوز أن يدفع سقوط الرد بحديث لا ضرر. و لكن يرد عليه:

ان الضرر حصل بالمعاملة و الخيار يتدارك بالضرر و حديث لا ضرر ينفي الضرر لا أنه يوجب التدارك.

و هذا في المانع الاول و هو التصرف، و أما المانع الثاني- أي حدوث الحدث- فقد أفاد الشيخ بأنه لو قلنا بأن الرد يسقط حتي فيما لا يجوز أخذ الارش فيوجب سقوط الرد و الا فلا. و قد ظهر مما ذكرنا أن مقتضي القاعدة المستفادة من رواية زرارة أن الحدث لو كان بفعله يسقط الرد و لو لم نقل بجواز

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 339

أخذ الارش، و قد عرفت أنه يجوز أخذ الارش لعدم الربا و ان لم يكن بفعل المشتري فلا مقتضي للسقوط.

و أما العلامة فقد ذكر في التذكرة وجها آخر لعدم جواز الرد، و هو انه اما يرد بلا زيادة للنقص الحاصل و اما أن يرد مع شي ء بدل عن الفائت، أما علي الاول فيلزم ضرر البائع و أما علي الثاني فيلزم الربا، لان المردود حينئذ يزيد علي وزن عوضه.

و أفاد الشيخ في ذيل كلام العلامة و توجيه مقالته: بأن رد المعيب حيث أنه بفسخ المعاوضة- و مقتضي المعاوضة في المقام ان لا يحصل شي ء في مقابل وصف الصحة- وجب رد العوض بلا زيادة، و لذا يبطل التقايل مع اشتراط الزيادة و النقيصة. و مراد العلامة بلزوم الربا اما في العقد و اما في الفسخ، و الاولي الاول.

هذا ملخص كلام الشيخ.

و يرد فيه: ان ظاهر كلام العلامة هو الثاني حيث قال: ان المردود يزيد وزنه مضافا الي أنه لا معني لجعل العقد ربويا، فانه وقع غرريا، و الشي ء لا ينقلب عما هو عليه،

فمراد العلامة لزوم الربا في الفسخ. و هو أيضا غير صحيح، فان الفسخ لا يكون معاوضة بل حل للعقد، و علي فرض كونه معاوضة فانما يكون فيما تقايلا، اذ هو برضي الطرفين فيشبه المعاوضة. و علي فرض التنزل لا يكون الارش عوضا حتي يلزم الربا بل هو غرامة شرعية لا يرتبط بالعوض.

و أما ما أفاده الشيخ من الفرق بين وصف الصحة في الربويين و غيرهما فليس كذلك، فان وصف الصحة لا يقابل بالمال مطلقا، بل وصف الصحة دخيل في زيادة قيمة العين.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 340

و محصل الكلام في المقام: انه لا مانع من أخذ الارش، فانه ليس إلا غرامة شرعية، و لا يرتبط بمسألة الربا، و ان ضمان المشتري للعيب الحادث ليس ضمانا معاوضيا بل ضمان يد، و لا ينافي كون العين ملكا للمشتري، كما أن تلف العين في ملكه و مع ذلك لو فسخ يكون ضمان العين ضمان اليد لا ضمان المعاوضة و أما نسيان الكتابة فأيضا بحسب القاعدة يوجب الضمان لكون اليد يد ضمان الا أن يقوم اجماع تعبدي علي خلافه.

و مما ذكر ظهر ما في كلام المصنف من الفرق بين المقام و بين المقبوض بالسوم بأن التلف في الثاني يكون من مالكه و في المقام يكون التلف في ملك المشتري فلا يقاس أحد المقامين بالاخر. فان ما أفاده غير تام، اذ مقتضي الضمان بعد الفسخ أن يعتبر ملكا لمالكه ثم تلفه فيكون مثل المقبوض بالسوم.

(و منها) التأخير بمقتضي الخيار،

و ما ذكر في وجه السقوط به أمران: أحدهما أن عدم اعمال الخيار اسقاط له، ثانيهما أنه لا دليل علي التراخي، و مقتضي وجوب الوفاء بالعقد الاقتصار علي القدر المتيقن.

و الذي يقتضيه التحقيق أن

يقال: ان مجرد عدم اعمال الخيار لا يقتضي سقوطه، و أما الاقتصار علي القدر المتيقن و الاخذ بالعام فيما زاد و فيما شك ان كان صحيحا فانه لا تصل النوبة الي استصحاب حكم الخاص مع وجود العام، لكن نقول: مقتضي دليل الخيار بقاؤه متراخيا، و مقتضاه عدم السقوط الا أن يتحقق أحد المسقطات. نعم لو لم يستفد الاطلاق من دليل الخيار لا بد من الحكم باللزوم لوجوب الوفاء بالعقد، و أما الاجماع التعبدي فلا يتحقق، و علي فرض التنزل و الالتزام بسقوط الرد بالتأخير فلا وجه لسقوط الارش.

و لا يخفي أن مسألة الغش من حيث حكمه التكليفي و الوضعي قد مرت

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 341

قوله: مسائل في اختلاف المتبايعين (1).

في المكاسب المحرمة، فلا وجه لإعادتها، و لذا نرسل عنان الكلام الي التكلم في مسائل الدعاوي و اختلاف المتبايعين.

[مسائل في اختلاف المتبايعين]
اشارة

أقول: الكلام فيه يقع تارة في موجب الخيار و أخري في مسقطه و ثالثة في الفسخ،

أما الاول [الاختلاف في موجب الخيار]
اشارة

ففيه مسائل:

(الأولي) لو اختلفا في أصل العيب و عدمه و لم يمكن تبين الحال لتلف أو غيره،

فالقول قول منكره مع يمينه. و الوجه فيه ظاهر و لا يحتاج الي البحث فانه بحسب الطبع الاولي المدعي للخيار هو المشتري و عليه اقامة البينة، و المفروض عدم امكانها.

(الثانية) انه لو اختلفا في كون الشي ء عيبا و تعذر تبين الحال،

أفاد الشيخ بأن حكمه كسابقه. نعم لو علم بأنه نقص يكون للمشتري الرد، و أما الارش فلا لأصالة البراءة.

لا يخفي أنه لو قلنا بأن مطلق ما يوجب النقص في العين يكون عيبا فلا موضوع لهذا البحث كما هو ظاهر، و أما لو قلنا بأن العيب أخص من النقص فلهذا البحث مجال، و لذا يتوجه اشكال الي الشيخ، و هو: أنه لا وجه للتفرقة بين جواز الرد و عدم جواز أخذ الارش، فان الموجود في العين اما عيب و اما ليس عيبا، أما علي الاول فيترتب عليه الامران، و أما علي الثاني فلا عليه شي ء منهما.

و أما الحكم بالخيار بمقتضي تخلف الشرط كما في كلام الاستاذ علي ما في التقرير، فيرد عليه أن الكلام في الخيار الثابت بحكم الشرع لا المجعول بجعل المتعاقدين. و التحقيق أن يقال: بأنه مع الاختلاف بينهما في كون الموجود

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 342

عيبا و عدمه القول قول منكر الخيار، لأصالة عدم كونه عيبا، فان العين قبل وجودها لم تكن معيوبة و الاصل عدم تكونها معيوبة أيضا، و مع احراز الموضوع بهذا الاصل يكون عموم وجوب الوفاء محكما. نعم لو أنكرنا جريان الاصل في الاعدام الازلية أو لم يجر الاصل لجهة أخري لا يمكن التمسك بدليل وجوب الوفاء، لكن مقتضي الاستصحاب أيضا عدم الخيار، فان استصحاب بقاء الملكية بعد الفسخ معناه عدم الخيار، كما أن مقتضي أصالة عدم الانتقال بعد الفسخ معناه عدم تحقق الخيار كما هو ظاهر.

و ربما يقال:

بأن ما أفيد انما يتم فيما لو كانت الحالة السابقة الصحة أو يكون المبيع مجهول الحال، و أما لو كانت الحالة السابقة العيب و كان المبيع معيبا فمقتضي استصحاب بقاء العيب وقوع العقد علي المعيب و يكون القول قول المشتري و يثبت له الخيار.

و الذي ينبغي أن يقال في هذا المقام: ان الموضوع للحكم اذا كان أمرا بسيطا كعنوان تخلف الشرط مثلا لا يمكن احرازه الا بالاصل المثبت، و أيضا لو كان الموضوع مركبا من المعروض و العرض و كان الاتصاف دخيلا في الموضوع لا أثر للاستصحاب، فانه مثبت. و أما لو كان الموضوع مركبا بحيث يستفاد من الدليل أنه اذا تحقق هذا المركب بحيث لا يكون الدخيل في الموضوع الا وجود هذه الاجزاء فطبعا يترتب علي استصحاب بقاء العيب تمامية الموضوع، و المستفاد من قوله عليه السلام «ايما امرء اشتري شيئا و به عيب و عوار» أن الموضوع للخيار تحقق شراء شي ء و وجود عيب في ذلك الشي ء، فببركة الاستصحاب يحرز بقاء العيب في الشي ء فيصدق موضوع الخيار، فانه من موارد احراز الموضوع بعضه بالوجدان و بعضه الاخر بالاصل.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 343

(الثالثة) لو اختلفا في حدوث العيب- بأن قال أحدهما أنه حدث في ضمان البائع و الآخر ينكره
اشارة

و هذا يتصور بنحوين: لأنه تارة يدعي المشتري أن العيب حدث قبل العقد و أخري يعترف بحدوثه بعد العقد لكن يدعي حدوثه قبل القبض، و علي كلا التقديرين القول قول منكر الخيار لكونه موافقا للأصل، فالاصل عدم تحقق عيب و عوار قبل القبض و الخيار.

ان قلت: لا يثبت صحة البيع بالاصل المذكور الا بالاصل المثبت.

قلت: انا لا نثبت الصحة بالاصل حتي يكون مثبتا، بل ننفي العيب و هو كاف لإثباته.

ان قلت: يمكن أن يقدم قول المشتري بأصالة عدم تحقق

العقد الي حين حدوث العيب.

قلت: مضافا الي أنه مثبت أنه معارض بأصالة عدم تحقق العيب الي حين العقد، حكي عن ابن جنيد: ان ادعي البائع أن العيب حدث عند المشتري حلف المشتري ان انكره لكونه موافقا للأصل. و قرب المصنف الاصل المذكور بوجوه ثلاثة: الاول أصالة عدم تسليم البائع العين الي المشتري علي الوجه المقصود، الثاني أصالة عدم استحقاق البائع تمام الثمن، الثالث أصالة عدم لزوم العقد.

الا أن الوجوه الثلاثة مخدوشة كلها، أما الاول ففيه: أولا انه لا يثبت الخيار للمشتري الا بالقول علي الاصل المثبت، و ثانيا منشأ الشك فيه عبارة عن حدوث العيب في المبيع و عدمه، و أصالة عدمه محكم علي أصالة تسليم البائع العين علي الوجه المقصود.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 344

و أما الثاني: فانه لا شك في استحقاق البائع تمام الثمن، و أما ما يؤخذ منه عند كون المبيع معيوبا غرامة شرعية، مضافا الي أن الاصل المذكور لا يجري في المقام، لوجود الاصل السببي المقدم عليه، و هو أصالة عدم حصول العيب الي حين العقد و القبض.

و أما الثالث: فان مقتضي وجوب الوفاء لزوم العقد، مضافا الي أن من آثار عدم لزومه جواز الانتقال بفسخ الاخر، و هو منفي بأصالة عدم الانتقال. فتحصل أن قول المنكر- و هو البائع- مقدم باليمين.

ثم ان العلامة قدس سره قال في التذكرة: بأنه لو أقام أحدهما البينة عمل بها، و لو أقاما بينة عمل بينة المشتري، لان القول قول البائع لأنه منكر، فالبينة علي المشتري.

و ما أفاده قدس سره مبني علي سقوط اليمين عن المنكر، و هذا محل الكلام بين الاعلام، فان قلنا بأن وظيفة المنكر اليمين بمقتضي قوله «البينة علي المدعي و

اليمين علي من أنكر» فانه يستفاد منه اختصاص البينة بالمدعي و اختصاص اليمين بالمنكر فلا أثر لإقامة البينة كما هو ظاهر، و أما لو قلنا بأن ما يختص بالمدعي مطالبته بخصوص البينة و أما بالنسبة الي المنكر فيقبل منه كل من الامرين فله اقامة البينة كما أن له اليمين، و عليه لو قاما بينة فربما يقال بتقديم بينة المنكر لاعتضادها بالاصل، و ربما يقال بتقديم بينة المدعي لاختصاصها به.

و في كلا الوجهين نظر: أما الاول فلان الاصل اما غير محرز و اما محرز، اما علي الاول فلا وجه للتعاضد، فانه وظيفة للشاك و لا يكون كاشفا عن الواقع فأين التعاضد، و أما علي الثاني فأيضا لا ترجيح لعدم الدليل، و أما الثاني ففيه أن مجرد اختصاص المدعي بالمطالبة بالبينة لا يدل علي رجحان بينته، بل مقتضي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 345

التعارض الواقع بينهما التساقط و الرجوع الي أصل آخر لفظي أو عملي، و لكن في المقام روايات تدل علي تقديم بينة الخارج.

ثم ان الشيخ قدس سره أفاد بأنه لو حلف البائع لا بد أن يحلف علي عدم تقدم العيب أو علي نفي استحقاق الرد و الارش فيما اختبر المبيع و اطلع علي خفايا أمره، كما يحلف علي الاعسار و العدالة بعد الاختبار، و أما لو لم يختبر المبيع فهل يجوز له الحلف استنادا الي أصالة عدم التقدم؟ وجه احتمله في جامع المقاصد.

و أورد عليه الاستاذ دام ظله علي ما في التقرير: بأنه لا وجه له أصلا، اذ الانكار لا بد أن يتعلق بما يدعيه المدعي، فلو ادعي زيد أن تلك الدار الكذائية ملك له و المنكر يحلف أن ذلك البستان ليس له فلا شبهة

في عدم ترتب أثر علي هذا الحلف. و من الظاهر أن الحلف المستند الي الاصل حلف علي الحكم الظاهري المستفاد من الاصل و المدعي يدعي الحكم الواقعي، ففي المقام ان المدعي يدعي أن لي الخيار واقعا و المنكر يحلف بأنه ليس لك الخيار ظاهرا.

اذا عرفت هذا نقول: تارة يدعي المدعي كون الطرف عالما بالحال، فانه لا شبهة في كفاية الحلف علي نفي العلم. و الوجه ظاهر و أما لو ادعي الواقع ففيه وجوه: منها جواز الحلف علي البت علي نفي المدعي، و منها ايقاف الدعوي، و منها الحلف علي نفي العلم، و منها رد الحلف الي المدعي.

اذا عرفت ذلك نقول: الظاهر أنه لا مانع من الحلف مستندا الي الاصل فيما يكون الاصل محرزا كالاستصحاب، و قاعدة الفراغ و التجاوز ان لم تكن، أمارة و ذلك لما قررنا في الاصول من قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي، و يؤيده ما ورد «1»

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 18 الباب 17 من أبواب الشهادات.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 346

قوله: فرع لو باع الوكيل فوجد المشتري عيبا يوجب الرد رده علي الموكل (1).

عنهم عليهم السلام من جواز الشهادة مستندا الي الاصل، فانه لو كانت الشهادة جائزة مستندة الي الاصل فيجوز الحلف، و الانكار بطريق أولي.

لكن الانصاف أن في الاولوية نظرا لكن يكفي لجواز الاستصحاب و قيامه مقام القطع.

ثم أنه هل يفرق بين المقام و بين الحلف علي الطهارة مستندا الي أصالة الطهارة، ربما يقال كما أفاده الشيخ بأنه يجوز في مورد الطهارة بتقريب: ان المفهوم من الطهارة في استعمال المتشرعة ما يعم غير معلوم النجس.

هذا، و لكن الحق عدم الفرق، فانه اذا كان البحث عن مقام الاثبات فيتناسب أن يقال بأن

المتفاهم من هذا اللفظ كذا، و أما البحث في المقام ليس كذلك، بل البحث يكون في أنه يجوز الحلف علي عدم ما يدعيه المدعي مستندا الي الاصل أم لا، و لا بد فيه من التفصيل بين الاصل المحرز و غيره.

و أما ما أفاده قدس سره من الاستناد الي رواية حفص «1» فهو يدل علي جواز الحلف بالملكية مستندا الي اليد، و من الظاهر أن اليد أمارة لا اصل.

فظهر مما ذكرنا أنه يجوز الحلف مع الاصل التنزيلي و عدمه مع عدمه، و عليه لا وجه للاكتفاء بالحلف علي نفي العلم، كما أنه لا وجه لايقاف المدعي، فلا بد من اعمال موازين القضاء بأن يحلف أو ينكل، و علي فرض النكول يرد الحلف الي المشتري.

[فرع لو باع الوكيل فوجد المشتري عيبا يوجب الرد رده علي الموكل]

أقول: و الوجه فيه واضح، فانه المالك و الوكيل نائب عنه انتهت وكالته

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من ابواب أحكام العيوب، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 347

بالبيع. و لا يخفي أن نظره قدس سره الي الوكالة الموقتة لا حتي بعد العقود في الشئون المتعلقة بالمال، و لو اختلف الموكل و المشتري في قدم العيب و حدوثه يحلف الموكل علي عدم التقدم، و لا يقبل اقرار الوكيل بقدمه لان المفروض أنه أجنبي عنه.

ان قلت: لا بد من قبول قوله لقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به.

قلت: فان كون العين معيبا أو غير معيب لا يرتبط بمورد وكالته، فانه وكيل في البيع و مالك للبيع، فلا بد من العمل علي طبق الموازين الاولية. و اذا كان المشتري جاهلا بالوكالة و لم يتمكن الوكيل من اقامة البينة، فادعي المشتري علي الوكيل بقدم العيب، فان اعترف الوكيل بالتقدم لم يملك الرد الي الموكل،

لان اقراره ادعاء علي الموكل و لا يقبل الا بالبينة، و له احلاف الموكل علي عدم السبق، فلو رد اليمين و حلف الوكيل ألزم الموكل. و لو أنكر الوكيل التقدم حلف ليدفع عن نفسه الظلامة التي تلزمه لو اعترف و لم يتمكن من الرد علي الموكل، اذ الموكل لو اعترف يرد اليه.

و هل للمشتري تحليف الموكل؟ الظاهر لا لان المشتري يدعي الوكيل و ادعاؤه عليه يستلزم انكاره بالنسبة الي الموكل و تحليفه اقرار منه، لكن يمكن أن يقال: فرق بين صورة ادعاء القطع بأن البائع مالك فلا يجوز و بين صورة عدم القطع و الاخذ باليد فيجوز احلاف كل منهما، لكن احلاف كل منهما يسقط الحق، و لا يجوز له احلاف الاخر لان الدعوي واحدة.

ثم لو لم يحلف الوكيل و نكل فحلف المشتري اليمين المردودة و رد العين علي الوكيل، فهل للوكيل ردها علي الموكل؟ وجهان، بناهما في القواعد علي حسب نقل الشيخ قدس سره علي أن اليمين المردودة كالبينة فينفذ في حق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 348

قوله: الرابعة لو رد سلعة بالعيب فانكر البائع أنها سلعته قدم قول البائع (1).

الموكل، أو كإقرار الوكيل فلا ينفذ.

و يمكن أن يقال كما عن جامع المقاصد: بأن كونه كالبينة لا يستلزم نفوذه في مورد الموكل، لان المفروض أن الوكيل معترف بعدم سبق العيب، الا أن يكون مستنده في النفي الاصل، فلا يتوجه الاشكال من ناحية الاقرار، لان الاقرار مبني علي الاصل العملي الذي لا موضوع له مع الامارة.

و عن مفتاح الكرامة أن الاعتراض مبني علي كون اليمين المردودة كبينة الراد، و ما يختلج بالبال أنه لو كان انكاره مبنيا علي العلم فلا يجوز له الرد علي الموكل،

لأنه معترف بعدم السبق، و أما لو كان مبنيا علي الاصل فبعد قيام البينة لا مجال للإشكال، لأنه مع البينة لا موضوع للأصل.

[الرابعة لو رد سلعة بالعيب فانكر البائع أنها سلعته قدم قول البائع]

أقول: و الوجه فيه أنه مقتضي أصالة عدم ثبوت حق للمشتري عليه، و بقاء الملكية بعد الفسخ. هذا فيما يكون الاختلاف في أصل الخيار، و أما لو لم يكن في أصل الخيار، لكن البائع ينكر أن العين المردودة ملكه و يقول بأنه بدل العين المبتاعة بغيرها، فاحتمل العلامة في التذكرة و القواعد أن القول قول المشتري، و نسبه في التحرير الي القيل لاتفاقهما في أصل الخيار و احتمل أن القول قول البائع.

و أفاد الاستاذ علي ما في التقرير بأن المقام يفترق عن المسألة السابقة، اذ في المقام أصل الخيار معلوم، و مع وجود الخيار للمشتري فسخ العقد، و بعد الفسخ تنتقل العين الي البائع و الثمن الي المشتري، غاية الامر ان البائع يدعي خيانة المشتري و عليه الاثبات. نعم لو لم يدفع المشتري العين للبائع أن يتملك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 349

الثمن تقاصا، لكن المفروض أن المشتري يدفع العين، فعلي البائع اقامة البينة فالقول قول المشتري، و ما أفاده العلامة تام.

و فيه: أن ثبوت الخيار ليس ملازما لكون المدفوع عين المبيع، و الاصل يقتضي عدم كون المدفوع مبيعا فكيف يكون القول قول المشتري، و أصالة عدم خيانة المشتري لا تقتضي كون المدفوع هو المبيع الا بتقريب الاثبات.

و أفاد السيد في الحاشية بأنه يمكن الفرق بين الفرعين بأنه مع ثبوت الخيار فكأن البائع جعل المشتري أمينا و ليس علي الامين الا اليمين، و لا يجوز اتهامه بخيانته في التبديل، بخلاف الفرع الاول حيث أن الخيار ليس مورد الاتفاق، و في آخر كلامه

أمر بالتأمل بقوله: فتأمل.

و فيه: انه ليس هذا التقريب تاما، فان العين ملك للمشتري لا أنها أمانة عنده و لا وجه لقبول قوله، و الظاهر أن السيد لم يرتضي به، بل مقصوده مجرد ابداء الاحتمال.

و أما توجيه كلام العلامة بأن ظاهر حال المسلم عدم الخيانة، ففيه:

أولا- أنه يمكن أن يفرض المشتري غير مسلم، فالدليل أخص من المدعي.

و ثانيا- ان هذا الاصل لو كان مؤثرا يلزم الحكم بعدالة جميع المسلمين ما دام لم يحرز فسقهم، و هو كما تري. و منه ظهر أنه لو كان المراد أن الخيانة خلاف الاصل، فأيضا لا أثر له، لان الاصل و ان كان مقتضيا لعدم الخيانة لكن لا يثبت به كون العين المدفوعة هي العين المبيعة. و أما أصالة بقاء الخيار لا تقتضي ابقاء هذا الحق للمشتري و لا ملازمة بين بقاء الخيار و كون هذا العين هي العين المعهودة. نعم لو علمنا من الخارج بأنه لو كان الخيار باقيا يكون العين هي العين المعهودة و قلنا بأن الاصل يثبت لوازمه لكان لهذا المقال مجال، و لكن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 350

قوله: و أما الثاني و هو الاختلاف في المسقط ففيه أيضا مسائل (1).

كيف يمكن الالتزام به.

[أما الثاني و هو الاختلاف في المسقط]
الاولي: لو اختلفا في علم المشتري بالخيار

فالقول قول منكر العلم فيثبت الخيار، و هذا ظاهر لا يعتريه ريب.

الثانية: انه لو اختلفا في زوال العيب قبل العلم به

بأن قال أحدهما ببقائه و ثبوت الخيار و قال الاخر بزواله قبل العلم بناء علي أن زواله قبل العلم في حكم عدم العيب- يقدم قول مدعي الخيار، اذ العيب مطلقا يقتضي الخيار، غاية الامر لو زال قبل العلم لا يثبت.

و أما لو اتفقا علي العيب لكن عرض عيب آخر للعين عند المشتري ثم زال أحدهما فقال البائع الزائل هو العيب القديم فلا خيار لا ردا و لا أرشا، لان العين ليست قائمة بعينها، و قال المشتري الزائل هو العيب الحادث فلي الرد و الارش.

ربما يقال: بأن القول قول المشتري، لان مقتضي الاصل بقاء العيب القديم، و لا يعارضه بقاء العيب الحادث، لان بقاء العيب الحادث لا يثبت زوال القديم الا بنحو الاثبات.

و لكن يرد فيه بناء علي مسلك القوم بأن شرط جواز الرد بقاء العين بعينها، و هذا الشرط غير معلوم، و استصحاب بقاء العيب الحادث لا يثبت هذا العنوان الاعلي نحو الاثبات، فلا حق للمشتري الا أخذ الارش، و عن الشافعي التحالف بتقريب أن مقتضي أصالة بقاء القديم ثبوت الرد و الارش و مقتضي أصالة بقاء الجديد الارش و سقوط الرد، فيسقط ادعاء منهما و يثبت مقتضي الاصل، و هو الارش لأنه القدر المتيقن و لا يلزم مخالفة عملية.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 351

و هذا التقريب غير تام، لان المشتري ينفي الرد و الارش، اذ يدعي زوال العيب القديم، و البائع يدعي زوال العيب الحادث فيدعي عدم مانع من الرد، فليس في البين قدر معلوم. نعم يمكن تقريب المدعي بأن يقال مقتضي تعارض القولين تساقطهما، فتصل النوبة الي الاصل، و الاصل

بقاء الارش بعد التساقط.

و الحق أن يقال: ان أصالة بقاء العيب السابق يقتضي الرد و الارش و أصالة بقاء العيب الجديد لا يعارضه، لأنه علي ما سلكناه لا يشترط في اعمال الخيار بقاء العين بحالها. نعم لو قلنا بأن زوال العيب القديم يقتضي سقوط الخيار فاستصحاب بقاء العيب الجديد يستلزم ارتفاع العيب القديم بالاستلزام العقلي، لكن لا أثر لهذا الاصل لأنه مثبت.

الثالثة: لو كان عيب مشاهد غير المتفق عليه فادعي البائع حدوثه عند المشتري فالخيار ساقط و ادعي المشتري سبقه فالخيار باق،

فعن الدروس انه كالعيب المنفرد بأن القول قول البائع.

و فيه: انه فرق بين المقامين، اذ في ذلك النزاع يكون القول قول البائع لأنه ينكر الخيار و الاصل عدمه، و في المقام الخيار قطعي و الكلام في مسقطه.

و من الظاهر ان أصالة تأخر الحادث لا يثبت حدوثه عند المشتري الذي يكون موضوعا للحكم، بل القدر المستفاد من الاصل عدم تقدمه.

ثم لو ادعي البائع زيادة العيب عند المشتري و أنكره المشتري، القول قول المشتري. و لا يخفي أن الكلام فيما يكون الاختلاف في الزيادة، و أما لو كان الاختلاف في أصل الزيادة فلا شبهة في أن القول قول المشتري.

و لا يخفي أن ما ذكرناه من الاشكال من أن احراز قيام العين بحالها في غاية الاشكال، فان هذا العنوان لا يحرز الا أن يقال: بأن أصالة بقاء العين علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 352

ما كانت تقتضي جواز الرد بدون أن يتوجه اشكال الاثبات.

الرابعة: لو اختلف في البراءة

بأن أدعي البائع انا برئت من كل عيب فيه و انكره المشتري، قدم قول المشتري لأصالة عدم البراءة. نعم في المقام رواية تدل علي تقديم قول البائع، و هي مكاتبة جعفر بن عيسي قال: كتبت الي ابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي فاذا نادي عليه برئ من كل عيب فيه، فاذا اشتراه المشتري و رضيه و لم يبق الا نقد الثمن فربما زهد فيه، فاذا زهد فيه ادعي عيوبا و أنه لم يعلم بها فيقول له المنادي قد برئت منها فيقول المشتري لم أسمع البراءة منها أ يصدق فلا يجب عليه أم لا يصدق؟

فكتب عليه السلام: ان عليه الثمن … «1».

و استشكل الأردبيلي بأنها لا يلتفت اليها

لضعفها مع الكتابة و مخالفة القاعدة و قال المصنف في مقام رده: و فيه نظر، لعل كان وجه النظر ان الكتابة لا تضر و أما الضعف فقد انجبر بعمل الاصحاب. و فيه: قد عرفت ان ضعفه لا ينجبر به.

ذهب الكفاية الي أن الرواية مؤيدة لقاعدة البينة علي المدعي و اليمين علي من أنكر، و قد تنظر الشيخ فيه. يمكن أن يكون وجه النظر أن الرواية علي خلاف القاعدة المشار اليها، لان المدعي في المقام هو البائع لا المشتري و ما أفاده متين في المقام.

و في الحدائق كلام في المقام، و هو: أن الرواية تكون علي خلاف القاعدة الدالة علي تقديم قول المشتري، لان انكار المشتري انما وقع مدالة لعدم رغبته في المبيع و الا فهو عالم بتبري البائع، و أما عليه السلام انما ألزمه بالثمن من هذه الجهة.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من ابواب احكام العيوب، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 353

قوله: و أما الثالث ففيه مسائل (1).

و فيه: أن ما ذكره خلاف ظاهر الرواية، فان ظاهرها استعلام من يقدم قوله و ربما استشكل أيضا علي دلالة الرواية أن البراءة من العيوب عند نداء المنادي لا يجدي، لأنه وقع قبل الايجاب، فان البراءة يعتبر وقوعها في متن العقد.

و فيه: أنها و ان لم تذكر في متن العقد صريحا الا أن المعاملة وقعت مبنية عليها و هو كاف في المقام. و الحاصل ان الرواية من حيث الدلالة لا بأس بها الا أنها ضعيفة بجعفر بن عيسي فانه لم يوثق.

الخامسة: لو ادعي البائع رضي المشتري به بعد العلم أو اسقاط الخيار أو تصرفه فيه أو حدوث عيب عنده و أنكره المشتري

فالقول قول المشتري مع حلفه، لأصالة عدم هذه الامور.

[و أما الثالث في اختلاف المتبايعين في الفسخ]
اشارة

أقول: يقع الكلام في اختلاف المتبايعين في الفسخ في ضمن مسائل:

(الاولي) لو اختلفا في الفسخ فادعاه المشتري و انكره البائع،

تارة يكون الدعوي في زمن الخيار و أخري بعد انقضاء زمان الخيار. أفاد المصنف ان كان الخيار باقيا للمشتري انشأ الفسخ، و هذا الكلام بظاهره غير صحيح، لان الكلام في ادعائه الفسخ لا في جواز إنشائه و عدمه.

و نقل عن الشهيد أن اخباره بالفسخ إنشاء للفسخ. و فيه: انهما امران متغايران لا يرتبط أحدهما بالاخر، نعم يمكن أن يستدل علي المطلوب- و هو تقديم قول المشتري- بقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، فان المشتري مالك للفسخ فاقراره به نافذ.

هذا كله اذا وقع الخلاف في صورة بقاء الخيار، و أما اذا كان ذلك بعد انقضاء الخيار فهل يكون اخبار المشتري عن الفسخ نافذا أم لا؟ أفاد المصنف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 354

أن مدعي الفسخ يحتاج في اثبات ذلك الي البينة. ربما يقال أنه يتمسك للمقام بقاعدة الاقرار فلا يحتاج الي البينة.

و فيه: أنه لا يمكن التمسك بالقاعدة المذكورة في المقام، لأنها مختصة بما اذا كان امر الشي ء بيد المقر فكان اقراره نافذا بالنسبة اليه، و أما اذا لم يكن أمره بيده فاقراره غير نافذ، و المقام من قبيل الثاني، لان المفروض أن الخلاف وقع بعد انقضاء الخيار فليس أمر الفسخ بيد المشتري بعد انقضاء زمان الخيار حتي يكون اقراره نافذا.

و استدل المصنف قدس سره لنفوذ قول المشتري ببعض الاخبار «1» الواردة فيمن أخبر بعتق مملوكه ثم جاء العبد يدعي النفقة علي ايتام الرجل و انه رق لهم، و هو ما رواه محمد بن عبد اللّه الكاهلي قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام كان لعمي غلام فأبق فأتي الانبار فخرج اليه عمي ثم

رجع. فقلت: ما صنعت يا عم في غلامك؟ قال: بعته. فمكث ما شاء اللّه، ثم ان عمي مات فجاء الغلام فقال: «انا غلام عمك و قد ترك عمي أولادا صغارا و أنا وصيهم. فقلت: ان عمي ذكر أنه باعك. فقال: ان عمك كان لك مضار و أكره أن يقول لك فتشمت به، و أنا و اللّه غلام بنيه. فقال عليه السلام: صدق عمك و كذب الغلام فأخرجه و لا تقبله.

و استشكل السيد علي الاستدلال بالرواية بأنه قضية في واقعة، فلعله كان مطلعا علي كذب الغلام.

و فيه: أنه خلاف الظاهر فلا يصار اليه الا بالدليل، الا أنه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بالرواية، لأنه يمكن أن يكون ذلك من باب قاعدة الاقرار حيث أن العم في حال حياته أقر بنفي الرقية.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 26 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 355

ثم انه اذا لم يثبت الفسخ فهل يثبت للمشتري المدعي للفسخ الارش أم لا؟

و الظاهر ثبوته، و لكنه يشكل حيث انه مقر بعدم استحقاق الارش. و يمكن أن يقال كما نقل عن الدروس بأنه يحتمل أن يأخذ أقل الامرين من الارش و ما زاد علي القيمة بأنه يؤخذ مقدار قيمة العين تقاصا، و يرد عليه أقل المقدارين لأنه راجع اليه علي كل تقدير.

(الثانية) انه لو اختلفا في تأخر الفسخ فيما يكون الخيار فوريا،

ففي تقديم مدعي التأخير لبقاء العقد أو تقديم مدعي الفورية لأصالة صحة الفسخ؟ وجهان.

و الحق أنه يقدم قول مدعي صحة الفسخ، لا من جهة أصالة الصحة، فان جريان أصالة الصحة موقوف علي ثبوت الحق و المفروض أن صدور الفسخ لم يعلم زمانه، و يمكن أن يكون واقعا بعد مضي زمان الخيار، بل من باب استصحاب بقاء

حق الخيار الي زمان الفسخ. و لا يعارضه استصحاب عدم الفسخ، لأنه لا يترتب عليه الاثر الا بعد اثبات وقوعه بعد مضي زمان الخيار، و هذا مرجعه الي الاصل المثبت.

لكن يمكن أن يقال: بأنه يكفي استصحاب عدم الفسخ الي حين مضي زمان الخيار، فانه يكفي، اذ مقصود المنكر اثبات بقاء الخيار، فالمقام مقام التداعي.

و لو كانا متفقين في زمان الفسخ و اختلفا في زمان العقد، فربما يقال: بأن الاصل تأخر العقد، لكن لا يترتب عليه وقوع الفسخ في أول زمان الخيار الاعلي نحو الاثبات.

(الثالثة) لو ادعي الجهل بالخيار أو بالفورية يسمع قوله ان احتمل،

و ربما

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 356

قوله: القول في ماهية العيب (1).

يفصل بين الجهل بالخيار و فوريته بعدم السماع في الاول و السماع في الثاني.

[القول في ماهية العيب]

لا يخفي أن العيب الذي يكون مدار الحكم أمر عرفي كبقية الموضوعات العرفية، و الظاهر أن المعيار بحسب الطبع الاولي ما يكون موجبا لنقصان المالية أعم من أن يكون أمرا أصاليا أو تبعيا، و أعم من أن يكون بالزيادة أو بالنقيصة و أعم من يكون عينية أو وصفية.

ثم انه أفاد السيد في الحاشية بأن العيب في حد نفسه غير العيب في مقام المالية، فلو فرض ان عيبا لا يوجب نقصانا في المالية لترتب الغرض المطلوب منه لا يوجب الخيار لانصراف الادلة الي العيب الموجب لنقصان القيمة. و لكن ليس الامر كذلك، فان الميزان بصدق العيب. نعم لا يثبت في مفروضه الارش لعدم موضوعه.

ان قلت عليه: كيف عرفتم العيب بالنقص الموجب لنقصان القيمة.

قلت: هذا بحسب الطبع الاولي و بحسب الغالب، و من الظاهر أن مثل هذه التعريفات لفظية لا حقيقية و ارجاع الي الفهم العرفي. و لا يخفي أيضا أنه ربما يكون شي ء عيبا بالنسبة الي بلدة دون أخري أو في زمان دون آخر فلكل حكمه. و الحاصل انه كبقية الموضوعات تختلف بحسب الازمان و الامكنة.

و حيث ان القضية حقيقية يلزم ملاحظة صدق الموضوع، فكلما صدق يترتب عليه الحكم و الا فلا. نعم اذا ثبت بالدليل المعتبر في مورد نفيا و اثباتا نأخذ بذلك المورد، و في المقام رواية «1» يستفاد منها أن العيب عبارة عن الزيادة أو النقيصة من الخلقة الاصلية، و هي ما رواه السياري، و محل الشاهد في الرواية ما عن النبي صلي اللّه عليه و آله

أنه قال: «كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 1 من ابواب أحكام العيوب.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 357

قوله: القول في الارش (1).

قوله: ثم ان ضمان النقص تابع في الكيفية لضمان المنقوص (2).

نقص فهو عيب»، و هذه رواية ضعيفة بالسياري و ارسالها.

[القول في الأرش]
اشارة

أقول: لا يبعد أن يكون الارش في اللغة عبارة عن المال الذي يجبر به نقص حاصل في المال أو البدن، و المراد بالنقص نقص وصف الصحة، كما أن أجرة المثل اسم لعوض المنفعة الفائتة، و القيمة اسم لبدل العين الفائتة.

و بعبارة أخري: هذه الثلاثة داخلة تحت جامع واحد، و هو المعبر عنه بالعوض فان كان العوض عوضا للعين تسمي «قيمة»، و ان كان منفعة تسمي «اجرة»، و ان كان وصف صحة تسمي «ارشا».

فعليه يكون المعني الشرعي مطابقا للمعني اللغوي، اذ يطلق في الشرع علي عوض وصف الصحة الفائت، أعم من أن يكون ذلك النقص في البدن أو في المال و لم يكن له مقدار في الشرع.

[في أن ضمان النقص تابع في الكيفية لضمان المنقوص]

أقول: يقع البحث في أن هذا الضمان ضمان يد أو ضمان معاوضة أو ضمان ثالث، و لا وجه لكونه من ضمان اليد، اذ المفروض أن العين في يد مالكها و بالانتقال الاعتباري الي ملك الطرف يثبت الضمان فلا يكون مرتبطا بضمان اليد. و الظاهر كونه معاوضة لا أقول بأنه يقع مقدار من العوض في مقابل وصف الصحة، فانه خلاف التحقيق، بل أقول انه ضمان معاوضة لبا، بمعني يجعل مقدار من العوض بحسب اللب الواقع في قبال وصف الصحة بلا اشكال، و لذا في مقام الدعوي أو بمناسبة أخري يقول: بأن دفعت هذا المقدار الكثير زائدا لأجل ذلك الوصف.

و هذا مما لا شبهة فيه، و الدليل عليه انه لو حكم بالضمان يتبادر الي الذهن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 358

قوله: نعم يبقي الكلام في كون هذا الضمان المخالف للأصل بعين بعض الثمن (1).

ذلك المقدار من الثمن لا القيمة الواقعية، فانه خلاف الارتكاز، و لعل هذا بمرتبة من الظهور لا يحتاج

الي البحث و القيل و القال.

و لكن الحق أن يقال: انه ليس ضمان يد كما ذكرنا و ليس ضمانا معاوضيا لان المفروض أنه لم يجعل في مقابل وصف الصحة عوض، و ليس ضمانا ثالثا اذ لا موجب له بحسب القاعدة، فان غاية ما يترتب عليه أن يكون للمشتري الخيار في فسخ المعاملة، و لذا لا يكون أخذ الارش علي القاعدة بل أمر تعبدي.

فتلخص مما ذكرنا: أن الارش ليس علي القاعدة، و أيضا ظهر بأنه ليس من ضمان اليد و لا من ضمان المعاوضة، بل ضمان تعبدي ثابت بالروايات.

ثم ان الميزان هي القيمة الواقعية أو الميزان بالتفاوت النسبي، يقع الكلام:

أولا فيما تقتضيه القاعدة، و ثانيا فيما تقتضيه النصوص الواردة في المقام، و أما القاعدة الاولية فتقتضي ملاحظة النسبة، فانه أمر ارتكازي، و لا منافاة بين ما ذكرنا من عدم الارش علي طبق القاعدة و بين كونه علي فرض الثبوت هو الامر النسبي.

و أما النصوص فمختلفة، فان بعضها يدل بحسب الظهور علي الاسترداد من الثمن، و بعضها يدل علي ثبوت قيمة الوصف. و الانصاف أن مقتضي الفهم العرفي حمل بعضها علي البعض الاخر. و ان شئت قلت: ان ما يدل علي ملاحظة النسبة أظهر من غيره، فيحمل الظاهر علي الاظهر.

[يبقي الكلام في كون هذا الضمان المخالف للأصل بعين بعض الثمن]

أقول: ثم انه هل يكون الواجب علي البائع رد ما به التفاوت من عين الثمن أوله الخيار؟ يقع الكلام تارة فيما يقتضيه الاصل و أخري فيما تقتضيه النصوص.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 359

(أما المقام الاول) فان قلنا بأن ذمة البائع مشغولة يكون الامر دائرا بين المتباينين، كما لو تردد الامر بين ضمان المثل و القيمة، و لكن القدر المتيقن وجوب دفع هذا الغرر، فيكون الامر دائرا

بين الاقل و الاكثر. و بعبارة أخري:

المقدار المعلوم ان المشتري أخذ ما به التفاوت و الاكثر من هذا المقدار غير معلوم و منفي بالاصل.

هذا مقتضي الاصل الاولي، و أما مقتضي النصوص فان المستفاد من بعضها الاطلاق، و لكن مقتضي البعض الاخر الرد من عين الثمن، لاحظ رواية زرارة فانه عليه السلام قال فيها «و يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به … » «1».

و الشيخ قدس سره سلم الظهور، لكن حمل النصوص علي خلاف الظاهر بأنه حيث أن الغالب يكون الثمن من النقدين و حيث أن الخصوصية ملغاة عند العقلاء في النقدين فيكون الرد من الثمن باعتبار نوعه. و لا شبهة في انه خلاف الظاهر لا يصار اليه بلا قرينة.

و الحق أن الواجب بمقتضي جملة من النصوص أن يكون الرد من عين الثمن الا مع التراضي.

ثم انه لو قلنا بأن الرد يلزم أن يكون من الثمن، فلا مجال للبحث في أن الغرامة تلزم أن يكون من النقدين أو من غيرهما، و أما لو لم نقل بذلك و قلنا بأنه لا يلزم أن يكون من عين الثمن فالحق أن الارش يلزم أن يكون من النقدين، فانه المنصرف عند العرف بلا قرينة.

ثم انه ظهر مما ذكرنا أنه لا يعقل أن يستوعب الارش تمام الثمن، لان

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 360

قوله: مسألة يعرف الارش بمعرفة قيمتي الصحيح و المعيب (1).

المفروض أن الارش ما به التفاوت بالنسبة. نعم يمكن تصوره علي بعض التقادير و هو أنه لو حدث في المبيع عيب في زمان الخيار أو قبل القبض و

كان الارش مستوعبا لتمام القيمة و قلنا بأنه لا ينفسخ العقد به و يكون العين باقية في ملك المشتري و يكون البائع ضامنا للأرش فعليه لا بد من رد تمام الثمن.

[مسألة يعرف الأرش بمعرفة قيمتي الصحيح و المعيب]

أقول: يعرف الارش بمعرفة قيمة الصحيح و المعيب ليعرف ما به التفاوت فاذا كانت القيمة معلومة فالامر ظاهر، و ان لم تكن معلومة فلا بد من الرجوع الي العارف بها.

و الذي يرجع اليه تارة يخبر عن القيمة الخارجية و هذا داخل في باب الاخبار و الشهادة بناء علي أنه لا فرق بين الاخبار و الشهادة و ان الشهادة قسم خاص من الخبر و هو عبارة عن اخبار متعدد بأمر عند الحاكم. و أخري يخبر عن الخصوصيات في المبيع، و بعبارة أخري يخبر عن القيمة باعتبار اطلاعه علي خصوصيات العين و قيمة كل خصوصية معلومة لكن تلك الخصوصية مجهولة.

و ثالثة يخبر مستندا بحدسه و اجتهاده. و الاولان داخلان في الاخبار الحسي، و الاخير داخل في الحدس.

و لا شبهة أنه لا يعتبر في الاخير الا الامانة و الخبروية، فما أفاد الشيخ قدس سره غير تام، بل لنا أن نقول: انه لا يعتبر في الاخبار عن الامر الحسي التعدد و العدالة، فان السيرة قائمة علي العمل بقول الثقة الواحد. نعم يعتبر العدالة و التعدد في الشاهد عند الحاكم، و هذا ثابت بالدليل.

ثم انه لو لم يمكن معرفة القيمة فهل يكتفي بالظن أو يؤخذ بالاقل؟ الظاهر هو الثاني، لان ثبوت الاكثر غير معلوم، و مقتضي الاصل عدمه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 361

قوله: لو تعارض المقومون فيحتمل تقديم بينة الاقل للأصل (1).

و ما أفاده قدس سره في وجه الاخذ بالاكثر بأن مقتضي الاصل بقاؤه و عدم سقوطه بأداء

الاقل، يرد فيه: انه مع جريان الاصل في السبب لا تصل النوبة الي المسبب، و مقتضي الاصل عدم تعلق التكليف الا بالاقل.

[لو تعارض المقومون فيحتمل تقديم بينة الاقل للأصل]

أقول: و في المسألة أقوال: أفاد المصنف بأن الحق ما عليه المعظم من وجوب الجمع، لان لكل منهما حجة شرعية فلا بد من العمل به بقدر الامكان و قولاهما و ان كانا متعارضين في النصف أيضا كالكل لكن الجمع بينهما بالاخذ بكل منهما في بعض المدلول أولي من الطرح رأسا. و هذا معني قولهم «الجمع مهما أمكن أولي من الطرح»، و لذا قال الشهيد في تمهيد القواعد: بأن الدار المدعي عليهما بين شخصين تنصف بينهما بل التبعيض في حقوق الناس أولي من التبعيض في حق اللّه لرجوع الكل الي امتثال امر اللّه سبحانه، بخلاف مقام التكليف باحقاق حقوق الناس فان في التبعيض جمعا بين حقوق الناس و مراعاة للجميع و لو في الجملة.

هذا، و قد يستشكل ما ذكرنا أولا بأنه لا تعارض، فان النافي لا علم له بخلاف المثبت و ثانيا بينة النافي مؤيدة بأصالة عدم الزائد فلا تعارض لوجود المرجح و ثالثا بأنه فيه مخالفة قطعية. ثم أجاب بأن النافي ينفي بالبت، و يندفع الثاني بأن الاصل الظاهري لا يكون مرجحا بل يكون مرجعا عند التساقط، و يندفع الثالث بأن في حق الناس ليس الحق لواحد كما في حقوق اللّه بل بين شخصين فهذا أولي من الاهمال المطلق.

و يرد عليه أنه ما الدليل علي رعاية الجمع بين الامرين، فان مقتضي التعارض التساقط. نعم في مورد كون أمر مال مرددا بين شخصين أو اكثر يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 362

قوله: ثم ان قاعدة الجمع حاكمة علي دليل القرعة (1).

مقتضي قاعدة العدل التنصيف،

و يمكن أن يقال: بأن هذا حكم عقلائي، و أيضا يستفاد من النص «1» لكن الرواية ضعيفة بالنوفلي، مضافا الي أن موضوع هذه القاعدة و النص تردد أمر مال بين شخصين أو ازيد، و لا يبعد ان يستفاد هذا الحكم من النص «2» الاخر، و من مصاديقه ما أفاده الشهيد في تمهيد القواعد، فانه بمقتضي اليد تكون الدار بين شخصين.

و أما ترجيح بينة الاقل لتعاضده بالاصل، فقد مر الاشكال فيه بما أفاده الشيخ كما أن الامر كذلك في ترجيح دليل الاكثر، بتقريب أن بينة الاقل تنفي العلم بالاكثر.

[في أن قاعدة الجمع حاكمة علي دليل القرعة]

أقول: و أما القرعة فقد أفاد الشيخ قدس سره بأن قاعدة الجمع مقدم عليها و حاكمة بالنسبة اليها، بتقريب أن القرعة لتشخيص الواقع المردد، و في المقام لا ينحصر الواقع بين الامرين بل يحتمل أمر ثالث. و الحاصل ان القرعة لتشخيص ما يكون في الواقع أمر و يشخص بها، و في المقام ليس الامر كذلك.

و أيضا لا تصل النوبة الي القرعة ما دام الجمع ممكنا، اذ العمل بها قاعدة ظاهرية في فرض الجهل بالواقع، فما دام العمل بالدليل ممكنا يكون مقدما يكون مقدما علي الحكم الظاهري.

و لكن يرد عليه أنه يمكن فرض انحصار الامر بين القولين، بأن نعلم أن الامر دائر بينهما، و ثانيا ان الجمع كما مر آنفا لا دليل عليه، و احتمال الموضوعية

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 12 من ابواب الصلح الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 18 الباب 12 من ابواب كيفية الحكم و احكام الدعوي، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 363

قوله: ثم ان المعروف في الجمع بين البينات الجمع بينهما (1)

منتف، و ثالثا لنا أن نتمسك بمطلقات أدلة القرعة، فان فيها ما يدل

علي حجيتها عند الشك و الاختلاف بين المتخاصمين كما في رواية «1» جميل و منصور، و أيضا يمكن الاخذ بما يدل علي ترجيح احدي البينتين بالقرعة كرواية الحلبي «2» و سماعة.

[في أن المعروف في الجمع بين البينات الجمع بينهما]

أقول: ثم ان الشيخ قدس سره بين طريق الجمع بين البينات و بين طريقين أحدهما منسوب الي المشهور و ثانيهما منسوب الي الشهيد. توضيح الحال برسم أمور:

(منها) ما اذا تعارض المقومان- و هو فيما يكون ما به التفاوت علي قول أحدهما ثلثا و علي القول الاخر ربعا- و أما لو كان ما به التفاوت واحدا علي كلا التقديرين و ان كان بين التقويمين اختلاف فلا مجال للبحث، لعدم المعارضة كي يحتاج الي الجمع بينهما، فاذا أحد قيمتي الصحيح اثني عشر و الاخر ستة و إحدي قيمتي المعيب أربعة و الاخر اثنان لا يكون تعارض، بل التفاوت بالثلثين علي كلا التقديرين.

(و منها) ان طريق المشهور أخذ قيمتي الصحيح و المعيب و تنصيف كل منهما و ملاحظة قيمة المعيب الي الصحيح و الاخذ من الثمن بهذا المقدار، و أسهل من ذلك ملاحظة قيمتي الصحيح و المعيب و ملاحظة النسبة و الاخذ بها، فانه لا يفرق كما هو ظاهر.

و طريق آخر منسوب الي الشهيد، و هو أنه تلحظ نسبة ما بين صحيح القيمة و معيبه و يؤخذ من أصل الثمن بنفس نسبة التفاوت، ثم تلحظ النسبة

______________________________

(1) الوسائل الجزء 18 الباب (3) من ابواب القضاء الحديث 4 و 17.

(2) الوسائل الجزء 18 الباب 12 من ابواب القضاء الحديث 11 و 12.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 364

قوله: القول في الشروط التي يقع عليها العقد و شروط صحتها و ما يترتب علي صحيحها و فاسدها (1).

بين صحيح القيمة الثانية

و معيبها و يؤخذ من أصل الثمن بنفس نسبة التفاوت و هكذا، ثم يجمع ما أخذ من الثمن و يقسم علي عدد القيم يخرج المطلوب، فاذا فرض أن الثمن (12) درهما فلو قوم في التقويم الاول الصحيح ب (15) و المعيب (10) تكون النسبة هو الثلث (4)، و في التقويم الثاني قوم الصحيح ب (20) و المعيب ب (15) تكون النسبة هو الربع (3)، و في التقويم الثالث قوم الصحيح ب (25) و المعيب ب (20) تكون النسبة هو الخمس (5/ 22) درهمان و خمسا درهم يكون المجموع (5/ 92) تسعة خمسا درهم، ثم يقسم علي الثلاثة تكون النتيجة 3 و ثلثا خمس.

ثم التنصيف اما لأجل الجمع بين الحقين و اما لأجل الجمع بين البينتين، أما علي الاول فلا وجه لملاحظة قيمة الصحيح و المعيب، اذ الحق دائر أمره بين الكسور فلا بد من تنصيف الكسور، و اما يكون لأجل الجمع بين الدليلين.

و عليه ان قام الدليل من الاول علي نفس ما به التفاوت فالامر أيضا كذلك و ان قام علي القيمة فالمدلول الالتزامي أيضا تلك النسبة، فان المناط ابتداء و ان كان بالمدلول المطابقي لكن التقويم مقدمة لتعيين ما به التفاوت فلا بد من رعايته.

[القول في الشروط التي يقع عليها العقد و شروط صحتها و ما يترتب علي صحيحها و فاسدها]
اشارة

أقول:

يقع الكلام في جهات:
الجهة (الاولي) في معني الشرط،

ففي القاموس انه الزام الشي ء و التزامه في البيع و غيره، قال المصنف قدس سره: ان ظاهر هذا الكلام كون استعماله

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 365

في الالزام الابتدائي مجازا أو غير صحيح، لكن لا اشكال في صحته لوقوعه في الاخبار كثيرا، و اشتراط المعنوي أولي من المجاز.

أقول: ان الروايات التي تمسك الشيخ بها بعضها مخدوش من جهة السند الا أن في صحيحة «1» أيوب بن نوح أطلق الشرط علي النذر، و هو التزام ابتدائي و لكن غاية ما يستفاد منها تطبيق الامام الشرط علي المورد، و هو لا يدل علي الحقيقة، فلا يستفاد منه أنه أريد منه كل التزام ابتدائي.

قال المصنف قدس سره في المقام ما حاصله: ان الشرط يطلق في العرف علي معنيين: أحدهما المعني الحدثي و هو بهذا المعني مصدر شرط فهو شارط و ذلك مشروط، ثانيهما ما يلزم من عدمه العدم من دون ملاحظة أنه يلزم من وجوده الوجود أم لا، و هو بهذا المعني اسم جامد و لذا الشارط و المشروط ليسا بمتضايفين بخلاف المعني الاول. و أما استعماله في الجملة الواقعة عقيب أدوات الشرط فهو اصطلاح خاص في ألسنة النحاة. و كذا استعماله فيما يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود فهو اصطلاح خاص في ألسنة أهل المعقول.

و التحقيق أن يقال: ان الشرط له معني واحد، و هو ارتباط احد الامرين بالاخر بحيث اذا انتفي المرتبط اليه انتفي المرتبط.

غاية الامر قد يحصل الارتباط بجعل الشرع و أخري بجعل العرف و ثالثة بجعل شخص خارجي و رابعة بحكم العقل، و اطلاقه بجزء العلة في بعض الموارد يكون بالتسامح، و هذا لا يوجب تغاير معناه بل له

معني واحد كما عرفت.

______________________________

(1) الوسائل الجزء (15) الباب (2) من ابواب.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 366

قوله: الكلام في شروط صحة الشرط و هي أمور (1).

ان قلت: انه لا معني لجعل الارتباط بحكم العقل، فان العقل مدرك الارتباط لا حاكم عليه، فان الارتباط بين العلة و المعلول واقعي.

قلت: المراد من حكم العقل دركه، بمعني أن الارتباط بينهما لا يدركه الا العقل.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن الشرط بالتحريك بمعني العلامة و الدون و الشريف فيقال اشراط الغنم أي رذلها و شراط الناس أي أشرافهم فهو من الاضداد.

و فصل السيد اليزدي قدس سره بينما لو كان الشرط من قبيل الافعال و ما لو كان من قبيل الاوصاف، ففي الاول يكون بنحو الالتزام و في الثاني بنحو التقييد.

و فيه: انه لا معني لهذا التفصيل و جعل التقييد في مقابل الالتزام لا يرجع الي محصل الا أن يرجع الي التعليق، فهو باطل. هذا تمام الكلام في الجهة الاولي.

الجهة الثانية في شروط صحة الشرط،
اشارة

و هي أمور:

الشرط (الاول) أن يكون داخلا تحت قدرة المكلف،
اشارة

فلا يصح اشتراط ما لا يقدر العاقد علي تسليمه الي صاحبه. و الشرط اما أن يكون فعلا لأحد المتعاقدين أو يكون فعلا لثالث أو وصفا حاليا أو استقباليا و اما يكون بنحو شرط النتيجة.

لا شبهة في أنه لو كان الشرط فعل أحدهما يلزم أن يكون مقدورا و لو بالتسبيب كما في الافعال التوليدية و الا يلزم لغوية الشرط، و هل يلزم الظن بالامكان؟

الظاهر لا بل مجرد احتمال الامكان يكفي.

و ما يمكن أن يستدل علي الفساد أمور:
اشارة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 367

الاول- الاجماع.

و فيه منعه لوجود المخالف فيه، و ثانيا انه محتمل المدرك لإمكان كون بعض الوجوه المتصورة دليل المجمعين.

الثاني- ان القدرة علي التسليم شرط في صحة البيع،

فالمبيع يكون مقيدا بالشرط، فاذا لم يكن الشرط مقدورا للعاقد لم يكن قادرا علي تسليم المبيع اذ انه أخذ متصفا به.

و فيه: أولا انا لا نتصور معني معقولا لتقييد الجزئي الخارجي، غاية الامر يرجع الي الاشتراط و هو يوجب الخيار لا الي تقييد البيع.

و ثانيا: انه لا مدرك لاشتراط القدرة علي التسليم الا لزوم الغرر، و فيه ما عرفت منا أنا ناقشنا في كون الغرر مبطلا للبيع، و ثانيا انه يمكن فرض عدم لزومه في بعض الموارد، كما اذا كان المبيع أعواد من الشخاطة مثلا فانه لا يلزم من عدم تسليمه خطر عند العقلاء أو يحصل الوثوق بتسليمه بدون الاشتراط.

و ثالثا- ان اشتراط القدرة علي التسليم لا يرفع الغرر في صورة لزومه، لأنه مجرد التزام و هو غير كاف لرفع الغرر.

(الثالث) انه معاملة سفهية و هي باطلة.

و فيه: أولا منع كونه سفيها لا مكان ترتب غرض عليه، و ثانيا منع كون المعاملة السفهية باطلة. و التحقيق أن يقال كما قلنا آنفا: ان الشرط اما أن يكون فعلا لأحد المتعاقدين أو فعلا ثالث و اما أن يكون وصفا حاليا او استقباليا و اما أن يكون من شروط النتيجة، و أما اذا كان فعلا لأحد المتعاقدين فلا اشكال في لزوم كونه مقدورا لا للوجوه المذكورة، فانها مخدوشة كما عرفت، بل لعدم صدق الالتزام فيما اذا كان الشرط غير مقدور.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 368

و لا مجال لان يقال: ان المقصود الاصلي في المقام جعل الخيار، و لا مانع أن نربطه بأمر غير مقدور.

لأنه يقال: ان الغرض من الاشتراط الزام الطرف الاخر بالعمل به، و اذا لم يكن مقدورا كان لغوا اذ لا يمكن الوفاء به، و الخيار في المقام عبارة عن

الزام المشروط عليه العمل بما التزم، فلا بد من تصحيح الالتزام في الرتبة السابقة كي يكون المشروط عليه ملزما بالعمل به، و قد عرفت استحالته.

هذا كله اذا كان الشرط فعلا لأحد المتعاقدين، و أما اذا كان فعلا لثالث فاما يكون مرتبطا بالمشروط عليه و اما أجنبي عنه، و علي الثاني ذهب السيد الي بطلان الشرط لكونه سفهيا.

و فيه: أولا انه لا نسلم كونه سفهيا، و ثانيا لو سلمنا كونه سفهيا الا أنه لا يوجب بطلانه، و ثالثا انه علي فرض تسليم كون الشرط باطلا يثبت الخيار به علي القول بعدم كون شرط الفاسد مفسدا للعقد علي ما سيجي ء.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: انه لو كان المقصود بهذا الشرط جعل الخيار عند التخلف فلا مانع من الصحة و لكن مرجع هذا الشرط جعل الخيار علي تقدير كذائي، و ان كان المراد الزام الغير بالفعل الكذائي فالظاهر هو البطلان لعدم ما يقتضي الصحة. و علي الاول- و هو ما كان الشرط مرتبطا بالمشروط عليه- فاما يكون الفعل المشروط تحت اختياره أم لا، و علي الاول لا اشكال في صحته فانه في الحقيقة يكون الشرط علي المشروط عليه، اذ لا فرق بين فعله المباشري و التسبيبي. و أما علي الثاني فالظاهر بطلان الشرط و ان حصل الوثوق بحصوله، لأنك عرفت أنه لا يتحقق الالتزام فيما اذا كان الفعل غير مقدور.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 369

و ما أفاده السيد اليزدي بأن الشرط في هذه الصورة بمعني التقييد لا الالتزام علي الوجه الذي قررناه سابقا. يرد عليه أن تقييد الجزئي الخارجي لا يرجع الي محصل، الا أن يقال ان مرجع ذلك الي الوصف و سيجي ء الكلام فيه.

هذا

تمام الكلام فيما اذا كان الشرط فعلا لثالث، و أما اذا كان الشرط وصفا للمبيع فنقول: ان الوصف الاستقبالي في المقام كالحالي، فانه يصح الالتزام به اذا حصل الوثوق بحصوله، و أما اذا لم يحصل ذلك فعلي القول بكون الغرر مبطلا- كما عليه المشهور- يكون البيع باطلا. و أما علي المختار لا دليل علي بطلانه الا أن يدعي قيام الاجماع بذلك. هذا تمام الكلام في شرط الفعل.

و أما اذا كان الشرط متعلقا بالنتيجة كقوله «بعتك هذا الدار بشرط أن يكون عباءك ملكي» فتارة يكون مرجع الشرط الي أن الملكية توجد بنفس هذا الشرط، و أخري بسببها الواقعية، و ثالثة تكون موجودة بلا سبب.

أما علي الاول فيشترط في صحته كون المشروط مما يكفي في تحققه كل سبب حتي الشرط، و أما اذا لم يكن كذلك بل كان السبب مشروطا بقيد كالطلاق مثلا فيكون الشرط فاسدا، و يدخل في البحث المعروف و هو أن الشرط الفاسد يكون مفسدا أم لا. و أما اذا كان المقصود منه أن يوجد المشروط بسببه الواقعي فمرجع ذلك الي شرط الفعل، و الكلام فيه الكلام فيه. و أما اذا كان المقصود منه أن يوجد بنفسه بلا سبب، فهو باطل لكونه خلاف الكتاب و السنة.

تذنيب يذكر فيه أمران:
(الاول) لو اشترط في ضمن العقد فعلا علي الغير،

كأن يقول «بعتك و اشترطت علي زيد أن يخيط لي ثوبا» و هو قبل ذلك الشرط هل يكون نافذا أم لا؟ الظاهر نفوذه لكونه شرطا ضمنيا و ان لم يكن العقد للمشروط عليه، لكن لو فرض عدم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 370

قوله: الثاني أن يكون الشرط سائغا في حد نفسه (1).

العمل به هل يترتب عليه الخيار أم لا؟ قال السيد عدم الخيار للمشروط له مع اعترافه بصحة

الشرط. و فيه ان عدم الخيار مع صحة الشرط جمع بين المتنافيين لان الشرط ارتباط أحد الامرين بالاخر، فان المربوط اما أصل العقد أو الالتزام، به، فعلي الاول يكون تعليقا باطلا فيتعين الثاني، فلا معني لإنكاره مع صحة الشرط.

(الثاني) هل ان القدرة الواقعية شرط في صحة الشرط أم تكفي القدرة الظاهرية؟

و الظاهر هو الاول، فعلي تقدير وجودها يكون الشرط صحيحا و علي تقدير عدمها باطلا، و لا وجه لقول السيد حيث ذهب بكفاية القدرة الظاهرية في بعض الصور.

[الشرط الثاني أن يكون الشرط سائغا في حد نفسه]

أفاد الشيخ أنه لا يجوز اشتراط جعل العنب خمرا و نحوه من المحرمات، لعدم نفوذ الالتزام بالمحرم.

و أورد عليه النائيني قدس سره: بأن ذكر هذا الشرط مستدرك لإرجاعه الي اشتراط القدرة، فان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا.

و فيه: أن أحد الشرطين لا يغني من الاخر، فان المناط في ذلك الشرط عبارة عن عدم امكان تعلق الالتزام بفعله، و مع القدرة العقلية لا مانع من الالتزام كما أنه لا مانع من تعلق التكليف، لكن مع ذلك لا وجه لهذا الشرط بعد ذكر الشرط الآتي، و هو أن لا يكون خلاف الكتاب و السنة.

ان قلت: ان منشأ هذا الاشتراط أنه يقع التعارض بين دليل الشرط و بين ذلك الحرام، فيتساقطان بالتعارض فلا يبقي دليل علي وجوب العمل بالشرط.

قلت: أولا لا تعارض بين الادلة الاولية و الثانوية بل الثانية مقدمة عليها

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 371

قوله: الثالث أن يكون مما فيه غرض معتد به عند العقلاء نوعا أو بالنظر الي خصوص المشروط له (1).

عند العرف. و ثانيا انه علي تقدير التعارض يقدم دليل وجوب الوفاء عليه للغويته لو لاه، فانه لو لم يقدم دليل وجوب الوفاء يكون لغوا، اذ في مورده اما يكون ذلك الامر حراما أو جائزا أو مكروها أو مستحبا، و يبقي تحته الواجب فقط فيكون دليل الشرط لغوا، اذ لو لاه يكون ذلك واجبا بدليله.

[الشرط الثالث أن يكون مما فيه غرض معتد به عند العقلاء نوعا أو بالنظر الي خصوص المشروط له]

و فيه: لا دليل علي اعتباره بعد انعقاد الاطلاق لدليل وجوب الوفاء بالشرط.

ان قلت: يقع مقدار من الثمن في مقابل الشرط، و مع عدم كونه عقلائيا يكون اكلا للمال بالباطل.

قلت: ان ما ذكر يتوقف علي تجزئة الثمن بين العين و الشرط، و الحال أن الشرط لا يكون موزعا عليه الثمن،

و علي تقدير توزيعه عليه أيضا لا يتم ما ذكره لان الباء في كلمة «بِالْبٰاطِلِ» سببية، و لذا لا يشترط في المبيع أن يكون له مالية.

ان قلت: يلزم من ذلك كون البيع سفهيا.

قلت: فليكن كذلك و لا دليل علي بطلانه.

ان قلت: ان دليل الشرط منصرف عن الشرط الذي لا يترتب عليه غرض معتد به.

قلت: انه مجرد ادعاء و دون اثباته خرط قتاد.

ان قلت: انه اذا لم يعتبر فيه أن يكون فيه غرض معتد به عند العقلاء فلا يتحقق ضرر فيما اذا خالف المشروط عليه في العمل بالشرط فلا يتحقق الخيار.

قلت: ان المدرك في المقام ليس دليل نفي الضرر حتي يرد ما قيل، بل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 372

انه دليل لفظي كقوله «المؤمنون عند شروطهم» و «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و هو يدل علي وجوب الوفاء بالشرط سواء كان فيه غرض معتد به عند العقلاء أم لا؟

ثم قال المصنف قدس سره: لو شك في تعلق غرض صحيح به حمل عليه.

و قد وجه ذلك المحقق الايرواني بقوله: حملا لفعل المسلم علي الصحة.

و لكنه لا يمكن المساعدة عليه، لان دليل الحمل لو كان ما ذكره لكان ذلك مختصا بالمسلم لكونه مأخوذا في موضوع الدليل، و الحال ان البحث عام، هذا أولا و ثانيا ان حمل فعل الغير علي الصحة له معنيان ترتيب أثر الصحة عليه و عشرة حسنة، فلا يمكن الحمل علي أحدهما الا بالقرينة أيضا، و لا يمكن التمسك بدليل وجوب الوفاء لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و لا وجه لما أفاده الايرواني بأنه لا مانع من التمسك بالعام، لعدم كون المخصص دليلا لفظيا مانعا عن العموم. لأنه قد حقق في محله أن التمسك بالعام في الشبهات المصداقية

غير صحيح، سواء كان المخصص دليلا لفظيا أو لبيا، فان المخصص العقلي أيضا يوجب تعنون العام، و مع ذلك كله الحق أنه لا مانع من حمل فعل الغير علي الصحيح، بمعني أنه لو شك في اجتماع الشرائط في عقد يحمل عليه.

و منها: في حكاية بريرة لما اشترتها عائشة و شرط مواليها عليها ولاها «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه، فما كان من شرط ليس في كتاب اللّه عز و جل فهو باطل، قضاء اللّه أحق و شرطه أوثق و الولاء لمن أعتق» بتقريب أن المراد من الشرط الولاء لمن أعتق و ليس له أثر في كتاب اللّه نفيا و اثباتا، فيكون المراد من الكتاب هو الكتاب التشريعي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 373

و فيه: أولا الاشكال في سندها فانها وردت من طريق العامة، و ثانيا انه يمكن أن الرسول الاعظم «ص» يعرف من القرآن، فانه الخبير بمواقع استفادة الاحكام منه.

ان قلت: كيف يصح التوبيخ علي ما لا طريق للعامة اليه و غير ظاهر لهم، فلا بد من أن يكون المراد منه الكتاب التشريعي. و فيه: ان الوظيفة رجوع الجاهل الي العالم و السؤال عنه، فالتوبيخ علي العمل بلا سؤال، و الا فمن الظاهر أن استفادة احكام الهية مختصة بهم، و لو كان معرفة القرآن أمرا ممكنا فما الفرق بين العالم و الجاهل. اضف الي جميع ذلك أنه ورد في بعض «1» الروايات لفظ «السنة» و من الظاهر أن التقابل بين الكتاب و السنة دليل آخر علي كون المراد من الكتاب القرآن، فانه عليه السلام قال في الجواب: خالفت السنة. و الحاصل ان الظاهر أن المراد بالكتاب هو القرآن، و لا دليل لرفع

اليد عن هذا الظهور.

[الشرط الرابع أن لا يكون مخالفا للكتاب و السنة]

ثم انه هل المعتبر في الشرط موافقة الكتاب أو عدم المخالفة، الظاهر هو الثاني، و ذلك لأنه لو كانت الموافقة مع الكتاب شرطا يلزم فساد أكثر الشروط حتي اشتراط تعليم القرآن، اذ ليس في الكتاب آية تدل علي هذا المعني. مضافا الي امضاء جملة من الشروط في الروايات «2» و الحال أنه ليس في القرآن عليها دليل.

و لا يخفي أن مفاد الروايات مختلف، فمنها ما يكون المستفاد منه اشتراط الموافقة، و منها ما يستفاد منه أن الميزان بعدم المخالفة، و مع التعارض يتساقط

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (14) الباب (29) من أبواب المهور، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء (14) الباب (20) من أبواب المهور، الحديث (4) و الباب 20 حديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 374

الكل عن الاعتبار، فيكون عموم صحة الاشتراط محكما. و بعبارة أخري نقول:

كل خبر ورد فيه كلا العنوانين كما هو المستفاد من بعض «1» الروايات لا يستفاد منه اشتراط صحة الشرط بالموافقة، اذ لكل عنوان منهما مفهوم و مفهوم كل يعاند الاخر فيسقطان عن الاعتبار.

و ما أفاده الايرواني من أنهما مثبتين. ليس تاما، فانه في مقام التحديد و الحد له المفهوم، فلا بد من ملاحظة ما ذكر فيه أحد العنوانين فيه وحده، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السلام فقال: ان رسول اللّه «ص» قال: من شرط سوي كتاب اللّه عز و جل لم يجز ذلك عليه و لا له «2». و الالتزام بأن سوي كتاب اللّه ظاهر في المخالفة- كما في كلام الايرواني- غير سديد.

و هذه الرواية ذكرت في الوسائل بهذا النحو تارة و أخري بقوله «من شرط لامرأته شرطا سوي كتاب اللّه عز و جل لم

يجز ذلك عليه و لا له» «3». و علي هذا تكون الرواية في مورد خاص، و لو دار الامر بين الزيادة و النقيصة يقدم احتمال الزيادة كما هو الميزان، و أما اذا كانت الرواية متعددة فيقع التعارض بين ما ليس فيه قيد لامرأته مع قوله «المسلمون عند شروطهم الا شرطا خالف كتاب اللّه عز و جل» فلا يجوز «4»، و حيث أن النسبة بالعموم و الخصوص المطلقتين لا بد من تخصيص هذه الرواية بتلك الرواية، فيكون الحاصل اشتراط موافقة الكتاب، و لكن لا يمكن الالتزام بهذا المعني.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (14) الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء (15) الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

(3) الوسائل، الجزء (15) الباب 13 من ابواب مقدمات الطلاق الحديث 1.

(4) الوسائل، الجزء 12 الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 375

نعم لا بأس بان يقال: بأن الموافقة تكفي و لو بأن يكون الشرط موافقا لعام أو مطلق للكتاب، فان اشتراط شرب الماء مثلا يكون موافقا للكتاب، حيث أن قوله «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» يشمله، لكن علي هذا المعني يرد علي المصنف أنه لا وجه لإرجاع الموافق الي عدم المخالف. و أيضا يشكل الامر في اشتراط الجلوس مثلا في مكان فلاني، فان الجلوس ليس قابلا للبيع و التجارة بناء علي أن التجارة عبارة أخري عن البيع.

و أما قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فقد ذكرنا بأنه دليل اللزوم لا الصحة، الا أن يقال بعدم الفرق بين الموارد، فان أكل الخبز اذا كان جائز الاشتراط لدلالة الكتاب علي جوازه فيجوز اشتراط الشرب و الجلوس بالضرورة. فلاحظ.

ثم ان المراد بالمخالف المخالف للملتزم به أو

الالتزام أو الجامع بين الامرين، اختار المصنف الجامع بين الامرين ثم أورد علي نفسه: بأن التزام ترك المباح لا ينافي اباحته، فاشتراط ترك التزويج لا ينافي الكتاب. و أجاب عن الاشكال:

أولا بأن التزام ترك التسري و ان لم يكن مخالفا للكتاب الا أن الالتزام بفعل المحرم يخالف الكتاب فيكفي للعموم، مضافا الي أن حديث العياشي صريح فيما ذكرنا، فانه عليه السلام حكم ببطلان الشرط و استشهد بقوله تعالي «وَ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ».

و يرد علي ما أفاده: أولا انه يتوقف علي ارادة الجامع و هو بلا شاهد، و ثانيا ان الالتزام بالمحرم ليس محرما آخر، و ثالثا ان الرواية ضعيفة بالارسال.

و الحق أن يقال: ان مقتضي الظاهر أن الشرط عبارة عن الالتزام، و كونه مخالفا أو موافقا للكتاب باعتبار متعلقه. نعم ربما يكون نفس الالتزام حراما مضافا الي أن تعلق الوجوب يصح باعتبار الالتزام، فان المؤمن عند التزامه أي لا

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 376

ينفك عنه لا عن فعله، كما أنه لو كان مورد الالتزام أمرا وضعيا كملكية الدار الفلانية يكون مقتضي الانفاذ ذلك الامر الاعتباري أي المؤمن، أو المسلم لا ينفك عن اعتباره، مضافا الي أن المحرم عبارة عن الالتزام لا نفس الفعل، فان الحرمة من جهة تحقق التحريم تعرض الفعل. و بعبارة أخري: التحريم في الرتبة السابقة علي الفعل.

بقي في المقام شي ء، و هو أنه يتراءي التعارض بين الطائفتين من الروايات، فان احداها «1» تدل علي فساد شرط عدم التزويج و الثانية «2» تدل علي الجواز، فلا بد من علاج التعارض فنقول: ان الحق تقديم ما دل علي الجواز، و ذلك لعدم صحة سند ما دل علي المنع.

هذا أولا، و ثانيا علي فرض

صحة السند نقول: كليهما موافق للكتاب، فان ما دل علي الجواز موافق لجواز النكاح و ما دل علي عدم الجواز موافق لوجوب الوفاء بالعقد، و في هذا التعارض يؤخذ بما دل علي الجواز، لعموم قوله «المؤمنون … » الخ. مضافا أنه يمكن أن يقال: ان الدال علي الجواز موافق للكتاب دون الاخر، لان ما دل علي الجواز دال عليه بالعنوان الاولي، و وجوب الوفاء بالعقد عنوان ثانوي، و لا معارضة بين العنوان الاولي و الثانوي.

و أما الروايات «3» الدالة علي الفساد فالمستفاد منها أن تعليق الطلاق علي التزويج و التسري باطل، فهذا علي القاعدة فان للطلاق سببا خاصا لا يتحقق الا بذلك السبب، و خلافه شرط خلاف المقرر الشرعي فيبطل.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (15) الباب (20) من أبواب المهور، الحديث (1).

(2) الوسائل، الجزء (15) الباب (20) من أبواب المهور، الحديث (2).

(3) الوسائل، الجزء (15) الباب 38 من أبواب المهور.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 377

ثم الشيخ قدس سره بعد ما بني علي شمول الشرط للالتزام و الملتزم به، وجه علي نفسه اشكالا و تصدي لدفعه، اما الاشكال فهو أنه لا شبهة في جواز شرط الفعل المباح و تركه علي المشروط عليه- كما لو شرط علي غيره ترك شرب الماء أو فعل الجلوس و نحوهما- فان الالتزام بترك الشرط مخالف للكتاب فلا يجوز، و الحال أنه لا شبهة في جوازه.

و اما الدفع فان العناوين التي تعلقت بها الاحكام علي قسمين: اذ تارة يكون من العناوين الاولية التي تتغير بتعلق العنوان الثانوي، و أخري يكون العنوان بحيث لا يكون قابلا للتغيير. أما العناوين المباحة المكروهة و المستحبة من قبيل الاول و العناوين المحرمة و الواجبة من قبيل الثاني،

فيرتفع الاشكال، فالميزان الكلي لجواز الشرط أن يكون مورده من العناوين الاولية، و لعدم الجواز أن لا يكون كذلك، فان المحرم و الواجب لا يتغيران عماهما عليه الا من ناحية الضرر و الحرج.

ثم وجه اشكالا آخر، و هو أنه نري أن بعض الشروط من قبيل الاول كعدم التزويج و مع ذلك حكم بعدم صحته. و دفع الاشكال بأنه اما نقول يفهم من الروايات أنه من قبيل القسم الثاني الذي لا يتغير، لكن يبعده الاستشهاد بالكتاب بحيث يفهم أنه ميزان كلي، و اما نقول بأن الوجه في عدم الصحة أنه علق الطلاق علي التسري و الحال أن الطلاق له سبب خاص.

و أفاد بأن هذا الحمل بعيد، و لكن يشهد له بعض الاخبار حيث دل علي جوار اشتراط عدم التزويج و التسري و الامام عليه السلام حكم بوجوب الوفاء، فيعلم أن الممنوع جعل التسري أو التزويج سببا للطلاق.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 378

و يرد عليه أنه: أي فرق بين الحكم الجوازي الجامع بين الاحكام الثلاثة و الحكم الالزامي، بأن يقال: ان الاول يتغير بالعنوان الثانوي و الثاني لا يتغير.

و لكن علي ما سلكناه لا يتوجه الاشكال علينا، اذ الشرط اما يكون عبارة عن خلاف جعله بأن يقال بعتك بشرط عدم وجوب الصلاة، و اما يكون الشرط عبارة عن الالتزام بأمر من فعل كشرب الخمر أو اعتبار كالالتزام بملكية دار فلان، و اما يكون الشرط تحقق أمر بلا سبب أو بسبب مخالف للمقرر الشرعي. أما علي الاول فلا يصح، لا لأنه شرط خلاف الكتاب بل لانقضاء المعلق مع انتفاء المعلق عليه، فحيث أن البيع معلق علي عدم وجوب الصلاة فلا يتحقق، لان الصلاة واجبة. و أما علي

الثاني فان كان متعلق الالتزام فعل حرام فلا يصح، لأنه يصدق أنه شرط خلاف الكتاب، و ان كان المتعلق جهة اعتبار فان كان له سبب خاص كالطلاق فلا يصح لأنه خلاف المقرر الشرعي، و ان لم يكن له سبب خاص يتحقق.

و أما علي الثاني فأيضا لا يصح لعدم وجود المعلق عليه. نعم في مثل هذه الموارد لو علق الخيار علي الشرط يتحقق الخيار طبعا.

أفاد المصنف: ان بعض مشايخنا المعاصرين بعد ما خص الشرط المخالف للكتاب الممنوع عنه في الاخبار بما كان الحكم المشروط مخالفا للكتاب و ان التزام فعل المباح أو الحرام أو ترك المباح أو الواجب خارج عن مدلول تلك الاخبار، ذكر أن المتعين في هذه الموارد ملاحظة التعارض بين ما دل علي حكم ذلك الفعل و ما دل علي وجوب الوفاء بالشرط، و يرجع الي المرجحات.

و ذكر أن المرجح في مثل اشتراط شرب الخمر هو الاجماع. قال: و ما لم يكن فيه مرجح يعمل فيه بالقواعد و الاصول، و فيه من الضعف ما لا يخفي.

أقول: لعل يكون الوجه لضعف كلامه انه بناء علي ما ذهب اليه يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 379

المستثني منقطعا، فانه ليس قابلا للوفاء لو كان الشرط بهذا المعني. و يمكن أن يكون وجه الضعف أن الادلة الثانوية لا يعارضها الادلة الاولية بل تقدم عليها بالحكومة.

و استشكل عليه الشيخ بعد قوله «و فيه من الضعف ما لا يخفي» أن اللازم علي ذلك الحكم بعدم لزوم الشرط بل عدم صحته في جميع موارد عدم الترجيح لان الشرط ان كان فعلا يجوز تركه كان اللازم الرجوع الي أصالة عدم وجوب الوفاء عند التعارض، و ان كان فعل محرم أو ترك واجب

وجب الرجوع الي أصالة الوجوب الثابت قبل الاشتراط.

و قال: التحقيق من أن الاحكام المذكورة في الكتاب و السنة ما يقبل التغير بالشرط لتغير عنوانه كأكثر ما ترخص فعله و تركه، و منها ما لا يقبله كالتحريم، و أدلة الشروط حاكمة علي القسم الاول دون الثاني، فان اشتراطه مخالف للكتاب.

و فيه: انه لا وجه لما ذهب اليه الشيخ من التفصيل بين الاحكام الترخيصية و الالزاميه. و الحق في المقام ما تقدم آنفا بأن العرف لا يري تنافيا بين الادلة الاولية و الثانوية، بل الثاني مقدم علي الاول كما هو واضح.

ثم قال: و مما ذكرنا من انقسام الاحكام الشرعية الي قسمين يظهر لك معني قوله عليه السلام في رواية اسحاق بن عمار المتقدمة «المؤمنون عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا او أحل حراما» «1»، فان المراد بالحلال و الحرام ما كان حراما لا يقبل التغير حتي مع الاشتراط كشرب الخمر و عمل الخشب صنما و غيرهما، أما ما كان حلالا لو خلي و طبعه فلا يلزم من اشتراط فعله أو تركه الا تغير عنوان الحلال

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (12) الباب 6 من ابواب الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 380

و الحرام الموجب لتغير الحل و الحرمة، فلا يكون حينئذ تحريم حلال و لا تحليل حرام.

ثم قال: و للمحقق القمي هنا تقريب آخر، و هو أن الظاهر من تحليل الحرام و تحريم الحلال هو تأسيس القاعدة، و هو تعلق الحكم بالحل أو الحرمة ببعض الافعال علي سبيل العموم من دون النظر الي خصوصية فرد، فتحريم الخمر معناه منع المكلف عن شرب جميع ما يصدق عليه هذا الكلي، و كذا حلية المبيع، فالتزوج و التسري أمر كلي حلال و التزام

تركه مستلزم لتحريمه، فالمراد من تحليل الحرام أو تحريم الحلال المنهي عنه هو أن يحدث المشترط قاعدة كلية و يبدع حكما جديدا، و قد أجيز في الشرع البناء علي الشروط الا شرطا أوجب ابداع حكم كلي جديد مثل تحريم التزوج و التسري. الي أن قال: و فيما لو اشترطت عليه أن لا تتزوج بفلانة خاصة اشكال، و قد أفاد بعد نقل كلامه:

و للنظر في مواضع من كلامه مجال واسع.

و لا يبعد أن يكون وجه النظر في كلامه أمور:

الاول: الفرق بين الامر الكلي و الجزئي، فان الحكم و ان كان متعلقا بالطبيعة لكن لا شبهة في انحلاله بحسب تعدد الافراد الخارجية، فان الخمر حرام علي نحو الكلي لكن في كل مورد تحقق الخمر يكون شربه حراما، فما الوجه في التفصيل؟.

الثاني: انه ما الفرق بين تحريم الحلال و تحليل الحرام، و أي فرق بين الامرين فان تحريم الحلال في الجملة اذا لم يصدق عليه أنه تحريم للحلال فيكون الشرط صحيحا فما الوجه في فساد اشتراط الحرام كشرب الخمر في الجملة.

الثالث: انه استشكل في اشتراط عدم التسري بفلانة خاصة، و الحال أنه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 381

لا وجه لهذا الاشكال علي مسلكه، فانه ما الفرق بين الفقرتين. فما أفاده قدس سره مع أنه غير تام في نفسه لا يدفع الاشكال، كما أن ما أفاده المصنف من التفرقة بين أدلة الواجب و الحرام و بين أدلة بقية الاحكام الثلاثة ليس عليه دليل فان اطلاق الدليل ان كان تاما فتام في تمام الاحكام و ان لم يكن اطلاق فكذلك فالتفرقة بلا وجه.

و الحق أن يقال: ان اشتراط ترك الجائز أو فعله لا يكون تحريما للحلال فان ترك الحلال أو

فعله مع العزم لا يكون تحريما بل عزم علي أحد طرفي المباح فان من عزم علي عدم شرب الشاي لا يصدق عليه أنه حرم الحلال. نعم لو اشترط في ضمن العقد حرمة الحلال يصدق أنه حرم الحلال فلا يصح.

ان قلت: كما في كلام الشيخ ان الشرط لا بد أن يكون قابلا للوفاء، و تحريم شي ء يكون أمره بيده الشارع و ليس بيد العبد و لا يكون تحت قدرته، فلا معني لاشتراطه فانه لا يتعلق به وجوب الوفاء.

قلت: تارة يشترط أن يكون حراما شرعيا فالاشكال متوجه، و أخري يجعل الحرمة من عند نفسه و لو مع الغفلة عن كونه حراما في الشريعة أو مع الجهل، كما لو وقع هذا الاشتراط في كلام من لا يكون متدينا بدين و يكون ملحدا فانه يصدق أنه حرم ما حلله اللّه.

و ان أبيت عن صدق هذا المعني في التكاليف فلا شبهة في صدقه في الوضعيات كما لو جعل و اعتبر في النكاح عدم أمر الطلاق بيد الزوج علي خلاف كون الطلاق بيد من أخذ بالساق. مضافا الي أنه لنا نقول: ان مثل هذا الشرط يبطل بعنوانين:

أحدهما من جهة كونه محللا للحرام، ثانيهما من جهة عدم امكان تعلق القدرة به.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 382

قوله: الشرط الخامس أن لا يكون منافيا لمقتضي العقد (1).

اذا عرفت هذا نقول: لو اشترط فعل الحرام أو ترك واجب يكون باطلا لأنه خلاف الكتاب و السنة، و لو اشترط حرمة أمر جائز أو اشترط جواز أمر حرام كما لو اشترط حرمة شرب الماء أو عدم كون الطلاق بيد الزوج يكون باطلا لأنه تحريم للحلال، و لو اشترط فعل واجب أو ترك محرم أو فعل مباح

أو تركه يصح الشرط بلا كلام.

أضف الي ذلك كله أن الرواية المتضمنة لهذه الجملة ضعيفة سندا.

بقي شي ء، و هو أنه ذكر السيد في الحاشية بأنه لو اشترط فعل مباح أو اشترط تركه أو ترك المستحب أو المكروه، لا يصح لأنه يصدق عليه أنه تحريم للحلال، مضافا الي أنه يؤيده أو يدل عليه ما ورد من عدم جواز الحلف علي ترك شرب العصير معللا بأنه من تحريم الحلال.

و ما أفاده قدس سره غير تام، فان العزم علي ترك الحلال مدة العمر لا يصدق عليه تحريم الحلال فيشمله دليل صحة الشرط، و أما الرواية فلا دلالة فيها علي مدعاه، فان المستفاد منها أن الحلال لا يصير حراما، و هذا أمر لا شبهة فيه.

[الشرط الخامس أن لا يكون منافيا لمقتضي العقد]
اشارة

أقول: و استدل المصنف علي ذلك بوجوه ثلاثة:

الاول- الاجماع.

الثاني- وقوع التنافي في العقد المقيد بهذا الشرط بين مقتضاه الذي لا يتخلف عنه و بين الشرط الملزم لعدم تحققه، فيستحيل الوفاء بهذا العقد مع تقيده بهذا الشرط، فلا بد اما أن يحكم بتساقط كليهما و اما أن يقدم جانب العقد، و علي كل تقدير لا يصح الشرط.

الثالث- ان الشرط المنافي مخالف للكتاب و السنة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 383

و الذي ينبغي أن يقال: يقع الكلام في مقامات ثلاثة:
اشارة

المقام الاول النظر الي اصل المطلب، المقام الثاني النظر الي كلام الشيخ، المقام الثالث النظر الي الفروع المذكورة في المقام.

(أما المقام الأول) [النظر إلي أصل المطلب]

فنقول: الشرط اما يكون بنحو اشتراط الفعل و اما يكون الاشتراط بنحو شرط النتيجة، أما لو كان بنحو الفعل فلا بد ملاحظة أن هذا الفعل فعلا أو تركا خلاف للشرع أم لا، فان لم يكن مخالفا يصح بلا كلام، فان الفعل الخارجي أو تركه ليس من مقتضيات العقد حتي يتنافيان بل هو من أحكامه، فلو شرط في ضمن عقد البيع وقف العين فوريا يصح و يجب الوفاء به، اذ ليس بقاء العين في ملك المشتري من مقتضيات عقد البيع. و أيضا وقف العين المملوكة ليس مخالفا للشرع، بل أمر راجح. نعم لو اشترط وقف العين لجهة مخالفة للشرع لا يصح لكونه خلاف الشرع.

و أما ان كان بنحو اشتراط النتيجة فتارة يشترط عدم ترتب المقتضي علي العقد شرعا، و أخري يكون مرجع الاشتراط الي قصد نفسه- بأن يقصد الشارط عدم الترتب- أما علي الاول فكما لو شرط في البيع عدم حصول الملكية الشرعية فلا شبهة في بطلان الشرط، لان المقرر الشرعي تحقق الملكية بالبيع، فان كان هذا الاشتراط لأصل البيع يكون العقد باطلا، لأنه مضافا الي التعليق لا يعقل تحققه، لان المفروض أنه علق البيع علي عدم تحقق الملكية، فاما يتحقق مع حصول الملكية الشرعية و اما يتحقق بلا ملكية شرعية. أما علي الاول فيلزم التنافي بين تبعية العقود للقصود، فانه كيف يمكن أن يتحقق العقد مع عدم القصد. و اما يتحقق بلا ملكية شرعية فهو أيضا أمر غير معقول، فان التحقق لا يجتمع مع عدم الملكية الشرعية فيئول الامر الي البطلان. و ان كان هذا

الاشتراط للخيار

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 384

فالظاهر أنه لا مانع من الصحة مع تحقق الخيار، لان الملكية الشرعية تحصل عند اجتماع أركان البيع.

ان قلت: ان هذا الشرط خلاف الكتاب، و مع عدم الصحة كيف يتحقق الخيار.

قلت: فرق بين الشرط الفاسد و الشرط الذي لا واقع له، فان مقسم الشرط الفاسد و الصحيح فعل المكلف و هذا الذي نحن بصدده ليس من فعل المكلف.

نعم هذا الشرط لا واقع له، كما لو شرط نزول المطر من السماء.

هذا أولا، و ثانيا فرضنا كونه شرطا فاسدا لكن لا وجه للبطلان، فان الشرط الفاسد لا يفسد كما سيجي ء.

و أما لو اشترط فعل نفسه- بأن باع بشرط عدم حصول التملك و الملكية أو نكح بشرط عدم حصول الزوجية- فلا شبهة في الفساد، فان مرجع هذا الامر الي قصد الامرين المتنافيين، و من الواضح عدم امكان تحققه.

هذا فيما يكون المشروط عدم تحقق مفاد العقد، و أما ان كان المشروط اعتبار خلاف الحكم الشرعي- كما لو اشترط حرمة النظر الي الزوجة- فالشرط فاسد، لان مرجعه الي تحريم الحلال، و مثله فاسد لكن العقد صحيح علي المبني.

(و أما المقام الثاني) و هو النظر الي الوجوه الثلاثة التي استدل به الشيخ

علي أنه يشترط في صحة الشرط أن لا يكون منافيا لمقتضي العقد، فنقول: أما الوجه الاول منه فهو الاجماع. ففيه ما علمت و لا وجه للإعادة. و أما الوجه الثاني منه فهو وقوع التنافي في العقد المقيد- الي آخر كلامه، فهو لا بأس به. و أما الوجه الثالث منه فهو أن الشرط المنافي مخالف للكتاب و السنة، فنقول: ان هذا الوجه قد تقدم منه قدس سره في الوجه الرابع و لا وجه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 385

للإعادة.

(و أما المقام الثالث) و هو البحث عن الفروع المذكورة في المتن
اشارة

فنقول:

الفرع الاول: اشتراط عدم البيع، فانه مخالف لمقتضي العقد أم لا؟

و المسألة محل خلاف، فان المشهور ذهبوا الي أنه مخالف لمقتضي العقد فلا يجوز شرطه، و ذهب بعض الي صحته، و هو الحق لعدم كون البيع و عدمه من مقتضي العقد، فان مقتضاه التسلط.

الفرع الثاني: ما ذكره في الدروس في بيع الحيوان من جواز الشركة فيه

اذ قال «الربح لنا و لا خسران عليك»، و المستفاد من صحيحة رفاعة صحة الشرط المذكور حيث قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل شارك آخر في جارية له و قال ان ربحنا فيها فلك نصف الربح و ان كانت وضعنا فليس عليك شي ء. فقال: لا أري بهذا بأسا اذا طابت نفس صاحب الجارية «1».

و منع ابن ادريس صحة ذلك الشرط لأنه مناف لقضية الشركة.

أقول: قد عرفت أن مقتضي النص صحة الشرط المذكور، هذا مقتضي النص و اما مقتضي القاعدة فنقول: ان للمسألة صورا:

الاولي- ان يشترطا اختصاص الربح بأحدهما و الخسران بالاخر، فان هذا الشرط لا بأس به سواء كان شرط فعل أو شرط نتيجة، و التعليق غير باطل في المقام، لان دليله لبي و القدر المتيقن منه العقود فلا يشمل الشرط.

الثانية- ان يشترطا عدم ورود الخسران علي أحدهما و كون النفع بينهما فهذا شرط باطل لكونه خلاف مقتضي الشركة، فان مقتضاها ورود الربح و النقصان عليهما بنسبة شركتهما كما تقتضي كون الزيادة لهما.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 14 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 386

الثالثة- أن يكون هذا الشرط في عقد الشركة، كآن يمزجا مالهما من الحنطة مثلا، و الكلام فيه كما تقدم و لا وجه للإعادة.

الرابعة- أن يكون الشرط في عقد آخر، كأن باع ماله من زيد و اشترط بأن يكون مال المشترك بهذا النحو، و الكلام فيه أيضا كما تقدم.

ثم هل يتعدي

الحكم الي غير الجارية المنصوصة في الصحيحة من المبيعات أم لا؟ وجوه، حكي عن الشهيد التعدي الي مطلق المبيع، و ظاهر المختلف في الشرائع الصحة في خصوص الحيوان، و عن التنقيح الاجماع علي عدم اطراد الحكم في غير مورد النص.

أقول: ان الجمود علي اللفظ يقتضي عدم التعدي، و لكن ذوق الفقاهة يقتضي خلافه.

الفرع الثالث: اشتهر بين العلماء جواز اشتراط الضمان في العارية و عدم جوازه في الاجارة،

بتقريب ان الاجارة لا تقتضي الضمان فيكون اشتراطها منافيا لمقتضي العقد.

و فيه: انه فرق بين عدم الاقتضاء و بين اقتضاء العقد، فان في الاجارة لا اقتضاء للضمان، اذ ليس اليد يد ضمان، فلا يكون شرط الضمان منافيا لمقتضي العقد. لكن يشكل من ناحية أخري، و هو أن اشتراط الضمان يكون خلاف الكتاب و السنة. نعم لو شرط علي المستأجر تمليك ما يعادل الخسارة بنحو شرط الفعل أو النتيجة لا يكون فيه بأس كما هو ظاهر. و عليه لا فرق بين أن يشترط الضمان بهذا المعني بالنسبة الي المستأجر أو بالنسبة الي شخص ثالث أجنبي.

الفرع الرابع: اشتراط عدم اخراج الزوجة من بلدها.

و لا يخفي أن الاخراج ليس مقتضي عقد الزواج، بل مقتضاه كون الامر بيد الزوج، بل كون الامر

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 387

قوله: الشرط السادس أن لا يكون الشرط مجهولا جهالة يوجب الغرر في البيع (1).

بيده ليس من مقتضاه، فانه من الاحكام. و عليه فلا مانع من أن يشترط لها أن لا يخرجها، كأن يشترط أن لا يأكل الثوم، مضافا الي ورود النص في المقام.

نعم لو اشترط كون الامر بيدها و باختيارها يكون باطلا، لأنه خلاف الكتاب.

و العجب من السيد اليزدي حيث أفاد: بأنه يصح ما لم يسند الي الشارع، فانه يرد أولا النقض بأنه لو اشترط حرمة الماء بدون الاستناد الي الشارع هل يكون صحيحا. و ثانيا أن كون الامر بيد الزوجة خلاف الكتاب فلا يصح.

الفرع الخامس: توارث الزوجين بعقد الانقطاع،

يتكلم في هذا الفرع:

تارة في أن التوارث يثبت مطلقا، أو لا يثبت كذلك، أو يفصل في صورة الاشتراط و عدمه، و أخري في أن هذا الشرط خلاف مقتضي العقد أم لا. أما الكلام في الناحية الاولي فهو موكول الي محله من الارث، و أما من الناحية الثانية فالظاهر أنه ليس التوارث و عدمه من المقتضيات، بل اما شرط مخالف أو غير مخالف.

و ملخص الكلام: انه ليس تشخيص ما يكون من مقتضيات العقد من غيره، مشكوكا و انما الشك في المخالف للكتاب و عدمه، و مقتضي الاصل عدم المخالفة كما مر.

[الشرط السادس أن لا يكون الشرط مجهولا جهالة يوجب الغرر في البيع]

أقول: و هو كما اذا قال «بعتك داري بشرط أن تعمل ما في هذه الورقة» و هو لا يعلم ما كتب فيها. ما يمكن أن يقال في وجه ذلك أمور:

الاول- الاجماع. و فيه ما لا يحتاج الي التوضيح.

الثاني- المرسلة المذكورة في التذكرة: نهي النّبيّ «ص» عن الغرر.

و فيها بارسالها و عمل المشهور بها ممنوع صغري و كبري.

الثالث- قوله: نهي النّبيّ عن البيع الغرر. بتقريب أن الشرط المجهول

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 388

قوله: الشرط السابع أن لا يكون مستلزما لمحال كما لو شرط في البيع أن يبيعه علي البائع (1).

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 388

يوجب الغرر في البيع، لان الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين.

و فيه: أولا ان الشرط ليس كالجزء، و لذا لا يسقط الثمن عليه. و ثانيا ان جهالة الشرط هل يوجب الغرر في البيع أم لا؟ هذا أول الكلام و قد أنكره بعض من الاصحاب لكن لا شبهة في أنه لو كان

الشرط غرريا يصدق ان البيع غرري. الا أن الرواية ضعيفة فلا دليل علي بطلان الغرر صناعيا، الا ان يتمسك بالتسالم المدعا في المقام، و هو دليل لبي يدل علي بطلان الغرر فيما اذا كان نفس البيع غرريا، و أما الغرر الحاصل من الشرط هل يوجب الغرر أم لا فثبوت التسالم فيه غير معلوم.

و أما الروايات الواردة في المقام لا تدل علي ذلك، فانها تدل علي أن أوصاف المبيع لا بد أن يكون معلوما و لا تنظر الي الشرائط، فعلي تقدير نظارتها اليها يكتفي علي موردها. فتحصل من جميع ما ذكرنا أنه لا دليل علي اعتبار هذا الشرط.

[الشرط السابع أن لا يكون مستلزما لمحال]

ما ذكر في وجهه أمران:

الاول- أنه مستلزم للدور، لان بيعه له يتوقف علي ملكيته له المتوقفة علي بيعه فيدور.

و فيه: ان المتوقف عليه غير المتوقف عليه، فان المتوقف علي الشرط لزوم بيع الاول لا ملكيته حتي يلزم الدور.

الثاني- انه لا يتحقق للبائع قصد جدي عند البيع بالشرط المذكور، و الحال أنه يعتبر فيه.

و فيه: ان الشرط المذكور لا ينافي القصد الجدي بل مؤكد له، و لا يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 389

قوله: الشرط الثامن أن يلتزم به في متن العقد، فلو تواطيا عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به علي المشهور (1).

البيع سفهائيا كما توهم لا مكان ترتب غرض عقلائي عليه.

[الشرط الثامن أن يلتزم به في متن العقد]
اشارة

الذي ينبغي في المقام أن يقع الكلام في مقامين:

المقام (الاول) أن الشروط الابتدائية يجب الوفاء بها أم لا؟

فنقول: ان الشروط الابتدائية لا يطلق عليها الشرط، كما علمت تحقيق ذلك في أول بحث الشرط و قلنا: انه ارتباط أحد الامرين بالاخر فلا يتحقق الا في ضمن بيع و غيره، كما نقلناه عن القاموس. نعم أنه لا يستلزم أن لا يكون في ضمن عقد فقط، فلو صدق هذا العنوان يجب الوفاء به. فعليه لو علق اعطاء درهم بفقراء عند مجي ء ابنه يصدق عليه الشرط و يترتب عليه حكمه لشمول دليل وجوب الوفاء له.

ان قلت: انه اذا لم يكن في ضمن عقد يكون شرطا ابتدائيا.

قلت: انه اذا صدق عليه الشرط يشمله عموم دليل وجوب الوفاء، فان الحكم يترتب بمجرد تحقق عنوان الموضوع.

ان قلت: هذا عبارة عن الرعد و لا يجب العمل به بالإجماع.

قلت: أولا انه يجب الوفاء به من باب نفوذ الشرط لا من باب وجوب الوعد و ثانيا انه لا نسلم قيام الاجماع علي عدم وجوبه بل ذهب بعض الاعلام الي ذلك و كان السيد الوالد قدس سره ملتزما بالعمل به، و تدل علي وجوبه جملة من الروايات:

(منها) صحيحة شعيب العقرقوفي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه «ص»: من كان يؤمن باللّه و اليوم الاخر فليف اذا وعد … «1».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (8) الباب 109 من أبواب أحكام العشرة. الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 390

(و منها) صحيحة هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول:

عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له «1».

(و أما المقام الثاني) و هو أنه لو لم يذكر الشرط في متن العقد لا يجب الوفاء به،

و البحث فيه يقع في مقامين: الاول ذكر الوجوه المذكورة للمدعي الثاني بيان مقتضي التحقيق.

أما المقام الاول- فما استدل به أمور:

الاول- الاجماع. و فيه ما هو أوضح من أن يخفي.

الثاني- ان الشرط من

أركان العقد، فلا بد من ذكره في متن العقد. و فيه أنه بمنزلة الركن، و ما يكون بمنزلة شي ء ليس عينه. هذا أولا و ثانيا لو سلمنا كونه من الركن و لكن لا نسلم وجوب ذكره اذا كان معلوما بالقرينة، و الميزان بصدق العناوين الموضوعة للأحكام.

الثالث- ان الشرط عبارة عن ارتباط أحد الامرين بالاخر، فلا بد في إنشاء العقد المرتبط بالشرط ذكره، و مجرد الاخطار القلبي لا يكفي في الانشاء.

و فيه: ان الانشاء عبارة عن ابراز ما في النفس بأي نحو كان، فلو صدق علي العقد الكذائي أنه عقد مشروط يترتب عليه حكمه.

الرابع- الروايات الخاصة الواردة في المقام:

(منها) صحيحة ابن بكير قال: قال ابو عبد اللّه عليه السلام: ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، و ما كان بعد النكاح فهو جائز «2».

(و منها) ما عن أبي عبد اللّه عليه السلام: ما تراضوا به من بعد النكاح فهو جائز، و ما كان قبل النكاح فلا يجوز … «3».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (8) الباب 109 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء (14) الباب 19 من ابواب المتعة الحديث 2.

(3) الوسائل، الجزء (14) الباب 19 من ابواب المتعة الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 391

(و منها) ما رواه أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: فاني استحيي أن أذكر شرط الايام. قال: هو أضر عليك. قلت: و كيف؟ قال: لأنك ان لم تشترط كان تزويج مقام و لزمتك النفقة في العدة و كانت وارثا و لم تقدر علي أن تطلقها الاطلاق السنة «1».

و غير ذلك من الروايات، فان بعضها و ان كانت ضعيفة السند الا أن في صحيحها غني و كفاية.

و

عمدة الاشكال في دلالتها، فان المستفاد منها أن الشرط المذكور قبل العقد لا يعتد به. لكن هذا المقدار لا يدل علي مقصود الخصم، فان المدعي في المقام أن الشرط لا بد أن يذكر في العقد. نعم ما ورد في رواية أبان يدل علي أن عدم ذكر الاجل في المتعة يوجب انقلاب المتعة دائما، و هذا حكم تعبدي وارد في مورد خاص و لا يتعدي الي غيره، فانه خلاف مقتضي القاعدة اذ العقود تابعة للقصود. و الحق أنه لا يلزم ذكر الشرط في العقد، بل يكفي صدق العنوان.

و بعبارة أخري: لا بد من ابراز ما في النفس بمبرز بحيث يصدق أن العاقد أنشأ العقد المشروط، فلو صدق هذا العنوان- و لو بمعونة القرينة المقامية- يكفي في ترتب الحكم، و لذا يكون بناء الاصحاب علي كفاية الارتكاز في بعض الشروط.

ثم ان الشيخ أفاد: بأنه يتوهم في المقام شرط آخر، و هو التنجيز في الشرط فلو قال «بعتك هذا بدرهم علي أن تخيط لي ثوبا اذا جاء رأس الشهر» يبطل العقد لأنه يسري الي العقد و التعليق في العقد باطل، بل يكون مرجع العقد الي البيع بثمنين علي تقديرين.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء (14) الباب (20) من ابواب المتعة الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 392

قوله: مسألة في حكم الشرط الصحيح (1).

و أجاب عن الاشكال: بأنه انما يتوجه علي فرض كون الشرط الخياطة المطلقة، و الحال أنه ليس الامر كذلك، بل المشروط الخياطة الخاصة، و كون مرجع الامرين الي أمر واحد لا يضر، و لذا قالوا بأنه لو قال «أنت وكيلي في بيع داري اذا جاء رأس الشهر» يبطل للتعليق، و أما لو قال «أنت وكيلي في بيع داري

في رأس الشهر» فلا يبطل، و الحال ان مرجع الامرين الي أمر واحد.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: ان التعليق في الشرط لا يسري الي البيع لان الشرط ليس جزءا من الثمن، و لذا لا موضوع للتعليق و لا للبيع بثمنين، بل التعليق راجع الي الشرط و التعليق فيه لا يوجب البطلان لعدم الدليل.

و أما ما أفاده قدس سره من أن مرجع الامرين الي شي ء واحد في مسألة الوكالة فليس كما أفاده قدس سره، فانه علي تقدير يكون الوكالة معلقة علي الشرط و لا يتحقق الا بعد تحقق الشرط، و في تقدير آخر يتحقق لكن متعلقه خاص.

و بعبارة أخري: في صورة يكون كالوجوب المشروط، و في تقدير يصير كالمعلق لكنه قدس سره أرجع الواجب المشروط الي المعلق.

[مسألة في حكم الشرط الصحيح]
اشارة

أقول: ان الشرط اما يكون وصفا في المبيع كأن يبيع العبد بشرط كونه كاتبا، و اما يكون فعلا كما لو باع دارا و اشترط الخياطة علي المشتري، و اما يكون شرطا للنتيجة كما لو باع شيئا و اشترط ملكية الشي ء الفلاني للمشتري بحيث تحصل الملكية بنص هذا الشرط.

أما الصورة الاولي فيترتب علي الشرط الخيار عند فقدان الوصف. و السر فيه أن البيع غير معلق علي وصف الكتابة و الا يلزم التعليق في العقد، و لا يكون

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 393

المبيع مقيدا بهذا الوصف، اذ يلزم التقييد في الجزئي الخارجي و هو غير معقول، فيكون معني الشرط ارتباط الالتزام بالعقد بوجود الوصف. و بعبارة أخري: يكون مرجع هذا الشرط جعل الخيار عند عدمه، و الظاهر عدم الاشكال في هذا الاشتراط، فان جعل الخيار أمر جائز و يلزم بالشرط.

و أما الصورة الثانية- فأيضا يصح الشرط اذا كان

الفعل جائزا كالخياطة مثلا.

و أما الصورة الثالثة- و هي شرط النتيجة الذي يكون معناه إنشاء ذلك المقصود بنفس الشرط، فلا بد فيها من التفصيل، فتارة يكون المقصود أمرا مرهونا بسبب خاص كالطلاق مثلا، و أخري علم من الشرع أنه يتحقق بكل مبرز و الشرط نحو من المبرز، و ثالثة نشك في الصحة و عدمها.

أما القسم الاول: فلا اشكال في صحته أيضا، فان المفهوم من قول «المؤمنون عند شروطهم» أن المؤمن لا ينفك عن شرطه و التزامه، فان كان متعلق الالتزام فعلا من الافعال يجب الاتيان به، اذ في اعتبار الشارع لا ينفك عن التزامه، و مع وجود التزام يأتي بما التزم به، و ان كان أمرا اعتباريا لا يجري فيه الفسخ.

و أما القسم الثاني: فلا شبهة في بطلانه، لأنه يشترط في صحة الشرط عدم كونه مخالفا للشرع.

و أما القسم الثالث: فقد وقع الخلاف فيه بين الاعلام، فأفاد الشيخ قدس سره بأنه لو اشترط مثل هذا الشرط يكون مقتضي الاصل عدم التحقق، فلو اشترط ملكية شي ء لثالث في ضمن العقد يكون مقتضي الاصل عدم تحققها، و لا يمكن التمسك بعموم قوله «المؤمنون عند شروطهم» اذ ليس متعلق الشرط فعل من أفعال المكلف كي يتعلق به وجوب الوفاء.

لكن في قبال هذا الاشكال يمكن أن يقال: بأنه لا مانع من تعلق وجوب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 394

الوفاء بلحاظ الآثار المترتبة، و قد وقع في كلام الامام عليه السلام في جملة من الموارد، منها مسألة اشتراط عدم الخيار للزوجة بدفع مال الكتابة، بل يمكن الاخذ بعموم قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بعد صيرورة الشرط جزء للعقد.

ان قلت: قد علم من الشرع أن الملكية و أمثالها مما لها أسباب خاصة في

الشريعة المقدسة.

قلت: هذه الدعوي غير مسموعة مع تحققها في الشرع بالشرط، كما لو اشترط ملكية حمل الدابة و مال العبد و غيرهما.

ان قلت: يمكن أن يكون هذا الحكم مختصا بالتابع.

قلت: ان هذا الوجه ليس قابلا لان يكون فارقا، مع أنه يظهر من المحقق جواز اشتراط ملكية التابع للثالث. و كيف كان الظاهر جواز اشتراط الغايات التي لم يعلم اناطتها بسبب خاص، كما يصح نذر مثل هذه الغايات، فيصح نذر كون المال الفلاني لزيد أو كونه صدقة.

اذا عرفت ذلك فنقول: يقع الكلام أولا فيما أفاده المصنف، و ثانيا فيما هو مقتضي القاعدة، فنقول: ان ما أفاده من كفاية وجوب الوفاء المستفاد من قوله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ». يرد عليه انه لا فرق بين الدليلين، فان لم يكن مانع من الشمول يشمله كلاهما و الا فلا يشمله شي ء منهما، و الفرق بلا وجه، و مناط الاشكال واحد.

و يرد عليه أيضا: بأن ما أفاده مع أنه ليس قابلا للفارقية بأنه من الممكن أن يكون له خصوصية، و مقتضي التعبد الاقتصار علي مورد الاجماع، مضافا الي أنه بأي وجه نتعدي من الملك الي غيره من الموارد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 395

و أما قياس المقام بمسألة النذر، فيرد عليه انه بنفسه أول الكلام، بل الاشكال في النذر أصعب، اذ لا يبعد أن يكون معني النذر جعل عمل علي الذمة له تعالي و يترتب عليه العمل. و بعبارة أخري: ما لم يتحقق النذر لا يتوجه خطاب وجوب الوفاء به. فلو نذر التصدق يجب عليه أن يتصدق، فكيف يمكن تحقق المتعلق بمجرد النذر.

و أما أصل المطلب فنقول: ان عمدة الاشكال أن دليل الشرط ليس مشرعا فلا بد أن يكون متعلقه أمرا مشروعا في

الرتبة السابقة كي يترتب عليه حكم الشرط و حيث أن مقتضي الاصل في المعاملات الفساد فلا دليل علي الصحة، لا من دليل الشرط كما ذكر و لا من الخارج كما هو المفروض. و لكن يمكن أن يجاب عن هذا الاشكال بأنه ما المانع من جعل دليل الشرط مشرعا.

و يمكن أن يقال بمثل هذا البيان في مفاد «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بأن نقول: مقتضي الوجوب المتعلق بالوفاء تعلق الوجوب بكل عقد، و لازمه الصحة غاية الامر بحكم العقل يخرج العقد الفاسد، فكل مورد علم أنه فاسد شرعا لا يجب الوفاء به، و في كل مورد احتمل الصحة يجب الوفاء، و بهذا البيان عدلنا عما كنا عليه قبلا.

الاشكال الثاني المتوجه علي المقام: انه قد خصص الشرط بما لا يكون مخالفا، و مع احتمال الفساد يكون تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية.

و يمكن أن يجاب عنه: أولا بأن المقصود عدم المخالفة مع ما بأيدينا من الاحكام، فلو لم يكن مخالفا لها يصح. و ثانيا انه ببركة أصالة العدم الازلي يحرز عدم كونه مخالفا حتي مع الاحكام الواقعية، فالنتيجة ان كل شرط لم يعلم كونه مخالفا للشرع يصح بالآية و الرواية: أما الاولي فهي آية وجوب الوفاء، و أما الثانية فهي رواية وجوب العمل بالشرط.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 396

قوله: و الكلام فيه يقع في مسائل (1).

[الكلام فيه يقع في مسائل]
اشارة

أقول: ان المصنف قدس سره نفي الاشكال عن شرط النتيجة و أجري الكلام في شرط الفعل، و قال يقع الكلام فيه في مسائل:

المسألة (الاولي) في أن اشتراط الفعل يقتضي وجوب الوفاء تكليفا أم لا

ظاهر المشهور الوجوب، ثم ذكر ما دل علي الوجوب التكليفي من الاية و الرواية و قال: خالف المشهور الشهيد في ظاهر كلامه- الي آخر ما ذكر.

و الذي يهمنا في المقام بيان ما يستفاد من الادلة، فنقول: الظاهر أنه لا فرق بين شرط النتيجة و بين شرط الفعل لوحدة الملاك و الدليل، و الذي يوضح الامر بيان معني «الوفاء»، و الذي يظهر من اللغة و موارد استعمال هذا اللفظ ان «الوفاء» بمعني التمام، يقال هذا لا يفي أي ينقص، و ما يكون قابلا للإتمام في العقود و الايقاعات و العهود و الوعود هو الالتزام و الاعتبار القائمان بالنفس فلو تعلق الامر بالوفاء يكون معناه الوجوب و تمام الالتزام و الاعتبار.

و بعبارة أخري: يكون البقاء علي الالتزام واجبا و رفع اليد عنه و الفسخ حراما، و حيث أن الفسخ بما هو لا حرمة فيه قطعا نكشف أن الامر بالوفاء ارشاد باللزوم أي فسخك لا يؤثر. و من الظاهر أنه لا يعقل أن يكون الالتزام باقيا و مع ذلك لا يترتب عليه ما التزم به، فان الانسان لو التزم بالذهاب الي مكان فلاني يلزم، اما تحقق الذهاب و اما الانصراف و اما تحقق مانع خارجي من العمل علي طبق الالتزام، فلو قال الشارع «أنت باق علي التزامك في اعتباري» لا بد من ترتب الاثر الخارجي بلا اشكال، فلا فرق بين أن يتعلق الشرط بملكية دار أو يتعلق بفعل كذائي، فان الالتزام بالملكية باق حتي بعد الفسخ كما أن الالتزام بالفعل الكذائي باق كذلك. نعم ربما

يمكن أن يعلق بقاء الالتزام علي الفعل، فلا يكون التزام بالفعل بل مجرد ارتباط بقاء الالتزام، بأن يعلق البائع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 397

التزامه بالبقاء و عدم فسخه علي الخياطة، ففي الحقيقة الخياطة لم تشترط علي المشتري فلا يجب.

و أفاد السيد في الحاشية: بأنه يمكن أن يتعلق البيع بالعين بشرط الفعل بنحو لا يرجع الي التعليق الي العقد كي يفسد من جهة التعليق بل الفعل قيد للمبيع بأن يبيع العبد بشرط العتق، فان العتق ليس واجبا لعدم اشتراطه، لكن لو لم يعتق يكون البيع جائزا.

و الظاهر أن ما ذكره أمر غير معقول، لان العتق ان كان شرطا لأصل العقد يكون من مصاديق التعليق في العقود و يكون باطلا، و ان لم يكن فلا يعقل تقييد الجزئي. مضافا الي ان لازمه البطلان مع عدم تحقق العتق.

و محصل الكلام في المقام أنه لو علق الوفاء علي الفعل لا يكون المعلق عليه واجبا لعدم المقتضي، و ان تعلق الشرط بنفس الفعل يجب، لكن لا بد من بيان ما يكون مناطا لصدق الشرط، فان مجرد الالتزام بفعل مقارنا للعقد لا يوجب صدق عنوان الشرط عليه. نعم هو وعد ابتدائي، و الظاهر أن منشأ تعنونه بهذا العنوان تعليق العقد علي الالتزام.

ان قلت: هذا تعليق. قلت: نعم لكن ليس مبطلا، اذ المعلق عليه أمر موجود معلوم، و لك ان تقول: الاجماع غير شامل لهذه الصورة.

اذا عرفت ما ذكر فاعلم أنه يمكن الاستدلال للوجوب بوجوب الوفاء، أعم من أن يكون ارشادا الي اللزوم أو يكون ايجابا لترتيب الآثار الخارجية، أما علي الاول فبالتقريب المتقدم، و أما علي الثاني فالتقريب فيه ظاهر، فانه يجب ترتيب الآثار و من آثاره العمل بالشرط.

دراساتنا من

الفقه الجعفري، ج 4، ص: 398

قوله: المسألة الثانية انه لو قلنا بوجوب الوفاء به من حيث التكليف الشرعي فهل يجبر عليه لو امتنع (1).

و يمكن الاستدلال أيضا بالاخبار الواردة في باب الشروط كقوله «المؤمنون عند شروطهم»، فان الانصاف أن العرف يفهم من هذه الروايات أن المقام مقام الانشاء و ايجاب العمل بالشرط.

و ان أبيت عن ذلك و قلت: بأن الظاهر من هذه الجملة تعريف المؤمن و انه لا يخلف كقوله «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» فلا يدل علي الوجوب و لا أقل من الاجمال.

قلت: الذي يبعد هذا التقريب ذيل الروايات، و هو قوله «الا شرطا حلل حراما أو حرم حلالا»، فان المؤمن الكامل الذي لا يخلف الشرط و يفي به كيف يمكن أن يشترط شرطا مخالفا للشرع، فيفهم أنه في مقام الانشاء. و لو سلمنا هذا المعني لكن يكفي للمدعي الروايات الخاصة الواردة في بعض الابواب، كقوله عليه السلام «قل له فليف للمرأة بشرطها فان رسول اللّه قال المؤمنون عند شروطهم» «1» حيث أنه أمر بالوفاء و استشهد بقول رسول اللّه، فيعلم أن النبي في مقام بيان الوظيفة و ايجاب الاتيان بما شرط علي نفسه.

[المسألة الثانية انه لو قلنا بوجوب الوفاء به من حيث التكليف الشرعي فهل يجبر عليه لو امتنع]

أقول: ان هذه المسألة محل خلاف بينهم، و العمدة النظر في أصل المسألة و بيان ما هو الحق فيها، و ما يمكن أن يستدل به علي الجواز وجوه:

الاول- الاجماع. و فيه ما عرفت منا فلا وجه للإعادة.

الثاني- ان الفعل بالشرط يكون ملكا للمشروط له، كما أنه كذلك في الاجارة، و يجوز اجبار المديون علي أداء دينه.

و فيه: ان الامر ليس كذلك، فان المشروط عليه لا يملك منفعته للمشروط

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 15 الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص:

399

له، بخلاف الاجارة في اجارة الشخص نفسه للعمل الكذائي، فان العمل بالاجارة يكون ملكا للمستأجر كما أن منفعة العين تصير ملكا بها بخلاف الشرط.

الثالث- ان الشرط يوجب حقا ماليا للمشروط له، و لكل ذي حق اسقاط حقه و احقاقه. و هذا هو الصحيح، فانه أمر عقلائي أمضاه الشارع، و الشاهد عليه أنه قابل للإسقاط و ليس وجوبا تكليفيا محضا، كما لو نذر أن يعطي درهما للفقير، فان الفقير بالنذر لا يصير ذا حق علي الناذر، و لذا لو اسقط لا ينحل النذر. نعم لو أعطاه يمكن أن يملكه. و الحاصل انه فرق بين الوجوب التكليفي الصرف و جواز اجباره من باب الامر بالمعروف، فان هذا الجواز جواز بالمعني الاعم، اذ الامر بالمعروف مع الشرائط واجب و لا يسقط بالاسقاط فانه حق الهي، و بين الوجوب التكليفي الناشئ عن الحق الذي يكون قابلا للإسقاط.

ان قلت: لا وجه للإجبار، اذ يمكن تداركه بالفسخ.

قلت: أولا يمكن فرض المسألة فيما لا يكون للمشروط له خيار الفسخ عند عدم تحقق الشرط، كما صرح في العقد بعدم الخيار فلا موضوع لهذا التقريب.

و ثانيا- انه يمكن أن لا يتدارك هذا الحق بالفسخ، اذ يمكن أن يكون الشرط مما يكون فيه غرض لهم، و رفع اليد عنه يكون حرجا علي ذي الحق.

و ثالثا- التدارك لا يقتضي إلا عدم تعين الاجبار لا عدم جوازه. و بعبارة أخري:

غاية ما في الباب أن نقول بأن للمشروط له اختيار أحد الامرين.

و رابعا- انه لا معني لهذا التقريب، فان الخيار يترتب علي عدم تحقق الشرط و في طوله، و في الرتبة السابقة نسأل بأنه هل يكون هذا الحق موجودا أم لا. و بعبارة أخري: نفرض أن الحق يتدارك

بالفسخ، لكن بأي وجه نلزم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 400

قوله: الثالثة في أنه هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الاجبار فيكون مخيرا بينهما أم لا يجوز له الفسخ الا مع تعدد الاجبار (1).

ذا الحق أن يرفع اليد عن حقه.

ان قلت: ان متعلق الشرط الفعل الاختياري، فبالالزام لا يحصل الشرط كما هو ظاهر.

قلت: أولا النقض بباب الاجارة، فان الاجير لو لم يأت بما عليه من الفعل فهل يجبر أم لا؟ الكلام هو الكلام.

و ثانيا- بالحل، و هو أن ما وقع عليه الشرط مطلق الفعل بلا قيد كما في باب الاجارة، ففي ضمن كل فرد تحقق حصل الشرط.

بقي شي ء، و هو: أنه هل يجوز لغير المشروط له الاجبار فيما لو يصل نفعه اليه كما لو شرط عتق عبد أو اعطاء شي ء للفقير فهل للعبد أو الفقير الاجبار أم لا؟ الظاهر هو الثاني، كما أنه ليس لهما الاسقاط، بل الامر بالنسبة الي الاجبار و الاسقاط بيد المشروط له. نعم للفقير و العبد و الحاكم الشرعي، و لكل مكلف الاجبار بمقدار يصدق عليه الامر بالمعروف الواجب في الشريعة.

[المسألة الثالثة في أنه هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الإجبار فيكون مخيرا بينهما أم لا يجوز له الفسخ إلا مع تعدد الإجبار]

أقول: ذهب المصنف الي الثاني، و الحق أن يقال: ان المدرك للخيار لو كان هو الاجماع أو دليل نفي الضرر فكان لما ذهب اليه وجه، الا أن المدرك له هو عنوان تخلف الشرط، فاذا تخلف ذلك يتحقق له الخيار، بلا فرق بين تمكن الاجبار أو تحققه.

و لا وجه لما ذهب اليه الايرواني قدس سره: بأن موضوع الخيار صورة تعذر العمل بالشرط بجميع أفراده، لأنه لو قلنا بأن الخيار مجعول من قبل المتعاقدين في ظرف امتناع الطرف عن الاتيان بالفعل فلا اشكال في تحققه مع امكان اجباره، أضف الي ذلك

أن طبيعة الناس يأبي عن الاجبار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 401

قوله: الرابعة لو تعذر الشرط فليس للمشترط الا الخيار لعدم دليل علي الارش (1).

ثم أنه أفاد المصنف قدس سره الا أن يقال: ان العمل بالشرط حق لازم علي المشروط عليه يجبر عليه اذا بني المشروط له علي الوفاء بالعقد.

و أما اذا أراد الفسخ لامتناع المشروط عليه عن الوفاء بالعقد علي الوجه الذي وقع عليه فله ذلك، فيكون ذلك بمنزلة تقابل من الطرفين منهما.

و فيه: أن كونه كالتقايل لا يكون مصححا للمدعي، فان المفروض أنه لم يأت المشروط عليه بما عليه من الوظيفة، فلو لم يكن للمشروط له حق الفسخ كيف يمكنه الاقدام بالفسخ.

أضف الي ذلك كله أن في المقام رواية «1» تدل علي جواز الاخذ بالخيار، سواء أمكن اجباره أم تعذر.

أفاد السيد اليزدي قدس سره أن الرواية- و ان كانت ضعيفة من حيث السند- و لكنها منجبرة بعمل المشهور. و أما أفاده من الانجبار ممنوع صغرا و كبرا.

فتحصل أن الرواية تامة دلالة الا أنها ضعيفة السند.

ثم انه لو تعذر اجباره فهل للحاكم التصدي بالعمل اذا كان قابلا للنيابة أم لا؟ أقول: أما علي مسلك من قال بالولاية المطلقة للفقيه فالامر واضح، و أما علي المسلك المنصور فله أن يتصدي بمقدار المتيقن، كما اذا لم يتصد يلزم اختلال النظام أو عسر و حرج أو غيرها.

[المسألة الرابعة لو تعذر الشرط فليس للمشترط إلا الخيار لعدم دليل علي الأرش]
اشارة

أقول: ما يمكن أن يقال أو قيل في وجه الارش وجوه:

(الاول) ما عن السيد اليزدي بأن الارش في العيب مقتضي القاعدة،

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 7 من ابواب الخيار، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 402

لان الشرط و ان لم يكن مقابلا بالمال في عالم الانشاء الا أنه ليس مجانا بل يقابله في عالم اللب و موجب لزيادة القيمة، فان مقتضي هذه المقابلة جواز الفسخ و جواز الارش، بمعني استرداد المقدار الذي زيد لأجله في العوض.

و فيه: ما المراد من المقابلة في المقام في عالم اللب، ان كان المراد منه الغرض فان تخلف الاغراض لا يوجب الارش، و ان كان المراد أن مقدارا من الثمن وقع في مقابل الشرط لبا فهو غير معقول لاستحالة وقوع شي ء في مقابل شيئين. و ملخص الكلام ان الامر دائر بين أن يجعل مقدارا من الثمن في مقابل الشرط و بين جعله بتمامه في مقابل العين و كون الشرط مجانيا، و الجمع بين الامرين جمع بين المتنافيين.

(الثاني) ان الثمن وقع في مقابل العين المتقيد بخياطة الثوب مثلا،

فان مقدارا منه وقع في قبال العين و مقدارا منه في قبال التقيد الذي هو أمر عقلي لا خارجي و مقتضي هذا البيان وقوع جزء من الثمن في مقابل التقييد، و بعدمه يبطل العقد بهذا المقدار.

و فيه: أولا ان التقييد جزئي لا يقابل الثمن، و ثانيا ان العين جزئي خارجي و هو لا يقيد الا انه رجع الي الشرط و علي فرض رجوعه اليه تعليق، و ثالثا ان التقييد المذكور ان كان مفقودا من الاصل يكون البيع بمقداره باطلا، اذ المفروض أن العقد وقع علي المقيد، فما وقع عليه العقد غير موجود و الموجود لم يقع عليه العقد، و ان كان طارئا فهو يوجب الخيار لا الارش.

(الثالث) أيضا ما أفاده السيد اليزدي بأن الشارط مخير بين الفسخ و أخذ الارش عقلائيا،

بمعني أن بناء العقلاء جار علي ذلك، و هو ممضي عند الشرع أيضا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 403

قوله: الخامسة لو تعذر الشرط و قد خرج العين عن سلطنة المشروط عليه بتلف او بنقل أو رهن او استيلاد فالظاهر عدم منع ذلك عن الفسخ (1).

و فيه: ان منشأ السيرة ان كان أمرا ارتكازيا فهو يجدي للمدعي، الا أن اثباته علي مدعيها، و أما السيرة الخارجية فتحققها غير معلوم، و علي فرض تحققها مردوعة بقوله «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» *.

(الرابع) ان الشارط بشرطه يملك المشروط في عهدة المشروط عليه، فالفعل مملوك له في عهدة الطرف،

فاذا تعذر يكون بمنزلة التلف، فهو ضامن بملاك قاعدة اليد.

و يرد عليه: ان اشتراط الفعل لا يقتضي ملكيته للشارط بل مجرد حق مالي.

نعم لو ملك المشروط عليه الفعل للشارط بالشرط كما في الاجارة فلا نضائق من الالتزام بالضمان بالتعذر.

[المسألة الخامسة لو تعذر الشرط و قد خرج العين عن سلطنة المشروط عليه بتلف او بنقل أو رهن او استيلاد]
اشارة

أقول: مقتضي التحقيق في المقام أن يقع البحث في ضمن فروع:

(الفرع الاول) انه لو تلفت العين بتلف حقيقي هل يجوز الفسخ لمن له الشرط أم لا؟

التحقيق أن يقال: ان متعلق الخيار لو كان هو العين الخارجي يسقط الفسخ لانتفاء موضوعه، و اما اذا قلنا بأن المتعلق في ذلك هو العقد- كما هو الحق- فلا بد من ملاحظة مدرك الخيار، فان المدرك له ان كان هو الاجماع فليس له الفسخ أيضا لعدم المقتضي له، و أما اذا كان الخيار بمقتضي القاعدة- أي الشرط بالبيان المتقدم- فله الفسخ لوجود مقتضي الخيار و عدم المانع عنه.

قال السيد قدس سره: الاولي أن يقال: لو قلنا بجواز الارش أو العوض لا يجري الخيار، لان الفسخ مع التلف ضرر علي الطرف الاخر، فانه أقدم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 404

علي ضمان البيع بالثمن المذكور في المعاملة، فالزامه بالبدل الذي قد يكون أضعاف ذلك الثمن ضرر عليه، و المفروض امكان جبر الضرر المشروط له بالارش أو العوض.

و فيه: أولا انا أنكرنا الارش و القيمة و قلنا ان مقتضي القاعدة هو الفسخ، و ثانيا ان الدليل أخص من المدعي لعدم لزوم الضرر في بعض الصور، و ثالثا ربما يقع الضرر علي المشروط له عند عدم الفسخ، فانه ربما يتضرر من الصبر و لو مع أخذ الارش، مضافا الي أن نفس منعه عن اعمال حقه ضررا عليه. هذا كله علي مسلك المشهور، و أما علي المسلك المنصور من عدم دلالة قاعدة الضرر الا علي الحرمة التكليفية فلا تنعقد المجال لما ذهب اليه أصلا.

(الفرع الثاني) انه لو لم يتلف تلفا حقيقيا لكن وقعت العين موردا للتصرف من قبل المشروط عليه،

فتارة لا يكون التصرف منافيا للشرط و أخري يكون منافيا- كما لو باعه عبدا و اشترط عليه عتقه و المشروط عليه باع العبد- أما في الصورة الاولي و هي صورة عدم التنافي فربما يتوهم بأن التصرف الواقع عن المشروط عليه علي العين علي خلاف القاعدة، لان

العقد خياري.

و هذا التوهم فاسد فانه لا يمنع الخيار عن تصرف المالك في ملكه، و هذا النحو من الاستدلال مصادرة بالمطلوب، فالتصرف وقع في محله و صدر عن أهله.

ثم ان التصرف الواقع علي العين من قبل المشروط له اما يكون تصرفا مخرجا عن ملكه كالبيع أو كالمخرج كالاستيلاء المانع من النقل، و اما لا يكون مخرجا عن الملك كالرهن، أما علي الثاني فما المانع من القول ببقاء الخيار و باعماله ترجع العين الي مالكها الاول، غاية الامر مع كونها متعلق الرهن فان الانتقال لا ينافي الرهانة. و أما علي الاول فاما يكون الانتقال نقلا لازما و اما يكون جائزا،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 405

اما علي الاول فبعد الفسخ ينتقل العين بالقيمة و التصرف باق بحاله بلا اشكال، فان الخيار من أحكام العقد و التصرف الاعتباري الموجب للنقل كالتلف الحقيقي، و لا موجب لانفساخ العقد الثاني بانفساخ العقد الاول. و علي القول بأن الفسخ يوجب انفساخ العقد الثاني فهل يكون انفساخه من حين الفسخ أو من أصله؟

الحق هو الاول، لان الفسخ من أحكام حل العقد من الحين لا من الاصل.

و أما علي الثاني- أي علي فرض أن يكون التصرف جائزا- هل يجبر المشروط عليه علي الفسخ ورد العين أم لا؟ الظاهر هو الثاني، فان الفسخ الصادر من المشروط عليه علي الفسخ و رد العين أم لا؟ الظاهر هو الثاني، فان الفسخ الصادر من المشروط له اما يوجب انفساخ العقد الثاني و اما لا يوجب، أما علي الاول فلا تصل النوبة الي الاجبار و أما علي الثاني كما هو الحق فلا مقتضي للإجبار، لأنه بالفسخ و انتقال مال المشروط عليه هل ينتقل الي الفاسخ شي ء لا

طريق الي الثاني فانه ينافي قانون المعاوضة، و علي الاول فلا مقتضي للإجبار، لان المفروض أنه انتقل اليه عوض ماله، الا أن يقال: بأنه بدل الحيلولة، لكن قد ذكرنا في محله أنه لا مدرك لبدل الحيلولة. و ملخص الكلام: ان مقتضي القاعدة جواز الفسخ مطلقا و الانتقال الي القيمة.

ثم لو فرض أن المشروط له لم يقبض القيمة و انتقل اليه العين بتقايل أو فسخ أو هبة أو ارث أو غيرها فهل يجب رد نفس العين أم لا؟ الظاهر هو الاول اذ مقتضي الضمان ان نفس العين يرد و الانتقال الي القيمة من باب للابدية و البدلية، فالصواب في المقام هذا القول.

و في المقام أقوال أخر يظهر فسادها مما ذكرنا:

(منها) الصحة لكن للفاسخ فسخ العقد الثاني لكون العين متعلق حقه.

و فيه: انه لا يتعلق حق بالعين للمشروط له، و وجود الحق أول الدعوي.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 406

(و منها) الفرق بين كون العقد الثاني جائزا و بين كونه لازما، ففي الاول يجوز الزام المشروط عليه بالفسخ لان ترد نفس العين الي الفاسخ.

و فيه: ان رد العين انما مع وجوده و عدم المانع، و المفروض في المقام المانع موجود و لا مقتضي للفسخ من قبل المشروط عليه.

(و منها) الانفساخ من الحين لوجود الفسخ من قبل المشروط له.

و فيه: لا مقتضي للانفساخ بعد انعقاد العقد صحيحا.

(و منها) الفرق بين العتق و غيره، بأن يقال في العتق لا ترد العين و لا ينفسخ العقد لبناء العتق علي التغليب و في غيره يقال بالانفساخ من الاصل أو من الحين.

و فيه: انه لا مقتضي للانفساخ في غير العتق أيضا، و في العتق و ان كان الامر كذلك و لا يرجع

العبد رقا، لكن الاولي أن يقال بأن الحر لا يدخل في الملك، لا أن بناء العتق علي التغليب فان له معني آخر بل لا مقتضي للرجوع.

(و منها) الفرق بين التصرف الذي وقع قبل التعذر و بين التصرف الذي وقع بعد التعذر، فما كان قبل التعذر تام و لا ينفسخ و أما في التصرف الذي بعده يجري أحد الوجوه.

و فيه: انه ظهر مما ذكرنا عدم الفرق، و مقتضي القاعدة عدم الانفساخ مطلقا.

(الفرع الثالث) أنه لو تصرف المشروط عليه تصرفا منافيا للشرط- كما لو باع العبد الذي اشترط في العقد الاول عتقه-
اشارة

فيقع الكلام في مقامين:

الاول في حكم العقد الواقع علي العين، الثاني فيما لو فسخ من له الشرط.

أما المقام الاول [في حكم العقد الواقع علي العين]

فنقول: ربما يقال بأن التصرف في العين بالتصرف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 407

المنافي حرام و نهي عنه، و النهي عن المعاملة يقتضي الفساد.

و فيه: ان التصرف بما هو تصرف ليس حراما و لا دليل عليه، و علي فرض تسلمه لا تكون الحرمة التكليفية تقتضي فساد المعاملة ان لم تقتض صحتها.

و بعبارة أخري: لم يرد نهي عن التصرف في العين الا بتقريب أن مقتضي وجوب الوفاء بالعقد العمل بالشرط، و الامر بالشي ء يقتضي النهي عن ضده فالتصرف المنافي حرام فيكون فاسدا.

و فيه: أولا ان مفاد «أَوْفُوا» ليس الا الارشاد الي اللزوم، و ثانيا ان الامر بالشي ء لا يقتضي النهي عن الضد، و ثالثا النهي لا يقتضي الفساد الا أن يتعلق بعنوان المعاملة، فانه يكون ارشادا الي الفساد بالظهور العرفي، و أما لو تعلق بعنوان آخر- كما لو حلف أن لا يبيع مثلا فباع- لا شبهة في الصحة.

و ربما يقال أيضا كما في كلام السيد قدس سره: ان العين متعلق للحق فلا يجوز التصرف فيه الا مع الاذن ممن له الحق.

و فيه: أولا اثبات حق متعلق بالعين أول الكلام. نعم للمشروط له حق علي المشروط عليه. و ثانيا سلمنا وجود حق لكن أي دليل قام علي كون مطلق الحق مانعا عن التصرف، و هذا يحتاج الي الدليل، و قياس المقام بحق الرهانة مع الفارق، اذ هناك الدليل قائم، فالحق أن التصرف الواقع صحيح.

ثم انه لو قلنا بفساده فهل يصح مع الاجازة كما يصح مع الاول أم لا؟

الحق هو الثاني، اذ المفروض أن الحق مانع عن الصحة، و الاذن السابق

لا يرفع المانع و الاجازة اللاحقة لا تؤثر في الصحة، فان الشي ء لا ينقلب عما هو عليه و الا يلزم صحة العقد الغرري بعد ارتفاع الغرر. و أيضا كل مانع لو

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 408

ارتفع بقاء يلزم الصحة، و هو كما تري.

ان قلت: مقتضي دليل الصحة أن يكون العقد الصادر من المالك صحيحا، لكن لمانع- و هو عدم اذن من له الحق- لم تتحقق الصحة. و بهذا المقدار نرفع اليد عن الدليل، و لكن بعد الاجازة لا مانع من الاخذ به.

قلت: أولا لا يلزم النقض بغيره من الشرائط كما ذكرنا، و ثانيا نقول المفروض ان العقد وقع فاسدا لفقد شرط من شرائطه، فلا سبيل الي الصحة بعد البطلان.

و بعبارة أخري: اما يكون هذا الحق معتبرا عدمه في البيع و اما غير معتبر، أما علي الاول فلازمه البطلان علي الاطلاق، و أما علي الثاني فلا مناص من القول بالصحة.

و لا يقاس المقام بباب الفضولي، فان المدعي في ذلك الباب أن العقد يستند الي المجيز بالاجازة و يصير العقد عقدا للمالك. و أما في المقام فانتساب العقد الي المالك محرز، فلا جامع بين المقامين. و لا يخفي أنه لو التزمنا بالصحة مع الاجازة يلزم الالتزام بالصحة فيما أسقطه المشروط عليه حقه لوحدة الملاك.

(و أما المقام الثاني) [فيما لو فسخ من له الشرط]

و هو ما لو فسخ من له الشرط العقد، فالوجوه المتصورة في المقام هي الوجوه المذكورة في الفرع السابق بلا فرق، و قد عرفت أن الحق بقاء العقد الثاني بحاله و انتقال بدل العين الي الفاسخ، و الكلام في بقية الوجوه هو الكلام فيها المتقدم في المسألة السابقة، فلا وجه للإعادة.

و أما التصرف من ذي الخيار في العين فلو لم يكن مبرزا

للالتزام بالعقد لا وجه لسقوط الخيار و يكون العقد باقيا بحاله، و لا دليل علي كون التصرف بما هو موجب لسقوط الخيار.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 409

قوله: السادسة للمشروط له اسقاط شرطه اذا كان مما يقبل الاسقاط (1).

[المسألة السادسة للمشروط له اسقاط شرطه إذا كان مما يقبل الإسقاط]

أقول: الذي ينبغي أن يقال في المقام، ان الشرط اما شرط للنتيجة و اما شرط للوصف و اما شرط للفعل، أما شرط النتيجة فلا معني لإسقاطه، لأنه بنفس الشرط يتحقق المطلوب، و أما شرط الوصف فلا يتصور فيه الاسقاط، لأنه مع عدم الوصف ليس الا الخيار فلا موضوع للإسقاط، فالعمدة شرط الفعل، و هو تارة يصير مملوكا للمشروط له بالشرط كشرط النتيجة و أخري ليس كذلك، أما علي الاول فيتصور فيه الابراء كبقية الديون، و أما الثاني فربما يقال: بأنه لا دليل علي جواز اسقاط كل حق، و الاستدلال بفحوي تسلط الناس علي أموالهم غير تام لضعف سنده.

و هل يكون فرق بين الفعل المالي كالخياطة و غيره كالعتق- كما في كلام المحقق الاصفهاني بأن نقول: لو كان من الاول يجوز ابراؤه و ان كان من الثاني يجوز اسقاطه- الحق أنه لا فرق. و هذا التفصيل لا يرجع الي محصل صحيح، اذ الفعل ان كان دينا في ذمة الطرف لكن ابرأه مطلقا و ان لم يكن دينا فلا موضوع للإبراء، و أما الاسقاط فكما تقدم يكون فيه مجال للمناقشة، الا ان يقال: بأن الارتكاز يقتضي ثبوت الحق الي زمان الإسقاط، مضافا الي أن مقتضي الارتكاز العقلائي الشرعي قبول هذا النحو من الحقوق للإسقاط.

ثم انه علي تقدير القول بجواز الاسقاط لا فرق بين مصاديقه، و لا مجال لاستثناء بعض مصاديقه كالعتق، حيث أنه يتوهم بأنه متعلق المشروط له

و متعلق بحقه تعالي و متعلق لحق العبد. و هذا التوهم فاسد، فانه لا حق للعبد، اذ العبد ينتفع بالعتق، و هذا لا يوجب حقا له لعدم المقتضي، و الا يلزم أنه لو نذر أحد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 410

قوله: السابعة قد عرفت ان الشرط من حيث هو شرط لا يقسط عليه الثمن عند انكشاف التخلف علي المشهور (1).

أن يعطي دينارا من زيد يكون لزيد حق المطالبة، و هو كما تري.

هذا أولا، و ثانيا لو سلم أنه ذو حق و لكن ليس حقه في عرض حق البائع بل في طوله، و لازمه انتفاؤه بانتفائه. و بعبارة أخري: في صورة بقاء البائع يكون هذا الحق للعبد، و أما مع عدمه فلا، و أما بالنسبة اليه تعالي فأيضا لا مقتضي لوجود الحق، بلا فرق بين أن يطلب منه بطلب وجوبي أو غيره. نعم في الطلب الوجوبي للأمر بالمعروف مجال واسع، و لكن هذا قدر مشترك بين جميع الواجبات، و الزائد علي هذا المقدار لا دليل عليه.

[المسألة السابعة قد عرفت ان الشرط من حيث هو شرط لا يسقط عليه الثمن عند انكشاف التخلف علي المشهور]
اشارة

أقول: اعلم أن العقد الواقع للمبيع تارة يكون صورة نوعية عرفية كالحمارية و البقرية، و أخري يكون وصفا خارجيا غير داخل في حقيقة الشي ء كالكتابة للعبد، و ثالثة يكون من قبيل كمية الاشياء و مقدارها كقوله «بعتك هذه الصبرة بشرط أن تكون عشرة أصوع».

أما القسم الاول فلا سبيل مع انتفائها الي الصحة، فان الصورة النوعية العرفية مقومة للمعاملة و بدونها لا تصح.

و أما القسم الثاني فلا يكون وجوده دخيلا في الصحة الا بنحو التعليق المبطل للعقد و تخلفه يوجب الخيار فقط.

و أما الثالث فتارة يبحث فيه ثبوتا و أخري اثباتا، أما الكلام فيه من ناحية الثبوت فالحق أنه يتصور فيه

أن يكون جزءا من المبيع و يتصور أن يكون شرطا بحيث لا يقسط عليه الثمن، فانه يمكن ايقاع المعاملة علي ما يكون موجودا خارجا علي نحو الاطلاق و يشترط فيه أن يكون كذا مقدارا و يمكن ايقاع المعاملة علي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 411

كل جزء منه بكذا. و الظاهر الصحة في كلتا الصورتين، و الاشكال من حيث الغرر مدفوع بعد تسليم تمامية دليل بطلان الغرري من المعاملة، بأنه ان قلنا أن اشتراط الخيار يرفع الغرر فلا موضوع للغرر، و ان لم نقل فيمكن الاستناد باخبار البائع.

هذا فيما يقع العقد بنحو الاطلاق و يشترط المقدار، و أما لو وقع العقد علي جزء منه فالامر أوضح، غاية الامر لو تخلف يتحقق خيار تبعض الصفقة، و لا فرق فيما ذكرنا بين متساوي الاجزاء كالمثليات و متفاوتها كالقيميات.

هذا بحسب مقام الثبوت، و أما بلحاظ مقام الاثبات و الدلالة فلا يبعد أن يكون مقتضي الظهور العرفي هو التبعيض، و لو فرضنا الشك من جهة مقام الاثبات و الدلالة فمع العلم يكون مقتضي الاصل عدم الانتقال من الثمن الا بما يساوي من المثمن، و أما الخيار فموجود علي كلا التقديرين، غاية الامر يكون خيار تخلف الوصف علي تقدير و خيار تبعض الصفقة علي تقدير آخر، و في المقام رواية «1» لا بأس بدلالتها الا أنها مخدوشة سندا بعمر بن حنظلة.

علي أن الشرط بهذا النحو مرجعه الجزئية، لكن الرواية واردة في القيمي و دلالتها علي الحكم في المثلي بالاولوية كما تري.

ثم ان في الرواية اشكالا من جهة ذيلها، و هي أن المستفاد من الديل أنه لو كان للبائع أرض غير ما باعه فالبيع لازم و يجب الوفاء، و هذا الحكم علي

خلاف القاعدة الاولية، لان المفروض أن مقتضي التقسيط عدم صحة العقد الا الموجود، فلا مقتضي لوجوب الوفاء من أرض أخري.

و عن العلامة في التذكرة نفي البعد، بتقريب أن القطعة المجاورة للمبيع أقرب الي المثل من الارش.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 4 من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 412

و فيه: يرد أولا ان الارض ليست من المثليات، و ثانيا أنه كما ذكرنا لا يكون العقد صحيحا الا بالمقدار الموجود، فلا موضوع لهذا التقريب. و يحتمل بعيدا أن يكون مراده عليه السلام انه ان كانت الارض المعيبة مطالبة للمقدار المبيع فالبيع لازم، و الا يكون له الخيار. لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر.

ثم ان الشيخ ذكر الاقسام المتصورة في هذه المعاملة علي أربعة أقسام:
(الاول) أن يكون المبيع متساوي الاجزاء و ينقص،

فلو قلنا بأن الظاهر من اللفظ في مقام الاثبات التقسيط للمشتري أن يمضي البيع في المقدار الموجود و يرجع ببقية الثمن، و أما لو كان مجملا فمقتضي الاصل عدم انتقال الثمن الي البائع، و أما الخيار فهو موجود علي كل تقدير، غاية الامر يكون خيار تخلف الوصف علي تقدير و خيار تبعض الصفقة علي تقدير آخر.

و ظاهر جملة من الاصحاب ثبوت خيار تخلف الشرط أو الوصف لترجيح الاشارة فيما لو تعارضت الاشارة و الوصف. و أفاد الشيخ قدس سره بأن كون المقام من قبيل الاشتراط مسلم لكن لا نسلم عدم التقسيط في كل شرط، فتأمل.

و يرد عليه: لا يتصور للشرط الا تعليق الالتزام بالعقد علي وجوده، فالثمن بتمامه مقابل العين، و عليه لا مناص الا بأن نقول ان الجملة و لو كانت بصورة الاشتراط لكن ينحل الي التقسيط، و لعله قدس سره اشار الي ما ذكرنا بقوله «فتأمل».

(الثاني) أن يكون المبيع مختلف الاجزاء و ينقص،

و هذا أيضا كسابقه ثبوتا و اثباتا، بأن الظاهر هو التقسيط خلافا للمحكي عن المبسوط، مستدلا بأن الفائت لا يعلم قسطه من الثمن، لان المبيع مختلف الاجزاء فلا يعلم قسط الفائت من الثمن.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 413

قوله: القول في حكم الشرط الفاسد، و الكلام فيه يقع في أمور:

الاول ان الشرط الفاسد لا تأمل في عدم وجوب الوفاء به، بل هو داخل في الوعيد، فان كان العمل به مشروعا استحب الوفاء به (1).

و فيه: أولا أنه لو سلم عدم امكان التقسيط فلا بد من الالتزام ببطلان البيع فلا وجه لثبوت الخيار. و ثانيا يمكن تصوير تساوي القيمة في مختلف الاجزاء.

و ثالثا انه لا يكون القسط مجهولا، اذ يفرض المبيع بذلك المقدار و ينقص عن الثمن بالنسبة،

مثلا لو بيع الارض بشرط أن تكون عشرة جربان فانكشف كونها خمسة يرد نصف الثمن، و هذا أمر واضح.

(الثالث) انه لو كان المبيع متساوي الاجزاء و يتبين الزيادة عما شرط علي البائع،

فان كان المراد العقد علي المقدار لا بشرط عدم الزيادة فالكل للمشتري و يمكن تصويره بنحو لا يكون العقد غرريا، و في هذا الفرض لا خيار. و ان كان المراد ظاهر الشرط- و هو كونه شرطا للبائع من حيث عدم الزيادة أعني بشرط لا عن الزائد- يصح العقد و يثبت خيار الوصف للبائع و خيار الشركة للمشتري.

و هذا لا ينافي ما قلناه من أنه لا يبعد أن يكون المورد موردا للتقسيط، اذ لا يبعد أن يكون شرط عدم الزيادة بمنزلة الاستثناء و ان قلنا بأن البيع وقع علي ما في الخارج كالصورة الاولي، غاية الامر اشترط للبائع عدم الزيادة يثبت للبائع الخيار فله فسخ العقد و امضاؤه في تمام الصبرة.

(الرابع) أن يتبين الزيادة في مختلف الاجزاء،

و حكمها يعلم مما ذكرنا و لا وجه للإعادة.

[القول في حكم الشرط الفاسد]
[الأمر الأول أن الشرط الفاسد لا تأمل في عدم وجوب الوفاء به]
اشارة

أقول: الامر الاول أنه ذهب المشهور الي استحباب العمل بالوعيد، الا أنا قد حققنا الكلام فيه و بينا وجوبه وفاقا لكمال الدين الميثمي البحراني

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 414

و السيد نعمة اللّه الجزائري.

و قد استفدنا ذلك من عدة روايات «1» واردة في الباب، كقوله صلي اللّه عليه و آله «من كان يؤمن باللّه فليف اذا وعد» و كقوله عليه السلام «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له» و غير ذلك من الروايات و قد عد التخلف عن الوعد من مطاعن معاوية عليه اللعنة، و قد حققنا ذلك في رسالة مفردة.

و لا مجال للاستدلال علي وجوب الوفاء بالوعد بلزوم الكذب في صورة التخلف، لان رفع اليد عن الالتزام ليس بكذب، علي أن الوعد ليس من مقولة الاخبار حتي يتصف بالصدق و الكذب بل هو من مقولة الانشاء.

و كيف كان هل يكون مجرد فساد الشرط موجبا لفساد العقد أم لا؟ ما يمكن أن يقال في وجه كونه مفسدا له أمور:
(الأمر الأول) أن الشرط يقسط عليه الثمن، فإذا كان فاسدا يوجب الغرر في البيع لصيرورة العوض مجهولا بذلك.

و فيه: أولا انه لا يقسط الثمن عليه، و ثانيا لا يكون العوض مجهولا لكون التفاوت بين ما اذا كان العوض المنضم الي الشرط و المجرد عنه مضبوطا في العرف، و ثالثا علي تقدير تسليم الجهالة في المبيع نمنع كون مثل هذا الجهل قادحا، لان القادح هو الجهل بالعوض عند إنشاء العقد لا الجهل الطارئ علي العوض.

(الامر الثاني) ان التراضي انما وقع علي العقد الواقع علي النحو الخاص

فاذا تعذرت الخصوصية بفساد الشرط لم يبق التراضي، لان الجنس يرتفع بارتفاع الفصل. و المعاوضة بين الثمن و المثمن بدون الشرط معاوضة جديدة

______________________________

(1) اصول الكافي الجزء 2 باب خلف الوعد و عيون اخبار الرضا ص 34.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 415

يحتاج الي إنشاء جديد، و بدونه يكون التصرف أكلا للمال لا عن تراض.

و أجاب عنه المصنف قدس سره نقضا: بأن انتفاء الشرط لا يوجب أن يحوج العقد الي إنشاء جديد، و مجرد ارتباط الشرط بالعقد لا يقتضي ذلك، و لذا ان الشرط الغير المقصود للعقلاء في السلم و غيره لا يقتضي فساد العقد، و كذا لا يفسد النكاح بمجرد فساد شرطه المأخوذ فيه كما يستفاد ذلك من النص «1» الوارد في باب النكاح.

أقول: يمكن أن يقال انه لا يمكن استفاده عدم كون الشرط الفاسد مفسدا للعقد من النص المذكور، لأنه حكم خاص في مورد خاص أهتم الشارع به، أضف الي ذلك أن الاشتراط لا يقتضي أنه لو لم يسلم الشرط يحتاج الي عقد جديد.

و أيضا نقض الشيخ قدس سره أن ظاهر العلماء أن الشرط الغير المذكور في العقد لا حكم له صحيحا كان أو فاسدا، و لم يظهر منهم بطلان العقد.

و أورد عليه: بأن الاصل في الارتباط هو انتفاء الشي ء بانتفاء ما ارتبط به، و مجرد عدم

الانتفاء في بعض الموارد لا يوجب التعدي.

و أجاب عنه: بأن الامثلة المذكورة لا خصوصية لها، و المقصود من بيان الامثلة عدم استحالة التفكيك بين الشرط و العقد.

و الحق أن يقال: ان الشرط قد يكون صفة للمبيع و أخري فعلا من الافعال و علي الاول يكون مرجع الاشتراط الي تعليق الخيار علي فقدان الوصف، ففساد الشرط يوجب خيار تخلف الوصف، و لا مقتضي للتسقيط لان الثمن بتمامه وقع في مقابل الموصوف، و علي الثاني قد يجعل الشارط الزاما للمشروط

______________________________

(1) الوسائل الجزء 15 الباب 29 من ابواب المهور الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 416

عليه بالشرط و قد يجعل خيارا لنفسه به، و علي كلا التقديرين يثبت له الخيار عند فساد الشرط.

و لا مجال للإشكال بأن المعلق ينتفي عند انتفاء المعلق عليه، لان العقد لم يعلق علي الفعل الخارجي بل هو معلق علي التزامه، و هو موجود، و مثل هذا التعليق غير قادح. نعم اذا كان الصفة من القيود التي تعد من الصور النوعية- ككون المبيع حيوانا ناطقا- فان العرف يحكم بانتفاء المطلوب عند انتفاء قيده كما أفاد الشيخ في جواب الحلي عن الاشكال. و الحاصل ان العقد المرتبط بالشرط الفاسد يصدق عليه العقد، فيشمله أدلة وجوب الوفاء.

أفاد الايرواني قدس سره أن لا وجه للتمسك بالعموم لصحة العقد المجرد عن الشرط، الا أن يكون كل من العقد و العقد مع الشرط مصداقا مستقلا للعقد.

و فيه: أولا ان العقد بلا شرط يصدق عليه العقد، و ثانيا سلمنا أنه شرط في صدقه و لكن يمكن أن يكون الشرط الفاسد أيضا محققا لموضوع العقد.

و ان شئت قلت: يصدق علي العقد المشروط بالشرط الفاسد عنوان العقد و عنوان البيع و

عنوان التجارة، فتشمله الادلة.

ثم ان الشرط الفاسد هل يوجب الخيار اذا كان الشارط عالما بفساد الشرط أم لا؟ ظاهر الشيخ هو الثاني، الا أن المختار هو الاول، لوجود المقتضي و عدم المانع، فانه لا شبهة في جعل الخيار عند عدم تحصل الشرط، و المفروض أن شرط الخيار ليس باطلا.

(الامر الثالث) النص،

و هو ما رواه عبد الملك بن عتبة قال: سألت أبا الحسن موسي عليه السلام عن الرجل ابتاع منه طعاما أو ابتاع منه متاعا علي أن ليس علي منه وضيعة هل يستقيم هذا و كيف يستقيم وجه ذلك؟ قال: لا ينبغي «1».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 35 من ابواب احكام العقود، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 417

و تقريب الاستدلال بالرواية: انه يستفاد منها أن البيع حرام وضعا.

قال المحقق الايرواني: ان الرواية تضمنت سؤالين؟ أحدهما السؤال عن صحة البيع بشرط أن تلحق خسارة المشتري اذا باع و خسر، الثاني السؤال عن صحة الشرط و تسلط المشتري علي أخذه الخسارة منه. و الاستدلال بها علي المدعي يبتني علي ارجاع قوله عليه السلام «لا ينبغي» الي السؤال الاول، و يكون المراد منه هو الحرمة بمعني الفساد دون الكراهة، و أما اذا رجع الي السؤال الثاني فلا يمكن الاستدلال بها علي المدعي.

التحقيق أن يقال: ان الرواية ينبغي أن يبحث عنها من جهتين السند و الدلالة:

اما السند فهو مخدوش بعبد الملك بن عتبة، فانه مشترك بين الصيرفي الموثق و بين الهاشمي الضعيف. و أما الدلالة فان الظاهر المستفاد من قوله عليه السلام «لا ينبغي» الكراهة لا الحرمة فلا يرتبط بالمقام، و أيضا ظاهره أنه يسأل عن مجموع الامرين.

(و منها) ما رواه «1» حسين بن منذر عن أبي عبد اللّه

عليه السلام، و هذه الرواية ساقطة سندا بحسين بن منذر، و أما من حيث الدلالة فيظهر الحال مما نذكره في رواية ابن جعفر عن أخيه.

(و منها) ما رواه «2» علي بن جعفر عن أخيه، و هذه الرواية نقلت بطريقين:

أحدهما معتبر و هي المنقولة عن كتاب علي بن جعفر قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم أ يحل ذلك؟ قال: اذا لم يشترطا و رضيا فلا بأس. بتقريب أن مقتضي مفهوم الرواية البأس في المعاملة، و لا وجه

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 418

للفساد الا من ناحية فساد الشرط.

و الجواب: ان البحث في المقام في أن الشرط اذا كان فاسدا هل يوجب فساد العقد أم لا؟ و الشرط المذكور في الرواية ليس شرطا فاسدا. نعم بمقتضي الرواية نلتزم أن من شرائط البيع أن لا يشترط فيه مثل هذا الشرط، و هذا أمر تعبدي لا بد من الالتزام به و خارج عن محل الكلام. و وجه البطلان التعبد و النص الخاص الوارد في المقام لا الدور و لا عدم قصد البيع.

فتحصل أن المقتضي للصحة تام و المانع غير موجود، مضافا الي أنه يمكن الاستدلال للصحة ببعض النصوص:

(منها) ما رواه «1» الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام، فان المستفاد من الرواية كما تري ان اشتراط ولاء العتق للبائع باطل و مع ذلك لا يوجب فساد البيع، و لا شبهة في أن الظاهر من الرواية أن الاشتراط كان في ضمن العقد.

(و منها) ما رواه «2» الحلبي أيضا عن أبي عبد اللّه

عليه السلام، فانه سئل في هذه الرواية عن بيع الاماء بشرط عدم البيع و الهبة و الارث، فأجاب عليه السلام بأن شرط عدم الارث باطل لكونه مخالفا للكتاب، فان الظاهر من الرواية صحة العقد و فساد الشرط و هذا هو المطلوب في المقام.

ثم ان الشيخ قدس سره أفاد: بأنه قد يستدل علي الصحة بأن صحة الشرط فرع صحة البيع، فلو كان الحكم بصحة البيع موقوفا علي صحة الشرط لزم الدور. ثم قال: و فيه ما لا يخفي.

و يمكن أن يكون نظره الي أن صحة العقد يتوقف علي صحة الشرط، لكن

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 15 الباب 52 من أبواب نكاح العبيد و الاماء الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 15 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 419

صحة الشرط يتوقف علي عدم كونه مخالفا للشرع، فالتوقف ليس من الطرفين بل من طرف واحد.

ثم انه علي تقدير الفساد فهل يثبت الخيار أم لا؟ الحق هو الثاني كما مر، لان الخيار علي ما اخترناه علي القاعدة، فلا فرق بين الشروط صحة و فسادا لوحدة الملاك. نعم لا خيار مع تحقق الشرط و ان كان حراما، كما يشترط عليه بأن يكذب و كذب. هذا علي تقدير القول بأن الخيار من باب التخلف، و أما ان كان المدرك للخيار الاجماع فلا بد من الاقتصار علي المقدار المتيقن، كما أنه لو كان المدرك حديث نفي الضرر يمكن أن تحصل النتيجة بنحو آخر.

(الامر الثاني) أنه لو أسقط المشروط له الشرط هل يمكن تصحيح العقد أم لا؟

يظهر من العلامة في التذكرة التردد في المسألة. و الذي يمكن أن يكون وجها للصحة أن يقاس المقام بباب الفضولي و المكره، حيث حكموا بالصحة بالاجازة في الاول و بتأثير رفع الاكراه و حصول الرضا في

الثاني.

لكن القياس مع الفارق، لان المدعي في باب الفضولي أن الرضا من المالك متعلق بالعقد الجامع للشرائط، و أيضا في مورد الاكراه يكون الواقع متعلقا للرضا، و أما في المقام ما وقع عليه العقد لم يرض كما هو المفروض و ما يكون متعلقا للرضا لم يعقد عليه، فالحق ما أفاده المصنف و هو البطلان.

(الامر الثالث) لو ذكر الشرط الفاسد قبل العقد و لم يذكر في متن العقد و قلنا بأن الشرط الفاسد يفسد العقد فما حكمه في هذه الصورة المفروضة؟

أفاد الشيخ قدس سره بأنه لو قلنا بأن الشرط المذكور قبل العقد لا حكم له فيصح العقد و الا فلا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 420

قوله: الكلام في أحكام الخيار، الخيار موروث بأنواعه (1).

و يرد عليه: ان الوجه في الفساد موجود في الفرض، فان المفروض أن القصد تعلق بما هو مقيد، فهذا التفصيل ليس علي ما ينبغي. و الحق أنه لو قلنا بافساد الشرط الفاسد أن يقال بالفساد في المقام أيضا.

و أما ما عن الشهيد من التفصيل بين صورة العلم بأن الشرط المتقدم لا أثر له يصح و الا يبطل، فليس علي ما ينبغي بل أسوأ حالا من تفصيل المصنف، فان العلم يترتب الاثر عليه و العلم بعدم الاثر و الشك فيه لا يكون ميزانا، بل الميزان تعلق القصد بالمقيد و عدمه كما ذكره.

(الامر الرابع) انه لو كان فساد الشرط من ناحية عدم تعلق غرض عقلائي به، فربما يقال: كما عن ظاهر جماعة عدم كونه مفسدا.

و قال الشيخ قدس سره:

لعل الوجه في كلامهم أنه لا يجب الوفاء به و لا يترتب عليه الخيار لا يكون مقيدا للعقد.

و يرد عليه: أولا انا لا نسلم أنه لا يترتب عليه الاثر من عدم وجوب الوفاء و عدم ترتب الخيار، و ثانيا علي فرض أنه كذلك كما هو المفروض فلو قلنا بالافساد يلزم القول به في مفروض الكلام أيضا اذ مناط الفساد التقييد و المفروض كذلك.

و اللّه العالم.

[الكلام في أحكام الخيار]
[في أن الخيار موروث و الاستدلال عليه]
اشارة

أقول: ان الحكم بكونه موروثا يتوقف علي ثبوت أمور ثلاثة: الاول اثبات كون الخيار حقا لا حكما شرعيا، الثاني كونه حقا قابلا للانتقال، الثالث شمول أدلة الارث عليها. فبعد تمامية المقدمات الثلاث يتم المطلوب.

أما كونه من الحقوق فيمكن أن يستدل عليها بالروايات «1» الواردة في باب

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 4.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 421

خيار الحيوان، و هي جملة «فذلك رضي منه» فيستفاد منها بالتفاهم العرفي كون الخيار حقا.

و لكن لقائل أن يقول: انه حكم خاص في مورد خاص لا وجه للتعدي الي غيره من الخيارات. و بعبارة أخري: لا يستفاد منه الكبري الكلي الجاري في جميع الخيارات، الا أن يتمسك بالتسالم في المقام، و به يثبت كونه من الحقوق.

هذا تمام الكلام في المقدمة الاولي، و أما المقدمة الثانية فهي أنه علي تقدير كونه من الحقوق قابل للانتقال أم لا؟ ربما يقال بعدم انتقاله الي الغير، لان الربط الموجود بينه و بين ذي الخيار ربط خاص قائم به فينعدم بعدم ذي الخيار، فلا يبقي شي ء حتي ينتقل الي غيره، و لا يقاس المقام بالملك لأنه يبقي في الخارج بعد انعدام مالكه، بخلاف حق الخيار فانه ينعدم بانعدامه.

و فيه ان

الخيار كما قيل في تعريفه ملك فسخ العقد، فان فسخ العقد باق و ينتقل بالارث الي الوارث، لكن مجرد الامكان لا يكفي بل يلزم اثبات قابليته الانتقال و مع الشك فيه لا يمكن التمسك بأدلة الارث لكون الشبهة مصداقية، و الحكم ببقائه بالاستصحاب لا يصح، الا أن يقال بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الاستصحاب الكلي، و قد حقق في محله عدم حجيته، الا ان انتقال حق الخيار الي الغير من الامور التي قام الاجماع عليه، بل هو من الامور المسلمة في الشرع.

و أما المقدمة الثالثة فالامر فيها واضح بعد تمامية المقدمتين، فان الادلة الواردة في الكتاب و السنة في ارث ما ترك الميت تشمل المقام أيضا، فان مقتضي اطلاقها انتقال ما بقي من الميت الي وارثه، أعم من أن يكون عينا أو منفعة أو حقا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 422

قوله: بقي الكلام في أن ارث الخيار ليس تابعا لإرث المال فعلا (1).

[الكلام في أن ارث الخيار ليس تابعا لإرث المال فعلا]

أقول: انه يظهر من كلام الشيخ أن في المسألة صورا ثلاث:

الاولي- ان ارث الخيار ليس تابعا لإرث المال، فحرمان الورثة عن ارث المال باستغراق دينه تركته مثلا لا يمنع من انتقال حق الخيار الي الوارث.

الثانية- عكس الاولي، كما اذا كان الوارث قاتل مورثه أو كان كافرا فلا اشكال في عدم الارث في هذه الصورة، لان الموجب لحرمانه من المال موجب لحرمانه من سائر الحقوق، و الصورتان المذكورتان لا خلاف فيهما.

الثالثة- انه محل خلاف بين الاعلام بأن الخيار تابع لإرث المال أم لا؟

و هو كما اذا كان حرمانه من المال لتعبد شرعي كالزوجة غير ذات الولد بالنسبة الي العقار و غير الاكبر من الاولاد بالنسبة الي الحبوة، ففي حرمانه من الخيار المتعلق

بذلك المال و عدمه خلاف حرمانه مطلقا و عدمه مطلقا، و ثالثها التفصيل بين كون ما يحرم الوارث منتقلا الي الميت أو عنه فيرث في الاول، و رابعها عدم الجواز فيما انتقل الي الميت و الاشكال فيما انتقل عنه. و الحق هو القول الثاني، لان الخيار ملك فسخ العقد و لا يرتبط بالعين.

و استشكل السيد اليزدي قدس سره علي الشيخ: بأنه جعل محل الخلاف الصورة الثالثة بخلاف الاولي، و الحال أن الملاك في كلتا المسألتين واحد.

و ربما يقال بالفرق بين المسألتين: بأن الوارث يمكن له أن يملك ما ترك الميت فيما اذا استوعب الدين تركته بوجه من الوجوه، كما اذا أدي الديون من ماله الاخر بخلاف الحبوة مثلا فانه ليس قابلا للرفع. و لكن هذا الفرق غير فارق كما تري.

و لكن يمكن الجواب عن السيد بما ذهب اليه المحقق الاصبهاني في

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 423

قوله: مسألة في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار مع أنه شي ء واحد غير قابل للتجزئة و التقسيم وجوه (1).

حاشيته، بأن التركة فيما اذا استوعبها الدين اما ينتقل الي الورثة غاية الامر أنه ممنوع عن التصرف، فالفرق بين المسألتين واضح، لان العقار و الحبوة لا تنتقلان الي الوارث و أما ما لا ينتقل اليهم فنقول ان المقتضي للإرث موجود في الوارث انما منع عنه لمانع و هو الضرر، لان اعمال الخيار من حيث اقتضائه لذهاب مقدار من التركة الي المفسوخ عليه اضرار بالديان.

و بعبارة أخري: أن الخيار بما هو ليس مما يوفي به الدين كي لا يورث و انما المنافي اعماله فيمنع من اعماله. بل يمكن أن يقال بجواز اعماله، فانه باعمال الخيار ينتقل المال من المفسوخ عليه الي

ملك الورثة و لا ينتقل اليه بدله لأنه كالتالف بل يشتغل ذمة الميت بالبدل. نعم لا بد من الالتزام بتعلق حق الطرف بالمال المنتقل الي الورثة، و هذا بخلاف مسألة حرمان الزوجة بالنسبة الي العقار أو الولد غير الاكبر بالنسبة الي الحبوة فانه لا مقتضي للإرث فيهما.

[مسألة في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار مع أنه شي ء واحد غير قابل للتجزئة و التقسيم وجوه]
[وجوه في في كيفية استحقاق كل من الورثة للخيار]
اشارة

أقول:

الوجه الاول ما نسب الي صاحب الجواهر قدس سره من استحقاق كل من الوراث خيارا مستقلا كمورثه

بحيث يكون له الفسخ في الكل و ان أجاز الباقون، و لا يقاس بارث المال، اذ لا يتعقل فيه هذا المعني، فان المال الواحد لا يتصور فيه المالك المتعدد و الحق يتصور فيه التعدد، ولدا يكون حد القذف الذي لا يسقط بعفو بعض المستحقين متعددا، و استند ذلك الي قوله صلي اللّه عليه و آله «ما تركه الميت من حق فلو ارثه».

و فيه: ان الرواية المذكورة ضعيفة السند، الا أن الاطلاقات الواردة في باب الارث تكفي لإثبات اصل الارث، فما ذهب اليه الجواهر كان متينا في

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 424

مقام الثبوت، الا أنه لا دليل عليه في مقام الاثبات، فان المتروك من الميت ليس الا حق واحد فكيف يمكن التعدد.

و استشكل المصنف عليها دلالة بوجوه ثلاثة:

الاول: ان مفاد الادلة بالنسبة الي المال المتروك و حق المتروك شي ء واحد و لا يستفاد منها بالنسبة الي المال الاشتراك و بالنسبة الي الحق التعدد، الا مع استعمال اللفظ في المعنيين.

و فيه: ان المذكور في النبوي الحق و لم يذكر فيه مال حتي يرد ما أورده المصنف، فانها تدل علي أن حق الميت لوارثه، الا أن النبوي ضعيف السند كما علمت و المدرك للإرث العمومات، فان المستفاد منها أن التركة للوارث، و أما الاستقلال أو الاشتراك فيستفاد من دليل خارجي.

الثاني: ان مقتضي ثبوت ما كان للميت لكل من الورثة أن يكونوا كالوكلاء المستقلين، فيمضي السابق من اجازة أحدهم أو فسخه و لا يؤثر اللاحق، فلا وجه لتقدم الفسخ علي الاجازة علي ما ذكره صاحب الجواهر.

و فيه نقضا: بما لو كان للشخص الواحد خيار متعدد فباسقاط أحد الخيارات لا يسقط الباقي، و حلا لا يقاس المقام بالوكالة

المتعددة، فان الخيار لا يكون امرا واحدا هنا حتي لا يبقي موضوع له باعمال أحد الوراث، كما هو كذلك في الوكلاء المتعددين. و بعبارة أخري: ان الخيار في الوكالة المتعددة أمر واحد يجوز اعماله للمتعدد و في المقام الخيار متعدد.

الثالث: ان المراد بالوارث في النبوي و غيره مما أفرد لفظ «الوارث» المتحقق في ضمن الواحد و الكثير، و قيام الخيار بالجنس يتأتي علي الوجوه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 425

الاربعة المتقدمة. و أما ما ورد فيه لفظ «الورثة» بصيغة الجمع فلا يخفي أن المراد به أيضا اما جنس الجمع أو جنس الفرد أو الاستغراق القابل للحمل علي المجموعي و الافرادي، و الاظهر هو الثاني.

و فيه ما أفاده السيد اليزدي: ان الجنس ليس الا الطبيعة، فيتعين الوجه الرابع. و اما ما ورد فيه لفظ «الورثة» فاما يكون المراد من الورثة جنس الجمع فيكون مقتضاه الوجه الثالث و هو كون المجموع للمجموع، و اما يكون المراد منه جنس الفرد فيتصور فيه الوجوه الاربعة، و اما يراد منه الاستغراق القابل للحمل علي المجموعي و الافرادي.

الوجه الثاني- أن يرث كل منهم الخيار في نصيبه فله الفسخ فيه دون باقي الحصص،

لان الخيار لما لم يكن قابلا للتجزية و كان مقتضي أدلة الارث- كما سيجي ء- اشتراك الورثة فيما ترك مورثهم فيتعين تبعضه بحسب متعلقه.

و استشكل الشيخ قدس سره: بأن هذا الوجه و ان لم يكن منافيا لظاهر أدلة الارث الا أن تجزئة الخيار بحسب متعلقه مما لم تدل عليه أدلة الارث، أما النبوي فهو غير متعرض للتقسيم و أما ما تعرض فيه للقسمة فلا يستفاد منها ثبوت الخيار لكل منهم في حصته.

أقول: ان الحق لو تقبل التجزية باعتبار متعلقه فيشكل الامر فيما اذا لم يرث الورثة من العين، كما اذا لو كان الوارث زوجة

و ما ترك عقارا، فلا بد من الالتزام بعدم ارث حق الخيار و الحال انه لم يلتزم به أحد.

الوجه الثالث- أن يرث المجموع من حيث انه مصداق للطبيعة لا من حيث انه مجموع،

و يترتب عليه أنه لو أجاز واحد منهم لا يبقي مجال لفسخ الاخر، لان الخيار الواحد اذا قام بماهية الوارث واحدا كان أو متعددا كان امضاء الواحد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 426

كفسخه ماضيا، فلا عبرة بما يقع متأخرا، لان الاول قد استوفاه. و لو تقارنا زمانا فلا يؤثر شي ء منهما.

و لا يخفي أن هذا المعني لا يتصور الا بأن يكون الخيار قائما بالكلي لا بالموجود الخارجي، فانه لو كان قائما بالموجود الخارجي فاما قائم بمجموعه و اما قائم بكل واحد منه و اما قائم بالبعض دون البعض، و لا يستقيم ما أفيد مع شي ء منها فلا بد من أن يكون قائما بالكلي نظير الخمس و الزكاة.

و أفاد الميرزا النائيني قدس سره: بأنه يتصور أن يكون الخيار قائما بصرف الوجود، فكل من بادر الي اعماله يؤثر. و لكن كما ذكرنا لا نتعقل هذا المعني، فانه في الحكم التكليفي أمر معقول، و أما في الامر الوضعي فلا، فان الاهمال غير معقول، و عليه لا بد من بيان من قام به الخيار، و لكن لا مانع من القيام بالكلي، لكن لا دليل عليه في مقام الاثبات.

الوجه الرابع- أن يكون لمجموع الورثة،

بتقريب أن مقتضي أدلة الارث بالنسبة الي الحقوق غير القابلة للتجزية و الاموال القابلة لها أمر واحد.

و بعبارة أخري: ان أدلة الارث طائفة منها دالة علي كون أولي الاحكام وارثا لما تركه الميت من الاموال، و يستفاد من الادلة الخارجية و التسالم أن الحقوق أيضا جزء لما ترك، و القدر المتيقن من الاحتمالات هذا الوجه، و هو استحقاق مجموع الورثة لمجموع الخيار، و الاصل أيضا يقتضي عدم ثبوت حق أزيد من هذا، و هذا الوجه من أحسن الوجوه.

ثم قال المصنف قدس

سره: ثم ان ما ذكرنا جار في كل حق ثبت لمتعدد لم يعلم من الخارج كونه علي خصوص واحد من الوجوه المذكورة. نعم لو

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 427

علم ذلك من الخارج أتبع كما في حد القذف، فان النص قد دل علي أنه لا يسقط بعفو أحد الشريكين، و كذا حق القصاص.

و لكن الشهيد احتمل في الدروس من أن أحد الورثة اذا عفي عن الشفعة كان للاخر الاخذ بكل المبيع. و الفرق بينه و بين ما نحن فيه مشكل، و يمكن أن يفرق بالضرر، فانه لو سقطت الشفعة بعفو أحد الشركاء كان اضرارا علي غير العافي، و هذا غير موجود فيما نحن فيه.

و فيه: ان حق الشفعة لم يثبت لأجل الضرر حتي يرد ما قبل، و أما ضرر الشركة فقد كان حاصلا قبلا و انما تبدل شريك بشريك أخر، أضف الي ذلك أنه كما تكون الشركة ضررا علي الوارث كذلك نقل المال عن الغير بلا اختيار له ضرر عليه.

فرع: اذا اجتمع الورثة كلهم علي الفسخ فيما باعه مورثهم،

قال المصنف: ان كان عين الثمن موجودا في ملك الميت دفعوه الي المشتري و ان لم يكن موجودا اخرج من مال الميت. و لو لم يكن للميت مال هل يجب علي الورثة دفع الثمن من مالهم بقدر الحصص؟ وجهان، وجه العدم أنه ليس لهم الا حق الفسخ كالأجنبي المجعول له الخيار فباعمال الخيار تنتقل العين الي ملك الميت و تشتغل ذمة الميت بالبدل ان لم يكن عوض موجودا، و وجه الوجوب أنهم قائمون مقام الميت في الفسخ برد الثمن أو بدله و تملك المبيع، فاذا كان المبيع مردودا علي الورثة اشغلت ذممهم بثمنه من حيث أنهم كنفس الميت، كما أن معني ارثهم لحق الشفعة استحقاقهم

لتملك الحصة بثمن مالهم لا من مال الميت.

و أورد عليه سيدنا الاستاذ دام ظله: ان قياس المقام بباب الشفعة قياس مع

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 428

الفارق، لان حق الشفعة عبارة عن أن للشفيع أن يتملك الحصة المنتقلة، و كان هذا منتقلا الي الورثة بدليل الارث، و هذا بخلاف الخيار فانه عبارة عن ملك فسخ العقد، فما انتقل الي الورثة عبارة عن ملك فسخ العقد، فمقتضي الفسخ رجوع كل من العوضين الي محلهما الاصلي، فيلزم أن تنتقل العين الي ملك الميت و عوض العين اما يكون موجودا و اما يكون تالفا، اما علي الثاني فتشتغل ذمة الميت كبقية ديونه و اما ان كان موجودا فينتقل الي من عليه الخيار.

ان قلت: كيف ينتقل الي الطرف و الحال انه انتقل الي الوارث.

قلت: نعم انتقل الي الوارث لكن بالملك المتزلزل، فاذا فسخ خرج عن ملكهم.

ان قلت: لو كانت العين ملك الميت لتعلق به حق الغرماء، و الحال أنه خلاف السيرة المستمرة في مورد خيار البيع، فانهم يردون الثمن الي الورثة بدون استثناء ديون الميت.

و فيه: ان السيرة المذكورة علي تقدير تسليم تحققها لعلها ناشئة عن قلة مبالاتهم، و أما تحقق سيرة المتشرعة فغير معلوم، و ثانيا فانه يمكن أن يكون من خواص الخيار برد الثمن فلا وجه للتعدي الي باقي الموارد لعدم اطلاق في السيرة، و ثالثا يمكن أن يؤدوا ديون الميت من مال آخر.

و يمكن أن يرد عليه: بأنه لا وجه لانتقال العوض الي الطرف، فان العوض اذا كان تالفا يضرب الطرف مع الغرماء في المال الموجود، و ان كان موجودا فاما يكون متعلقا لحق الغرماء اذا كان مديونا و اما يكون ملكا للوارث ان لم يكن

مديونا، و علي كلا التقديرين لا وجه لرجوعه الي الطرف. نعم لا يبعد أن يكون للطرف أن يبقي العين عنده حتي يأخذ العوض.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 429

مسألة: هل يشترط رعاية مصلحة الديان في الفسخ أم لا؟

قال المصنف: فيه وجهان، من أن الحق منتقل الي الورثة بمقتضي أدلة الارث و الخيار أيضا موجود لهم كما هو مقتضي أدلته، فلهم الفسخ سواء كان في ذلك مصلحة الديان أم لا.

و من أن عدم رعاية مصلحة الديان اضرار عليهم، فهو منفي في الشرع.

افاد السيد اليزدي: ان الحق هو عدم الاشتراط، و عليه يمكن أن يقال:

لا يجوز لهم الفسخ اذا كان مضرا بالديان، خصوصا اذا لم يكن فيه غرض الا الاضرار بالديان.

أقول: بناء علي ما قلنا لا نتصور الضرر، اذ يكون المال ممنوعا من التصرف فيه. انه علي تقدير القول بنفوذ التصرف و اشتراط أن لا يكون ضرر عليهم يكون مقتضي القاعدة عدم نفوذ التصرف. و بعبارة أخري: ليس مجرد حكم تكليفي بل أمر وضعي، و علي تقدير عدم المنع وضعا فهل عليهم الفسخ أم لا؟

ذهب السيد الي الثاني، و الحق هو الاول، فيكون الفسخ حراما اذا كان فيه اضرار بالديان.

ربما يقال: لا وجه للوجوب التكليفي، لان غاية ما يقال في المقام وجوب أداء الدين علي الورثة مما تركه الميت، و بالفسخ يرفع الموضوع.

فانه يقال: ان الورثة يجب عليهم أداء دين الميت بمجرد انتقال ما تركه فالفسخ بعده يكون حراما، علي أنه لو كان نفي الموضوع جائزا لكان ذلك في مورد هبتهم، فلم يلتزم أحد بجواز هبة الورثة مما تركه الميت قبل أداء دينه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 430

قوله: مسألة لو كان الخيار لأجنبي و مات ففي انتقاله الي وارثه كما في التحرير او الي

المتعاقدين او سقوطه كما اختاره غير واحد من المعاصرين- و ربما يظهر من القواعد- وجوه (1).

قوله: مسألة و من أحكام الخيار سقوطه بالتصرف بعد العلم بالخيار (2).

[مسألة لو كان الخيار لأجنبي و مات ففي انتقاله الي وارثه أو الي المتعاقدين او سقوطه وجوه]

أقول: الظاهر هو الوجه الثالث، فان المشروط له و ان كان من المتعاقدين لكن لا مقتضي للانتقال فيه، و أما انتقال الخيار الي وارثه فيتوقف علي الامرين:

الاول كون الخيار حقا، و الثاني كونه من الامور التي يقبل الانتقال. اما الاول فقد ثبت و تحقق أن الخيار حق قابل للإسقاط، و أما الثاني فمحل تأمل، لان عمدة الدليل فيه هو الاجماع، و القدر المتيقن أن الاجنبي له الخيار بالجعل و لكن هل ينتقل الي غيره أم لا و هو أول الكلام.

[مسألة و من أحكام الخيار سقوطه بالتصرف بعد العلم بالخيار]
اشارة

أقول: هل يسقط الخيار بالفعل كما يسقط بالقول؟ الظاهر أنه يسقط، فان الخيار أمر حقي قابل للإسقاط، و لا فرق بين أن يكون سبب اسقاطه القول أو الفعل. و هذا لا اشكال فيه انما الكلام في أنه كما يسقط ببعض الافعال فيما تعلق بالمنتقل اليه كالوطي بالنسبة الي الجارية المشتراة كذلك يحصل فيما تحقق بالنسبة الي المنتقل عنه أم لا الحق أنه لا وجه له.

ان قلت: الاجماع قائم بأنه كلما تحصل به الاجازة فيما تعلق بمورد الانتقال اليه يحصل به الفسخ فيما تعلق بمورد الانتقال عنه، هذا من ناحية و من ناحية أخري ان المستفاد من بعض النصوص كون بعض الافعال مسقطا للخيار و لو لم يقصد به الاسقاط.

و فيه: أولا ان الاجماع المدعي في المقام ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 431

رأي المعصوم عليه السلام، و ثانيا ان القدر المتيقن من الاجماع عدم الفرق بين الاجازة و الفسخ فيما يكون للفعل ظهور عرفي.

و أما النصوص فهي مختصة بما انتقل اليه، فان التصرف فيه كانت اجازة و لا وجه للتعدي بما انتقل عنه، مضافا الي أن النصوص واردة في خيار الحيوان

و المدعي عام منه، و أما كون التقبيل رجوعا في الطلاق و ان لم يقصد به الرجوع حكم خاص في مورد خاص لوجود خصوصية في الطلاق، كما أفاده سيدنا الاستاذ دام ظله.

ثم إنه أفاد المصنف قدس سره: أن من له الخيار لو تصرف فيما انتقل عنه فهذا دليل علي الفسخ سواء كان تصرفا خارجيا او اعتباريا حملا لفعل المسلم علي الجائز، فان أصالة حمل فعل المسلم علي الجائز من باب الظواهر المعتبرة شرعا من الامارات الشرعية، فيدل علي الفسخ لا من الاصول التعبدية حتي يقال انها لا تثبت ارادة التصرف للفسخ.

ثم ان التصرفات الاعتبارية كالبيع و الاجارة و النكاح و ان حلت لغير المالك لعدم عدها تصرفات في ملك الغير، الا أنها تدل علي ارادة الانفساخ بها بضميمة أصالة عدم الفضولية. و المراد بهذا الاصل الظاهر، فلا وجه لمعارضته بأصالة عدم الفسخ، مع أنه لو أريد به أصالة عدم قصد العقد عن الغير فهو حاكم علي أصالة عدم الفسخ.

و ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه: أما بالنسبة الي حمل فعل المسلم علي الصحة فأولا يرد عليه النقض بكثير من الموارد، فانه لو شك فيما تكلم أحد بكلام مردد بين الشتم و السلام لا بد من رد جوابه بمقتضي الاصل المذكور و الحال أنه كما تري، و كذا لو نري أن مسلما يتصرف في عين لا بد أن يلتزم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 432

قوله: هل الفسخ يحصل بنفس التصرف أو يحصل به قبله متصلا به (1).

بجواز شهادة كون الثوب له و هو كما تري.

و ثانيا- ان البحث في المقام لا ينحصر علي المسلم بل بحث عام شامل للكافر أيضا، و الدليل المذكور يختص بالمسلم فقط.

و

ثالثا- انه ما المراد من أصالة حمل المسلم علي الصحة، فان كان المراد منه الاصل الجاري في باب المعاملات بالمعني الاعم فلا شبهة في جريانه و ترتيب الاثر عليه، و لكن لا يرتبط بالمقام، فانه لو أحرز جواز التصرف لأحد فعند تصرفه لو شك في أنه كان جامعا للشرائط أم لا يحكم بالجامعية، بلا فرق بين أن يكون المتصدي مسلما أو كافرا، و ان كان المراد من الاصل معني قوله «قولوا له قولا حسنا» فهذا علي مقتضي القاعدة لو لم يدل عليه الآيات و الروايات الا أنه أجنبي عن المقام، فان مفاده عدم حمل فعل الغير علي الفساد، أضف الي جميع ذلك كله أن الامارات لا يكون جميع لوازمها حجة كما حققنا ذلك في الاصول.

و أما قوله بالنسبة الي التصرف الاعتباري فهو متين في بعض الموارد، فان قول البائع «بعت نصف الدار» فيما اذا كان داره مشتركا، ظاهر في بيع نصف الدار المتعلق بنفسه و لا يعتني بقوله «اني بعت دار شريكي»، و أما اذا كان فعله امرا اعتباريا متعلقا بمال الغير فلا ظهور في كون تصرفه في مال نفسه، و غاية ما يقال في المقام أصالة عدم الفضولية، و لكنها لا يثبت الفسخ الا علي القول بالاصل المثبت.

[هل الفسخ يحصل بنفس التصرف أو يحصل به قبله متصلا به]
اشارة

أقول: وقع الكلام بينهم في أن التصرف سبب للفسخ أو كاشف، فيه وجهان. ربما يقال لا يترتب علي هذا البحث ثمرة عملية مهمة، الا أنه ليس كذلك، فعلي القول بالكاشفية لم يكن تقبيل الجارية حراما لحصول الفسخ قبله

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 433

و لا تشمله قوله «لا تبع ما ليس عندك» في تصرفاته الاعتبارية.

ربما يقال بكون التصرف كاشفا عن الفسخ، و لكنه خلاف ظاهر النصوص

الواردة في باب خيار الحيوان، فان قوله «فذلك رضي منه» اشارة الي الفعل الخارجي بأنه مسقط.

هذا أولا، و ثانيا أنه يلزم أن لا يقع الفسخ بالقول أبدا، لأنه بمجرد التفوه به يكشف عن كونه منفسخا قبله، اذ ما من قول الا و قبله قصد الفسخ.

و ثالثا- أفاد سيدنا الاستاذ دام ظله: ان الفسخ لا يحصل الا بابراز ما في النفس، و لذا لو أخبر الثقة بفسخ بيعه قبل شهر و لكن لم يبرزه نقول بعدم تأثير هذا الفسخ.

و رابعا- انه قول بلا دليل، اضف الي ذلك أنه مخالف للأصل أيضا، فان مقتضي الاصل يقتضي عدم تأثيره قبل الابراز. و الحاصل ان الفسخ من الامور الانشائية، و الامر الانشائي عبارة عن ابراز ما في النفس بمبرز، فان المبرز قد يكون فعلا و قد يكون قولا.

و أما الاشكال المتوجه علي هذا القول تكليفا و وضعا، فنتكلم فيه في موضعين:

الاول في الجهة التكليفية، الثاني في الجهة الوضعية:

(اما المقام الاول) فربما يقال بعدم جواز التصرف في العين في زمان الخيار، و مجرد حق الفسخ لا يقتضي ذلك، و عليه لا طريق لتصحيح الوطي الذي يحصل به الفسخ، فان الوطي لا بد أن يكون في الملك. الا أن يقال: ان الفسخ يحصل بأول جزء منه، فان لزوم تقدم الفسخ علي الوطي رتبي، فلا اشكال في حصول الفسخ و الوطي في زمان واحد. نعم لو كان لزوم تقديم الفسخ علي الوطي زمانا لكان الامر مشكلا في المقام.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 434

(و أما الموضع الثاني) فالحق عدم صحة البيع و العتق و غيره من العقود من حيث عدم مصادفتهما لملك العاقد التي هي شرط لصحتهما.

ربما يقال: بصحة التصرفات المذكورة، لأنه

يحصل الفسخ بأول حرف من الجملة، فيدخل العين في ملك الفاسخ، و بتمام الجملة يحصل البيع.

و فيه: ان هذا لا يكون فسخا، و لذا لو تكلم بأول حرف من جملة «فسخت» و لم يأت بالباقي لم يحصل الفسخ.

هذا أولا، و ثانيا ان البيع عبارة عن إنشاء المعني الكذائي، و هذا المعني يلزم ان يقع علي المملوك.

ان قلت: انه يعلق البيع علي الملكية، و ليس فيه اشكال، لأنه مما يتوقف عليه صحة العقد.

قلت: أولا يلزم جواز البيع معلقا علي الاشتراء، بأن يبيع شيئا و لم يكن مالكا له عند البيع معلقا علي اشترائه بعده كي يسلم علي المشتري و لم يلتزم أحد بصحته، و حلا بأنه لا يجوز بيع ما ليس عنده حين البيع و ان حصل عنده بعده لان بيعه علي نحو التنجيز بيع لمال الغير و علي نحو التعليق فبطلانه أوضح من أن يخفي.

و قال الميرزا النائيني قدس سره: بأن الانشاء و ان لم يقع في الملك الا أن المنشأ يقع في الملك. و بعبارة أخري: يحصل الفسخ بالانشاء و البيع بالمنشإ.

و فيه: ان هذا يتوقف علي كون الانشاء غير المنشأ، و الحال انهما أمر واحد و انما الفرق بينهما بالاعتبار.

و الانصاف أن إنشاء البيع لا بد أن يقع في الملك، و لا يحصل الفسخ و البيع بلفظ واحد.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 435

و قد يقرر هذا بما نقل التذكرة عن بعض العامة من أن الشي ء الواحد لا يحصل به الفسخ و العقد، كما أن التكبيرة الثانية في الصلاة بنية الشروع يخرج بها عن الصلاة و لا يشرع بها في الصلاة. و بأن البيع موقوف علي الملك الموقوف علي الفسخ المتأخر عن البيع،

و هذا من الدور الباطل.

و أجاب العلامة قدس سره عن الاشكال الاول في التذكرة بمنع عدم صحة حصول الفسخ، و العقد بشي ء واحد بالنسبة الي الشيئين. و بعبارة واضحة: ان الممنوع انما هو كون الشي ء الواحد فسخا و تمليكا بالنسبة الي أمر واحد، فالفعل الواحد لا يعقل أن يكون تمليكا و فسخا لذلك التمليك، و أما كونه فسخا لملكية و محدثا لملكية اخري فلا مانع منه.

و يمكن أن يقرب الاشكال الاول بوجه آخر، و هو أن الفسخ استرجاع للملك و العقد اخراج عن الملك، و لا يعقل الاخراج الا بعد الادخال، فلا يمكن أن يخرج عن الملك و يدخل فيه بأمر واحد في آن واحد.

الا أن يجاب عنه بأن الفسخ يحصل بأول حرف من «فسخت» و البيع يحصل بتمامه، الا أن يكون السبب أمرا بسيطا كإشارة الاخرس، فان الامر مشكل فيه.

و أفاد المصنف في المقام بأنه لو قلنا بأن الانشاء يلزم أن يكون في الملك يشكل بأن صحة العقد تتوقف علي تقدم تملك العاقد علي جميع أجزاء العقد لتقع فيه، فاذا فرض العقد أو جزء من اجزائه فسخا كان سببا لتملك العاقد مقدما عليه، لان المسبب انما يحصل بالجزء الاخير من سببه، فكلما فرض جزء من العقد قابل للتجزئة سببا لتملك كان التملك متأخرا عن بعض ذلك الجزء، و الا لزم تقدم وجود المسبب علي السبب، و الجزء الذي لا يتجزي غير موجود فلا يكون سببا. مع أن غاية الامر حينئذ المقارنة بينه و بين التملك، و قد عرفت أن الشرط بمقتضي الادلة سبب التملك

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 436

علي جميع اجزاء العقد قضاء لحق الظرفية.

و الحق أن ما أفاده المصنف تحقيق دقيق، لكن

يمكن دفع الاشكال: بأن الامر في هذا المقام موكول الي العرف و بنظره لا يكون تأخر و تقدم بل مقارنة و هي تكفي.

و أما الجواب عن الاشكال الثاني- و هو الدور- فأجاب الشهيد قدس سره بمنع الدور التوقفي و ان الدور معي، الا أنك عرفت أن الدور توقفي. و الحق في دفع الاشكال ما تقدم منا آنفا من أن الفسخ يحصل بالجزء الاول و البيع يحصل بتمامه.

و الحق في الجواب: هل يمكن أن يدخل المقام في مسألة «من باع شيئا ثم ملك»؟ قال المصنف: انه بعد فرض القول بصحته يوجب اعتبار اجازة العاقد ثانيا بناء علي ما ذكرنا في مسألة الفضولي من توقف لزوم العقد المذكور علي الاجازة.

لكن هذا علي تقدير القول به و الاغماض عما تقدم في العقد الفضولي لا يجري في مثل العتق الغير القابل للفضولي.

أقول: ان أصل المدعي لا بأس به، الا أن قاعدة من باع شيئا ثم ملك لا دليل عليها كما حققنا في محله.

ثم قال المصنف: يمكن أن يقال ان المستفاد من الادلة عدم وقوع البيع في ملك الغير بغير اذنه، فالممنوع شرعا تمام السبب في ملك الغير لا وقوع بعض اجزائه، اذ لا دلالة في أدلة اعتبار الملكية في المبيع الا علي اعتبار كونه مملوكا قبل كونه مبيعا، و الحصر في قوله «لا بيع الا في ملك» اضافي بالنسبة

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 437

قوله: فرع لو اشتري عبدا بجارية مع الخيار له فقال «اعتقهما» فربما يقال بانعتاق الجارية دون العبد، لان الفسخ مقدم علي الاجازة (1).

الي البيع في ملك الغير أو في غير الملك كالمباحات الاصلية، فلا يعم المستثني منه البيع الواقع بعضه في ملك الغير. و الانصاف

ان ما ذهب اليه لا يمكن مساعدته، لان حمل الحصر علي الاضافي خلاف الظاهر فلا يصار اليه الا بالدليل.

و أيضا قال المصنف: ان المراد بالبيع هو النقل العرفي الحاصل من العقد لا نفس العقد، فالفسخ الموجب للملك يحصل بأول جزء من العقد و النقل و التملك العرفي يحصل بتمامه، فيقع النقل في الملك.

و فيه: انه لا دليل علي كون المراد بالبيع هو النقل العرفي، بل انه كما حقق في محله امر اعتباري مبرز بالابراز تارة يكون موضوعا للاعتبار الشرعي و أخري للعرفي و ثالثة لا يكون موضوعا لكليهما كبيع السفيه.

ثم انه قال: نعم التصرفات الفعلية المحققة للفسخ كالوطي و نحوه لا وجه لجواز الجزء الاول منها، فالوطي المحصل للفسخ لا يكون حلالا بتمامه. و توهم أن الفسخ اذا جاز بحكم الخيار جاز كل ما يحصل به قولا كان أو فعلا فاسدا، فان معني جواز الفسخ الجواز الوضعي أعني الصحة لا التكليفي، فلا ينافي تحريم ما يحصل به الفسخ.

و أفاد السيد اليزدي قدس سره: أنه لو سلمنا افادته للجواز التكليفي أيضا فنقول أنه يدل علي الجواز من حيث أنه فسخ لا من جميع الحيثيات، فالوطي مرخص فيه من حيث أنه فسخ لكنه حرام من جهة عدم الملكية.

و يرد عليه: انه كلام خيالي لا واقع له، فانه لا دليل علي الجواز كي يقال بأنه حيثي.

[فرع لو اشتري عبدا بجارية مع الخيار له]
اشارة

أقول: و يرد عليه كما أفاده المصنف بأنه لا مجال لهذا البيان في المقام

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 438

فان تقدم الفسخ علي الاجازة فيما يكون من الطرفين اذ لا تنافي بين الامرين.

و يظهر الامر فيما لا يكون خيار الامن طرف واحد، فانه لو فسخ ينفسخ العقد بلا كلام.

و الحق أن يقال:

تحقيق الحال في هذا الفرع يقتضي البحث عن صور:
(الصورة الاولي) أن يقصد بالعتق إنشاء الفسخ و الاجازة معا،

قال السيد:

فهذه الصورة لا تتصور، اذ لا يمكن قصد الفسخ و الاجازة بالنسبة الي عقد واحد في زمان واحد.

و فيه: ان الامر الاعتباري خفيف المئونة، فلا اشكال في اعتبار الفسخ و الاجازة في زمان واحد. الا أن الامر مشكل في ناحية المنتهي، اذ تحقق كلا الامرين شرعا محال و تعين أحدهما دون الاخر ترجيح بلا مرجح. هذا بالنسبة الي الاجازة و الفسخ، و أما بالنسبة الي العتق فمقتضي القاعدة صحة العتق بالنسبة الي العبد لتمامية أركانه، و البطلان بالنسبة الي الجارية لعدم كونها ملكا للمشتري، فلا يصح الا بنحو الفضولي غير الجاري في العتق.

(الصورة الثانية) أن يقصد بالعتق إنشاء الاجازة فقط،

فمقتضي القاعدة تحقق الاجازة لوجود المقتضي و عدم المانع، و يصح عتق العبد لوقوعه في الملك و يبطل بالنسبة الي الجارية، اذ عتق الجارية موقوف علي قصد الفسخ و المفروض عدمه.

(الصورة الثالثة) أن يقصد إنشاء الفسخ دون الاجازة،

و في هذه الصورة ينفسخ العقد بمقتضي الفسخ و يصح العتق بالنسبة الي العبد لوقوعه في الملك و يصح بالنسبة الي الجارية أيضا لدخولها في الملك بالفسخ.

ان قلت: هذا يصح فيما اذا تقدم الفسخ علي العتق و المفروض مقارنتهما فيؤثر كل منهما أثره.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 439

قوله: مسألة من أحكام الخيار عدم جواز تصرف غير ذي الخيار تصرفا يمنع من استرداد العين عند الفسخ (1).

(الصورة الرابعة) أن يعتق مع الغفلة عن الفسخ و الاجازة،

فعتق العبد صحيح و أما عتق الجارية فالظاهر بطلانه، لان العتق التنجيزي لا يمكن لعدم كونه مالكا له حينه و العتق الفضولي باطل.

(الصورة الخامسة) لا يقصد شيئا منهما،

و حكمها ظاهر.

(الصورة السادسة) أن يصدر هذا الامر مع الجهل بكيفيته،

فالظاهر عدم الحمل علي شي ء منهما لكونه ترجيحا بلا مرجح فلا يتحقق الاجازة و لا الفسخ.

فظهر أن قول الشيخ في تضعيف ما ربما يقال ينعتق العبد دون الجارية، لا يساعد عليه بل هو قوي كما عرفت، و القول بأنه يتوقف علي الاجازة دعوي بلا دليل، بل لو فسخ بعد ذلك ينفسخ العقد، و حيث أن البدل تالف حكما يدفع بدله.

ثم انه لو فرض الخيار لبايع العبد دون مشتريه فلا شبهة في عدم تأثير الاجازة و الفسخ، لان المفروض أنه ليس لمشتري العبد الخيار، و أما العتق فبالنسبة الي العبد يتوقف علي نفوذه ممن ليس له الخيار، و أما بالنسبة الي الجارية فلا يصح لعدم الملك، و الفضولية غير جارية في الايقاع بالإجماع.

و أما لو كان الخيار لهما فتارة يجوز تصرفهما في العين في زمن الخيار و أخري لا يجوز، و علي الاول الكلام فيه هو الكلام في الصورة الاولي، و علي الثاني فلو قصد بالعتق الفسخ يصح عتق الجارية.

[مسألة من أحكام الخيار عدم جواز تصرف غير ذي الخيار تصرفا يمنع من استرداد العين عند الفسخ]
اشارة

أقول: ان الكلمات مختلفة في المقام، قول بجواز التصرف مطلقا، و قول بعدمه مطلقا، و قول بوقوعه جائزا الا انه متزلزل ما دام الخيار موجودا.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 440

و لا يخفي أن هذا القول يبتني علي مسلك الطوسي، و اما علي القول بعدم تحقق الملكية الا بعد انقضاء الخيار، فلا مورد لهذا القول، اذ المفروض أن العين لا تكون مملوكة للمتصرف، و مع فرض عدم الملكية لا يجوز التصرف لا تكليفا و لا وضعا. و هذا علي طبق القاعدة، فالكلام علي مبني تحقق الملكية بالعقد،

و يقع الكلام في المقام من جهات:
الجهة (الأولي) في جواز التصرف تكليفا،

و ربما يقال بأنه لا يجوز التصرف في العين بتصرف يكون مبطلا و معدما للموضوع، و ذلك لان الخيار متعلق بالعين فكما أن التصرف في ملك الغير حرام لكونه غصبا كذلك التصرف في متعلق حق الغير حرام.

و يرد عليه: أولا انه علي هذا البيان لا فرق بين عير ذي الخيار و من له الخيار فان الملاك واحد، و الحال أن عنوان الكلام يدل علي اختصاص الاشكال بغير ذي الخيار. و ثانيا ان الخيار قائم بالعقد لا بالعين، و الدليل عليه أنه يجوز التفاسخ حتي بعد تلف العين.

و للميرزا قدس سره تقريب في المقام، و هو: أن الخيار متعلق بالعقد بما أنه طريق الي شخص العين لا الي ماليته، و بني ما أفاده قدس سره علي مسألة ضمان اليد، فانه لو قلنا بأن المدار علي يوم التلف فالطريق طريق الي المالية، و ان قلنا بأن المدار علي يوم الاداء فالطريق طريق الي شخص العين، و حيث أن المدار علي يوم الاداء فلا يجوز التصرف في العين بل يجب ابقاؤها.

و يرد عليه: انه ما المراد من الطريقية، فانه ان كان

المراد بها أن العقد واسطة في العروض فيكون المعروض في الحقيقة العقد و لا مدخلية للعين فهو كما تري، و ان كان المراد انه واسطة في الثبوت- أي يكون الحق المتعلق بالعقد واسطة في تعلق حق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 441

بالعين و في الحقيقة يتعدد الحق- فهو أمر ممكن في حد نفسه لكن لا دليل عليه.

(الجهة الثانية) في جواز التصرف الوضعي و عدمه،

و مما ذكرنا في الجهة الاولي ظهر الحال في هذه الجهة أيضا، اذ بعد فرض كون العين مملوكة لمن عليه الخيار و عدم تعلق حق بها لا وجه لعدم الجواز، بل الجواز علي القاعدة.

مضافا الي أنه لو سلم تعلق حق طولي متعلق بالعين كما عليه الميرزا فلا وجه لعدم جواز التصرف البيعي، لان مجرد البيع لا يعدم العين. فعلي الفرض الذي ذهب اليه الميرزا لا بد من الالتزام بصحة البيع، غاية الامر لو فسخ ذو الخيار ينفسخ العقد الاول. نعم بناء علي القول المذكور لا يجوز التصرف المعدم للعين، اما تكوينا كالأكل و اما اعتبارا كالعتق، حيث ان الحر لا يرجع رقا.

(الجهة الثالثة) في أنه هل يكون فرق بين الخيار الشرعي و بين الخيار الجعلي المتحقق بالشرط،

يقع الكلام في مورد الخيار الجعلي في موضعين:

الاول- في الحكم التكليفي، أفاد الاستاذ دام ظله بأن الغرض من الشرط في الغالب ابقاء العين فلا يجوز التصرف تكليفا.

و فيه: ان الغالب لا يفيد في غير الغالب، مضافا الي أن الغرض لا أثر له بل لا بد من القصد و الانشاء علي طبقه، فما أفاده غير تام.

الثاني- في الحكم الوضعي، و الظاهر نفوذ التصرف لعدم وجه للفساد كما هو ظاهر. نعم لو قلنا بأن التصرف حرام تكليفا و قلنا بأن الحرمة التكليفية تقتضي الفساد وضعا يلزم الفساد لكن في كلا الامرين نقاش.

ثم انه هل يكون فرق بين كون العقد الثاني جائزا و بين كونه لازما؟ الظاهر أنه لا فرق، و لا مجال لانحلال العقد الثاني بانحلال العقد الاول، فان العقد الثاني لا يرتبط بالعقد الاول بل صدر من أهله و وقع في محله، و أيضا ظهر أنه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 442

لا مجال للقول بأنه يلزم من عليه الخيار بالفسخ.

و ببيان أوضح ان من

له الخيار بعد الفسخ اما يملك العين بانتقالها من يد المشتري الثاني و هذا لا وجه له كما مر، و اما يملكها مع كونها ملكا لمالكها الاول و هذا غير معقول، و اما يملك العوض من المثل أو القيمة و عليه لا وجه لإجباره علي الفسخ. و لا يقاس المقام بباب بدل الحيلولة، فان المغصوب منه في ذلك الباب يملك نفس العين بخلاف المقام.

ثم انه لو قلنا بانفساخ العقد الثاني فهل يكون من حين انفساخه أو من الاصل؟

اختار صاحب المقابيس أنه من الاصل، محتجا بأن مقتضي الفسخ تلقي كل من العوضين من ملك كل من المتعاقدين، فلا يجوز أن يتلقي الفاسخ الملك من العاقد الثاني، بل لا بد من انفساخ العقد الثاني بفسخ الاول و رجوع العين الي المالك الاول ليخرج منه الي ملك الفاسخ، الا أن يلتزم بأن ملك العاقد الثاني الي وقت الفسخ، فتلقي الفاسخ الملك بعد الفسخ من العاقد الاول و رده بعدم معروفية التملك الموقت في الشرع.

و لكن يمكن أن يقال: ان مقتضي الجمع بين الادلة القول بانفساخ العقد من حين الفسخ، حيث أن مقتضي بعض الادلة اشتراط كون البائع مالكا للمبيع، و مقتضي الاخري جواز استرجاع البائع العين المبيعة في زمن الخيار، و مقتضي الثالثة كون المشتري مالكا لها ما دام لم يفسخ، فمقتضي الجمع بينهما ما ذكرنا من الالتزام بانفساخ العقد من حين الفسخ، فيكون منفسخا علي نحو النقل لا الكشف.

ثم انه علي القول بممنوعية التصرف في زمن الخيار فالمقدار المعلوم من المانعية هو زمان تحقق الخيار فعلا كخيار المجلس و الحيوان، و أما لو لم يتحقق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 443

قوله: فرعان الاول لو منعا عن التصرف

المتلف في زمان الخيار فهل يمنع عن التصرف المعرض لفوات حق ذي الخيار من العين كوطي الامة في زمان الخيار بناء علي أن الاستيلاد مانع من رد العين بالخيار قولان (1).

بعد اما لعدم تحقق سببه كخيار التأخير الناشئ عن تضرر البائع أو لعدم تحقق شرطه كما في بيع الخيار بشرط رد الثمن ففيه اشكال، و منشأ الاشكال من أنه لا حق بالفعل لذي الخيار فلا مانع من التصرف، و من أن المانع من التصرف موجود و هو تزلزل العقد فلا يجوز.

و فصل المحقق النائيني بين خيار الاشتراط و بين الخيارات التعبدية، بالالتزام بعدم جواز التصرف في الاول دون الثاني، بتقريب أن الشرط يوجب حقا لمن له الشرط فالحق موجود بالفعل و لذا يكون قابلا للإسقاط و لا يكون من اسقاط ما لم يجب، و هذا التقريب لا يجري في القسم الاخر.

و يرد عليه: أن المانع الحق المتعلق بالمال و بالشرط لا يتعلق حق بالمال و لا بالعقد بل طرفاه المتعاقدان، فلا موضوع لهذا الكلام.

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 443

و فصل الشيخ بوجه آخر، و هو الفرق بين الخيار المتوقف علي حضور الزمان و المتوقف علي شي ء آخر كالتأخير و الرؤية علي خلاف الوصف، لان ثبوت الحق في الاول معلوم و ان لم يحضر زمانه بخلاف الثاني.

و فيه: نقضا ان ثبوت الحق في غير المتوقف علي الزمان قد يكون معلوما، و حلا ان الحكم تابع لموضوعه، فلا وجه للالتزام بتحققه قبل تحقق موضوعه، و موضوع عدم جواز التصرف هو الخيار، و المفروض أنه لم يتحقق فلا

وجه للممنوعية عن التصرف.

[فرعان]
[الأول لو منعا عن التصرف المتلف في زمان الخيار فهل يمنع عن التصرف المعرض لفوات حق ذي الخيار من العين]

أقول: وجه الجواز أمران: الاول ان الممنوع منه التصرف المتلف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 444

قوله: الثاني انه هل يجوز اجارة العين في زمان الخيار بدون اذن ذي الخيار (1).

و اما جعل العين معرضا للتلف حراما فليس و لذا يجوز تعريض العين للبيع، و الثاني استصحاب عدم تحقق الاستيلاد.

و أورد الميرزا النائيني قدس سره علي كلا الوجهين:

أما في الوجه الاول- فبأن قياس المقام بالتعريض مع الفارق، اذ البيع أمر اختياري، فيمكن أن الشخص يعرض العين للبيع لكن لا يبيع، و أما الاستيلاد فليس اختياريا بعد الوطي.

و أما في الوجه الثاني- فبأن اتصال الماء بالرحم ليس موضوعا للحكم، بل الموضوع للحكم هو الوطي الموجب للحمل، و لا يجري فيه الاستصحاب اذ النعتي منه ليس فيه حالة سابقة و المحمولي منه ليس حجة.

و فيه: أولا ان أصالة الاباحة و أصالة الحلية كافيتان لإثبات المطلوب، و ثانيا لا مانع من جريان استصحاب العدم الازلي في المقام، و ثالثا انه لا شبهة في أن الوطي بنفسه ليس موضوعا للحمل بل لا بد من اتصال النطفة بالرحم، و لا مانع من جريان اصل عدم الاتصال.

[الثاني أنه هل يجوز إجارة العين في زمان الخيار بدون إذن ذي الخيار]

أقول: ان هذا البحث مبني علي عدم جواز التصرف في العين، يظهر من كلام الشيخ في وجه عدم الجواز أن الاجارة تنافي حق ذي الخيار علي العين. و لكنك تري أنه لا منافاة بينهما، فان البائع باعمال الخيار يسترد العين الي ملكه، و ليس من لوازم الملكية التصرف في جميع منافعها فانها تبقي تحت يد المستأجر خارجا الي أن تنقضي مدة الاجارة.

ثم ان علي تقدير صحة الاجارة هل تنفسخ الاجارة بفسخ ذي الخيار أم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 445

لا؟ ما يمكن أن يقال في

وجه الانفساخ أمور:

(منها) ان ملكية المبيع للمشتري يكون الي حين الفسخ، فانه ليس نقض أمر ثابت، بل هو من باب ضيق فم الركية، فالرجوع الي من له الخيار علي القاعدة.

و فيه: انه خلاف ظاهر الملكية المطلقة، فان مقتضاها كونه مالكا لمنفعتها الي الابد، و الفسخ يرفعها و بالنسبة الي المنافع لا مجال للرجوع.

(و منها) ان الفسخ يقتضي عود الشي ء الي ما كان بحاله الاول، فرجوعه الي ما كان يتوقف الي انفساخ الاجارة حتي يتحقق معني للفسخ.

و فيه: ان مقتضي الفسخ و ان كان كما ذكرت الا أن مقتضي الجمع بين الادلة يقتضي عدم انفساخ الاجارة، لأنها صدرت من أهله و وقعت في محله، فيعود الملك اليه مسلوبة المنفعة في مدة الاجارة.

(و منها) أنه يجب علي المشروط عليه ابقاء العين مع جميع خصوصياته في زمن الخيار، و هو ممنوع من التصرف و لو بالاجارة.

و يرد عليه: لو سلم أن دائرة الشرط تشمل حتي الاجارة، لكن نقول بأن الشرط لا يقتضي المنع الوضعي، و الحرمة التكليفية لا يلازم الجهة الوضعية، بل النسبة بينهما عموم من وجه، و من الجائز أن يكون اجارته حراما تكليفا و صحيحا وضعا.

ثم انه لو قلنا بعدم الجواز، فلو اجري المشتري العين من ذي الخيار أو باذنه ثم فسخ قال الشيخ يعود الملك الي الفاسخ مسلوب المنفعة.

ان قلت: ان ملك المنفعة تابع لملك العين، بمعني أنه اذا ثبت الملكية في زمان و كان زوالها بالانتقال الي آخر ملك المنفعة الدائمة، لان المفروض أن

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 446

المنتقل اليه يتلقي الملك من ذلك المالك فيتلقاه مسلوب المنفعة، و أما اذا ثبت و كان زوالها بارتفاع سببها لم يكن ملك من عاد اليه

متلقي عن المالك الاول و مستندا اليه بل كان قبل تملك المال الاول فيتبعه المنفعة، كما لو فرضنا روال الملك بانتهاء سببه لا برفعه، كما في ملك البطن الاول من الموقوف عليه، فان المنفعة تتبع مقدار تملكه.

قلت: أولا منقوض بما اذا وقع التفاسخ بعد الاجارة مع عدم التزام أحد ببطلان الاجارة، و ثانيا أنه يكفي في ملك المنفعة الدائمة تحقق الملك المستعد للدوام لو لا الرافع آنا ما، و ليس المقام كالوقف، فان البطن اللاحق يتلقي الملك من الواقف لا من البطن السابق، فاجارة البطن السابق تبطل بموته.

أقول: تحقيق الحال يقتضي أن يقع الكلام في جهتين: الاولي ان الاجارة تبطل بالفسخ بقاء، الثانية ان العين ترجع الي الفاسخ مسلوبة المنفعة.

أما الجهة الاولي- فالحق كما ذكره المصنف عدم بطلان الاجارة، و قد أشبعنا الكلام فيه.

و أما الجهة الثانية- فالظاهر من الفسخ رجوع العين الي الفاسخ علي ما هو عليه، و المفروض أن العين لم تكن مسلوبة المنفعة، و حيث أنه لا وجه لفساد الاجارة بقاء فيلزم الغرامة أداء بأجرة المثل و ليس مجال لبدل الحيلولة كما أفاده سيدنا الاستاذ، لأنه يختص بما كان المبدل ملكا لمالكه و المنفعة ليست ملكا للفاسخ اذ المفروض أنه انتقلت الي الغير.

ثم انه لو أذن ذو الخيار في التصرف هل يسقط خياره بهذا التصرف؟ قال الشيخ نعم، اما لدلالة الاذن علي الالتزام بالعقد عرفا و اما لان التصرف الواقع باذن صاحبه تفويت لمحل هذا الحق و هي العين، و لا يتعلق الحق بالبدل لان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 447

قوله: مسألة المشهور أن المبيع يملك بالعقد و أثر الخيار تزلزل الملك بسبب القدرة علي رفع سببيته (1).

أخذ البدل بالفسخ فرع تلف

العين في حال حلول الحق فيه لا مع سقوطه عنه.

و يرد عليه: بأن ما أفاده مبني علي كون الإذن في التصرف دليلا علي الالتزام بالعقد، و كذا ما ذكره من الاستدلال مبني علي كون متعلق الخيار هو العين، و أما اذا كان متعلقه العقد كما هو الحق فلا مجال لما ذكره.

و لو اذن في التصرف و لم يتصرف فهل يكون مسقطا للخيار أم لا، أفاد المصنف أن اذن ذي الخيار في التصرف المخرج فيما انتقل عنه للأجنبي فسخ عند العرف، و أما اذنه للمشتري في التصرف هل هو اجازة و اسقاط لخياره أم لا، تردد المصنف فيه، فمال في أول كلامه بعدم مسقطيته و مال في آخر كلامه الي كونه مسقطا حيث قال: نعم يمكن القول باسقاطه من جهة تضمنه للرضا بالعقد، فانه ليس بأدون من رضا المشتري بتقبيل الجارية، و يؤيده رواية السكوني «1» في كون العرض علي البيع التزاما.

أقول: ينبغي أن يقع البحث في مقامين: مقتضي القاعدة و مقتضي النص، أما علي القاعدة فلا وجه لكون الاذن مسقطا الا أن يدعي الظهور العرفي في ذلك و أما النص فهو ضعيف لا يعتمد عليه.

[مسألة المشهور أن المبيع يملك بالعقد و أثر الخيار تزلزل الملك بسبب القدرة علي رفع سببيته]
اشارة

أقول: و استدل علي ذلك بوجوه:

(الاول) أن مقصود المتبايعين من البيع حصول الملكية من أول الامر و امضاء أدلة البيع علي ما قصداه،

فان العقود تابعة للقصود.

و استشكل عليه الشيخ بأن هذا من أضعف الوجوه، لان المتبايعين و ان

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 12 من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 448

كان غرضهما حصول الملك من حين العقد الا أن تخلف الاغراض ليس بعزيز في باب المعاملات.

و يرد فيه: ان المتعاقدين اما قصدا حصول الملكية من حين العقد أو من حين انقضاء الخيار، و لا ثالث لاستحالة الاهمال في الواقعيات، و حيث أن الثاني مردود باعتراف المدعي فيبقي الاول- و هو قصدهما من حين العقد- فيشمله دليل وجوب الوفاء علي طبق ما قصداه. و أما مسألة الصرف و السلم فانه تعبد خاص، و الشارع علق الملكية علي أمر متأخر عن العقد، فان زمام الامر بيد الشارع.

لكن لا يخفي أنه كما قال الاستاذ دام ظله لا يكون هذا الاستدلال في قبال الاستدلال بالعمومات مستقلا، بل مجموع الامرين يفيد المدعي.

(الثاني) ما استدل به المصنف من قوله عليه السلام «البيعان بالخيار»،

بتقريب أن الخيار استرجاع العين، و هو فرع الخروج عن ملكه، فتكون الملكية حاصلة من الاول.

و أورد عليه المحقق الايرواني: أن ما ذهب اليه المصنف قدس سره يبني علي تعلق الخيار بالعين، و لكنه ليس كذلك بل هو متعلق بالعقد، و عليه لا يستلزم الخيار تحقق الملكية.

أقول: ان ما أورده متين جدا.

(الثالث) ما دل «1» علي جواز النظر الي الجارية في زمان الخيار الي ما لا يحل له قبل ذلك،

فانه يدل علي تحقق الملكية قبل انقضاء الخيار.

و فيه: انه يمكن أن يكون حكم الامة في المقام نظير باب الزوجة المطلقة،

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 14 الباب 4 من ابواب النكاح، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 449

كما أنه يحصل الرجوع بأدني التصرف بناء علي انقطاع الزوجية بالطلاق كذلك المقام. و ثانيا ان غاية ما يستفاد من الرواية سقوط الخيار بالنظر، و أما كونه جائزا فلا يستفاد منها فلا يدل علي الملكية. و ثالثا ان النزاع في حصول الملك بالعقد و عدمه لا يشمل ما اذا اختص الخيار بالمشتري، فان الطوسي قطع فيه بحصول الملكية من حين العقد، و المقام من هذا القبيل فان الخيار مختص بالمشتري.

(الرابع) ما دل من كون نماء المبيع في بيع الخيار برد مثل الثمن للمشتري،

كصحيحة اسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد اللّه عليه السلام و سأله رجل و أنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج الي بيع داره فجاء الي أخيه فقال:

أبيعك داري هذه و تكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك علي أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها الي سنة أن ترد علي. فقال: لا بأس بهذا ان جاء بثمنها الي سنة ردها عليه. قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة.

فقال: الغلة للمشتري، ألا تري انه لو احترقت لكانت من ماله «1».

بتقريب: ان النماء تابع للأصل فيكون النماء للمشتري يدل علي كون المبيع للمشتري، فان مقتضي اطلاقه ثبوت الحكم حتي مع وجود الخيار من أول الامر.

(الخامس) ما يتمسك بالاخبار الواردة في العينة، و هي أن يشتري الانسان شيئا بنسيئة ثم يبيعه بأقل منه في ذلك المجلس نقدا،

حيث أن بعض هذه الاخبار يشتمل علي فقرات يستأنس بها لمذهب المشهور، مثل صحيح بشار بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 450

صاحبه الذي يبيعه منه. قال: نعم لا بأس به. فقلت له: اشتري متاعي؟ فقال:

ليس هو متاعك و لا بقرك و لا غنمك «1».

بتقريب: ان جواز بيعه يدل علي كونه مالكا له، و كذا يمكن أن يستدل عليه بذيل الرواية حيث قال «ليس هو متاعك»، فانه يدل علي خروج العين بالبيع.

و فيه: ان غاية ما يستفاد من اطلاق الرواية كون البيع مقتضيا للملكية، و لا ينافي ذلك بالدليل الدال علي حصولها بعد انقضاء الخيار.

و أجاب عنه الشيخ بأن جواب الامام عليه السلام مبني علي جواز بيعه علي البائع، لان تواطئهما علي البيع الثاني اسقاط للخيار من الطرفين.

و فيه: ان

التواطؤ لا يسقط الخيار لعدم الدليل عليه، و الاشكال بأنه لو دل دليل علي عدم ثبوت الملك مع الخيار لا يعارضه هذا النص و ما يكون بمضمونه في محله.

و أيضا: أجاب بأنه لو سلم ما ذكر من الدلالة علي ملك المشهور لم يدفع به الا القول بالنقل دون الكشف.

و فيه: ان الظاهر المستفاد أن العقد الثاني بما هو موجب لسقوط الخيار، بلا فرق بين القول بالكشف او النقل.

(السادس) ما استدل به العلامة في التذكرة علي ثبوت الملكية بالعقد بصحيحة محمد بن مسلم

عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا. قال: فقال المال للبائع انما باع نفسه، الا أن يكون شرطه عليه ان ما كان له مال أو متاع فهو له «2». بتقريب انه استفاد ان مال المملوك للمشتري.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من ابواب احكام العقود، الحديث 3.

(2) الوسائل، الجزء 13 الباب 7 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 451

و يرد عليه: ان النص المذكور لا ينافي ما دل علي حصول الملك بعد انقضاء الخيار. و بعبارة أخري: هذه النصوص لا تعرض فيها لحصول الملكية من حين العقد أو من حين انقضاء الخيار، فان المستفاد من هذه النصوص ان مال العبد تابع له فيما يشترط أو فيما يعلم به البائع و مطلقا اذا لم يقيد خلافه.

(السابع) قوله صلي اللّه عليه و آله «الخراج بالضمان»

بتقريب ان المبيع في زمان الخيار المشترك أو المختص بالبايع في ضمان المشتري فخراجه له، و هي علامة ملكه.

و فيه: أولا انها ضعيفة لا يتمسك بها، و ثانيا كون المشتري ضامنا له في مدة الخيار أول الكلام.

هذا تمام الكلام في الادلة التي أقاموها لحصول الملكية بالعقد، و يقع الكلام فيما استدل علي حصول الملكية بعد انقضاء الخيار ببعض النصوص، كقوله «تلف المبيع في زمن الخيار من مال بايعه» «1» بتقريب: ان الخراج بالضمان فيدل علي كون المبيع في زمان الخيار للبائع، فانه بعد ما ثبت ضمان البائع نلتزم بكونه مالكا للعين للتلازم المستفاد من تلك القاعدة.

و يرد فيه: أولا ما عرفت آنفا أن النبوي المذكور ضعيف لا يعتمد عليه، و ثانيا ان شمول كلام الطوسي للخيار المختص بالمشتري أول الكلام، و ثالثا انه لو أغمض عن ضعف السند و

يتمسك باطلاق الخراج بالضمان يلزم تأسيس فقه جديد.

و لنا أن نقول: ان المراد بالضمان في الرواية ليس مطلق الضمان، بل الظاهر منه الضمان المعاملي، فيكون المعني أن الضمان المتعلق بالعين يقتضي

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 و 8 من ابواب الخيار، الحديث 2 و 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 452

ملك المنفعة، فيكون أجنبيا عن محل الكلام. و ثانيا ان المستفاد من قوله «ليس هو متاعك و لا بقرك و لا غنمك» حصول الملكية بالعقد، و ثالثا ان المستفاد من الروايات الواردة في باب خيار الحيوان ان الملكية تحصل بالعقد، و هي كثيرة و ان كان بعضها ضعيفا الا ان في صحيحها غني و كفاية، و هو قوله «صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة ايام» «1» و قوله «صاحب الحيوان ثلاث» «2».

قال المصنف: و علي أي حال ان الاخبار الدالة علي كون الضمان علي البائع اما أن تجعل مخصصة لأدلة المشهور بضميمة قاعدة تلازم الملك و الضمان أو لقاعدة التلازم بضميمة أدلة المسألة، فيرجع بعد التكافؤ الي أصالة عدم حصول الملك بالعقد قبل انقضاء الخيار، و لكن هذا فرع التكافؤ المفقود في المقام من جهات أعظمها الشهرة المحققة المؤيدة بالإجماع.

و فيه: أولا ان قانون التلازم قد ناقشنا في روايته سندا و دلالة.

و ثانيا- علي فرض التكافؤ لا وجه لرجوعه الي الاصل، لان الجمع الدلالي ما دام ممكنا لا تصل النوبة الي الجمع السندي، فان ما دل علي كون المبيع للمشتري يجعل مخصصا لقانون التلازم لكونه صريحا في المطلوب.

و ثالثا- انه لا تكون الشهرة الفتوائية مرجحة علي تقدير التكافؤ، و عليه فالمرجع «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ»، و مقتضاهما حصول الملكية من أول الامر.

ثم ان بعد

ما ظهر أن الحق ما عليه المشهور لا تصل النوبة الي أن هذا الحكم يجري في الخيار المنفصل أو يختص بالخيار المتصل، و أيضا لا مجال للبحث من أنه يختص بخيار الشرط و الحيوان أو يعم بقية الخيارات، فان

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 3 من أبواب خيار الحيوان، الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 3 من أبواب خيار الحيوان، الحديث 6.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 453

قوله: مسألة و من أحكام الخيار كون المبيع في ضمان من ليس له الخيار في الجملة (1).

المدعي من أصله فاسد.

[مسألة و من أحكام الخيار كون المبيع في ضمان من ليس له الخيار في الجملة]

أقول: قبل بيان الحال في المسألة ينبغي تأسيس أصل في المقام يكون مرجعا عند الشك، فنقول: لو تلف المبيع عند المشتري في زمان خياره المختص به يكون مقتضي القاعدة عدم ضمان البائع، فان مقتضي قوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بقاء العقد علي حاله، و أيضا مقتضي استصحاب بقاء العقد علي حاله و عدم الانفساخ عدم ضمان البائع.

و أما استصحاب الضمان الثابت قبل القبض فيرد عليه: انه يكون أخص من المدعي، فانه يمكن أن يفرض أن يكون المال عند المشتري من أول الامر، و القول بعدم الفصل لا مجال له، فانه يرد عليه: أولا انه فرق بين القول بعدم الفصل و بين عدم القول بالفصل.

و ثانيا- ان القول بعدم الفصل انما يكون بين الاحكام الواقعية لا الظاهرية.

هذا أولا و ثانيا ان الاستصحاب لا يجري مع وجود الدليل الاجتهادي كما هو ظاهر.

و ثالثا- ان الضمان بمعني ضمان المثل و القيمة ليست له حالة سابقة، و بمعني انفساخ العقد يرجع الي الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به.

و رابعا- ان هذا الاستصحاب داخل في استصحاب الحكم الكلي الذي لا نقول به.

و خامسا- ان مقتضي

رواية «1» عقبة بن خالد عدم الضمان بعد القبض، لكن

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 454

الرواية ضعيفة بمحمد بن عبد اللّه بن هلال، فثبت ان مقتضي الاصل الاولي عدم الضمان، و لا بد من الخروج عن هذا الاصل من وجود الدليل، فيقع الكلام في جهات:

(الاولي) لا اشكال في ثبوت هذا الحكم في خيار الحيوان، و تدل عليه جملة من الروايات «1»، و أيضا لا شبهة في ثبوت هذا الحكم في خيار الشرط بالنسبة الي المشتري للروايات المشار اليها، فان تلك الروايات تدل علي كون الضمان علي البائع لو تلف المبيع في زمان الخيار، فانه يدل بالنسبة الي خيار الشرط ذيل رواية «2» ابن سنان قال عليه السلام «فان كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».

(الثانية) هل يجري هذا الحكم في خيار المجلس. ربما يقال بأن الشرط قد أطلق علي خيار المجلس، فيشمل الدليل خيار الحيوان أيضا.

لكن يرد عليه: انه لا دليل علي هذا المدعي، اذ الظاهر من النصوص اختصاص الحكم بالشرط المقرر بين المتعاملين أو مضي ثلاثة أيام، و هي زمان خيار الحيوان.

(الثالثة) انه هل يجري هذا الحكم في بقية الخيارات. ربما يقال كما أفاد الشيخ قدس سره بأنه يفهم من الروايات الواردة في المقام بأن المناط في هذا الحكم تزلزل العقد و عدم صيرورة العين ملكا لازما علي المشتري. و بعبارة أخري: يستفاد هذا الحكم بعموم المناط، فانه عليه السلام قال في رواية «3» رواها

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث

2.

(3) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 455

ابن سنان بعد ما سأله السائل علي من ضمان ذلك: للبائع حتي ينقضي الشرط ثلاثة أيام و يصير المبيع للمشتري.

و يرد عليه: انه لا يمكن الجزم بأن المناط ما ذكر، و بعبارة أخري لا ظهور في الرواية بأن المناط وجود الخيار، و غاية ما في الباب كون الرواية مشعرة بهذا المعني، فلا بد من الاقتصار علي مورده، و هو خيار الحيوان، و العمدة في الاشكال ما ذكرنا.

و العجب من المصنف حيث اعترف بالظهور و مع ذلك يقول بأن الاعتماد علي هذا الظهور مورد تأمل، فان مع الاعتراف بالظهور لا وجه للتأمل.

و استشكل في الاستدلال بوجه آخر، و هو أن الظاهر من الرواية ما يكون الخيار ثابتا من أول الامر، و حيث ان خيار الغبن و العيب و الرؤية و غيرها ليس الخيار فيها ثابتا من أول الامر فلا يجري فيه.

و يرد عليه: انه علي فرض تمامية الامر و تسليم ظهور اللفظ فيه ان الخيار في الغبن و العيب ثابت من أول الامر.

و مما يمكن أن يستدل به علي العموم ما أفاده السيد قدس سره في الحاشية:

من أن المراد من الشرط الوارد في ذيل الصحيح «1» متعلق الخيار، بأن يقال ان المراد من الشرط فانه لا يضر بالاستدلال كون مورد الخبر خصوص الحيوان، لان الظاهر من الكلام اطلاق الحكم لكل خيار او لان الحكم في مورد الحيوان اذا كان عاما للخيار غير خيار الحيوان، فلا قول بالفصل. و قال قدس سره:

انه يمكن الاستدلال بهذا التقريب بالنبوي «2» المذكور في قرب الاسناد.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث

2.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 4.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 456

و يرد عليه: انه خلاف الظاهر، فان الظاهر من الشرط خيار الشرط، بل الجمود علي النص- كما هو مقتضي القاعدة- الاقتصار علي خصوص الحيوان و تعميم الحكم بغيره ذكر في النص حتي في مورد الحيوان لا وجه له.

و أما الرواية الثانية فالظاهر أنه قدس سره اشتبه في نقلها عن قرب الاسناد و الرواية ضعيفة بحسن بن أبي الحسن.

و ربما يستدل بالإجماع و عدم الخلاف، و السيد جعلهما مؤيدين للمدعي، لكن ليس تحته شي ء، فانه علي فرض تحقق الاجماع لا يكون اجماعا تعبديا فلا يترتب عليه الاثر كما هو ظاهر.

(الرابعة) ان هذا الحكم مختص بالحيوان و لا يجري في غيره لاختصاص الدليل، و لذا نري في كتب الفتوي كمنهاج سيدنا الاستاذ الاختصاص المذكور.

(الخامسة) ان مقتضي اطلاق الروايات شمول الحكم لما يكون الخيار مشتركا بين المتعاقدين، لكن مقتضي الاجماع المدعي في المقام الاختصاص بما يكون مختصا بالمشتري و لا يكون للبائع، و لذا اشتهر بينهم بأن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له، لكن الالتزام بمقتضي الاجماع مع عدم دليل علي حجيته مشكل، و الجرأة علي الذهاب الي خلاف ما اشتهر بينهم و خلاف الاجماع المدعي اشكل، و الاحتياط طريق النجاة.

(السادسة) ان هذا الحكم يختص بالمبيع أو يجري في الثمن، و بعبارة أخري هل يختص بالمشتري أو يعم البائع الذي يمكن أن يكون مدركا للتعميم أمران ذكرهما الشيخ قدس سره:

أحدهما- استنباط الملاك، و هي صيرورة العين ملكا مستقرا لمالكه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 457

و يرد عليه: انه لا ظهور للنص في هذا المعني، مضافا الي أنه علي تقدير التسليم

فانما يكون بالنسبة الي المشتري و لا دليل علي الاطلاق.

ثانيهما- استصحاب الضمان الثابت قبل القبض.

و يرد عليه ما أوردناه آنفا، و لا حاجة الي الاعادة، مضافا الي أنه من الشك في المقتضي الذي لا يرتضيه المصنف.

و أيضا يرد عليه: انه الموضوع للحكم قبل القبض، و مع حصول القبض لا مجال للاستصحاب، مضافا الي أنه معارض بقاعدة ان التلف علي المالك.

لا يقال: قد خصصت هذه القاعدة بالتلف قبل القبض، فاستصحاب حكم المخصص محكم.

فانه يقال: في هذه الصورة المرجع العموم.

(السابعة) انه علي تقدير سريان الحكم بالنسبة الي البائع فلو وقع التعارض بين القاعدتين- أي قاعدة التلف قبل القبض و التلف في زمن الخيار- فما الحيلة؟ ربما يقال كما ادعاه الشيخ بأن قاعدة التلف في زمان الخيار لا يشمل قبل القبض. و هذه الدعوي لا دليل عليها لإطلاق النص فلاحظ.

و الحق انه علي القول بسريان الحكم و وقوع التعارض لا ترجيح لأحد الطرفين، بل مقتضي التعارض التساقط و الرجوع الي القاعدة الاولية، و مقتضاها أن ضمان كل ملك علي مالكه، و لا يصغي الي ما أفاده السيد في الحاشية من ترجيح قاعدة التلف قبل القبض، فان ما أفاده في مقام الاستدلال لا يرجع الي محصل.

(الثامنة) هل يختص هذا الحكم بالمبيع الشخصي أم يعم الكلي أيضا؟

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 458

الظاهر هو الاول، فان الظاهر من الدليل الاختصاص، مضافا الي أن مقتضي الضمان علي من ليس له الخيار انفساخ العقد و دخول التالف في ملك مالكه الاول، و هذا يتصور في المبيع الشخصي، و أما في المبيع الكلي فلا يتوقف الضمان علي انفساخ العقد.

نعم يمكن أن يقال: ان المدعي في المقام ان معني الضمان انفساخ العقد و صيرورة

العين كما كانت، و أما في المبيع الكلي فلا يتحقق هذا المعني، اذ معناه جعل الكلي كغير المقبوض، و هذا لا يستفاد من الدليل.

و بعبارة ثالثة: ان الضمان بمعني الانفساخ فلا يتحقق في المقام، و بالمعني الاخر لا دليل عليه، لكن العمدة ظهور الدليل في العين الخارجية و عدم شموله للكلي، و لو لا هذه الجهة لا مانع من القول في الكلي كالشخصي، فان معني الضمان واحد في كلا المقامين و أثره في الكلي انفساخ العقد و رجوع العين الي ما كانت.

ثم ان هذا الضمان ضمان المعاوضة، أي ينفسخ العقد أو ضمان الغرامة.

أفاد الشيخ قدس سره بأن الضمان ضمان المعاوضة، و استدل عليه بأن ظاهر قاعدة ان التلف يحسب علي البائع ان التلف من ماله، و أيضا ان ظاهر كلام بعض و صريح جماعة أن الضمان الثابت قبل القبض ثابت الي ما بعد القبض فيما يكون الخيار للمشتري، ان ظاهر الدليل كذلك مع ضم قاعدة ان كل مالك ضامن لماله و قاعدة الخراج بالضمان، فانه لو فرض انفساخ العقد لم يلزم خلاف لمقتضي القاعدتين.

أما الوجه المستفاد من كلمات الاصحاب فلا يترتب عليه أثر، لان غايته الاجماع و حاله معلوم. و أما الوجه الثاني فأيضا مخدوش، اذ الموضوع في المقام مال الغير، و لا يفهم من الضمان الا أن خسارته علي الغير. نعم لو كان

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 459

ملكا للضامن لكان تالفا في ملكه، و أما النص فذيل صحيح ابن سنان يدل علي المدعي بلا احتياج الي ضم القاعدة. نعم بالنسبة الي صدر الصحيحة و بقية الروايات نحتاج الي ضم القاعدة.

و أما قاعدة ان الخراج بالضمان، فيرد عليه: أولا ما تقدم من عدم اعتبار

سنده، و أيضا ليس معناه ما أفاده لترتب المحذور بالنسبة الي الغاصب، مضافا الي أنه لا نحتاج الي ضمها. و أيضا يرد عليه: انه يلزم رفع اليد عنها علي كل تقدير، اذ مقتضاها عدم الانفساخ، الا أن يقال بأن التلازم باق ما دام بقاء الملك و المفروض زوال الملك قبل التلف. و الحاصل لا نحتاج الي ضمها.

و أورد سيدنا الاستاذ علي الشيخ بأن الانفساخ أيضا مخالف للقاعدة، فان مقتضي وجوب الوفاء بالعقد بقاؤه و عدم انفساخه.

ان قلت: ان المذكور في صدر الصحيح لم يذكر الا قوله «علي البائع»، و هذا يجتمع مع ضمان الغرامة.

قلت: ان غايته الظهور لو لم يكن مجملا و يرفع اليد عنه بالنص الوارد في الذيل. ثم ان حكم تلف الجزء حكم تلف الكل، لما ورد في الصحيح «1» من قوله «أو يحدث فيه حدث» و يؤيده مرسل ابن رباط «2».

و أما لو تلف الوصف فلا شبهة في أنه لا يوجب انفساخ العقد لا بالنسبة الي الكل و لا بالنسبة الي الجزء، لعدم وقوع الثمن في مقابل الوصف، لكن اطلاق قوله في ذيل الصحيحة «أو حدث فيه حدث» يشمل فوات الوصف، لكن هل يثبت خيار الرد و الارش او يثبت خصوص الارش، يقع التكلم فيه فيما بعد إن شاء اللّه.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 460

و يشكل الامر في المقام بأن جريان الحكم في تلف الوصف، مع ان الضمان بمعني انفساخ العقد الالتزام بانفساخه بهذا المقدار، و تعيين كون الارش من عين الثمن. و الاول لا يقول به أحد علي ما في

بعض الكلمات، و الثاني و ان كان ظاهر بعض الكلمات لكن المصنف اذا لم يكن قائلا به لا يتم الامر.

ان قلت: الضمان في تلف الوصف يغاير مع التلف في الجزء.

قلت: هذا يستلزم استعمال اللفظ في اكثر من معني واحد، و لا نقول به لأنه خلاف الظاهر.

و في بعض الكلمات انه يمكن الالتزام بالانفساخ في أنه قبل التلف.

و يرد عليه: أولا ان الانفساخ في محل الكلام هو الانفساخ من الحين و لذا لا يكون المشتري ضامنا للمنافع، و ثانيا لا معني للانفساخ اذ لا يكون في مقابل وصف الصحة شي ء من الثمن.

ثم ان هذا كله فيما يكون بالتلف السماوي، و منه حكم الشارع بالتلف كما لو صار العبد المشتري اعمي، و أما لو كان باتلاف ذي الخيار فأفاد الشيخ قدس سره بأنه يسقط خياره.

لكن يرد عليه: أنه لا وجه لسقوط الخيار كما مر منا، فان اسقاط الخيار أمر قصدي، فلا يتحقق مع عدم القصد، خصوصا مع الجهل بالخيار. لكن مع ذلك لا يترتب عليه الحكم المذكور، لان الحكم في لسان الدليل يترتب علي الهلاكة، و هذا العنوان منصرف عن الاتلاف العمدي. و لو كان باتلاف غير ذي الخيار فالامر أيضا كذلك، فان الدليل منصرف، مضافا الي أن هذا الحكم ارفاق بالنسبة الي المشتري و ربما يكون اتلاف البائع مصلحة له. و قس

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 461

عليه اتلاف الاجنبي في عدم ترتب الحكم المذكور الا فيما يكون اتلاف الاجنبي مصداقا للهلاكة و التلف.

ثم انه لو كان باتلاف البائع لا يسقط الخيار كما قلنا، فيجوز الامضاء و الرجوع بقيمة العبد و يجوز الفسخ و الرجوع بالثمن ان كان قبضه من البائع، و ان كان تلف المبيع

باتلاف الاجنبي فلذي الخيار الامضاء و الفسخ، فعلي الاول يرجع بقيمة العبد المبيع الي الاجنبي، و أما علي الثاني- أي لو فسخ المشتري- فلا اشكال في أن البائع يرجع بقيمة العبد. انما الكلام في أنه هل يرجع الي المتلف أو يرجع الي البائع أو يكون مخيرا؟ وجوه في المقام، أما الرجوع الي المتلف فلوجهين:

أحدهما- ان البدل قائم مقام العين في جميع الجهات، و منها كونه ملكا لناقله بعد الفسخ لو كان موجودا بعده، و هذا البدل في ذمة الاجنبي المتلف للعين فيرجع اليه.

ثانيهما- ان التلف موجب لاعتبار كون العين ملكا لناقلها عند التلف بناء علي اعتبار قيمة يوم التلف أو عند الفسخ بناء علي اعتبار يوم الفسخ، و علي كلا التقديرين تكون العين في ضمان المتلف فيرجع البائع اليه. و الفرق بين الوجهين أن ما يكون ثابتا في ذمة المتلف هو البدل من أول الامر، و علي الثاني يكون الثابت نفس التالف و الانتقال الي البدل حين الدفع.

و أما الرجوع الي المشتري فلانه اذا دخل الثمن في ملكه بالفسخ و الحال أن المثمن تلف في ملكه خرج عن ملكه بدل الثمن و يدخل في ملك البائع و صار في ذمته لا ذمة المتلف. و الوجه فيه: ان الضمان بالنسبة الي التالف محله الذمة لا العين الخارجية، فيتردد الامر بين أن يكون محل التالف ذمة المتلف

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 462

قوله: مسألة و من أحكام الخيار ما ذكره في التذكرة (1).

أو ذمة المشتري، لا سبيل الي الاول، اذ ذمة المتلف تشخصت بالاشتغال للمشتري و لا يمكن مملوكية شي ء واحد لمالكين.

ان قلت: انما يلزم هذا الاشكال لو اجتمعا في زمان واحد و في المقام ليس كذلك،

فانما يتشخص أولا ملكا للمنقول اليه و بعد الفسخ يصير ملكا للناقل فلا محذور، فان التشخص الاول يزول بالتشخص الثاني.

قلت: الامر كما ذكرت، لكن انما يكون الامر كذلك لو كانت بدلا عن العين في جميع الجهات حتي في صيرورته ملكا للناقل عند الفسخ كما لو كانت العين موجودة، لكن الامر ليس كذلك بل انما يكون بدلا بمقدار صيرورته ملكا للمالك. و أما الفسخ و ان كان موجبا لكون العين ملكا للناقل لكن بوصف كون بدلها في ذمة المتلف للمنقول اليه، و لا يمكن اشتغال الذمة بالنسبة الي شي ء واحد لشخصين.

و أما الثالث: فلان يد الفاسخ يد ضمان قبل الفسخ بالعوض المسمي و بالقيمة بعد الفسخ، و اتلاف الاجنبي أيضا سبب للضمان فتكون النتيجة التخيير.

و يظهر من المصنف أن أقوي الوجوه في نظره هو الوجه الثاني، كما أن الاضعف هو الوجه الثالث علي ما صرح به. و لا يبعد أن يكون أقوي الوجوه هو الوجه الثالث، فان يد المشتري يد ضمان و الا يلزم عدم الضمان لو كان التلف بآفة سماوية، و هذا باطل بالضرورة، فللبائع أن يرجع اليه، كما أنه لا شبهة أن المتلف ضامن بالاتلاف، فالمقام يكون نظير تعاقب الايدي أو اجتماع اليد و الاتلاف، فان كل واحد من الامرين سبب و موجب للضمان، فأصبح أضعف الوجوه أقواها.

[مسألة و من أحكام الخيار ما ذكره في التذكرة]

أقول: انه قال: لا يجب علي البائع تسليم المبيع و لا علي المشتري

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 463

تسليم الثمن في زمان الخيار، و لو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره و لا يجبر الاخر علي تسليم ما عنده و له استرداد المدفوع قضية للخيار. و قال بعض الشافعية:

ليس له استرداده و له أخذ ما عند

صاحبه بدون رضاه كما لو كان التسليم بعد لزوم البيع- انتهي.

و يظهر منه أن الخلاف بين المسلمين انما هو بعد اختيار أحدهما التسليم و أما التسليم ابتداء فلا يجب من ذي الخيار اجماعا. و كيف كان فقد أورد الشيخ أن ما ذهب اليه الشافعية من جواز الاسترداد و أخذ ما عند صاحبه جمع بين المتنافيين، اذ كيف يجمع بين عدم وجوب التسليم و بين جواز الاخذ بلا رضاه، فان الامساك و عدم الدفع ان كان عن حق فلا يجوز الاخذ و ان لم يكن عن حق فلا يجوز الامساك.

و استشكل عليه المصنف: بأنه ان أريد عدم وجوب التسليم علي ذي الخيار من جهة أن له الفسخ فلا يتعين عليه التسليم، فمرجعه الي وجوب احد الامرين اما الفسخ و اما التسليم، و الظاهر أنه غير مراد، و ان أريد عدم تسلط المالك علي ما انتقل اليه اذا كان للناقل خيار. ففيه نظر من جهة عدم الدليل المخصص لعموم سلطنة الناس علي أموالهم.

و أورد عليه المحقق النائيني: ان العقد حيث كان بجميع مداليله المطابقية و الالتزامية تحت يد ذي الخيار لا يجب عليه التسليم كما لا يجب عليه الوفاء بأصل العقد، فلا يقال هذا مخالف لقاعدة السلطنة، لان من لا خيار له لو انتقل اليه المال علي نحو كان لمالكه الاصلي التسلط علي عدم التسليم لم يثبت له السلطنة المطلقة.

و فيه: أولا ان ما أفاده لو سلم لتم في الخيارات الجعلية و أما الخيارات الشرعية

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 464

قوله: مسألة قال في القواعد لا يبطل الخيار بتلف العين (1).

فلا، و ثانيا انه ليس هذا المدعي صحيحا، فان لزوم الدفع من أحكام كون العين ملكا للغير

و لا يكون الخيار مقتضيا لجواز الامساك، فالحق ما أفاده المصنف من عدم الدليل علي هذا الحكم، فانه لو كان موضوع الخيار هو العين لكان لهذا التوهم مجال لكون العين متعلقة للحق علي هذا الفرض، و أما لو لم يكن الموضوع هو العقد كما هو الصحيح فلا مجال لهذا التوهم، فالحق وجوب الدفع.

[مسألة قال في القواعد لا يبطل الخيار بتلف العين]
اشارة

و لا يخفي أنه كما يقول الشيخ أن هذا الحكم انما يتصور فيما يكون العقد باقيا بعد التلف، و أما فيما ينفسخ العقد بتلف العين- كما في التلف قبل القبض أو التلف في زمن الخيار- فلا موضوع لهذا البحث. اذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان تنقيح المقام يقتضي أن يقع البحث في ضمن أمور:

(الاول) ان الظاهر أن الشارع لم يأت باصطلاح جديد للخيار في قبال المعني العرفي، بل المراد منه هو المعني الذي عند العرف و العقلاء، أعني حل العقد.

و أيضا يستفاد هذا المعني من بعض الروايات، و هو قوله «اذا افترقا وجب البيع» «1»، فالوجوب في الرواية اسند الي البيع، فيفهم أن الخيار معناه حل العقد و فسخ البيع ما دام المجلس باقيا، بانقضاء المجلس و حصول الافتراق يلزم البيع و العقد. فعليه لو ورد هذا اللفظ في دليل يتمسك باطلاقه لبقاء الخيار فيما شك في بقائه بعد تلف العين، و ما يظهر من الشيخ من التردد فيه من حيث احتمال أن موضوع الخيار العين لا مجال له، فانه ليس للشارع فيه اصطلاح خاص.

(الثاني) أنه لو كان الوارد في لسان الدليل «يرد العين» أو «يجوز الرد»

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 6.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 465

قوله: لو فسخ ذو الخيار فالعين في يده مضمونة (1).

كما

في الخيارات الاخري فلا مجال للخيار بعد تلف العين لانتفاء موضوعه.

لا يقال: انه يحتمل أن يكون المراد منه الرد الملكي لا الخارجي.

فانه يقال: ان هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية فلا يعتني به.

(الثالث) اذا شك في موضوع الخيار انه العقد أو العين فهل يجري الاستصحاب أم لا؟ ربما يقال: لا وجه للتمسك باستصحاب بقاء الموضوع لكونه الشك في المقتضي، الا أنك قد عرفت في الاصول أن هذا الاشكال لا مساس له بما نحن فيه، و لكنه مع ذلك لا مجال لجريان الاستصحاب، لأنه قد بينا في محله أنه لا يجري في الاحكام الكلية.

هذا أولا، و ثانيا انه يشترط في جريان الاستصحاب احراز موضوعه و هو منتف هنا، و ثالثا انه لا مجال للاستصحاب هنا لوجوب الدليل اللفظي و هو «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فلا بد من التمسك به لا بالاصل.

(الرابع) ان الخيار اما شرعي و اما جعلي، و القسم الاول منه بينا حكمه فلا نعيد، و أما القسم الثاني فانه اما مجعول بالصراحة أو بالارتكاز كخيار العيب، و علي الاول لا مجال لجريان الاستصحاب بعد التلف لو شك فيه للتعارض، و علي الثاني فاما كان ملاك الارتكاز موجودا و لو بعد التلف كما في خيار الغبن فالخيار موجود، و اما اذا لم يكن كذلك كخيار العيب فلا وجه للخيار.

[لو فسخ ذو الخيار فالعين في يده مضمونة]

أقول: ان ما ذكره لا خلاف فيه و هو الحق في المسألة، و لكنه استشكل علي ما ذكره في مقام الاستدلال بالاصل بأن مع وجود الامارة- و هو عموم علي اليد- لا يصل المجال الي الاصل، و علي تقدير عدمها فان الاستصحاب المستدل عليه في المقام اما شخصي و اما كلي، و الاول منتف قطعا لان الضمان

دراساتنا من الفقه

الجعفري، ج 4، ص: 466

المعاوضي انتفي بالفسخ و الثاني من قبيل الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، اذ الضمان المعاوضي الموجود قبل الفسخ ارتفع بالفسخ، و احتمال بقائه في ضمن فرد آخر من الضمان مشكوك، و قد بينا في الاصول عدم حجيته.

أفاد المحقق الايرواني: ان الثابت في العهدة في باب الضمانات نفس العين، و انما يدفع العوض مثلا أو قيمة بدلا عما في الذمة، فيستصحب ضمانه قبل الفسخ.

و فيه: ان الاستصحاب في المقام ليس شخصيا بل من الاستصحاب الكلي كما بيناه، فان الضمان قبل الفسخ كان ضمانا معاوضيا و بعده سبب الضمان مشكوك و الاصل عدمه. و لو تنزلنا و قلنا باستصحاب الضمان الا أنه يعارضه استصحاب عدم الضمان الا علي مذهب من يقدم الاستصحاب التعليقي علي التنجيزي.

اللهم الا أن يقال: ان الشك في الضمان و عدمه مسبب عن الشك في كون المثل أو القيمة في ذمة المتلف، و مع الاصل الجاري فيه لا تصل النوبة الي الاصل المسببي.

اذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أنه لو فسخ العقد لا بد أن يسلم ما بيده الي البائع و لو لم يسلم عصيانا ضمنه عند التلف لعموم علي اليد.

لا يقال: ان دليل اليد يشمل ما اذا كان العيني تحت يده، و أما اذا خرج عنه فلا يشمله.

فانه يقال: ليس المراد من اليد اليد الخارجي بل المراد منه السلطة، و لا مجال للإشكال بأن الرواية ضعيفة السند لان العمدة في باب الضمانات أنها من الاحكام العقلائية التي أمضاها الشارع. نعم لا يضمنها في الزمن الذي لا بد منه في أدائها الي صاحبها، فان في هذه المدة أمانة شرعية. و ملخص الكلام: ان باب الضمانات يؤخذ من العقلاء، ففي كل

مورد يكون من الشارع تصرف يؤخذ به و لا يحكم بما حكم به العقلاء.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 467

قوله: القول في النقد و النسيئة (1).

قوله: مسألة اطلاق العقد يقتضي النقد (2).

لا يقال: انه لو كان مجرد كون الشي ء في حيطة أحد موجبا لضمانه فلا بد من الالتزام به فيما اذا وقع ذلك في حيطته بأمر غير اختياري، كما اذا ألقي الريح ثوب الغير في داره أو وقع فيها بفعل الاجنبي.

فانه يقال: ان عدم الضمان في هذه الموارد من المسلمات، فان الشارع أمر بأدائها الي صاحبها من غير ضمان.

[القول في النقد و النسيئة]

[مسألة اطلاق العقد يقتضي النقد]

أقول: أفاد المصنف أنه ينقسم البيع باعتبار التأخير و التقديم في أحد العوضين الي أربعة أقسام: بيع الحاضر بالحاضر و هو النقد، و بيع المؤجل بالمؤجل و هو بيع الكالي بالكالي، و بيع الحاضر بالثمن المؤجل و هو النسيئة، و بيع المؤجل بالحاضر و هو السلم. و المراد بالحاضر أعم من الكلي و بالمؤجل خصوص الكلي.

و أورد عليه المحقق الايرواني: بأنه لا وجه لتخصيص المؤجل بخصوص الكلي، فان معني التأجيل اشتراط الاجل و تأخير التسليم الي مدة معينة، و هذا كما يتصور في الكلي يتصور في العين الشخصية، فيشترط أن تكون العين الي مدة كذا في يد المشتري أمانة أو عارية فلا يكون له حق المطالبة ما لم تنقض المدة.

أقول: ان ما اورده متين جدا، الا أن يقال: ان اشتراط حق التأخير خلاف للشرع، لكن فيما يكون المبيع أو الثمن كليا يجوز هذا الاشتراط قطعا لما علم من الدين، و أما لو كان في الشخص الخارجي فلم يثبت الجواز.

أقول: و علله في التذكرة بأن قضية العقد انتقال كل من العوضين الي الاخر، فيجب الخروج عن العهدة

متي طولب صاحبها، فلا يجوز للمشتري تأخير الثمن. ثم قال الشيخ قدس سره: فلو اشترطا تعجيل الثمن كان تأكيدا لمقتضي الاطلاق علي المشهور بناء علي ما هو الظاهر عرفا من هذا الشرط من ارادة عدم المماطلة و التأخير عن زمان المطالبة، لا أن يعجل بدفعه من دون مطالبة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 468

و استشكل عليه سيدنا الاستاذ دام ظله: بأنه يظهر من كلام الشيخ أمران:

الاول- انه لا يجب الدفع بمقتضي اطلاق العقد الا عند المطالبة، و هذا من الغرائب، فان نفس العقد يقتضي التعجيل، لأنه بالعقد ينتقل كل من العوضين الي الاخر، و المفروض عدم التأجيل فيجب الدفع فورا طالب أم لم يطالب.

الثاني- قال ان شرط التأجيل مؤكد لإطلاق العقد، و هذا أغرب من سابقه، لأنه علي فرض تسليم ما أفاده عند الاطلاق لا نسلمه عند الاشتراط، فان معني الاشتراط الدفع فورا طالب أم لا. فظهر من ذلك ما في كلام صاحب الجواهر حيث قال: ان الشرط مؤسس لا مؤكد، و أنت علمت أنه مؤكد بالمعني الذي ذكرناه لا بالنحو الذي أفاده الشيخ.

أقول: ان الظاهر موافق لما ذهب اليه الشيخ، فان العقد يقتضي التعجيل.

لكن كون الثمن نقدا لا يقتضي وجوب الدفع فورا بل يقتضي عدم حق التأخير للمشتري عند المطالبة. و يظهر هذا المعني الذي ذكرناه مما رواه عمار بن موسي عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رجل اشتري من رجل جارية بثمن مسمي ثم افترقا. فقال: وجب البيع و الثمن اذا لم يكونا اشترطا فهو نقد … «1».

ان قلت: المفروض انه مال الغير و لا يحل التصرف في مال الغير بلا رضاه سواء طالبه أم لا.

و لكنه يرد عليه: بأن المقصود من

المطالبة و عدمها الرضا بالتأخير و عدمه، و لو رضي بالتأخير فلا يشمله أدلة حرمة التصرف في مال الغير. نعم لو شك في مقام الاثبات في رضائيته بالتأخير و عدمها يحكم بوجوب دفعه لعدم جواز التصرف في مال الغير. فظهر مما ذكرناه عدم تمامية ما أفاده الجواهر كما أنه ظهر

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 6 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 469

عدم تمامية كلام الاستاذ.

ثم انه ذكر الشهيد في الدروس: ان فائدة الشرط ثبوت الخيار اذا عين زمان النقد فأخل المشتري به، و قوي الشهيد الثاني ثبوت الخيار مع الاطلاق أيضا يعني عدم تعيين الزمان اذا أخل به في أول وقته، و قال الشيخ: و هو حسن.

و أورد عليه السيد في حاشيته: بأنه لا حسن فيه، اذ مع فرض كون زمان التعجيل المشترط ممتدا بحيث يتصور له أول و آخر فالتأخير من أول وقته لا يكون من تخلف الشرط حتي يستلزم الخيار، و ما ذكره من أن تعجيل المطلق معناه الدفع- الخ، ففيه مع كونه ممنوعا انه لا يتصور حينئذ أول و آخر حتي يكون التأخير عن أوله موجبا للخيار.

و فيه: انه يترتب الخيار علي التأخير كما قال الشهيد فيما اذا تعينت المدة، و أما اذا لم تتعين المدة يجب عليه التسليم في أول أزمنة الامكان، و هذا معني التعجيل المطلق، و لا نسلم عدم تصور المعني للتخلف، فان معناه التأخير عن أول أزمنة الامكان، و هذا أمر ظاهر.

قال الشيخ: و لا حاجة الي تقييد الخيار هنا بصورة عدم امكان الاجبار علي التعجيل، لان المقصود هنا ثبوت الخيار بعد فوات التعجيل أمكن اجباره أم لم يمكن وجب أو لم يجب،

فان مسألة ان ثمرة الشرط ثبوت الخيار مطلقا أو بعد تعذر اجباره علي الوفاء مسألة أخري، مضافا الي عدم جريانها في مثل هذا الشرط، اذ قبل زمان انقضاء زمان نقد الثمن لا يجوز الاجبار و بعده لا ينفع لأنه غير الزمان المشروط فيه الاداء.

و ما أفاده غريب، فان كل شرط يكون كذلك، و من هذا القبيل اشتراط الخياطة فان قبل زمانه لا يجوز الاجبار و بعده لا ينفع، مع انه يجوز الاجبار قبل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 470

قوله: مسألة يجوز اشتراط تأجيل الثمن مدة معينة غير محتملة مفهوما و لا مصداقا (1).

زمانه باتيان مقدماته لو كان له مقدمات، فاذا ضيق الوقت يجبره علي العمل علي نحو الواجب الموسع اذا ضيقت وقته.

[مسألة يجوز اشتراط تأجيل الثمن مدة معينة غير محتملة مفهوما و لا مصداقا]

أقول: ملخص الكلام في المقام لو لم يعين مدة تأجيل الثمن بحيث احتمل الزيادة و النقصان الغير المسامح فيهما- كأن يقول «الي مجي ء الحاج» و يكون قدوم الحاج غير معلوم مصداقا- يبطل البيع.

أفاد السيد اليزدي: ان المدار فيه علي ما يعد تعيينا عرفا، فيجوز الاكتفاء بذكر الشهر الهلالي، و ان لم يعلم أنه تام أو ناقص، مع أنه لو قال الي تسعة و عشرين أو ثلاثين يكون باطلا.

و كيف كان ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه البطلان أمور:

(الاول) الاجماع. و فيه ما عرفت من الفساد و لا وجه للإعادة.

(الثاني) لزوم الغرر. و فيه أولا ان الغرر كما عرفت في محله بمعني الحظر و الجهل لا يلزم منه الحظر دائما بل قد يلزم و قد لا يلزم فالدليل اخص من المدعي، و ثانيا ان الرواية الدالة علي بطلان الغرر ضعيفة.

(الثالث) انه يشترط ذكر الاجل المضبوط في السلم دون ما يحتمل الزيادة و

النقصان، كما يستفاد ذلك من عدة روايات «1»، و كذلك في المقام لاتحاد الملاك في البابين.

و فيه: انه قياس مع الفارق، و لا طريق لنا الي كشف الملاك القطعي و الظني منه لا يغني من الحق شيئا، و لكنه مع ذلك كله فانه من المسلمات التي لا يمكن التخطي عنه، فان سيدنا الاستاذ دام ظله لم يستشكل في المقام مع أن الاشكالات التي أوردناها واردة علي مباني الاستاذ أيضا.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 3 من أبواب السلف.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 471

و التحقيق أن يقال: ان الشرط في مسألة التأجيل قد يكون تأخير أداء الثمن و أخري تأخير مطالبته، و القسم الثاني ليس داخلا في باب النسيئة، و القسم الاول منه باطل علي مقتضي القاعدة حيث انه خلاف الكتاب و السنة، الا أنه علم من الشرع الجواز اذا كانت الي مدة معينة و بقي الباقي في كونه مخالفا لهما.

ان قلت: لو كان الشرط المذكور خلاف الكتاب و السنة فلا بد أن يكون باطلا حتي فيما اذا كانت المدة معينة.

قلت: ان الامر و ان كان كذلك الا أن الشرع أجاز في تلك المدة و نحن تابعون له.

ثم انه هل يجوز الافراط في التأخير أم لا؟ أفاد المصنف اذا وصل الي حد يكون البيع منه سفها و الشراء أكلا للمال بالباطل بطل البيع.

و فيه: أولا انه لا دليل علي بطلا البيع السفهي، و ثانيا ان الباء في كلمة «بِالْبٰاطِلِ» ليس للمقابلة بل هي سببية، فالسبب هنا ليس باطلا كما هو واضح.

ثم انه نقل عن الاسكافي المنع من التأخير الي ثلاث سنين استشهادا بما رواه احمد بن محمد قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: اني أريد الخروج

الي بعض الجبال. فقال: ما للناس بد من أن يضطربوا، سنتهم هذه. فقلت له جعلت فداك انا اذا بعناهم بنسيئة كان اكثر للربح. قال: فبعهم بتأخير سنة.

قلت: بتأخير سنتين. قال: نعم. قلت: بتأخير ثلاث. قال: لا «1».

و أيضا ما رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الاسناد عن ابي الحسن الرضا عليه السلام فقلت: انهم قوم ملاء و نحن نحتمل التأخير فنبايعهم بتأخير سنة. قال:

بعهم. قلت: سنتين. قال: بعهم. قلت: ثلاث سنين. قال: لا يكون لك شي ء اكثر من ثلاث سنين «2».

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 6 من ابواب أحكام العقود، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 6 من ابواب أحكام العقود، الحديث 3.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 472

لكن الرواية الاولي ضعيفة بسهل بن زياد، و الرواية الثانية أجنبية عن المدعي.

أفاد المصنف قدس سره: ان ظاهر الخبرين الارشاد و وافقه سيدنا الاستاذ دام ظله بأنه كان في مقام المشاورة مع الامام عليه السلام.

و فيه: ان الحمل علي المشاورة و الارشاد خلاف الظاهر، الا أن الرواية المنقولة عن قرب الاسناد لا يوافق الاسكافي فانه منع التأخير الي ثلاث سنين و الرواية تنفي اكثر من ثلاث سنين.

اذا عرفت ذلك فاعلم انا اذا عملنا بظاهر رواية الحميري فلا يجوز الافراط في التأخير بلا كلام فيه، فلا تصل النوبة الي هذا البحث، و أما اذا لم نعمل به أو حملناه علي الارشاد فتصل النوبة الي البحث بأنه هل يضر الافراط أم لا؟

ربما يقال بعدم جواز الافراط في التأجيل لعدم ترتب غرض صحيح عليه، و حلول الاجل شرعا بموت المشتري، فكان اشتراط ما زاد علي ما يحتمل بقاء المشتري لغوا بل مخالفا للمشروع، و ان أراد ما قبل الموت

فالاشتراط الي ما يحتمل بقاء المشتري غرر لكونه مجهولا.

و يرد عليه أولا: يمكن أن يفرض عدم الغرر في بعض الصور، و ثانيا ان الغرر لا يكون مبطلا، و ثالثا ان المفروض أن المدة معلومة عندهم غاية الامر ان الشارع حكم بالحلول.

ثم ان المعتبر في تعيين المدة تعيينها الواقعي أو لا بد من معرفة المتعاقدين بها حين العقد. و ربما يقال بكفاية الاول كأوزان البلدان مع عدم معرفة المصداق، حيث أنه له شراء وزنه مثلا بعيار بلد مخصوص و ان لم يعرف مقدارها.

و لكن الظاهر عدم كفايته للزوم كفاية كل مجهول لكونه معلوما في الواقع، و الغرض من التعيين رفع الجهالة و الغرر، و التعيين الواقعي لا يرفعهما، و أما

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 473

قوله: مسألة لو باع بثمن حالا و بأزيد منه مؤجلا (1).

المقيس عليه فهو أيضا أول الكلام.

[مسألة لو باع بثمن حالا و بأزيد منه مؤجلا]
اشارة

أقول: بأن يجعل الاقل ثمنا علي تقدير كونه حالا و الازيد ثمنا علي تقدير كونه مؤجلا- كأن يقول ان كان الثمن نقدا فبعتك بدينار و ان كان مؤجلا فبعتك بخمسة دنانير- فالمسألة محل كلام بين الاعلام، و لا يهمنا التعرض لأقوال العلماء فنقول: مقتضي التحقيق أن يقع البحث في مقامين: الاول مقتضي القاعدة، الثاني مقتضي النصوص.

أما الاول- فنقول: تارة يفسر المؤجل ببيع العين بالثمن المؤدي بعد شهر مثلا و النقد ببيع العين بالثمن المؤدي في الحال.

و فيه: ان هذا خلاف ما يفهم من كلمات القوم، فان الظاهر من كلماتهم أن الثمن في المؤجل حالي لكن يكون للمشتري حق التأخير في الاداء، مضافا الي أن الاثمان لا تقيد بالازمان، و علي أي حال اما يجعل الترديد في الثمن، و هو غير معقول لان المردد لا واقع

له، و اما ان يكون الترديد في الايجاب فقط و يقبل المشتري في مقابل الثمن الذي اختاره، و هذا باطل من ناحية الجهل، و اما يكون من باب التعليق كأن يقول «ان كان الثمن نقدا فبعتك بكذا و ان كان مؤجلا فبكذا»، و هذا باطل من جهة التعليق، و اما أن يكون الثمن هو الاقل و يكون الزيادة من باب الشرط بأن يشترط علي المشتري بأنه لو أخر الاداء يدفع الزائد، و هذا أيضا مشكل من جهة لزوم الربا، لكن لو قلنا بصحة البيع و عدم كون الشرط الفاسد مفسدا يلتزم بالصحة و فساد الشرط فليس للمشتري حق التأخير لأنه وقع في مقابل أمر فاسد، فقال الشهيد في الدروس: ان الاقرب الصحة و يلزم من طرف البائع الاقل و يكون التأخير جائزا من طرف المشتري، و ما أفاده مشكل لأنه يجب اداء مال الغير عند المطالبة و لا موجب للتأخير.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 474

و أفاد المصنف قدس سره: ان فساد الشرط لا يقتضي فساد الاسقاط، فان الزيادة في مقابل اسقاط البائع حقه من المطالبة، و قاس المقام بما لو صولح حق القصاص بعبد يعلم أنه عبد للغير أوانه حر، بل قال في التحرير الرجوع الي الدية.

و يرد عليه: انا لا نتصور معني صحيحا لإسقاط حق المطالبة، فان لكل مالك أن يطالب ملكه، و هذا غير قابل للإسقاط، مضافا الي أنه ان كان في مقابل السقوط فهو باطل لبطلان عوضه و ان كان في مقابل الاسقاط فلم يتحقق الاسقاط، و المشتري لا يستحق الاسقاط، و مسألة المصالحة فهي أيضا مشكلة، فانه كيف يمكن أن يحصل اسقاط حق القصاص و الحال أنه قوبل بلا شي ء.

نعم لو كانت المقابلة بين غير الاسقاط و ذلك الشي ء و قلنا ان نفس المقابلة تقتضي الاسقاط نلتزم بالسقوط مع كون المعاملة فاسدة، لكن المقام ليس كذلك، نظير من له الخيار لو باع ما انتقل اليه بالبيع الفاسد. أما الثاني فوردت في المقام جملة من الروايات، و هي بين ضعيفة السند كالرواية الثانية التي وقع النوفلي في سندها و الرواية الخامسة التي وقع شعيب بن واقد في سندها، فلا يعبأ بهما، و بين معتبرة السند و هي الثلاثة الباقية، و هذه الثلاثة متعارضة، فان خبر محمد ابن قيس يدل علي صحة البيع مع هذا الترديد في الانشاء و يكون للبائع أقل الثمنين و لو مع التأخير الي أبعد الاجلين، و الرواية الثالثة و الرابعة تدلان علي أن النّبيّ «ص» نهي عن شرطين في بيع و بيعين في بيع، فلو قلنا بأن معني الروايتين مجمل لا يعلم المراد منهما، فلا مجال للتوقف في العمل بخبر محمد بن قيس و لو قلنا بأن المعني ظاهر فربما يقال كما في كلام الشيخ جريان النهي تكليفي لا يدل علي الفساد. لكن هذا التوهم فاسد، اذ الظاهر من النهي في أمثال المقام

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 475

قوله: لا يجب علي المشتري دفع الثمن المؤجل قبل حلول الاجل و ان طولب اجماعا (1).

الارشاد الي الفساد، فلو قلنا بأنه يرفع اليد عن الظهور فيهما بالنص الوارد في رواية محمد بن قيس يتم الامر.

لكن هذا الحمل غير صحيح، اذ حمل النهي الوضعي علي الكراهة لا معني له، فان الكراهة في التكليف فيقع التعارض بين الرواية الاولي و هاتين الروايتين، و حيث ان الرواية الاولي موافقة لعموم الكتاب كقوله «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و

«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» نأخذ بتلك الرواية و نرفع اليد عن الروايتين و نخصص القواعد الاولية و نقيدها بهذه الرواية كما هي القاعدة المعمولة.

ثم انه لا بد من الاقتصار علي مورد الرواية، و لا وجه لتسرية الجواز الي غير موردها، فلو باع بثمن أقل بأجل أقل و بثمن اكثر بأجل أكثر يكون البيع باطلا عملا بالقواعد الاولية و عدم مخصص.

و نقل عن العلامة في المختلف أنه مثل أن يقول المستأجر للخياط «ان خطته فارسيا فبدرهم و ان خطته روميا فبدرهمين»، و أجاب بأنه علي فرض تسليم الصحة يرجع الي الجعالة و لا يكون من الاجارة، فالفارق موجود.

[لا يجب علي المشتري دفع الثمن المؤجل قبل حلول الأجل و إن طولب إجماعا]

أقول: انه فائدة التأجيل و الا يلزم الخلف، فلو تبرع المشتري بالدفع هل يجب علي البائع القبول، ادعي عدم الخلاف. و عن الرياض دعوي الاجماع علي عدم وجوب القبول، و عن جامع المقاصد نسبة الخلاف الي بعض العامة، و عن العلامة في التذكرة بأنه علل الحكم بأن التبرع بالتعجيل كالزيادة فلا يكلف البائع بتقليد المنة، و أفاد الشيخ بأنه فيه تأمل. و يمكن أن يكون وجه التأمل أن الزيادة ليست ملكا للبائع فيحتاج الي قبول البائع و لا مقتضي لوجوب القبول، و أما في المقام فالثمن ملك للبائع فالقياس مع الفارق.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 476

و يمكن أن يكون الوجه فيه: ان التأجيل كما أنه حق للمشتري كذلك يكون حقا للبائع، فان المشتري التزم بحفظ المال للبائع في ذمته كالودعي. فان ذلك حق عرفا للبائع. و ما أفاده متين، فانه أمر قابل ثبوتا، غاية الامر لا بد من أن يفهم في مقام الاثبات أنه جعل هذا الحق للطرفين و الا فلا مقتضي لعدم القبول و لذا أفاد سيدنا الاستاذ

في منهاجه بأنه يجب القبول الا فيما علم بأنه شرط للطرفين و هنا هو عمدة الوجه و الا يشكل الاستدلال بالوجهين الاخرين المتقدمين. أما ما أفاده العلامة فلما ذكرناه في وجه التأمل، و أما الاجماع فلاحتمال استناد المجمعين الي ما ذكر من الوجه.

و ربما يقال: بأن الدين ما يكون مؤجلا، و المؤجل لا ينطبق علي ما دفع حالا.

و فيه: ان كل دين حال و التأجيل عبارة عن حق التأخير، مضافا الي أن الجوهر كما قلنا لا يتقيد بالزمان.

ثم أنه لو أسقط المشتري حقه فهل يسقط أم لا؟ ربما يقال بأنه لا يسقط، و قيل في وجهه وجوه:

(منها) ما عن جامع المقاصد بأنه حق ثبت في عقد لازم فكيف يسقط.

و يرد عليه: أولا انه كيف يسقط بالتقايل، و ثانيا ان ما ثبت بالعقد حق للمشتري و ليس مقتضي الثبوت البقاء حتي مع الاسقاط، فان أثر الحق سقوطه عند الاسقاط.

نعم لو كان هذا حكما شرعيا لم يكن قابلا للإسقاط، و لكن الامر ليس كذلك.

(و منها) ما عن جامع المقاصد أيضا بأن الحق ثابت أيضا للبائع فكيف يسقط باسقاط المشتري.

و يرد عليه: ان ثبوت حق للبائع لا يقتضي عدم سقوط حق المشتري باسقاطه

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 477

فان حق المشتري يسقط و حق البائع يبقي، الا أن يقال بأن الحق واحد قائم بكليهما، و الظاهر ان هذا فاسد، و لذا يمكن التكليف بأن يكون الحق ثابتا للمشتري فقط كما تقدم. مضافا الي ان حق المشتري عبارة عن حق التأخير علي البائع و من طرف البائع يكون له حق التأخير علي المشتري فكيف يكون واحدا.

نعم كما أفاد في جامع المقاصد لو نذر التأجيل لا يسقط بالاسقاط و لا

بالتقايل اذ التقايل في العقود لا في النذور. و ان شئت قلت: ان الثابت في النذر حكم شرعي ثابت من قبل الشارع، و الحكم الشرعي لا يسقط بالاسقاط، و لذا يقال يجب عليه التأخير، و في مورد الحق يقال يجوز له التأخير.

(و منها) ما عن العلامة في التذكرة بأن الاجل صفة تابعة كالجودة بالنسبة الي الحنطة.

و يرد عليه: انه فرق بين التوصيف و الشرط، فان الاول غير قابل للإسقاط و أما الشرط فهو قابل له كما هو ظاهر، و لذا لو باع منا من الحنطة علي نحو الاطلاق و يشترط أن يدفعها من الجيد يجوز اسقاط الشرط. و ملخص الكلام:

انه تارة يكون القيد قيدا لنفس المبيع و أخري لا يكون كذلك، و المقام من الثاني.

(و منها) ما أفاده الشيخ من أن مرجع التأجيل الي اسقاط حق المطالبة و الساقط لا يعود، نظير اشتراط التبري من العيوب في البيع.

و يرد عليه: أولا ان حق المطالبة ليس حقا بل حكم شرعي غير قابل للإسقاط و ثانيا انه يلزم أن لا يسقط بالاقالة أيضا، و ثالثا ما أفاده فاسد من أصله فان اشتراط التأجيل احداث حق لا اسقاط للحق. و مما ذكرناه ظهر أنه لا وجه للاستناد الي

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 478

قوله: اذا كان الثمن بل كل دين حالا او حل وجب علي مالكه قبوله عند دفعه اليه (1).

أن الدين موصوف بالتأجيل و المؤجل لا ينطبق علي الحال، فانه قد مر بأنه لا معني له.

[إذا كان الثمن بل كل دين حالا أو حل وجب علي مالكه قبوله عند دفعه إليه]

أقول: انه ذكر في وجهه وجوه:

(الاول) ان امتناع المالك عن الاخذ ظلم علي الدائن، اذ لا حق له في ذمته فلا يجوز له اشتغال ذمته بلا حق.

ان قلت: كيف يكون ظلما

و الحال أنه يمكنه الدفع الي الحاكم.

قلت: انما يدفع الي الحاكم كي يرتفع هذا الظلم فكيف يمكن الدفع اليه رافعا للظلم. و ليعلم أولا انه انما يجري هذا الكلام لو قلنا بأنه يشترط في براءة الذمة التخلية بين المال و مالكه، و اما لو قلنا بأنه يحصل القبض بالتخلية أو قلنا بأنه و ان لم يحصل القبض بها لكن يكفي في الاداء الواجب التخلية لا تصل النوبة الي الابحاث الآتية. و الحق أنه يحصل بها، فان اختيار تعيين الكلي في الفرد بيد المديون، و بالتخلية يصدق انه أدي ما في الذمة كما يصدق الاداء بالتخلية في العين الخارجية، و أما لو قلنا بأنه لا يحصل الا بالقبض فيقع الكلام في الفروع التالية:

الاول: انه يجب القبول و يجب القبض أم لا؟ مقتضي أصالة البراءة عدم الوجوب، و كون عدم القبول ظلما لا نفهم معناه. نعم يمكن أن يكون عدم القبول ايذاء للدائن، و حرمة الايذاء بهذا المعني أول الكلام، فانه يتأذي من بقاء الدين في ذمته و لا يرتبط بالدائن. مضافا الي أنه يمكن أن يكون القبض أذية للمالك.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 479

و أما ما أفاده من انه اضرار، فيرد عليه بأنه كيف يكون ضررا عليه الامن باب أن عدم السلطنة علي النفس بنفسه ضرر، و هذا معارض بكون عدم السلطنة للمالك علي نفسه ضررا عليه، فيقع التعارض بين الضررين. مضافا الي أن دليل نفي الضرر ليس في شأنه اثبات شي ء، فان غايته أن ينفي وجوب الامساك و أما وجوب القبض بالنسبة الي المالك فبأي وجه نلتزم به، و قياس المقام بمقام أمر النّبيّ بقلع الشجرة مع الفارق، اذ دخول سمرة كان اضرارا بالانصاري

و مع الاضرار لا يكون له حق في الدخول لحديث نفي الضرر، و أما قلع الشجرة فمن باب الولاية. و اما في المقام فعدم جواز الامساك عن القبول أول الكلام، أضف الي ذلك أن حديث نفي الضرر لا يدل الا علي الحرمة التكليفية كما بيناه في البحث.

و اما الاستناد للوجوب بقوله تعالي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» بتقريب الوفاء بالعقد واجب و من شئون الوفاء قبول الدين. فيرد عليه: ان مفاد الاية ليس الا الوضع أي عدم الانفساخ بالفسخ، مضافا الي أن القبول من شئون الوفاء أول الكلام.

و ربما يتمسك بالإجماع في المقام لوجوب القبول. و يرد عليه: انه كيف يمكن تحقق اجماع تعبدي مع وجود ما يمكن أن يتمسك به من الوجوه المذكورة الا أن يقال بأن الامر متسالم عليه بينهم.

و الحق أن يقال: انه لا يبعد أن يكون الوجه في الوجوب الشرط الارتكازي فانه يفهم من العرف هذا المعني، فان من يتصدي للمعاملة يلتزم بلوازمه فيجري العقد علي هذا المنوال و علي تقدير الالتزام باللوازم.

ثم لو قلنا بأنه يجب عليه القبول فان قبل فهو و ان لم يقبل و صبر المديون فكذلك، و ان لم يرض بالبقاء فالذي يختلج بالبال أن الحاكم يجبره بالقبض

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 480

بل يجوز لكل مكلف اجباره حتي للمديون، اذ المفروض أن القبض واجب و الامر بالمعروف واجب علي كل مكلف و لا يختص بالحاكم.

و مع فرض امكان الاجبار علي القبض لا تصل النوبة الي قبض الحاكم، بتقريب ان السلطان ولي الممتنع، فان ولاية الحاكم لم تثبت عندنا، مضافا الي أنه مع فرض امكان الاجبار و حصول القبض لا يصدق الامتناع، و لو لم يكن الاجبار تصل النوبة الي

قبض الحاكم، و مع عدمه تصل النوبة الي عدول المؤمنين ثم الي فساقهم و الا يبقي في ذمة المديون كبقية ديونه.

و نسب الي جملة من الاعلام تعين العزل و كون الضمان علي الدائن مع امكان الدفع الي الحاكم، و يمكن أن يكون الوجه فيه أن البقاء في ذمته ضرر و مقتضي نفي الضرر تعينه بتعيين المديون.

و يرد عليه: انه مع امكان الاجبار يلزم الاجبار و مع عدم امكانه يكون قبض الحاكم بدلا عن قبضه، مضافا الي أن حديث لا ضرر لا يقتضي صحة شي ء، مثلا لو كان الصبر ضررا علي المرأة لا يقتضي نفي الضرر صحة الطلاق و جعل الامر بيد المرأة.

و مما ذكر علم ضعف القول الاخر، و هو تعين الدفع الي الحاكم، فانه ما دام ممكنا أن يحصل القبض من المالك لا تصل النوبة الي الحاكم. و أيضا علم بما ذكرنا أن ما أفاده المصنف من تعين الاجبار أولا ثم الدفع الي الحاكم ثم العزل غير سديد، فان مع عدم امكان الدفع الي الحاكم تصل النوبة الي غيره و مع عدم امكانه لا وجه للعزل، فان تعين الدين بالعزل لا دليل عليه. و أيضا علم أن التخيير بلا وجه، كما أنه علم ضعف تعين الاجبار ثم التخيير بين العزل و الدفع الي الحاكم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 481

قوله: مسألة لا خلاف علي الظاهر من الحدائق المصرح به في غيره عدم جواز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بأزيد منه (1).

ثم انه لو قلنا بجواز العزل و تعين الدين فيه، فلا معني لان يقال: بأنه باق في ملك المديون، و لكن يكون متعلقا لحق الدائن، فانه جمع بين المتنافيين.

ثم انه لو قلنا بجواز

العزل و تعين الكلي في المعزول، فهل يسري هذا الحكم الي ما يأخذه الظالم من المال المشترك بقصد أخذ حصة الشريك فقط و فيما لو طلب من الشريك دفع حصة شريكه بالخصوص، بتقريب أن الاختصاص مقتضي قاعدة نفي الضرر عن المالك و توجه الضرر الي خصوص من قصد أخذ حصته أولا سبيل الي اسرائه الي ذلك المقام؟ الظاهر هو الثاني، أما الفرع الاول فواضح فان توجيه الضرر علي أحد الشريكين مع كون المال مشاعا بلا وجه و الا يلزم أنه لو كان له مال في ذمة شخص الغاصب طلب دفع ذلك المال فهل يمكن الالتزام ببراءة الغرر كلا، و أما الفرع الثاني فغاية ما في الباب أن يقال: ان المالك يتضرر فيكون له ولاية التقسيم و تعيين حصة الشريك في المغصوب. و يرد بأن الضرر متوجه الي الشريك الاخر و قاعدة نفي الضرر متساوية بالنسبة الي كليهما.

[مسألة لا خلاف علي الظاهر من الحدائق المصرح به في غيره عدم جواز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بأزيد منه]

أقول: اذ يكون مصداقا للربا، فان العرف لا يفرق بين جعل الزيادة للمدة من أول أزمنة الدين و بين جعله بعد تحقق الدين، بل الامر مستقر علي الثاني و نقول: بأن الظاهر من بعض التفاسير أن صدق الربا علي ذلك بلا شبهة بل بمقتضي رواية عن ابن عباس في تفسير مجمع البيان ان مورد نزول الاية آية الربا هذا، فانهم كانوا يقولون بأنه لا بأس بأخذ شي ء في مقابل التأجيل بعد تحقق الدين بدعوي أنه مثل البيع، فنزل قوله تعالي «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا».

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 482

قوله: مسألة اذا ابتاع عينا شخصية بثمن مؤجل جاز بيعه من بايعه و غيره قبل حلول الاجل و بعده بجنس الثمن و غيره مساويا له أو زائدا

عليه أو ناقصا حالا أو مؤجلا الا اذا اشترط أحد المتبايعين علي صاحبه في البيع الاول قبوله منه بمعاملة ثانية (1).

بل يدل علي المطلوب ما رواه «1» الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام، فان المستفاد من الرواية أن جعل الزيادة في مقابل التأجيل بقاء داخل في الربا و لا يجوز، و يدل علي المقصود.

و أيضا يدل علي المطلوب ما ورد «2» من الروايات الدالة علي الحيل الشرعية لأخذ شي ء لغاية التأجيل، فانه لو كان جائزا لم يكن محتاجا الي الحيلة، بل مقتضي الجواز جعله بنفسه و بلا تشبث بحيلة شرعية. و يدل عليه ما ورد «3» في باب الدين مما يدل علي جواز أخذ شي ء لتمديد المدة في الدين ما لم يكن بصورة الشرط.

اعلم أنه ظهر مما تقدم أن جعل الزيادة في مقابل الاجل حرام و لو بنحو الصلح، و أيضا علم اذا اشترط التأجيل في ضمن عقد لازم لا يكون حراما، و أيضا ظهر مما مر أنه يجوز تعجيل المؤجل بالنقد عكس ما يكون موردا للكلام، أضف الي ذلك أن المستفاد من القاعدة أيضا الجواز.

[مسألة إذا ابتاع عينا شخصية بثمن مؤجل جاز بيعه من بايعه و غيره قبل حلول الأجل و بعده]

أقول: ان الحكم في مورد الاستثناء مورد اتفاق الا من بعض كالشيخ في بعض فروع المسألة، و ما ذهب اليه المشهور موافق للقواعد الاولية، فانه

______________________________

(1) الوسائل الجزء 12 الباب 7 من ابواب أحكام الصلح، الحديث 1.

(2) الوسائل الجزء 12 الباب 9 من أبواب أحكام العقود.

(3) الوسائل، الباب 19 من ابواب الدين و القرض.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 483

لا مقتضي للبطلان. و يدل علي الحكم الاطلاق الوارد في رواية بشار بن يسار و غيرها.

و نقل عن الشيخ قدس سره المنع عن البيع بعد حلول الاجل بجنس الثمن الا

اذا كان مساويا لا زائدا و لا ناقصا، و ما يمكن أن يستدل به لهذا القول روايتان:

الاولي: ما رواه خالد بن الحجاج، و هذه الرواية لا دلالة فيها علي مذهب الشيخ و الشيخ حملها علي ما رام، مضافا الي أن قوله عليه السلام في ذيل الرواية «فانه لا خير فيه» ظاهر في الارشاد.

الثانية: ما رواه عبد الصمد، و هذه الرواية نقلت بسندين: أحدهما بسند الصدوق الي عبد الصمد بن بشير و هو ضعيف، ثانيهما بسند الشيخ عن الحسين ابن سعيد و فيه قاسم بن محمد و لا يبعد أن يكون المراد منه هو الجوهري و هو مشترك، و قال ابن داود ان الذي ينقل عنه حسين بن سعيد ثقة، و صاحب الوسائل يقول ان تأخذ التوثيق ضعيف و توثيق ابن داود لا يترتب عليه الاثر فانه حسن علي بن داود تلميذ العلامة.

و حكي عن بعض أن هذه الرواية لا تدل علي مذهب الشيخ بوجه، و لا يبعد أن يكون كذلك، فان المتفاهم من الرواية أن الطعام ترقي و البائع يريد أن يأخذ الطعام بقيمة يوم الاشتراء و الاخر يريد أن يعطيه بسعر يوم الدفع و الامام عليه السلام يقول: خذ بسعر يومه و الا فاصبر حتي يبيع، و حيث ان الرواية ضعيفة لإرسالها.

ثم ان الشيخ الطوسي أفاد علي ما نقل عنه بأنه لو باع طعاما بعشرة مؤجلة فلما حل الاجل أخذ بها طعاما جاز اذا أخذها أعطاه، فان أخذ اكثر لم

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 484

يجز، و الظاهر أنه قدس سره استند ما أفتاه بقاعدة كلية مستفادة من بعض الروايات بأن عوض الشي ء الربوي لا يجوز تبديله بذلك الشي ء بزيادة، و ان عوض العوض

بمنزلة العوض فاشتري طعاما بدراهم لا يجوز بيع الطعام بخمسة دراهم، كما أنه لو باع الطعام بدراهم لا يجوز أن يأخذ بتلك الدراهم طعاما أزيد و إلا يلزم الربا، و الاصل فيه ما رواه علي بن جعفر عن أخيه، فانه يستفاد من هذه الرواية أنه لو اشتري طعاما بدراهم لا يجوز بيع ذلك الطعام بالدراهم، فان الطعام يصير في حكم الدراهم فيلزم تبديل الدرهم بالدرهم.

و يرد عليه: أولا ان مقتضي هذه الرواية عدم الجواز مطلقا حتي مع التساوي و ثانيا يعارضه ما رواه علي بن جعفر عن أخيه أيضا، و الترجيح مع رواية الجواز لكونه موافقا للكتاب، و علي تقدير التساقط المرجع أدلة صحة البيع.

(و أما الفرع الثاني) و هو عدم الجواز في المستثني فقد استدل بروايتين:

الاولي: ما رواه حسين بن منذر، و هذه الرواية ساقطة سندا بحسين بن منذر حيث أنه لم يوثق.

الثانية: ما رواه علي بن جعفر، و هذه الرواية معتبرة حيث أنها نقلت عن كتابه، و أما من حيث الدلالة فالظاهر منها فساد البيع مع الشرط، فالحق فساد العقد مع الشرط و مقتضي اطلاق الرواية عدم الفرق بين أن يكون الشرط من طرف البائع و بين أن يكون من طرف المشتري، و قد أفتي سيدنا الاستاذ في منهاجه علي هذا النحو.

و في المقام شبهة، و هي أن هذا الشرط يستلزم الدور، و تقريبه: ان تحقق البيع يتوقف علي الشرط و الحال أن الشرط لا يتحقق الا مع البيع. و ان شئت

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 485

قوله: القول في القبض (1).

قلت: يتوقف البيع الاول علي البيع الثاني لتوقف المشروط علي شرطه، و الحال أن البيع الثاني لا يتحقق الا مع تحقق البيع

الاول.

و الجواب: ان الشرط عبارة عن الالتزام بالبيع الثاني فلا دور و الا يلزم سد باب الشرط، و هو كما تري. و انتقض بما شرط عليه بيعه من غير البائع، ورد بأنه لا بد من فرض الصحة في حد نفسه مع قطع النظر عن الشروط، و في مورد النقض يجوز ذلك بنحو التوكيل أو الفضولي، و أما بالنسبة الي نفس المالك فلا يتصور البيع و لذا انتفض بالرهن لثمن المبيع و بالوقف علي البائع.

و أيضا أورد علي هذا الشرط بأنه يستلزم عدم القصد. و يرد عليه: أولا يلزم الفساد فيما لو كان من قصدهما هذا المعني بلا اشتراط فانه جائز قطعا، و ثانيا انه لا منافاة بين القصد و الشرط فلاحظ، فالعمدة النص لا الوجهان الآخران من الدور و عدم القصد.

[القول في القبض]

اشارة

أقول: اعلم أنه يقع الكلام في القبض تارة في معناه و أخري في أحكامه

[في معني القبض]

فيقع البحث في موردين:

(الأول) في حقيقته، الظاهر أن القبض بمعني الاخذ، و هو المعني الذي يساوق لفظ «گرفتن» في الفارسية، و يختلف صدقه بحسب مصاديقه: فتارة يصدق بالاخذ بالكف، و أخري بنقله، و ثالثة بأخذ ما يتعلق به كالأخذ بلجام الفرس مثلا أو أخذ مفتاح الدار. و ملخص الكلام ان القبض معني عرفي واضح لديهم.

نعم يمكن التشكيك في بعض مصاديقه، لكن لا يخفي أنه ربما يترتب بعض الاحكام علي أمر و ان لم يصدق عليه القبض، كرفع الضمان المترتب

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 486

علي التخلية، فان الغاصب لو خلي بين المال و صاحبه يسقط ضمانه و ان لم يصدق عليه القبض، اذ المعتبر في جملة من الموارد عنوان الاداء و الايصال الي من بيده الامر كالمالك، و من الظاهر أنه يحصل هذا المعني و ان لم يكن قبضا.

ثم ان المصنف قدس سره أفاد بأن الاقباض فعل البائع و القبض فعل المشتري، فكل حكم يترتب علي فعل البائع يحكم ترتبه علي فعله، و كلما يترتب علي فعل المشتري لا يحكم ترتبه الا بعد حصول ما يكون فعلا للمشتري، و استنتج من كلامه أن ما يستفاد من النبوي «1» كل مبيع تلف قبل قبضه من مال بايعه ان الضمان لا يرتفع الا بعد ما كان من فعل المشتري، و استفاد من «2» رواية عقبة بن خالد- و هذه الرواية ضعيفة بمحمد بن عبد اللّه بن هلال- ان الحكم يترتب علي فعل البائع.

و الحق أن التفكيك لا معني له، فان القبض بالنسبة الي الاقباض نسبة الوجود بالنسبة الي الايجاد، و الفرق بين الامرين

بالاعتبار. نعم كما ذكرنا يمكن أن يترتب حكم علي فعل البائع. فانقدح بما ذكرنا أن القبض لا يحصل الا بفعل المشتري، و الرواية لا يعول عليها لضعف سندها.

ثم انه هل يكون القبض في الكيل و الوزن أن يكال أو يوزن، و ربما يقال بأن القبض فيهما الكيل و الوزن، و المنشأ لهذا القول جملة من الروايات «3».

و يمكن تقريب المدعي بأحد وجهين:

أحدهما- ان هذه النصوص تدل علي اعتبار الكيل و الوزن في البيع،

______________________________

(1) المستدرك الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 12 الباب 10 من ابواب الخيار، الحديث 1.

(3) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أحكام العقود، الحديث 1 و 2 و 3 و 4.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 487

و من الظاهر أنه ليس بلحاظ اعتبارهما في صحة البيع، و الا لم يكن وجه للتفرقة بين التولية و غيرها، و حيث أن الاجماع قائم علي الجواز بعد القبض يعلم أن الكيل و الوزن عبارة عن القبض. و هذا التقريب واضح الفساد، فان الظاهر من هذه النصوص أن الشرط في صحة بيع المكيل و الموزون أن يكال و يوزن اذا كان قبل القبض الا أن يكون البيع تولية فنلتزم بفساد البيع في المكيل و الموزون اذا لم يقبض و لم يكل و لم يزن الا بنحو التولية، و أما لو وزن أو كيل يصح البيع لكن لا يترتب عليه آثار القبض.

و أفتي سيدنا الاستاذ دام ظله بهذا النحو في منهاجه في فصل التسليم و القبض في المسألة الخامسة، قال: من اشتري شيئا و لم يقبضه فان كان مما لا يكال و لا يوزن جاز بيعه قبل قبضه، و كذا اذا كان مما يكال

أو يوزن و كان البيع برأس المال، و أما لو كان بربح ففيه قولان أظهرهما المنع.

سيجي ء عنوان المسألة مستقلا و نقول هناك بأن الظاهر من الروايات أن اعتبار الكيل و الوزن بلحاظ القبض، و بعبارة أخري ندعي أن المستفاد من الروايات أن الكيل و الوزن مقدمة للقبض لا أن الكيل و الوزن لهما خصوصية و موضوعية.

فانتظر.

ثم ان اشتراط الكيل و الوزن في صحة البيع في المكيل و الموزون قبل القبض يكون بنحو الموضوعية، بحيث لو علم المقدار يكون شرطا أيضا أو يكون بنحو الطريقية؟ أفاد الشيخ قدس سره ليس في كلام الاصحاب تعرض لهذه الصورة، كما أن النص ليس فيه تعرض لها.

و يرد عليه: أنه يكفي للتعرض الاطلاق، فان المستفاد من خبر ابن وهب و أمثاله أنه لو اشتري طعاما لا يجوز بيعه قبل القبض الا بعد الكيل أو الوزن،

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 488

قوله: القول في وجوب القبض (1).

و مقتضي الاطلاق عدم الفرق.

[القول في وجوب القبض]
اشارة

أقول: يجب علي كل من المتعاملين تسليم ما استحقه الاخر، و ذلك لاقتضاء العقد، بتقريب: ان العقد يقتضي تملك منهما ما انتقل اليه و يجب علي أحد تسليم مملوك الغير فان الناس مسلطون علي أموالهم فلا يجوز حبس مال الغير بلا رضاه.

و يمكن الاستدلال للمدعي بدليل وجوب العمل بالشرط، فان بناء العقلاء علي تسليم ما يقع عليه العقد. و بعبارة أخري: الاقباض شرط ضمني ارتكازي، فأصل وجوب الاقباض مما لا اشكال فيه. و عليه لو امتنع كل منهما عن الاقباض يجوز اجباره لا من باب وجوب الامر بالمعروف بل من باب أنه غاصب و حبس حق الغير فيجوز أن ينوب عنه الحاكم اذ هو ولي الممتنع، انما الكلام في أنه

هل يجب التقابض من الجانبين أو يجب الاقباض أولا من البائع. ربما يقال بأنه يجب عليه، اذ الثمن تابع للمبيع، و لان اطلاق العقد ينصرف اليه، و لأنه انما يستقر البيع باقباض المبيع، فان المبيع لو تلف قبل القبض يكون من مال البائع.

و هذه الوجوه مخدوشة، اذ لم يعلم المراد من التبعية، فان كل واحد من المبيع و الثمن عوض للاخر، و أما الانصراف فلا موضوع له، اذ العقد لا يدل علي التسليم بل يدل علي الملكية. و أما تقبيح العقلاء يكون من الطرفين، فان مطالبة كل منهما حقه بدون تسليم ما عليه مورد تقبيح العقلاء. و أما التلف قبل القبض فهو حكم تعبدي شرعي و لا يرتبط بمفاد العقد، فان الملكية تتحقق بالعقد، كما أنه لا وجه لما نسب الي بعض من وجوب التسليم علي المشتري اولا، اذ لا فرق بين البائع و المشتري.

و ما يقال: من أن الثمن كلي و لا يتعين حق البائع قبل التسليم.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 489

فالجواب عنه: أولا يرد النقض بما لو كان المبيع كليا، و ثانيا يمكن التعيين بلا تسليم خارجي، فانه باذن البائع بعينه، فهذا الوجه غير سديد.

و ربما يقال: بأن التسليم من طرف البائع قبل تسليم المشتري يوجب فوات حقه من الخيار.

و يرد عليه: أولا ان الحق لا يفوت، اذ الخيار يثبت بعد تسليم الثمن.

و ثانيا فوت الحق لا يقتضي الامساك من قبل البائع، فالحق أنه يجب التقابض كما عليه المشهور بلا تقدم أحدهما علي الاخر. و عليه يكون مقتضي القاعدة اجبارهما علي التسليم.

و ربما يقال: بأنه لو امتنعا معا لا يجبران، لان الشرط الضمني التسليم و الدفع عند دفع الاخر.

و يرد عليه: أنه

تارة يكون الامتناع من كلا الجانبين مطلقا، و أخري يكون امتناع أحدهما لأجل امتناع الاخر، أما علي الاول فيجوز اجبار كليهما علي التسليم، لان المفروض أنه حبس مال الغير و لا يجوز ذلك، و علي الثاني لو امتنع أحدهما لأجل امتناع الاخر فلا يكون الامتناع متحققا من الطرفين، اذ المفروض أن امتناع أحدهما لأجل امتناع الاخر، و ليس مفاد الشرط الامساك حتي في هذه الصورة. فانقدح بما ذكرنا أنه يجب علي كل منهما الدفع و يترتب عليه أنه يجبر الممتنع بلا فرق بين البائع و المشتري.

و أما لو امتنع أحدهما فهل يجب علي الاخر الدفع؟ ربما يقال بأنه يجب، اذ عصيان أحد لا يقتضي جواز ظلم من الاخر. لكنه يقال: ليس الامر كذلك، فان بناء العقلاء علي خلافه، و الشارع أمضي ما عليه العقلاء.

و يمكن أن يوجه بأن مقتضي الشرط الضمني أن يكون العين أمانة عند كل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 490

قوله: مسألة يجب علي البائع تفريغ المبيع من أمواله مطلقا و من غيرها في الجملة (1).

واحد منهما الي زمان تسليم العوض، و هذا الشرط جائز و يلزم بمقتضي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

هذا كله في المعجل، و أما لو كان أحد العوضين مؤجلا فلا اشكال في وجوب تسلم من الطرف الاخر، فلو لم يسلم الي زمان حلول اجل الاخر فهل يجوز له الامساك أم لا؟ قال في التذكرة: ليس له الامساك، و أفاد الشيخ بأن وجهه يمكن أن يكون لأجل أن الشرط التسليم المطلق، لكن لا يبعد أن يكون له الحبس فان مقتضي الارتكاز العقلائي ذلك، فلا ببعد أن يقال: ان حق الحبس في مقابل الحبس عن غير حق.

ثم انه لو قبض العين بغير حق فلا

اشكال في أن الطرف له أن يرده، اذ المفروض أن قبضه عن غير حق، و هل يصح تصرفه فيه؟ أما التصرف المتوقف علي القبض فلا يكون بلا اشكال، و أما غيره فعلي القاعدة لا مانع من صحته، و قاعدة نفي الضرر متساوية بالنسبة الي الطرفين، مضافا الي ما فيها من الاشكال.

و لو فرض التسليم من أحد الطرفين تبرعا أجبر الاخر علي التسليم بلا كلام.

و هل يحجر عن التصرف فيما عنده؟ الظاهر أنه لا فرق بين هذه الصورة و صورة قبض ماله بلا اذن من الطرف لوحدة الملاك. فلاحظ.

[مسألة يجب علي البائع تفريغ المبيع من أمواله مطلقا و من غيرها في الجملة]

أقول، ان الوجوب لا اشكال فيه، غاية الامر وقع الكلام بينهم في أن هذا الوجوب نفسي أو شرطي، فان بعض عبائرهم يوهم الثاني حيث يقولون يجب التسليم مفرغا. و الظاهر هو الوجوب النفسي، و يدل علي المدعي ما مر في وجوب التسليم، فان اشغال مملوك الغير خلاف السلطنة.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 491

و يمكن أن يشكل: بأن الاشغال الفعلي خلاف السلطنة و أما لو كان مشغولا من السابق فلا يقتضي هذا الوجه للإفراغ، فالاولي أن يتمسك بدليل آخر، و هو أن الشرط المضمر يقتضي وجوب الافراغ.

ثم انه لو لم يفرغ البائع المبيع اما لعدم امكانه أو لعصيانه فهل يثبت الخيار للمشتري أم لا؟ أفاد الشيخ قدس سره بأنه لو كان جاهلا و كان متضررا يثبت له الخيار، و الظاهر أنه قدس سره ناظر الي حديث نفي الضرر.

و يرد عليه: انه يكفي لثبوت الخيار تخلف الشرط، مضافا الي أن حديث نفي الضرر مخدوش كما بيناه في محله.

ثم انه لو لم يفرغ و مضت مدة وفات بعض المنافع فان كان بتقصير من البائع يكون عليه الضمان، اذ المفروض

أنه يجب عليه الافراغ و ليس له حق الاشغال فأتلف مال الغير، و اما ان لم يكن مقصرا فربما يشكل الحكم بالضمان، اذ المفروض أنه غير مقصر، الا أن يقال: بأن الارتكاز العقلائي يقتضي ضمانه، كما أنه يمكن أن يقال: بأن مقتضي الشرط المضمر ثبوت الضمان.

و مما ذكرنا علم أنه لو كان في الارض زرع قد أحصد وجبت ازالته، و أما لو لم يحصد فأفاد الشيخ قدس سره بأنه يجب علي المشتري الصبر للزوم الضرر علي البائع، و أما ضرر المشتري فينجبر بالخيار كما لو كان المبيع مستأجرة.

و يرد عليه: مضافا الي أن حديث الضرر لا يستفاد منه هذا المعني علي مسلكنا و مضافا الي أنه خلاف الامتنان بالنسبة الي المشتري علي مسلك الاستاذ:

ان الخيار و ان كان ثابتا للمشتري لكن نفس هذا المعني ضرر بالنسبة اليه، فان عدم سلطنة الانسان علي ماله ضرر بنفسه، و قياس المقام بباب الاجارة مع الفارق

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 492

اذ في ذلك المقام انتقلت العين الي المشتري مسلوبة المنفعة، و غاية ما يترتب عليه الخيار بلحاظ الشرط المضمر، و المقام ليس كذلك كما هو واضح.

نعم لو كان المشتري عالما بالحال ليس له القلع، و لكن يمكن أن يقال:

ان في هذه الصورة ليس له الارش أيضا، كما في مورد الاجارة، فالامر دائر بين جواز القلع و عدم جوازه بلا أخذ الاجرة فلاحظ.

و احتمل الشيخ تخيير المشتري بين الابقاء مع الاجرة و الفسخ لتقدم ضرر البائع، و يمكن أن يكون الوجه في التقديم أن ضرر المشتري يتدارك بالخيار.

و لكن يرد عليه: ان ضرر البائع يتدارك بالارش فما الوجه في التقديم، كما أنه لا وجه لتقديم اكثر ضررا، فان الحديث

علي تقدير تمامية دلالته لا يستفاد منه الا نفي الحكم الضرري، و مع التعارض لا يشمل لعدم امكان شموله، و أما تقديم الاكثر ضررا فليس عليه دليل. فانقدح انه لو أغمضنا عما ذكرناه لا يكون ما أفاده تاما كما ذكرنا.

ثم انه لو احتاج تفريغ الارض الي هدم شي ء هدم باذن المشتري و عليه طم ما يطم برضي المالك، و اصلاح ما هدم أو الارش علي اختلاف الموارد بأنه لو كان مثليا فيجب الاصلاح و ان كان قيميا يجب الارش.

ثم ان المصنف أفاد: بأن المراد من الارش قيمة الهدم لا ارش المعيب، و يمكن أن يكون نظره فيما ذكره الي أن الهدم حق للبائع فلا يجب عليه الارش و أما قيمة الهدم فلانه ليس له الهدم مجانا.

و يرد عليه: انه ان قلنا بأن الهدم شرط للبائع كما أنه شرط عليه فلا وجه لقيمة الهدم، و ان قلنا بأنه ليس له الهدم فلا وجه لعدم الارش.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 493

قوله: مسألة لو امتنع البائع من التسليم فان كان لحق كما لو امتنع المشتري عن تسليم الثمن فلا اثم (1).

ثم انه لا يخفي أنه وقع الكلام بينهم في مسألة ما لو هدم الجدار أحد الشريكين بغير اذن صاحبه، بأنه هل يجب الاعادة مطلقا أو الارش كذلك أو التفصيل بين ما لو كان مثليا فالاعادة و بين ما لو كان قيميا فالارش؟ و الحق هو التفصيل، كما هو الميزان الكلي في باب الضمان من وجوب أداء الاقرب الي التالف.

[مسألة لو امتنع البائع من التسليم فان كان لحق كما لو امتنع المشتري عن تسليم الثمن فلا إثم]

أقول: هذا أمر ظاهر، لكن يقع الكلام في أنه هل عليه أجرة المنافع أم لا؟ الحق أن يقال: انه لو استوفي المنافع يكون عليه الاجرة، فانه لا وجه

للمجانية، و أما في غير هذه الصورة فالظاهر أنه ليس عليه الاجرة، اذ تفويت المنافع فيما لو كان التفويت عن حق لا دليل علي ضمانه، مضافا الي أن مقتضي الشرط المضمر أن يكون الامساك بلا أجرة و علي المشتري يكون نفقة المبيع.

ثم ان المحقق تعرض بالمناسبة لمسألة نفقة الزوجة فيما لا تمكن نفسها حتي تقبض المهر، و لا اشكال في سقوط المهر اذا كان عدم التمكين لا عن حق، و أما فيما اذا كان عن حق فلا يبعد أن لا يسقط وجوب النفقة، فان المسقط للوجوب النشوز، و هو لا يتحقق مع الحق. و تحقيق الحال موكول الي محله من كتاب النكاح.

و أفاد الشيخ بأنه يمكن الفرق بين النفقة في المقامين، بأن يقال: النفقة في المقام من آثار الملكية التي هي حاصلة، و في ذلك المقام النفقة من آثار التمكين الذي هو غير حاصل. و لكن يشكل بأن النفقة من آثار الزوجية الا فيما يكون النشوز محققا، و المفروض انه غير متحقق.

و ربما يقال: بأنه يفصل بين الموسر و المعسر كما احتمله في جامع المقاصد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 494

قوله: الكلام في أحكام القبض (1).

و المراد من الاعسار و اليسر اما يرجع الي النفقة و اما يرجع الي الثمن، و علي كل حال لا وجه للتفصيل بين اليسر و العسر.

هذا كله فيما يكون الامساك عن حق، و أما لو كان عاصبا و عاديا فعليه الاجرة و النفقة عليه بمقتضي صحيح «1» ابي ولاد.

ثم انه لو طلب المشتري الانتفاع و هو في يده، فاذا كان الانتفاع منافيا للاستيثاق فلا يجب علي البائع القبول، كما أنه لو طلب منه الاحضار، اذ البائع ليس خادما له فلا

يجب، و أما لو لم يكن كذلك فلا يبعد أن لا يكون واجبا أيضا، فان مقتضي الشرط المضمر المنع المطلق حتي يقبض الثمن.

[الكلام في أحكام القبض]
اشارة

أقول من أحكام القبض انتقال الضمان الي القابض بعد القبض، و أما قبله فالضمان علي البائع. و لا يخفي أن هذا الحكم علي خلاف القاعدة الاولية، و لا بد من اثباته بالدليل، و العمدة فيه الاجماع و كون الحكم مسلما عندهم، و لو أغمض عما ذكر يشكل الامر، اذ في المقام روايتان كلتاهما ضعيفة:

الاولي: النبوي «2» «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه»، و هذه الرواية ضعيفة بالارسال.

الثانية: ما رواه «3» محمد بن عبد اللّه بن هلال عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السلام، و هذه الرواية أيضا ضعيفة بمحمد بن هلال، فانه لم يوثق. و لكن الظاهر أن أصل الحكم من المسلمات عندهم، و لذا أفتي سيدنا الاستاذ في منهاجه بهذا النحو، مع أنه دام ظله لا يعبأ بالرواية الضعيفة و لا يري انجبارها بالعمل

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 17 من كتاب الاجارة، الحديث 1.

(2) المستدرك الباب 8 من أبواب الخيار.

(3) الوسائل، الجزء 12 الباب 10 من ابواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 495

فأصل الحكم مما لا اشكال فيه، انما الكلام في أمور:

(الاول) ان هذا الضمان ضمان معاوضة أي يتلف من مال البائع، فان الظاهر من قوله صلي اللّه عليه و آله «من مال بايعه» و قوله عليه السلام «من مال صاحب المتاع» في الرواية يدل علي أن التالف من مال البائع، فيكون المقصود انفساخ العقد و دخول العين في ملك البائع و تلفه من كيسه، لكن مقتضي القاعدة أن الضرورة تتقدر بقدرها

فلا يحكم بالانفساخ الا آنا ما قبل التلف.

(الثاني) ان الظاهر أن هذا حكم شرعي تعبدي و ليس حقا فلا يكون قابلا للإسقاط، و لو شك في أنه حق قابل للإسقاط أم لا يحكم بعدمه، فان مقتضي الاصل عدم سقوطه الا أن يرجع الي استصحاب بقاء الحكم الكلي الذي لا نقول به، لكن اطلاق الدليل كاف في المدعي، فان مقتضي صحة البيع و وجوب الوفاء بالعقد بقاؤه الا فيما قام الدليل علي انفساخه و ارتفاعه.

ثم انه يقع الكلام في أن هذا الملك حقيقي أو تقديري، و الحق هو الاول.

ان قلت: هذا ينافي صحة العقد.

قلت: الانفساخ كالفسخ لا ينافي صحة العقد بل يؤكدها، و أما لزوم العقد فمعناه عدم انفساخه بالفسخ، و المفروض ان الانفساخ بحكم الشارع، مضافا الي أنه بعد اقامة الدليل نلتزم بالجواز في بعض الصور، و الحاصل ان المرجع الدليل.

ان قلت: هذا ينافي التسلط علي النفس، فان دخول شي ء في ملك الانسان خلاف سلطانه.

قلت: أولا ينتقض بالارث، و ثانيا ان الشارع ولي الكل و لا معني لهذا الاشكال.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 496

ان قلت: هذا خلاف تسلط الناس علي أموالهم.

قلت: يظهر الجواب مما سبق، فلاحظ.

ان قلت: هذا ينافي قاعدة الخراج بالضمان، فانه كيف يمكن أن يكون الضمان علي البائع و الحال ان الخراج للمشتري.

قلت: أولا ان هذه القاعدة ليست تحته شي ء لا سندا و لا دلالة، مضافا الي أن التخصيص اذا كان عن دليل فلا يتوجه به شي ء كما هو ظاهر، و هل يكون أثر بين القولين أم لا؟ الحق هو الاول، فانه لو قلنا بالتلف الحقيقي يكون المال داخلا في ملك من تلف العين في ملكه، فيترتب عليه أحكامه أعم من أن

يكون نفعا أو ضررا.

ثم انه هل يلحق بالتلف الحقيقي التلف الحكمي- و هو تعذر الوصول- كما لو سرق علي وجه لا يرجي عوده أم لا؟ اختار الشيخ قدس سره الاول، و عليه حمل رواية عقبة بن خالد. لكن الحق أن الجزم بما ذكره قدس سره مشكل، فانه كيف يمكن صدق التلف علي ما لا يكون تالفا، و عليه شمول الحكم له في غاية الاشكال.

ان قلت: ان لم يكن ما ذكر ملحقا بالتالف فبأي وجه نلتزم بضمان من أتلف مال الغير بهذا النحو، بأن ألقي درة زيد في البحر و لا يرجي وصولها، و قاعدة بدل الحيلولة ليس عليها دليل.

قلت: انما نلتزم بالضمان من باب حكم العقلاء الذي هو المرجع في باب الضمانات.

ثم هل يترتب أحكام القبض علي القبض غير الشرعي كما لو قبضه المشتري بدون رضي المالك؟ الظاهر أنه يترتب لصدق القبض و لو كان حراما، و أما

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 497

الكيل فلو قلنا بأن المستفاد من الدليل ان القبض مشروط بهما لا يترتب الاثر بدونهما، و ذلك لأنه يستفاد من الدليل أن الموضوع للحكم فرد خاص منه.

و مما ذكر يظهر الحال في التخلية و النقل و وضع المشتري يده علي المال، فانه لو صدق القبض عرفا و لم يشترط فيه شي ء شرعا يترتب عليه الاثر و الا فلا.

هذا تمام الكلام في التلف، و اما الكلام في الاتلاف فيقع في ثلاثة موارد:

(المورد الاول) في اتلاف البائع، و الاقوال فيه ثلاثة، فعن المبسوط و التحرير و الشرائع أنه بحكم التلف لشمول النقص و اطلاقه.

و يرد عليه: أن التلف منصرف الي التلف القهري و لا يشمل الاختياري، فيعمل علي طبق القاعدة الاولية من كون المتلف

ضامنا للمثل أو القيمة. نعم للمشتري فسخ العقد، فيكون له العوض المسمي.

هذا فيما يكون الاتلاف عن عمد، و أما لو كان عن غير عمد- كما لو كان نائما و تلف المبيع بوقوع رجله عليه- فهل يكون هذا القسم من الاتلاف خارجا عن منصرف الدليل؟ لا يبعد أن يقال بالانصراف، و لو شك في الانصراف و عدمه فالمرجع اطلاق دليل الضمان بالمثل و القيمة.

و قول بالتخيير بين المطالبة بالقيمة و المطالبة بالثمن، و استدل عليه تارة بأن دليل الانفساخ منصرف عن المورد، يكون للمشتري الاخذ بالمثل و القيمة لتحقق سبب الضمان و يكون له الخيار لتعذر التسليم، و أفاد الشيخ بأن هذا هو الاقوي و نسبه الي جملة من الاساطين، و اما لحصول سبب الانفساخ و سبب الضمان فله اختيار أيهما شاء.

و يرد علي الوجه الثاني: أنه لا يمكن الجمع بين الامرين حتي يثبت التخيير

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 498

فان دليل كل مبيع لو شمل المقام فلا مجال للمثل أو القيمة و ان لم يشمل فلا موضوع للانفساخ.

و يرد علي الوجه الاول: ان ما أفيد و ان كان صحيحا لكن الصحيح أن يعبر بأن للمشتري الخيار بين أخذ المثل أو القيمة و بين الاخذ بالخيار و الرجوع بالمسمي، و قول بضمان البائع، اذ الدليل بعد عدم شموله للمقام يكون مقتضي القاعدة ضمان المتلف. و هذا هو الصحيح، لكن للمشتري أن يأخذ بالخيار لتعذر التسليم. و اختصاص خيار تعذر التسليم بصورة بقاء العين لا وجه له، اذ هذا الخيار ناش عن الشرط المضمر، و لا فرق فيه بين بقاء العين و تلفها.

(المورد الثاني) في اتلاف المشتري. أفاد الشيخ قدس سره بأن الظاهر أنه لا خلاف في

أن اتلافه بمنزلة القبض في سقوط الضمان. و استدل عليه بالإجماع.

و يمكن أن يستدل بالانصراف، و بعد عدم شمول الدليل يعمل علي طبق القاعدة الاولية و مقتضاها كون دركها عليه. هذا فيما يكون عالما، و أما ان كان جاهلا- بأن قدم البائع الطعام اليه فأكله- فربما يقال بأنه ليس في حكم الاقباض.

و الحق أن الدليل منصرف عن التلف الاختياري و لا يشمله الدليل فلا وجه للانفساخ، غاية الامر ان كان البائع غارا له يكون قرار الضمان عليه لقاعدة الغرور.

و مما ذكرنا علم أن اتلاف المشتري لا يوجب الانفساخ، أعم من أن يكون اختياريا أو غير اختياري عن علم كان أو عن جهل بعنوان دفع الضرر عن نفسه كان أم لا، ففي جميع الصور يستقر عليه الثمن.

و أما ان كان باتلاف الاجنبي فأفاد الشيخ قدس سره بأنه يجي ء الوجوه الثلاثة، و لو لا شبهة الاجماع علي عدم تعين القيمة لكان مقتضي القاعدة تعينها بعد

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 499

قوله: مسألة تلف الثمن المعين قبل القبض كتلف المبيع المعين (1).

انصراف الدليل عن الاتلاف. و لا يخفي أن هذا الاجماع لا يترتب عليه أثر، فالحق تعين القيمة بعد الانصراف. نعم للمشتري الاخذ بالخيار لتخلف الشرط.

ثم انه لو اختار المشتري القيمة فيما يكون له ذلك فهل للبائع حبس القيمة كما كان له حبس العين؟ ربما يقال كما في كلام الشيخ: بأن دليل الحبس فهم من العقد و هو مختص بالبدل، و الحق خلافه، فان ما يفهم من الارتكاز العرفي العقلائي أن للبائع أن يمسك العين أو بدلها الي زمان وصول الثمن اليه، فما قواه الشيخ ضعيف.

ثم انه لو قبض المشتري بغير اذن البائع فأتلفه البائع فهل يكون كاسترداده

بأن يكون من التلف قبل القبض أو يكون من الاتلاف بعد القبض؟ الحق أنه يترتب عليه حكم التلف بعد القبض، فيكون البائع ضامنا للقيمة بمقتضي القاعدة.

[مسألة تلف الثمن المعين قبل القبض كتلف المبيع المعين]

أقول: ما يمكن أن يقال في وجه الجريان أمور:

(منها) الاجماع. و فيه ما فيه، فانه عبر بلفظ لا خلاف و انه ليس اجماعا، و علي تقدير كونه فهو منقول، و علي فرض تحصيله يكون مدركيا.

(و منها) «1» خبر عقبة بن خالد فانه قال فيه «فاذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتي يرد اليه ماله اليه» بناء علي عود ضمير لحقه الي البائع.

و يرد عليه: أولا أن الخبر ضعيف سندا بمحمد بن عبد اللّه، و ثانيا لم يذكر في الخبر أن الثمن شخصي و كلامهم فيما يكون الثمن شخصيا و الرواية مطلقة و ثالثا ان الضمان علق علي خروج المبيع من بيت البائع و الحال أنهم لم يشترطوا في تحقيق الضمان هذا الشرط، و رابعا لا دليل علي عود ضمير لحقه الي البائع بل يمكن أن يكون عائدا الي المشتري الا أن يكون لفظ «يرد»

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 500

قوله: مسألة لو تلف بعض المبيع قبل قبضه (1).

بالتشديد، و أما مع عدمه فيكون المعني أن البائع ضامن للمبيع قبل الخروج من البيت و بعد الخروج لا يكون ضامنا بل الضامن هو المشتري، فالرواية من جهات عديدة قاصرة عن الدلالة علي المدعي.

(و منها) شمول النبوي، بأن يكون المراد من المبيع أعم من الثمن و المثمن.

و هذا خلاف الظاهر و لم يقم عليه دليل، فان الظاهر من هذه الكلمة هو المبيع.

و الانصاف أن الحكم في الاصل أيضا مشكل، لعدم دليل

قوي في البين.

و مما ذكرنا علم أن تسرية الحكم الي غير البيع في غاية الاشكال. نعم في مورد الاجارة نلتزم بالنتيجة، لكن لا من باب الانفساخ بل من باب انكشاف فساد الاجارة، اذ يكشف أنه لا منفعة كي يملكها المستأجر، و لذا لا فرق فيه بين القبض و عدمه.

[مسألة لو تلف بعض المبيع قبل قبضه]
اشارة

أقول: لو تلف بعض المبيع فان كان مما يقسط عليه الثمن يكون من التلف قبل القبض فيكون من مال البائع لإطلاق الدليل و ان لم يكن مما يقسط عليه الثمن كيد العبد مثلا يكون كالوصف الموجب للتعيب. و الحق أنه لا يوجب الانفساخ و لا يوجب الارش، اما الانفساخ فهو حكم ترتب علي المبيع، و من الواضح أن الوصف لا يكون مبيعا، و ان الارش فلا دليل عليه فان الارش بحسب الدليل يختص بالعيب الموجود قبل العقد.

و ربما يقال كما في كلام الشيخ: بأن المستفاد من الدليل أن العقد يفرض معدوما من هذه الجهة، فان كان التالف تمام المبيع يكون معناه الانفساخ كليا و في الجزء جزئيا، و ان كان التالف الوصف تكون النتيجة الارش و الخيار.

و فيه: ان الموضوع في الدليل عنوان المبيع و الوصف لا يكون موردا للبيع.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 501

قوله: الاقوي من حيث الجمع بين الروايات حرمة بيع المكيل و الموزون قبل قبضه (1).

و ربما يقال: بأنه يثبت الارش بحديث لا ضرر. و فيه ان الحديث مفاده الحكم التكليفي، و ثانيا لا يكون مثبتا للحكم، و ثالثا ان الصبر ضرر علي المشتري و أخذ الارش ضرر علي البائع و لا وجه للترجيح. فالحق أن يقال: ان العيب اذا كان بآفة سماوية فلا يترتب عليه شي ء، و ان كان بفعل أحد

فبمقتضي قاعدة الضمان يكون المتلف ضامنا.

و ما في كلمات الاعلام من أن الارش حكم تعبدي خاص ثابت بدليله في مورده، لا يمكن المساعدة عليه، فان الضمان أمر عقلائي أمضاه الشارع و الا يلزم أن نلتزم بعدم ضمان من يوجب نقص أموال الناس و لو بلغ ما بلغ.

فالذي تحصل مما ذكر أن العيب الحادث اما بآفة سماوية و اما بفعل أحد، و علي الثاني اما بفعل البائع و اما بفعل المشتري أو بفعل الاجنبي، أما علي الاول فلا يثبت الارش لعدم الدليل، و أما الخيار فالحق أنه ثابت بالشرط المضمر، فان البائع يلتزم بايصال المال سالما الي المشتري، و أما علي الثاني فيثبت الارش و الخيار، اما الاول فلقاعدة الضمان و اما الثاني فللشرط، و أما علي الثالث فلا خيار و لا ارش، و اما علي الرابع فيثبت الضمان علي الاجنبي و يثبت الخيار للمشتري علي البائع.

[الأقوي من حيث الجمع بين الروايات حرمة بيع المكيل و الموزون قبل قبضه]
اشارة

________________________________________

قمّي، سيد تقي طباطبايي، دراساتنا من الفقه الجعفري، 2 جلد، مطبعة الخيام، قم - ايران، اول، 1400 ه ق دراساتنا من الفقه الجعفري؛ ج 4، ص: 501

أقول: و في قبال هذا القول قول بالكراهة، و الاخبار «1» الواردة في المقام ثلاث طوائف:

(منها) ما دل علي النهي مطلقا، كالرواية الخامسة من هذا الباب، فانه يدل

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب أحكام العقود.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 502

علي عدم جواز بيع الطعام قبل الكيل.

(و منها) ما يدل علي الجواز مطلقا، كالرواية السادسة من هذا الباب.

(و منها) ما يفصل فيه بين التولية فحكم بالجواز و بين غيرها فحكم بالمنع، كالرواية الاولي من هذا الباب، و مقتضي حمل المطلق علي المقيد ما أفاده الشيخ قدس سره.

ثم ان هذا الحكم مختص بالمكيل

و الموزون، و أما في غيرهما فالصحة علي القاعدة. مضافا الي أنه تستفاد الصحة من روايات الباب بالمفهوم في بعضها و بالمنطوق في بعضها الاخر.

ثم ان الظاهر من روايات الباب الحرمة الوضعية، فانها الظاهر من النهي في باب المعاملات. ثم انه هل يختص هذا الحكم بالمبيع الشخصي أم يعم الكلي؟ الظاهر هو الثاني لإطلاق روايات الباب.

ثم انه لا يخفي أن الظاهر من النصوص الواردة في المقام أن المعتبر في البيع القبض فلو حصل القبض لا يعتبر الكيل أو الوزن، كما أنه مجرد الكيل و الوزن بلا قبض لا أثر لهما. و ملخص الكلام أن الظاهر من النصوص أن الميزان بالقبض، و انما عبر بالكيل و الوزن لأنهما يتحقق بهما القبض خارجا.

و ينبغي التنبيه علي أمور:
(الاول) انه هل يلحق الثمن بالمثمن في هذا الحكم أم لا؟

لا اشكال في أنه لو لم يقم دليل علي التسرية لكان مقتضي القاعدة عدم اللحوق، فان اللحوق يحتاج الي الدليل لا عدمه كما هو ظاهر. و ربما يقال: بأن الملاك مشترك، و هو ضعف الملكية قبل القبض، و لا اشكال في ضعف هذا الوجه.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 503

و ربما يستدل علي الالحاق «1» بما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام فان المستفاد من الرواية بمقتضي التعليل ان كل ما يكال لا يجوز بيعه قبل القبض.

و فيه: أولا انه مخصوص بالمكيل، و ثانيا ان ما يستفاد منه أن كل مبيع يكال لا يجوز بيعه قبل القبض لا أن كل ما يكال لا يجوز بيعه قبل قبضه، مضافا الي أنه يحتمل أن يكون المراد من الرواية عدم قبض الشريك حصته من الشركاء فيكون خارجا عن المقام.

و استدل علي عدم اللحوق بما رواه «2» ابن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه السلام.

و يرد

عليه أولا: انه حكم وارد في مورد خاص و القياس علي خلاف القاعدة و ثانيا ان الثمن المذكور في الرواية الدرهم و الكلام في الطعام، و ثالثا انه لم يفرض جعل الثمن مبيعا بل الظاهر جعله ثمنا و الكلام في المبيع، و رابعا انه مطلق نرفع اليد عن اطلاقه بالدليل. فالعمدة عدم المقتضي للإلحاق.

(الثاني) انه هل يختص هذا الحكم بالبيع أو يجري في غيره؟

الظاهر هو الاول، لعدم الوجه للإلحاق، و كلمات القوم في المقام مختلفة، و العمدة الادلة و مقتضاها الاختصاص.

(الثالث) انه هل المراد من المبيع المنهي ايقاع البيع عليه

أي علي ما لم يقبض أو يعم تشخيص المبيع الكلي عليه؟ أفاد المصنف بأن الظاهر من النص و الفتوي الاول و نفي البعد عن الثاني. و الحق كما أفاده قدس سره أن الظاهر هو الاختصاص سيما بلحاظ ما فصل فيه بين التولية و غيرها، فان تطبيق الكلي علي ما اشتراه خارج موضوعا كما هو ظاهر.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 12 الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 10.

(2) الوسائل، الجزء 13 الباب 11 من أبواب السلف، الحديث 10.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 504

و هل يستفاد المنع من رواية الحلبي «1» حيث منعه عليه السلام عن التصدي للبيع أم لا يستفاد؟ الظاهر هو الثاني، اذ النهي من جهة دفع الاتهام، و لذا أفاد عليه السلام في ذيل الحديث بأنه جائز، و هل يستفاد من حديث ابن شعيب الجواز أم لا يستفاد؟ قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرجل يكون له علي الاخر أحمال من رطب أو تمر فيبعث اليه بدنانير فيقول اشتر بهذه و استوف منه الذي لك. قال: لا بأس اذا ائتمنه «2».

أفاد الشيخ قدس سره بأنه يستفاد من هذه الرواية الجواز. و أورد عليه الايرواني قدس سره بأن هذه الروايات أجنبية عن محل الكلام، اذ الظاهر منها التوكيل في الاشتراء للبائع و القبض من قبله ثم استيفاء الحق منه.

و الحق أنه ليس فيه هذا الظهور المدعي في كلامه، لكن مع ذلك لا يمكن المساعدة علي الشيخ، فانه لو تم المقتضي للمنع لا يكون مثل هذه الرواية معارضة لدليل المنع، اذ المستفاد منه أنه بعد تمامية

البيع و بعد ما كان التصرف جائزا للبائع يكون الوكيل وكيلا في استيفاء الحق. و بعبارة أخري: ليس في الرواية تعرض لموضوع الجواز، بل الحكم علي فرض تمامية الموضوع، فالعمدة منع المقتضي و ظهور دليل المنع في البيع و لا يشمل تطبيق المبيع، و لذا لا شبهة في جواز هبة غير المقبوض. مضافا الي أن خبر ابن شعيب لم يفرض فيه أن الاحمال من الرطب مملوكة للمديون بالبيع.

هذا فيما يكون المبيع شخصيا، و أما لو كان المبيع كليا فهل يكون الامر كذلك أم لا؟ أفاد الشيخ قدس سره بأنه لا يجري فيه ذلك، اذ لا يتحقق الانطباق

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 12 من أبواب السلف، الحديث 1.

(2) التهذيب، الجزء 7 الصفحة 42.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 505

الا بالقبض ثم الاقباض فيخرج عن موضوع الكلام. و بعبارة أخري: ما دام لا يتحقق الكلي في الخارج لا يمكن انطباق المبيع عليه، و تحققه في الخارج يكون بالقبض، و به يخرج عن محل الكلام، فان الكلام في بيع ما لم يقبض.

أقول: لو قلنا بأن الكلي في الذمة يتشخص في الخارج باذن الدائن فباذن من له الكلي يتحقق ذلك الفرد في الخارج بلا تحقق القبض، فيجري عليه حكم غير المقبوض. و كيف كان أفاد قدس سره بأنه حيث أن الامر كذلك فلا بد من الحوالة أو التوكيل أي الايفاء، لا بد من تحققه بأحد هذين الامرين فيدخل في المسألة المعروفة، و هي أنه لو كان له علي غيره طعام من سلم و عليه مثل ذلك فأمر غريمه أن يكتال لنفسه من الاخر فانه يكره أو يحرم علي الخلاف. و قد علل في الشرائع بأنه قبضه عماله قبل أن

يقبضه صاحبه.

و لا يخفي أنه لو كان بنحو الوكالة لا يجري فيه الاشكال، اذ معني الوكالة أن يقبض للمديون ثم يقبض لنفسه و هذا لا اشكال فيه الا من حيث ان القابض و المقبض واحد، و هذا لا اشكال فيه. و أما لو كان بنحو الحوالة فتارة نقول بأن الحوالة ترجع الي جعل ما علي الغير معوضا و ما علي نفسه عوضا و بعبارة أخري يكون بيعا واقعا بصورة الحوالة فيدخل في المقام و لا يكون جائزا، مضافا الي أنه من بيع الدين بالدين، و ان قلنا بأن الحوالة عبارة عن جعل الغريم غريما لمن عليه- و بعبارة أخري جعل الغريم مقام نفسه لا أنه يتبدل أحد الامرين بالاخر- فلا يدخل في محل الكلام، و ان قلنا بأنها مجرد وفاء الدين فيشكل الامر، حيث ان الكلي لم يتشخص بعد في الخارج.

لكن الظاهر أنه يجوز بمقتضي النص الخاص الوارد في المقام و قد استدل

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 506

في الحدائق به. و الانصاف أن مفاده لإثبات المقصود تام، و لو قلنا بأن الحوالة تغاير البيع فلا موجب لتسرية الاشكال.

و ملخص الكلام: ان كان الاشكال مختصا بالبيع فلا وجه لجريانه في الحوالة و لو قلنا بأن الموضوع مطلق المعاوضة و تكون الحوالة معاوضة فيتحقق الاشكال لكن لا وجه لاختصاص الاشكال بما يكون الانتقال بالبيع، بل يجري حتي فيما لا يكون الانتقال بالبيع بل بوجه آخر من بقية المعاوضات، كما أنه يجري في العوض أيضا.

(الرابع) انه ذكر جماعة بأنه لو كان علي شخص دين كالحنطة مثلا فدفع دراهم الي من له الحنطة و قال اشتر بها لنفسك الحنطة لا يصح لقانون المعاوضة.

و أفاد الشيخ بأنه ينقض بالمعاطاة حيث انه يجوز أن يشتري بما أخذ بالمعاطاة مع الالتزام بالاباحة في المعاطاة، و أيضا ينتقض بما لو اشتري شيئا بمال مغصوب مع علم البائع بالغصب،

فانه يجوز أن يتصرف فيه تصرفا يتوقف علي الملك كوطي الجارية و حيث ان المعاوضة تقتضي دخول كل من العوضين في كيس من خرج عنه العوض الاخر.

تصدي الشيخ قدس سره لدفع الاشكال عن مورد النقض بأحد وجوه و قال:

بأنه يمكن أن نلتزم بدخول العين في ملك الشخص في المعاطاة قبل التصرف آنا ما أو نلتزم بأنه مع علم البائع بالغصب يكون تمليكا مجانيا، أو نلتزم بأنه لو اشتري شيئا بما أخذه من المالك يكون فضوليا و باجازة المالك الشراء و القبض يتم الامر، ففي المقام نلتزم بأن الاشتراء فضولي، غاية الامر بالاجازة تصح المعاملة و باستمرار القبض يكون قبضا لماله علي المالك.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 507

قوله: مسألة لو كان له طعام علي غيره فطالبه به في غير مكان حدوثه في ذمته (1).

و يمكن أن يقال: بأن اللام في قوله «اشتر لنفسك طعاما» يكون للنفع لا أن يكون الاشتراء لنفسه بل يكون الاشتراء للمالك ثم استيفاء الحق من مال المالك. و يدل عليه بعض النصوص.

أقول: العمدة في وجه الاشكال عدم تعقل المعاوضة بغير هذا الوجه، لكن قد ذكرنا سابقا بأنه لا يتقيد البيع بهذا القيد، فانه يمكن أن يشتري شيئا بمال الغير اذ يصدق عليه الاشتراء و البيع فيشمله دليل الصحة، فمن هذه الناحية لا اشكال فيه لكن الاشكال من ناحية أخري، و هي أنه لو اشتري شيئا لنفسه يدخل المشتري في كيس الغريم. و سقوط الدين عن ذمة المديون لا وجه له، اذ السقوط اما بالابراء و اما بالاداء و اما بالتبديل، و شي ء من هذه الامور لم يتحقق، فالمتعين أن نلتزم بكون اللام لام المنفعة لا الملكية، فيشتري للمديون ثم باذنه يأخذ

المشتري.

[مسألة لو كان له طعام علي غيره فطالبه به في غير مكان حدوثه في ذمته]
اشارة

أقول: في المقام مسائل ثلاث:

(الاولي) أن يكون سلما بأن أسلفه في المدينة فطالبه بالشام فيتراضيان بقيمة بلد المطالبة أو بقيمة بلد وجوب التسليم،

فأفاد الشيخ قدس سره أنه لا يجوز لأنه مصداق لبيع ما لم يقبض.

و يرد عليه:

أولا- ان هذا الاشكال انما يكون له مجال فيما يقع المعاملة بالبيع، و أما لو وقع المعاملة بنحو آخر فلا مجال للإشكال، لان الموضوع في دليل النهي هو البيع.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 508

و ثانيا- أنه يستفاد من جملة من الروايات «1» أن البيع من البائع جائز، انما الكلام في أن المشتري هل يكون له مطالبة العين في ذلك البلد أم لا. أفاد الشيخ بأنه لا اشكال في عدم وجوب اداء العين في بلد المطالبة، و أولي بعدم الجواز لو طالبه بقيمة بلد التسليم.

أقول: اذ كان تسليم العين ممكنا في بلد المطالبة مع تساوي القيمة بين البلدين أو كون بلد المطالبة أقل من بلد المعاملة فلا يبعد وجوب دفع العين كما أفاده المصنف، اذ المفروض أنه حل و التقصير من ناحية البائع، فانه ملزم بالدفع.

ان قلت: الشرط المضمر حين العقد يقتضي الدفع في بلد المطالبة.

قلت: نعم و لكن البائع لا يدفع فعدم الدفع من ناحية البائع. و ان شئت قلت: لا يستفاد من الشرط أزيد من هذا المقدار، أي أن المستفاد من الشرط أن البائع غير ملزم بأدائه في غير بلد المعاملة، لكن علي فرض عدم تسليمه يجبر علي دفع دينه و ما في ذمته، و أما اذا كانت القيمة أزيد فالظاهر أن الامر كذلك.

و التمسك بدليل الضرر يرد عليه: أولا انه يختلف باختلاف المباني، و ثانيا ان ضرر البائع بالدفع معارض بضرر المشتري بالامساك.

هذا فيما يمكن دفع العين، و أما لو لم يمكن بأن لم يكن المبيع في الخارج فهل للدائن اجبار البائع بدفع

القيمة؟ الظاهر أنه ليس له. و ما عن العلامة من أن التسليم من قبيل القيود التي يتشخص الكلي بها و مع تعذره يصدق أن تسليم المبيع متعذر فللمشتري مطالبة القيمة أي قيمة بلد المعاملة.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 11 من أبواب السلف.

دراساتنا من الفقه الجعفري، ج 4، ص: 509

و فيه: ان هذا ليس من القيود المشخصة بل شرط خارجي، و غاية ما يترتب عليه أن يكون للمشتري خيار الفسخ.

(الثانية) انه لو كان الطعام عليه بنحو القرض لا شبهة في جواز البيع هنا،

لعدم موضوع للإشكال المذكور، حيث أنه مخصوص بما يكون البيع واردا علي بيع غير مقبوض، و أما مطالبة المثل فمع امكانه فلا اشكال في جوازه بحسب الظاهر فيما لا يكون بلد المطالبة أزيد بل حتي في تلك الصورة كما مر آنفا، و أما مع وجود المثل فهل له مطالبة القيمة؟ الظاهر أنه مشكل، لان المفروض أنه يمكنه دفع العين فيما بعد فلا تصل النوبة الي القيمة. لكن مع ذلك يشكل، اذ المفروض أنه مثلي فيجب المثل.

هذا بحسب القاعدة الاولية، و في المقام نص «1» يستفاد منه جواز المطالبة في غير بلد القرض، لكن المفروض ليس هو القرض بل المستفاد منه الدين.

(الثالثة) أن يكون ما عليه بالغصب و هو اما يكون مثليا و اما يكون قيميا،

أما علي الاول فيجوز مطالبة المثل، و مع تعذره فعلا يشكل الانتقال الي القيمة، و لو كان قيميا يجوز مطالبته بالقيمة. و الظاهر أن الميزان هي القيمة الفعلية لمكان المطالبة.

و الحمد للّه أولا و آخرا. قدتم البحث في يوم الثلثاء الثالث من شهر جمادي الاولي من سنة 1398 هجرية علي مهاجرها آلاف التحية و الثناء. اللهم ارزقنا زيارته في الدنيا و شفاعته في الآخرة. آمين يا رب العالمين.

______________________________

(1) الوسائل، الجزء 13 الباب 26 من ابواب الدين و القرض، الحديث 1.

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.